إدوارد سعيد شغل المثقفين في العالم منذ ربع قرن! ذات يوم في ممرات الجامعة لقيت شابا يحمل لوحا خشبيا للدعاية على صدره يقابله آخر على ظهره, مكتوب على الجهتين إعلان عن محاضرة لـ"إدوارد سعيد", فتأكدت منه عن حقيقة قدوم المحاضر فقال إن اللقاء هو فقط عرض لفيلم مسجل عن محاضرة له سابقة, وأنهم يتوقعون جمهورا كبيرا لها!! ثم التقيت بمبشر قضى أكثر ردح من حياته في بلاد الشام يدأب لإنشاء الكنائس وتوجيه الشباب العربي للنصرانية, من لبنان إلى القدس، لا يفتؤ يحاول.. عسى ولعل, ولكنه كان يسبح ضد التيار, وقد ربطت السياسة بين موقفينا, فهو يناصر بحكم المعايشة واختلاف الموقف قضايا العرب في أمريكا, وهو كاثوليكي, ومن أول من سمعت منه وصف المتعصبين البروتستانت لإسرائيل بـ "الصهاينة", وكان يأنف من مجرد ذكرهم, ويراهم طائفة تسخر بلاده لمصلحة إسرائيل, ويهز أريحيته للحديث ذكر رجلين فقط في تاريخ العرب الثقافي الحديث, هما: إدوارد سعيد ومحمد حسين فضل الله؛ لأنه يراهما "متطرفين جدا في الذكاء"! ثم يتحدث بمزاج شاعري عن تلك الليلة العامرة التي شهد فيها في مؤتمر المستشرقين في شيكاغو مواجهة تاريخية بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس, بعد ضجة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد, وقد أدار المواجهة مؤرخ شهير هو "ويليام مكنيل", مؤلف كتب مهمة في التاريخ، منها: "صعود الغرب". وكان مكنيل وقتها رئيس رابطة مؤرخي أمريكا ـ كما فهمت - من شاهد الحادثة. ثم يصف كيف قدم مكنيل الرجلين الخصمين, فكانت له صرامته, إذ حدد عشرين دقيقة فقط لكل منهما أن يقدم رأيه وحجته, ثم وقت للرد, ثم يجيبان عن أسئلة قليلة من القاعة, والمناقشة في وقت محدد.. يضاء قرب نهاية كل سياق نور أصفر موح بنهاية الوقت, ثم ضوء أحمر يوقف المتحدث. قال: كان اللقاء متعة ووجبة ثقافية رائعة, تساوي أن يسافر لمشاهدتها المهتم, وقد استطاع إدوارد ـ وهو الأديب المتمكن ـ أن يجعل الحاضرين يسخرون من لويس, ويأسفون لضعفه أمام العربي الذي استولى على المجال دون مناوئ قادر على المواجهة. قال: لقد كانت ليلة جميلة أن يستمع نخبة المثقفين للرجلين اليساريين الذين شقا معسكر الثقافة المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي, فأما لويس الذي أصبح صهيونيا, فقد كان يساريا ثم ارتد - كما يقولون!- ليمثل دور متطرفي الصهاينة, ويسخر حياته الباقية الطويلة في الإفساد الثقافي إلى اليوم.. إفساد الرؤية الغربية للعالم الإسلامي, وإفساد الحكم على ثقافتنا, وتشويهها قدر طاقته, والتهوين منها, ونشر الرعب في قلوب الغربيين منا. وبين شق آخر هو بقية اليسار, من المتمردين على ثقافة اليمين المتطرف الصهيوني, وقد قاد الموقف اليساري في هذه القضايا إدوارد سعيد, المثقف اليقظ, وحف به قوم لا يقل بعضهم شهرة عنه, رأت فيه معلما لنهجها, ومدافعا عن المظلومين. ولد في القدس عام 1935م, وتلقى بداية تعليمه في القاهرة, ثم أكمل في أمريكا في أكثر من جامعة, وانتهى به الأمر أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. لقيته مرة واحدة في قاعة "ويستمنستر" في لندن يقدم مقابلة أو محاورة عن المنطقة, وعن جوانب من حياته, وكانت امتلأت القاعة قبل بدء اللقاء, وأثناء المحاضرة.. كان بجانبي أستاذ في أحد الجامعات اللندنية, بيده مسجل، أما أنا فقد كتبت معظم اللقاء, وانتهت الأوراق التي بيدي, فطلبت منه مزيدا من الورق, إذ كان يحمل رزمة من الأوراق ربما ليكتب لو لم يعمل المسجل, ولما انتهى اللقاء, قلت: كانت المحاضرة "جيدة", فغضب جاري وقال: ماذا تقول؟! إنها "عظيمة" وليست مجرد جيدة.. أدركت من استنكار جاري أنني هضمت مستوى اللقاء, وشعرت أنني قصرت في حق المحاضر. وقد كانت محاضرته حقا كما وصفها جاري, إذ يمتلك أسلوبا حواريا مقنعا. ثم نزلت من الطابق الأعلى لأجد الناس يصطفون لالتقاط الصور معه, ولما خف الزحام صافحته وشكرته وذهبت, وبدأ حديثه مع كاتب اسكتلندي يتحادثان في كتاب ألفه الأخير عن الموسيقى, ولأن إدوارد حجة في الموسيقى كما يكتبون عنه, فعندما يقيّمون عمله وإنتاجه يضعون إلى جانب مكانته في السياسة والأدب الإشادة بمعرفته في هذا الميدان وتقدمه بين الناقدين لهذا الفن أيضا. واحتفل أخيرا بمرور ربع قرن على صدور كتابه المهم "الاستشراق" وهو الكتاب الذي أخرج مؤلفه للناس من مجرد ناقد أدبي أكاديمي, ومن ناطق سياسي ذي صوت عال للمسألة الفلسطينية إلى مفكر عالمي مضاد للاستعمار وثقافته, شق الكتاب للناس دربا جديدا في التعرف على ظاهرة الاستشراق, وما يؤسس لها ويلحق بها من ثقافة, وكان لتلامذته دور مهم في تقديمه وتأليف الكتب عنه, وله تلميذة من الهند أصبحت تدرّس في الجامعة نفسها, كتبت عنه وجمعت له كتابا مهما, وقد اهتمت بموضوع لغة الاستعمار, وكتبت رسالة علمية لها أهميتها في هذا الجانب, مما أغرى المثقفين الإسرائيليين بدعوتها وتكريمها, تخفيفا من حملتها عليهم, أو حرفا لها عن طريقها, وإغاظة لأستاذها, وهكذا يقتنصون المثقفين الجدد! اشتهر إدوارد سعيد ناقدا قبل أن يفاجئ الناس بـ "الاستشراق", هل كان مبدعا في كتابه؟ يقول خصومه: لا, فلم يزد على أن جدد أقوال الناقدين, ونصوص الأدباء والرحالة, ومواقف السياسيين؛ ليصوغ منها حملة شرسة على الاستعمار وأربابه. وربما رآها آخرون حملة ناقمة, عمياء, دل عليها كتابان تاليان هما كتاب "تغطية الإسلام" و"ثقافة الإمبريالية", لقد جار عليه خصومه, وذلك ردهم على لذعاته ولوذعيته. كتاب الاستشراق فيه تطبيق لنظريات ميشيل فوكوه, ولا يضره ذلك ففلسفة فوكوه وجدت تطبيقا ميدانيا لها, في مسائل المعرفة وعلاقتها بالسلطة, وإعجاب إدوارد بفوكوه كبير, حتى إنه اهتم بحضور محاضراته, وربما حضر درسه الافتتاحي. وكان كتاب إدوارد سعيد قوة لكتابات فوكوه, وتطبيقا للنظرية تجاوز بالتطبيق والتفريع فكرة "صاحب نظرية المعرفة سلطة" أو"المعرفة تستتبع السلطة" وأسلوبه العالي نفخ الحياة في جفاف التنظير. وقد غزاه السرطان وأرهقه, وفي مقدمة هيكل لكتاب إدوارد عن أوسلو ومحادثات السلام, سلاّه هيكل عن السرطان بأن الأمراض تختار أجسادها. كان شجاعا, تميز عن مثقفي الشرق بكشف زيف الغرب واستغلاله للمعرفة, وسيلة للاستعمار, وكان شجاعا بتجاوز عقدة خنوع المثقف وحرصه وتبعيته وتهافته, وخالف نهج مثقفي العرب في المهجر الذين يلوذون بالصمت خوفا من نفوذ اليهود, وحرصا على مواقعهم الوظيفية, انضم لمنظمة التحرير بقناعة. قامت الدنيا عليه في جامعة يتنفذ فيها يهود نيويورك, ولم يبال بعرائضهم المطالبة بطرده, يقول: لم أملك إلا أن أقف على الحدود اللبنانية وأرمي المحتلين بحجر, والتقطت الصورة له وهو يرجمهم. وبدأت حملة جديدة طالب فيها أساتذة جامعته بطرده. ومن قبل ذلك لاحقه خصومه اليهود ينكرون كونه فلسطينيا مولودا في القدس, وذهب وفد يستقصي تاريخه, ونشرت مجلة "كومنتري" الأدبية اليهودية ملفا بذلك, فزادت هذه المطاردة من ذيوع قضيته. وخالف عرفات وصلحه بشجاعة, وخالف آراء كثير من مثقفي العرب في الموقف من مذابح هتلر لليهود, فهو يصدق حدوثها, ويستنكر قول المنكرين, ويتعاطف مع ضحاياها, وله في المسألة الفلسطينية رأي جريء حيث يطالب بدولة ديموقراطية واحدة في فلسطين للجميع, تحكمها الأغلبية وترعى حق الأقلية, ويخالف من يقول بدولتين. موقفه من قضايا المسلمين موقف منصف غالبا, وتغيظ مواقفه التيار الوصولي في الثقافة العربية المعاصرة؛ لأنه كان شديد القسوة على من يسميه بالمثقف الخائن, ويكثر من تكرار استخدام أحد الكتب الفرنسية المثيرة التي كتبت مطولا عن خيانة المثقفين وتبعيتهم. وهنا نلاحظ ذلك الجانب المكروه للوصوليين, وسوطه المرفوع الذي يجلد به ظهورهم, لم يكن يملك ما يخاف عليه, ولم يزده مرضه إلا تخففا وشجاعة, وقد سأله أحد المعلقين عن سر مضاعفة جهده, فأكد خطر معاناته لسرطان الدم, والمصاب بالسرطا ن لا وقت لديه, كان إذا حل على برنامج "تشارلي روز" تهاتفنا بالخبر؛ لأننا سنقضي ساعة من المتعة والفكرة, وبراعة المواجهة, فشجعان العقول قليل.. وهو من القلة التي تستطيع أن تكشف حدود الحرية الفكرية في أمريكا, وما أصعب أن ترى حدود الحرية. خسر المسلمون والعرب مدافعا فصيحا عن قضاياهم, ومهتما بارزا بقضية فلسطين. لقد كان رجلا واحدا، ولكنه كان جهازا إعلاميا ثقافيا مؤثرا, أكثر مما أثرت الدول العربية في التوعية بالمسألة الفلسطينية في الغرب, وكان مطلعا ومتابعا للأحداث ومعلقا فطنا, ومتحدثا آسرا, يفوق أسلوب حديثه أسلوب كتابته. كتبه القديمة والحديثة دائما معروضة في طبعات جديدة, لا ينتهي حولها الجدل, كان صيادا وعارضا للفكرة، مجيدا ومبدعا في اعتراضه ومؤثرا. عمقه في أدب الإنجليزية لا يبارى, وأجاد الفرنسية, ثم عاد لبيروت وتمكن من العربية. ولكم وددت أن يجد القارئ العربي كتاب "الاستشراق" بترجمة عربية جيدة, فإن مترجمه أعجمه, وأضر كمال أبو ديب بكتاباته, ولو قارنت هذه الترجمات مع ترجمات كتب أخرى مثل كتاب "صور المثقف" أو كتاب المقابلة الطويلة معه التي أجراها بارسيمان؛ لرأيت فرق الطريقتين. لقد كان لسان العرب الحر, محاضرا ومحاورا, أما بعد حسم معركته مع لويس فقد قل من فكّر في مواجهته. ودّع الناس مفكرا ومناضلا ثقافيا لا بديل له, ولا مقارب, وبقيت آثاره مدرسة في النزاهة ومكافحة الظلم, كان يعتقد الشكّ ـ كما وصف نفسه-.. ولو كان مسلما لترحمنا عليه..! كان مصطفى السباعي علماً من أعلام الفكر الإسلامي، ورائداً من رواد النهضة الإسلامية الحديثة. ولد في حمص عام 1915م، وتلقى فيها علومه الأولى، ثم قصد إلى الأزهر الشريف ليستكمل دراسته للعلوم الإسلامية، وكانت تبدو عليه علامات النجابة والذكاء منذ الصغر، فكان كثيراً ما يخطب في الناس في الجامع الكبير يوم الجمعة وهو بعد لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره. شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضاً، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص حيث ألهب حماس الجماهير وهيج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين رداً على اعتداءاتهم. إلى مصر وفي عام 1933 سافر إلى مصر للدراسة ونال شهادة التخصص من الأزهر، ثم نال درجة الدكتوراه وكان البحث الذي قدمه لنيل الدرجة عن "السنّة ومكانتها من التشريع الإسلامي"، وهي رسالة جادة وهادفة تدفع كيد خصوم الإسلام وأعدائه وتفضح مؤامرتهم وألاعيبهم! وقد استطاع السباعي في بحثه هذا أن يدفع عن السنة تحريضات المستشرقين، وخاصة كبيرهم "جولد تسهر" اليهودي المشهور. وحين نادي منادي الجهاد للدفاع عن فلسطين عام 1948م كان على رأس كتائب الإيمان التي زحفت من مكان، حيث قاد الكتيبة السورية، وشارك هو وإخوانه في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم وإخراجهم من ديارهم ومصادرة أموالهم وهدم بيوتهم. مؤامرة وبعد أن تمت المؤامرة على المجاهدين، حيث جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم وسـلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل المجاهدون وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون بلادهم، عاد السباعي إلى سورية غاضباً يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال "كلوب" الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود "ماكو أوامر" ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة. يقول السباعي في كتاب "الإخوان في حرب فلسطين": "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة. وقمت بجولة في سورية تحدثت فيها عن معارك فلسطين وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تماماً، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبين صدق ما أدعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه" وفاتـــه وفي يوم السبت 27/5/1384هـ الموافق 3/10/ 1964م انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى رحمة ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في جمع مهيب من العلماء ومن تلاميذه ومحبيه، وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق. رحم الله الشيخ مصطفى السباعي وأجزل له المثوبة. لله درك من شهمٍ له قدمٌ في العلم راسخةٌ ما كل أو نكلا يا ناصر الدين قد أحييت مدرسةً أستاذها المصطفى فافخر به عملا يا ناصر الدين قد فجرت جاريةً من نبعها كل شهمٍ عبَّ أو نهلا في عام اثنتين وثلاثين وثلاثمئة ألف من الهجرة، وفي مدينة "أشقوردة" عاصمة ألبانيا خرج إلى الوجود طفل ألباني، ويا لله! ما أوسع علمه وحكمته؛ فهو سبحانه العالم وحده بأنه سيكون لهذا الطفل شأن عظيم. كان والد هذا الطفل من علماء بلده، ومن فقهاء المذهب الحنفي، ونشأ المولود بين سمع والده وبصره، يغذوه من العلوم النافعة، والآداب السامية.. هاجر الوالد بأسرته إلى دمشق، وكان ذلك في عهد حكم الشيوعي "أحمد زوغو".. هاجر الوالد فراراً بدينه؛ لما رأى انتشار الفساد على يد الحاكم الشيوعي. وهاهي دمشق تفتح ذراعيها لاستقبال ذلك المولود، الذي سيكون له شأن على ترابها في يوم من الأيام! وفي دمشق فتح الوالد محلاً لإصلاح الساعات، وهي مهنة تعلمها في (فينا) عاصمة النمسا، ويجانب صنعته هذه كان يقوم على أمر بعض مساجد دمشق. ويُدخل الوالد ابنه المدرسة ليتعلم الكتابة والقراءة، وتلوح على الصغير ملامح الذكاء والنجابة، واجتاز الصغير المرحلة الابتدائية بتفوق. ولما كانت المدارس وقتها ضعيفة في العلوم الدينية؛ رأى الوالد أن يخرج ابنه من المدرسة، ووضع له برنامجاً علمياً مركزاً، حيث درس الصغير على والده القرآن والتجويد والصرف وفقه المذهب الحنفي.. وهكذا بدأت حياة هذا الصغير؛ فتفتَّق لسانه على قراءة كتاب الله تعالى.. وعلوم العربية، والفقه في الدين.. ليكون بعد ردح من الزمان محدث العصر وبطل راية الإسناد! ذلكم هو: أبوعبدالرحمن محمد ناصر الدين ابن نوح بن نجاتي بن آدم الألباني. رحلة الشموخ! انطلق الإمام في رحلة طلب العلم؛ فتوجه شطر المكتبة الظاهرية في دمشق؛ ليروي ظمأه من معينها، ولم تقف الهمة عند هذه المحطة؛ بل كان ـ رحمه الله ـ يستعير الكتب من بعض المكتبات التجارية، فأقبل على الحديث وعلومه بجد وعزم لا يلين! ويومها قررت إدارة المكتبة الظاهرية أن تخصص غرفة خاصة للشيخ، ومنحه مفتاح المكتبة، ليواصل رحلته بأمان ونجاح، فلم تركن تلك الهمة العالية إلى الدعة والراحة؛ بل كان صاحبها يحثها بسوط العزم، حتى لا تستكين! فكانت الساعات تمضي، والألباني ثابت العزيمة، ريان النشاط.. ست عشرة ساعة من كل يوم يقضيها هذا الإمام جوالاً في بطون الكتب! وهنالك وعلى رفوف "المكتبة الظاهرية" تراه واقفاً أكثر من ثلاث ساعات، باحثاً في بطون المطبوع والمخطوط من الكتب! وقد كوفئ هذا الشهم على صدق نيته في طلب الحديث، فها هو العلامة المسند الشيخ "محمد راغب الطباخ" ما إن سمع بهمة ذلك الفتى، ومثابرته على طلب العلم، ودعوته للكتاب والسنة، حتى جادت يده لذلك الفتى بأغلى هدية: فأجازه بمروياته، والتي يتصل إسنادها برسول الهدى صلى الله عليه وسلم! وكان الألباني يومها في مقتبل عمره. ظل هذا الإمام بسنة رسول الهدى حفياً، ولهديه داعياً بكرةً وعشياً، ومضى في طريق العلم والعمل، والدعوة إلى الله تعالى، لا يصده عن ذلك كيد كائد، ولا جحود معاند؛ بل مضى كالسيل الجارف، والموج الراجف. وازدانت دمشق بدعوة هذا الإمام، فانتشرت دعوة التوحيد، وسارت السنن بين الناس، وواصل الألباني رحلته، فكانت دروسه العلمية في: التفسير، والتوحيد، والفقه، والحديث، والأدب، فترى الناس يردون إلى تلك الدروس؛ ورود الإبل الظمأى! ويصدر الجميع رياناً جذلاناً. وقد ربطت وشيجة المنهج بين هذا الإمام وتلك الشموس الساطعة؛ كإمام العصر عبد العزيز بن عبد الله بن باز- قدس الله روحيهما - فكان بين الإمامين من الود فوق أن يصفه الواصفون، أو يترجمه الناطقون! وكم كان بين الإمامين من لقاء أكمد قلوب المبتدعين، وأسر أفئدة السلفيين. فرحم الله تعالى هذين الإمامين؛ فقد كانا حقاً قمرين للعالمين. صفحات من حياته لقد كان الألباني نموذجاً فريداً في سعة الصدر ولين الجانب، إن ناقشه مناقش أفسح له من طبعه ومد له من حبله، لا يتضجر إن تضجر الخصم، ولا يثور لثوران المناقش، فيجد المناظر نفسه أمام جبل لا يؤثر فيه النطح، ولا يهزه الضجيج! فتنخفض نيران المناقش، ويذهب سخطه، فكأنما جمر صببت عليه ماءً؛ فسكن وذهبت ناره! كانت حججه أشد من قواطع السيوف.. وبراهينه أوضح من ضوء النهار! فهاهو أحد كبار المبتدعة يطلب لقاءه، ولما جمعهما المجلس، رأى ما لم يخطر بباله! وأخذته الدهشة! وكأن نفسه حدثته: هل هذا هو الألباني الذي كنت أسمع عنه؟! وحتماً ما كان يظنه بمثل ذاك الخلق الرفيع! ثم دارت عجلة النقاش؛ فانبهر الرجل ورأى ضوء الصباح! فأذعن إذعان المسالم، وأصر على تقبيل يد ذاك الأسد الرَّابض! لما أخذته براهين الحق ونور الحجج! وفي مجلس من المجالس انفجر بعضهم، وأرسل قوارض الكلام على الألباني! فنصحوه أن يقابل الألباني؛ فقال: الألباني لا يقبل النصيحة! فقالوا: هل جربت؟ قال: أنا لم أره قط، ولكن هذا متواتر عنه! وشاء الله أن يجتمع هذا الرجل بالألباني، وثار كثورته تلك، وارتفع صوته.. ولكن تكسرت أمواجه على طرف ذلك الجبل؛ كأن لم يكن شيء! وصمد الألباني لنقاش صاحبه؛ فتلاشت حجج الرجل، وفتر بعد أن أخذته الدهشة أمام تلك السماحة الظاهرة! فقال للألباني: أنا أحمد الله- عز وجل ـ أنك تغيرت، وأني لقيتك بعد هذا التغير! فقال الألباني : وهل أنت التقيت معي قبل اليوم؟! فقال الرجل: لا! فأشار الألباني إلى رجلٍ جالس وقال: أنا لم أتغير، وهذا صحبني أكثر من عشرين سنة في الدعوة، ويعرف عني هذا! ثم أردف قائلاً: وعلى كل جزاك الله خيراً، وأما أنا فأطلب منك المسامحة إن كنت أخطأت في حقك في شيء، وأسأل الله- عز وجل- أن يغفر لي إن كنت أخطأت في حق أحدٍ من المسلمين، ثم بكى ـ رحمه الله-! فأخذ ذاك الموقف بقلب الرجل، وذهب به كل مذهب فانفجر باكياً! وأقبل على يد الألباني لثماً وتقبيلاً وأصبح بعدها من الملازمين لهذا الهمام المنتفعين من هديه! ولقد كان الإمام متواضعاً، غير ملتفت إلى منصبه، ولا مفتخراً بعلمه، وما أحلى التواضع إذا كان من رفيع المنزلة، وما أنبله إذا كان من رأس في الناس! رأى بعضهم هذا الإمام وهو جالس ذات مرة في السيارة، فاندفع نحوه، وقال له: أأنت الشيخ الألباني؟! فتقاطرت دموع الألباني باكياً! ولما سألوه عن سبب بكائه أجاب جواب العالم الرباني: "ينبغي للمرء أن يجاهد نفسه وأن لا يغتر بإشارة الناس إليه". وكم ردد وهو يسمع عبارات الثناء تطرق أذنه: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخذنا بما يقولون". وعبارة أخرى لا يأتي بها إلا من خالطت قبله نفحات التواضع لطالما رددها: "أنا طويلب علم"! يوم الوداع على فراش المرض، وبعد رحلة امتدت أكثر من سبعين سنة قضاها في العلم، خاطبه تلميذه الوفي "محمد بن إبراهيم شقرة": "إن العظيم لا يكون بلاؤه هيناً خفيفاً! إن العظيم يكون بلاؤه على قدر عظمته، وأنت يا شيخنا عظيم، عظمك الله تبارك وتعالى بما وهبك من علم وفقه، فكان البلاء على قدر ما أولاك الله من عظمة في نفسك، وبما أولاك من علم". فعلت ذاك الوجه بسمةٌ.. ثم تلتها الدموع.. ثم تلاها اعتذار؛ لطالما ردده وهو يسمع مثل ذلك الإطراء: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخدنا بما يقولون". سنتان أمضاها ذاك الإمام مع المرض يعاني آلامه، وينحت المرض في ذاك الجسم الذي برته السنون بأفراحها وأتراحها! وفي عصر يوم السبت الثاني والعشرين من شهر جمادى الثانية، سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة وفي عمان بالأردن، كان يوم الوداع!! مات ا لمحدث.. مات العلامة.. مات فارس راية الإسناد.. مات الغيور على السنن.. مات الشامة في جبين السلفية! مات الألباني! لا تنسين دعوةً بظهر الغيب لذاك البدر الآفل.. وترحماً على ذاك الطود الشامخ، وقل معي: رحم الله الألباني في المرحومين، وأقر عينه مع الهانئين، وحشره في زمرة الناجين، وأسكنه فردوسه مع النبيين والصديقين. أفنت "إنديرا غاندي" حياتها جهاداً ونضالاً؛ حتى حفرت لنفسها اسماً بارزاً بين أعلام الهند، لكنها ـ للأسف ـ لم يكن جهادها ونضالها في سبيل قضايا بلادها ليشفع لها عند الله يوم الحساب؛ إذ ليس بعد الكفر ذنب {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..}. عاشت "إنديرا غاندي" أول رئيسة وزراء للهند الحياة السياسية بكل تقلباتها، فكانت على رأس السلطة تحكم واحدة من أكبر دول العالم تارة، وحبيسة جدران السجون والمعتقلات بعد هزيمة حزبها وانتقام قادة المعارضة منها تارة أخرى. وظلت وفية لمبدأ القضاء على الامتيازات الخاصة، وإعلاء قيمة الانتماء للدولة فوق الانتماء الطائفي إلى أن سقطت صريعة رصاصات غادرة من بعض السيخ المتعصبين داخل حرسها الشخصي، انتقاما لاقتحام الجيش معبداً مقدساً لهم؛ لتلقى المصير نفسه الذي لقيه "المهاتما غاندي" من قبل. ولدت "إنديرا بريادار شيني نهرو" في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917م بمدينة "الله آباد" في عائلة لها باع طويل بالعمل السياسي، حيث كان جدها ووالدها من رموز العمل الوطني، ومثّلا مع "المهاتما غاندي" ثالوثاً أسماه الهنود "الثالوث المقدس" كان له فضل كبير في مساعي الهند للحصول على استقلالها من بريطانيا. وشغل والدها "جواهر لال نهرو" منصب أول رئيس وزراء للهند عقب استقلالها عام 1947م. درست إنديرا في معهد "سانتينيكيتان" الذي أسسه الشاعر الهندي الكبير "طاغور" وأكملت دراستها في العلوم السياسية بسويسرا، ثم في كلية سومر وجامعة إكسفورد ببريطانيا، وهناك تزوجت عام 1942م "فيروز غاندي" ـ أحد ناشطي الحركة الوطنية الهندية ـ ورزقت منه بولدين هما: سنجاي وراجيف. تأثرت إنديرا بالزعيم الهندي المهاتما غاندي، وبخاصة فيما يتعلق بالعمل على الخلاص من الاستعمار البريطاني، والاعتماد على النفس في سد احتياجات الشعب والحفاظ على وحدة الهند، ورفض الاقتتال الطائفي. ومن شدة تأثرها بغاندي باتت تنسب إليه، وأصبح يطلق عليها: إنديرا غاندي، ولبست الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن، ولم تبال بسخرية أقرانها الصغار في مراحل التعليم الأولى. وأثر في إنديرا أيضا أفكار والدها وجهوده السياسية، فكانت شخصيتها مزيجا من روحانية النساك وواقعية رجال الدولة. وكانت إنديرا من أكثر الكارهين للتعصب الديني والطائفي، حتى إنها سقطت صريعة بسبب وفائها لهذا المبدأ، كما سيأتي عند الحديث عن اغتيالها. وقد كرست إنديرا معظم حياتها لوحدة الهند الوطنية وإخراجها من التقاليد البالية والانقسامات الاجتماعية المولدة للعنف، كما عرفت كيف تحافظ على استقلال الهند في عالم يتميز بهيمنة الكبار على كل تفاصيل العلاقات الدولية، فقد كانت حليفا صعبا للسوفيات، وخصما عنيدا للأميركان، وعدوا لدودا لباكستان، ولكنها في الوقت نفسه عرفت كيف تتمسك بحركة عدم الانحياز، وتقيم علاقات حميمة مع العالم العربي، وترفض باستمرار ومبدئية الاعتراف بإسرائيل. اشتغلت إنديرا بالعمل السياسي منذ وقت مبكر من حياتها، وتمرست على تقلبات الحياة السياسية، ففي عام 1942م (أي في العام الذي تزوجت فيه) اعتقلت هي وزوجها بتهمتي التخريب ومناهضة السياسة الاستعمارية فقضى الاثنان في السجن 13 شهراً. بعد تولي والدها رئاسة الوزراء أصبحت إنديرا المساعد الرئيسي له، وكانت بمثابة مديرة لمكتبه، وصحبته في معظم رحلاته الداخلية والخارجية، وخاصة الرحلات التاريخية إلى الصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وحاولت احتواء بذور الفتنة الطائفية بين الهندوس والمسلمين، وبذلت جهدها لمنع انفصال باكستان عن الهند، لكن الرغبة في الانفصال كانت أقوى منها. انتخبت في عام 1959م بعد وفاة زوجها رئيسة لحزب المؤتمر لمدة عام واحد، وعلى الرغم من قصر تلك المدة فإن جهودها أسفرت عن تطهير الحزب من قياداته البيروقراطية وإدخال دماء جديدة إلى صفوفه، ونجحت في إضعاف الحزب الشيوعي الهندي في أهم حصونه داخل ولاية "كيرلا"، وذلك بفوزحزب المؤتمر هناك عام 1957م. كلفت إنديرا الإشراف على إستراتيجية الدفاع الوطني عام 1962م عندما تصاعدت حدة الخلافات من جديد بين الهند وباكستان على كشمير. مثلت إنديرا بلادها في منظمتي اليونسكو واليونيسيف في باريس عام 1964م لكنها سرعان ما استدعيت إلى الهند مرة أخرى بسبب تدهور الحالة الصحية لوالدها ومارست مهام رئاسة الوزراء بالوكالة. طلب رئيس الوزراء الجديد "لال بهادور شاستري" الذي خلف نهرو عام 1946م من إنديرا تولي حقيبة وزارة الخارجية لكنها رفضت مفضلة وزارة الإعلام، وزادت من نشاطها في مجلس ممثلي الولايات الهندية الذي يعتبر المركز الحقيقي للسلطة في البلاد، وكان من أهم إنجازاتها في وزارة الإعلام تمكين المعارضة من عرض وجهات نظرهم في الإذاعة والتلفزيون. جاءت الوفاة المفاجئة لرئيس وزراء الهند "شاستري" في يناير/ كانون الثاني 1966م في العاصمة الأوزبكية "طشقند" أثناء حضوره مؤتمراً للنزاع على كشمير برعاية الاتحاد السوفياتي، لتمهد الطريق أمام تولي إنديرا رئاسة الوزراء، واختيرت إنديرا غاندي لتولي منصب رئيس الوزراء، وفيعام 1967م قرر الحزب إعادة ترشيحها. اندلعت صراعات داخلية بين بعض رموز حزب المؤتمر بغية الفوز بمنصب رئيس الوزراء، وقد أدت هذه الصراعات إلى انقسام الحزب إلى قسمين: حزب المؤتمر o أي التنظيم(organization) وحزب المؤتمر r أي الحاكم (ruling) بقيادة إنديرا، واستطاعت إنديرا الصمود أمام هذه العاصفة الجديدة بتحالفها مع التيارات اليسارية داخل البرلمان، واستمر هذا الوضع مدة عام. رفض البرلمان الهندي إدخال تعديل على الدستور يسمح بإلغاء الامتيازات والنفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء، وقد تجاوزات إنديرا هذا الرفض فاستصدرت مرسوما رئاسيا يسمح بإصدار مثل هذا القانون، وعندما أعلنت المحكمة الدستورية العليا عدم دستورية هذا القانون، رفعت المعارضة شعار "اطردوا إنديرا" فردت عليهم بشعار "اطردوا الفقر" مما أكسبها تأييد الجماهير الشعبية التي صوتت بكثافة لمرشحي حزب المؤتمر (جناح إنديرا)، ونجح مؤيدوها بـ350 نائبا من أصل 515 مما سمح لها بتنفيذ العديد من الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند. كانت إنديرا غاندي تعتبر علاقتها بالاتحاد السوفياتي علاقة استراتيجية تكللت في 9 أغسطس/ آب 1971 بتوقيع معاهدة للصداقة والتعاون تمهيدا للدخول في الحرب الثالثة مع باكستان التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقات مميزة. قادت إنديرا الهند في حربها مع باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد موال للهند هو بنغلاديش. وقد رفع هذا الانتصار شعبية إنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين. ضرب الجفاف مساحات شاسعة من الهند، قلت على أثره المحاصيل الزراعية وارتفعت أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها النفط ودخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري، ساعد على بروز أصوات المعارضة بقوة، وهو الأمر الذي حدا برئيسة الوزراء إنديرا غاندي إلى إعلانحالة الطوارئ في 26 يونيو/ حزيران 1975م مبررة ذلك بضرورة تنفيذ برنامج طموح من الإصلاحات الجذرية. وبموجب حالة الطوارئ، هذا زجت حكومة إنديرا بأبرز زعماء المعارضة البرلمانية في السجن، وفرضت الرقابة على الصحف وعلقت الحريات الدستورية. ونتيجة لكل ذلك كان من الطبيعيأن تتهاوى شعبيتها ويخسر حزبها في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 1977م أمام تكتل المعارضة "جناتا بارتي" وتخسر هي نفسها مقعدها في البرلما ن. عادت إنديرا إلى السلطة مرة أخرى مستغلة سلسلة من الأخطاء السياسية ارتكبها تكتل المعارضة، منها: ـ قرار وزير الداخلية باعتقالها مدة يوم واحد قبل أن تصدر المحكمة قرارها بالإفراج عنها. ـ رفض البرلمان الهندي دخولها إلى قاعة البرلمان رغم نجاحها في إحدى الدوائر الانتخابية، وتصويته على طردها، ثم اعتقالها لمدة أسبوع كامل من 19 - 26/12/1978م مما منحها تعاطفاً شعبياً كبيراً. ازدياد الانقسامات والصراعات داخل تكتل المعارضة الحاكم، ثم انفراط عقد التكتل بأكمله. حل البرلمان الهندي بعد أن دخلت البلاد في حالة من الفوضى السياسية. وكانت إنديرا غاندي قد استعدت لذلك، فجاءت نتائج الانتخابات في يناير/ كانون الثاني 1980م لتكرس انتصارها وانتصار حزبها وابنها سنجاي الذي انتخب هو الآخر بأغلبية ملموسة. كان سنجاي من القلائل الذين شجعوا إنديرا على الاستمرار في الحياة السياسية الهندية عند هزيمتها عام 1977م وساعدها في تجديد قيادات الحزب عام 1978م وأصبح أحد أمناء العامين، وتمكن بهذه الصفة من إقصاء معظم الوزراء والحزبيين المتورطين في ارتكاب تجاوزات، ولم يتردد في شق الحزب عام 1978م، وتشكيل حزب جديد عرف باسم حزب المؤتمر (إ) نسبة إلى إنديرا. ولكنه لم يقدر له أن يتمتع بثمرات انتصاره إذ لقي حتفه في حادث طائرة شراعية بعد شهر من عودة والدته إلى الحكم، تاركاً المجال مفتوحا أمام خلافة والدته، وذلك قبل أن تقنع هذه الأخيرة ابنها الأكبر راجيف بالانخراط في معترك السياسة تمهيدا لخلافتها. احتج بعض زعماء السيخ المتشددين على بعض سياسات إنديرا، واعتصموا في أحد معابدهم المقدسة (معبد الشمس) وطالبوا باستقالتها، ولما امتنعوا عن الاستجابة لمناشدتها بفض الاعتصام وعدم إثارة الرأي العام أو النعرات الطائفية أعطت أوامرها للجيش باقتحام المعبد والقضاء على المعتصمين، وعلى رأسهم "سانت بيندرانوال" مما أثار حفيظة بقية السيخ. في هذه الأثناء رفضت إنديرا تغيير حرسها الشخصي المكون من الضباط السيخ، معتبرة أنه يجب أن لا يؤخذ الأبرياء بجريرة المذنبين على حد وصفها، لكنها لم تكن موفقة في هذا الرأي، فقد تغلب التعصب الطائفي على الواجب القومي، فسقطت إنديرا صريعة برصاصات قاتلة أطلقها عليها حرسها الشخصي صبيحة يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1984م فودعت الحياة السياسية عن عمر يناهز 67 عاماً. وُلد الشاعر "محمد مفدى زكريا" عام 1908م في قرية "بني يزقن" في منطقة "الميزاب" بالجنوب الجزائري وقد تلقَّى تعليمه متنقلاً بين مختلف المدارس والمعاهد، ابتداء من الكُتّاب الذي حفظ فيه القرآن وتعلم القراءة والكتابة، وانتهاء بمعهد الزيتونة والمعهد الخلدوني في تونس، وأتيح له خلال مقامه في البلد الشقيق الاغتراف من نبع اللغة والثقافة العربية، واستيعاب تراثها الشعري، والاطلاع على قصائد شعراء مدرسة الإحياء وكذلك المدرسة الرومانسية، فكان لذلك أثره في إثراء موهبته واتباعه المنهج الفني الذي قامت عليه المدرسة الأولى بصفة خاصة، كما يبدو جليَّا في شعره. كما أتيح له متابعة الصحف العربية الوافدة من مصر إلى تونس، وما حفلت به صفحاتها من مقالات بأقلام رواد النهضة والإصلاح والتحرير، وانعكس هذا بدوره على الموضوعات والأفكار والمشاعر التي عبّر عنها مفدى زكريا. لما عاد من تونس إلى الجزائر المنكوبة بالاستعمار لم يتردد في اللحاق بركب حركة الإصلاح والاستقلال، فانضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان من شعرائها المرموقين، وقد تتابعت قصائده بصحفها ومجلاتها، ثم رافق الحركة السياسية الوطنية مناضلا بقلمه ولسانه، فكان شاعر الحرية والنضال والدعوة إلى التضحية والفداء في سبيل عزة الوطن وحريته. ولُقّب بـ"ابن تومرت"، وهو اسم مؤسس دولة الموحدين في المغرب اللهب المقدس لما انطلقت ثورة الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1954م التحق بصفوفها محارباً بقلمه ولقب بـ "شاعر الثورة التحريرية"، وقد كلفه ذلك تجريده من حريته سنوات طويلة، زُجّ فيها في غياهب السجون. وقد نظم كثيراً من قصائده وأناشيده في الزنازين، وما ثناه هذا القمع عن عزمه. وتطالع القارئ أنفاسه المتهدجة الثائرة في كل صفحة من صفحات أشعاره النضالية في ديوانه الكبير "اللهب المقدس". فالثورة الجزائرية هي الينبوع المتفجر في قصيده؛ لأنها القضية الأساسية التي وقف عليها فنه وحياته، والتي ألهمته حرارة أنفاسه. فلا غرو أن يقترن اسم مفدى زكريا على صفحة غلاف هذا الديوان بعبارة (شاعر الثورة الجزائرية) فهي قولة حق بلا منازع؛ لأنها الجذوة التي ألهبت وجدانه وفكره، منذ عرف طريقه إلى عالم الكلمة حتى غدا شاعر الحرية والنضال. وبهذا الموقع ينتسب في رأينا إلى طبقة شعراء الحماسة العرب. فشعره هو الثورة، والثورة هي شعره، ومن ثم أهدى ديوانه (إلى الدقيقة الواحدة من فاتح نوفمبر 1954م.. إلى أول أصبع جزائرية... تطلق القذيفة المسحورة الأولى فتسعِّر "اللهب المقدس" في دروب بلادي الحالمة وأحراشها السكرى، ورمالها العطشى، وجبالها الغضبى). ويقول في كلمة التقديم أيضاً إن "اللهب المقدس" هو ديوان الثورة الجزائرية ـ التي يسميها ثورة العرب في الجزائر ـ بواقعها الصريح، وبطولاتها الأسطورية، وأحداثها الصارخة، وهو "شاشة تليفزيون" تبرز إرادة شعب. ويقتبس مفدى زكريا وصف أمير الشعراء أحمد شوقي للشعراء (أنتم الناس أيها الشعراء) كما يُعرِّض بشعر نزار قباني في ديوان "طفولة نهد"، وذلك في قوله: "قد لا يجد عشاق ما يسمونه بالشعر الجديد في "اللهب المقدس" ما يشبع غرائزهم المشبوبة في جحيم النهود والبراعم والفساتين، ولكن سيجد فيه (الشعراء الناس) صلة رحم وثقى بعزّ أمجادهم، وتجاوبا صادقاً مع مشاعر العروبة الزاحفة في كل بلد عربي يقدر ما لكلمة "عروبة" من عظمة وجلال، وعسى أن أكون قد أرضيت ضميري وثورة بلادي وعروبتي". ويشترك مفدى زكريا مع كثير من شعراء المقاومة السجناء في مخاطبتهم من وراء الأصفاد أطياف زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم المغيبين عن عيونهم فينادي مفدى زوجته من سجن "بربروس" الرهيب في الجزائر العاصمة سنة 1955م إذ يقول: سلوى أناديك (سلوى) مثلهم خطأً لو أنهم أنصفوا كان اسمك الرَّمقُ يا فتنة الروح هلا تذكرين فتى ما ضره السجن إلا أنه وَمِق؟ هل تذكرين إذا ما الحظ حالفنا إليك أهتف يا (سلوى) فنتفق؟ أم تذكرين ولحن الروح يطربنا إذ نفرش الرمل في الشاطئ ونعتنق وتغرب الشمس تطوي في ملاءتها سَّرين أشفق أن يغشيهما الشفق وكم سهرنا وعين النجم تحرسنا إذ نلتقي كالرؤى حينا ونفترق والليل يكتم في ظلمائه شبحاً يأوي إلى شبح ضاقت به الطرق يا ليل كم لك في الأطواء من عجب يا ليل حالك حالي أمرنا نسق عود على بدء ويتغنى شاعرنا بانتماء الجزائر إلى الإسلام والعروبة، فتحت رايتهما تصدت كتائب جيش التحرير للمستعمر مستلهمة مبادئها وأهدافها وسلوكها من الأصول الإسلامية وروح الشريعة، جاعلة من الجهاد في سبيل إعادة البلاد إلى نهج العروبة والإسلام مبدأ مقدسا آمن به رجالها إيمانا لا يتزعزع. وقد بلغ من التزام المجاهدين بقدسية التضحية والفداء التي نص عليها الكتاب والسنة تنفيذ بعضهم ـ في حالات نادرة ـ حكم الإعدام في أبناء وآباء وأخوة ثبتت في حقهم جريمة العمالة والخيانة العظمى. ومن ثم كان للدين الإسلامي الحنيف الباع الطويل في شحذ الهمم والتفاف الشعب حول قادة الفاتح من نوفمبر بعد أن مهد العلماء المسلمون الجزائريون للثورة بنشر العقيدة وبث الوعي بمقاصدها، وعلى رأسهم الشيخان "عبدالحميد بن باديس" و"محمد البشير الإبراهيمي" اللذان استوعبا جوهر الدين الحق، وحاربا البدع والضلالات التي أشاعها التخلف والاستعمار، وعرفت باسم "الطرقية"، كما قاوما النزعة "الإقليمية" المعادية للعروبة والتي غرسها الفرنسيون، وبشرا بالجانب الإنساني للإسلام، ونشرا التعليم باللغة العربية التي استخدم الاستعمار كل الوسائل للقضاء عليها وطمس الشخصية الجزائرية. اقرأ كتابك ويستحق مفدى أن ينال شرف نعته بالمدافع الصلب عن الوحدة العربية، لا لما شدا به من قصائد في هذا الغرض فحسب، بل بما بذل وضحى في سبيل مبدئه، متوجا قوله بفعله، فلقد دفع الثمن من حريته إذ زج به العدو من سجن إلى سجن، فلم يجزع أو تهن عزيمته، بل زاده الاضطهاد والتعذيب إيمانا بحرية وطنه وعروبته. ولنستمع إلى صدى صوته من قاع الزنزانة رقم "375 بسجن البرواقية" وهو ينشد قصيدة "اقرأ كتابك" وقد ألقيت هذه القصيدة نيابة عنه في إذاعة (صوت العرب) بالقاهرة: هذا (نفمبر) قم وحي المدفعا واذكر جهادك والسنين الأربعا واقرأ كتابك للأنام مفصلا تقرأ به الدنيا الحديث الأروعا إن الجزائر قطعة قدسية في الكون لحنها الرصاص ووقعا وقصيدة أزلية أبياتها حمراء كان لها (نفمبر) مطلعا نظمت قوافيها الجماجم في الوغى وسقى النجيع رَويَّها فتَدفّعا غنى بها حر الضمير فأيقَظت شعبا إلى التحرير شمر مسرعا وأراده المستعمرون عناصرا فأبى مع التاريخ أن يتصدعا واستضعفوه فقرروا إذلاله فأبت كرامته له أن يخضعا واستدرجوه فدبروا إدماجه فأبت عروبته له أن يُبلعا وعن العقيدة زوروا تحريفه فأبى مع الإيمان أن يتزعزعا لقد كان شاعرنا في طليعة العلماء والأدباء في عصره، وله دراية عميقة بالتاريخ العربي الإسلامي الذي جعل شعوب المشرق والمغرب نسيجا واحداً لا انفصام له. في ملحمة فلسطين تتوج ملحمة الشعر النضالي الذي استوحاه من إيمانه بالوحدة العربية ودعوته إلى الدفاع عن شعوبها المكافحة بقصيدته "فلسطين على الصليب"، وهي حوار بين الشاعر وفلسطين والعرب بعد 13 عاما من تقسيم فلسطين. وهي من أروع منجزاته الشعرية صياغة ومضمونا. ولعل قسوة الجرح الفلسطيني وفداحة النكبة كانا من وراء حرارة النغم الذي شدا به هذا الشاعر الموهوب المرهف الحس الأصيل الانتماء، وهو يفتتح الجزء ال أول من القصيدة بنداء جياش موجع يثير كل المواجد: أناديك في الصرصر العاتية وبين قواصفها الذَّارية وأذكر جرحك في حربنا وفي ثورة المغرب القانية فلسطين يا مهد الأنبيا ويا قبلة العرب الثانية ويا حجة الله في أرضه ويا هبة الأزل السامية أما الجزء الثاني فقد صاغه الشاعر على لسان فلسطين، فهو ينزف أسى ولكنه يسمو شموخا. وفيه يكشف مفدى دون مواربة ولا رياء عن أسباب المحنة. فالعربي الذي يبكي فلسطين هو الطاعن والطعين، هو الجرح والسكين. وقبل أن ندين غيرنا علينا أن نطهر أنفسنا، تلك شريعة الحق والعدل، وليس هناك طريق بديل: لقد كان لي سبب للبقا فقطع قومي أسبابيه ورحت أباع وأشرى كما تباع لجزارها الماشية وأشنق في حبل مستعمري وأصلب في كف جلاديه وفرَّقني الخُلْف أيدي سبا وشُتِّت في الأرض أوصاليه فأصبحت أرسف في محنتي وقومي عن محنتي لاهية هو الشعب لا السادة المترفون يحقق للنصر أحلاميه ويستفز الشاعر النخوة العربية بذكر الأمجاد التاريخية التي خلدها أبطال العرب خالد بن الوليد وسعد بن أبى وقاص وصلاح الدين الأيوبي في القادسية وحطين وأنطاكية. ويختتم مفدى زكريا قصيدته بالأمل.. بل بالثقة في النصر: ولن يخلف الله ميعاده ولا ريبَ ساعتنا آتية عرفت العلامة الكبير الأستاذ محمود شاكر- رحمه الله ـ منذ أكثر من ثلاثين سنة، في مستهل دراستي في كلية آداب القاهرة لنيل درجة "الماجستير" وامتدت هذه الصلة إلى مرحلة "الدكتوراه" حين أقمت في القاهرة متفرغاً سنة كاملة، كنت أتردد خلالها على منزله العامر في معظم أيام الأسبوع، أمكث فيه من العصر إلى جنح من الليل، أفيد من مكتبته العامرة وعلمه الغزير، وربما قصدته في الضحى والمساء.. حتى كأني أصبحت فرداً في أسرته، دون أن أجد منه تثاقلاً أو إعراضا بل كان- رحمه الله- لا يتردد في مناولتي أي كتاب أطلبه، إذا لم يكن في غرفة مكتبه، فهو يأتي به من إحدى الغرف الداخلية التي امتلأت برفوف الكتب. صفاته واستمرت صلتي بشيخي الجليل إلى ما بعد مرحلة الدكتوراه، إذ قلما زرت القاهرة دون أن أقصد شيخ العربية براً به، ووفاء له، واستزادة من علمه وفضله، وهو الذي أفتخر بتخرجي عليه في منهج التحقيق الذي تفرد به، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة رسالتي للدكتوراه عن تحقيق"شرح ديوان ذي الرمة" لأبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي. كان الشيخ أقرب إلى الطول، شديد السمرة، في شعره الذي خالطه الشيب جعودة يسيرة، تغطي عينيه اللتين أضنتهما الكتب المطبوعة والمخطوطة نظارة مضاعفة العدسة. وكانت أسارير وجهه توحي بالجد والرصانة، ومع ذلك فقد أوتي روحا مرحة، تطرب للنادرة. حتى تحس أنه يضحك لها من قلبه وجوارحه كلها، وكأنه طفل غرير، لا يحمل هماً، ولا يعرف غماً، وهو كثيراً ما يداعب تلاميذه، ويمازح خواص جلسائه، حتى إذا جد الجد فهو الليث عادياً، كما يقول ابن المقفع، وويل كل الويل لمن يتعرض إلى عاصفة من غضبه العاصف المدمر، أو لسانه العضب الذي لا يعرف المهادنة، ولا يبالي بصغير أو كبير، حتى قيل إن زلة لسانه في ثورة غضبه على عبد الناصر هي التي أودت به إلى السجن دون أن تقبل فيه شفاعة الشافعين. وكان من بواعث غضبه الذي لا يكاد يهدأ حتى يثور، ومن عوامل حساسيته الشديدة التي كانت تؤرقه وتتلف أعصابه، ما نره لدى عدد كبير من كبار العلماء الذي يتبحرون في العلم، وينقطعون إليه، حتى لا يكاد الواحد منهم يغادر بيته ليختلط بالناس، ويعرف أحوال المجتمع عن كثب، وهذا ما يوقعهم في حالة من عدم التلاؤم مع غيرهم، ومن عدم الرضا عن الظروف المحيطة بهم وبأمتهم، وبخاصة أنهم قد يصابون بالإحباط واليأس، إذ يطمحون أن يغيروا من حولهم، وأن يرفعوهم إلى مستوى مطامحهم وأمانيهم في نهوض الأمة من كبوتها، وفي عودتها خير أمة أخرجت للناس، وهم يريدون لمن حولهم أن يكونوا على ماهم عليه من الجد والمثابرة والإخلاص والاستقامة، والوعي بطريق الخلاص وأسس النهضة.. ولكن هيهات هيهات!.. برنامجه اليومي كان البرنامج اليومي للشيخ فيما رأيته خلال سنة ونيف، يبدأ بالكتابة في فترة الصباح إلى الغداء، ثم تأتي فترة القراءة حيث يستلقي الشيخ على أريكة طويلة بعد أن يختار أحد الكتب من منضدة طويلة تتوسط قاعة الجلوس، وقد اختلطت فيها أنواع الكتب ما بين تراثي قديم ومعاصر جديد، وما بين كتب لغوية وفكرية، وما بين دراسات أدبية أو دواوين شعرية. فإذا أدى الشيخ صلاة المغرب جاء وقت الراحة، يستقبل فيه الخلص من أصحابه، أو يسامر ولديه الصغيرين آنذاك،: فهراً وزلفى، أو يجلس أمام شاشة "التلفزيون" غير متحرج من ذلك. أما مساء يوم الجمعة فإن بيت الشيخ ينقلب من بعد صلاة المغرب إلى ندوة أدبية وفكرية وسياسية، يلتقي فيها أصحابه من الأدباء والشعراء والمفكرين وطلاب الدارسات العليا، وتدور الأحاديث في هذه الندوة في شتى الموضوعات، التي يثيرها خبر من الأخبار، أو حدث من الأحداث المهمة المحلية أو العالمية، أو سؤال يطرحه أحد الحضور. وما يكاد الشيخ يخرج من بيته إلا لضرورة ماسة: من زيارة لطبيب، أو مرور على خياط، أو مناسبة ملحة لا يستطيع دفعها، وما أندر مثل هذه المناسبات في حياته. وقد تعرفت في منزل الشيخ على عدد من كبار الشخصيات، منهم الدكتور "عبدالحليم محمود" شيخ الأزهر، والشيخ "عبد الخالق عضيمة" إمام النحو، والأديب الكبير الأستاذ "يحيى حقي"، والشاعر الكبير الأستاذ "محمود حسن إسماعيل"، والدكتور "حسين نصار" الأستاذ بكلية آداب القاهرة والدكتور "ناصر الدين الأسد" الذي كان آنئذ في جامعة الدول العربية، والدكتور "محمود الطناحي" الذي كان من أصحاب الشيخ الخلص وأقربهم إلى قلبه. وكان ممن صحبتهم إلى منزل الشيخ وعرفتهم إليه معالي الدكتور "عبد الله التركي" عندما كان عميداً لكلية اللغة العربية بجامعة الإمام، وقد امتدت علاقته به حتى دعاه إلى إلقاء عدد من المحاضرات العامة، عندما أصبح من الملازمين للشيخ ومن المهتمين برعايته إلى آخر عمره. على أن ما أشرت إليه من البرنامج اليومي للشيخ لا بد أنه كان في الشطر الأخير من كهولته.. وإلا فكيف أتيح له أن يحيط بالتراث إحاطة لا يدانيه فيها أحد من المعاصرين؟ ومن المعروف أن الشيخ محمود شاكر أخذ يثقف نفسه وفق برنامج شامل، اختطه لنفسه بعد صدامه مع الدكتور طه حسين، وتركه الجامعة. وهو في السنة الثانية من سني الدراسة، ومضى يأخذ نفسه بالجد والمثابرة على تحصيل العلم، والتضلع بالتراث، قراءة للكتب، وحفظاً لدواوين الشعر، وهو ما يزال في ريعان الشباب، يرى إلى أترابه يهزلون ويجدون، ويلهون ويرتعون، وهو ماض إلى غايته كما يمضي أولو العزم من الرجال، واستطاع بذلك أن يجمع بين الثقافة العربية والإسلامية، وبين الثقافة الغربية، إذ كان يجيد الإنجليزية إجادة تامة. ذاكرة عجيبة! وقد أعانه على تلك الثقافة الواسعة الشاملة أمور عدة، منها نشأته في بيت علم متوارث، إذ كان والده - رحمه الله- شيخ علماء الإسكندرية، ثم صار وكيلاً للجامع الأزهر، ومنها ذلك التحدي الذي كان من جراء صدامه مع الدكتور طه حسين وتركه للجامعة، ومنها تعهد أخيه الشيخ أحمد ـ رحمه الله- له، ومنها وهو أعظمها، تلك الذاكرة العجيبة التي شهدت عجائبها بنفسي، والتي أسوق طرفا مما أذكره منها خلال ملازمتي له في منزله سنة بل أكثر من سنة. فمن ذلك أني كنت أنظر في لسان العرب في مكتبته، فرأيت في بعض الصفحات إشارات تشبه إشارة الضرب في الحساب (x) وليس بجانبها أي تعليق كان، وقد دفعني الفضول إلى أن أسأله عن هذه الإشارات المبهمة، فقال لي: غفر الله لأخي الشيخ أحمد فقد كان يطلب إلى أن أحفظ ما بين كل إشارة وتاليتها في زمن يحدده لي. وكان الشيخ أحمد يكبر أخاه بنحو من سبعة عشر عاماً. ومن شواهد حفظه للشعر القديم ما رأيته من محاورة تمت أمامي بين الصديق الدكتور "محمد علي الهاشمي" وبين الأستاذ الدكتور "حسين نصار"، وكان الدكتور الهاشمي يحقق جمهرة أشعار العرب، فسأل الدكتور حسين نصار عن بعض الأبيات في الشعر الجاهلي لم يهتد إلى قائلها، وما كان من الدكتور نصار إلا أن قال له دون تردد: اسأل شيخك محمود شاكر فهو يحفظ الشعر الجاهلي. وكنت في أثناء تحقيقي لشرح ديوان ذي الرمة وقفت حائراً أمام نحو أربعين شاهداً من شواهد الشرح، لم أستطع الاهتداء إليها في مظانها على ما بذلك من جهد، ولما سألت الشيخ محمود شاكر عنها، إذا به يرشدني فوراً إلى نحو نصفها، ذاكراً اسم القائل واسم المصدر الذي يحتوي الشاهد، أما النصف الآخر فقد أراد أن يسهل علي متابعة البحث عنها، فقال لي عن كل شاهد منها: ليس هذا البيت معروف القائل، ولا هو من شعر فلان وفلان وفلان. وقد وقفت عاجزاً عن تخريج عبارة وردت في أثناء شرح ديوان ذي الرمة، وهي قولهم: "إن ابن آدم ومتاعه على قَلْت إلا ما وقى الله، أي: على هلاك". ولما سألت عنها الشيخ محمود لم يتلبث في الإجابة بأكثر مما يتلبث المشتغل على الحاسوب "الكمبيوتر" في الضغط على أزرار الجهاز، ثم قال لي: "أظن أني قرأت هذه العبارة في الطبعة القديمة لكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، ومادامت الطبعة التي حققه ا الأستاذ عبدالسلام هارون تحتوي على فهرس لغوي فانظر فيها لعلك تجد هذه العبارة". وقمت من فوري لأنظر في البيان والتبيين، حيث وجدت العبارة بنصها، وأخذ مني العجب مأخذه حين قرأت في مقدمة التحقيق التي كتبها الأستاذ عبدالسلام هارون أن الطبعة القديمة التي قرأها الشيخ محمود شاكر، ورأى فيها تلك العبارة، مضى على صدورها نحو من ستين عاما! موقف طريف على أن أطرف ما حدث بيني وبين الشيخ محمود شاكر أني سألته عن معنى بيت عويص من شواهد شرح ديوان الرمة، ولما أخذ ينظر في البيت رآني قد عزوته إلى كتاب "معاني الشعر" للاشنانداني، فأنكر على ذلك، ومضى على عادته يسلقني بلسانه الحاد قائلاً: -لا أدري كيف تدرس في الجامعة وأنت تخطئ في عزو بيت من الشعر إلى مصدر لم يرد فيه. وأجبت قائلاً: -إنني تلميذك يا أستاذ محمود، وقد درست في الجامعة نحواً من ثماني سنوات، ومن المحال أن أقع في مثل هذا الخطأ الذي لا يقع فيه طالب مبتدئ. وهنا ثارت ثائرة الشيخ وقال بالحرف الواحد: -أنتظر، وسأريك مدى جهلك ومكابرتك. وأسرع الشيخ إلى إحدى الغرف الداخلية- وغرف البيت كلها مملوءة بأرفف الكتب كما قدمنا- وجاء بكتاب "معاني الشعر" للأشنانداني، وفتح الكتاب على الصفحة التي عزوت إليها الشاهد العويص، فإذا بالشاهد مثبت في الكتاب كما عزوته بالضبط، وهنا احمر وجه الشيخ خجلاً، وظهرت عليه أمارات الضيق والتبرم، وكان يتلفت يمنة ويسرة، ويعيد النظر في الكتاب، وكأنه لا يصدق ما يرى بأم عينه، ولا يصدق أن ذاكرته العجيبة قد خانته هذه المرة. وقلت للشيخ مهدئاً روعه، بعد أن أخذت الكتاب من يديه، ونظرت في غلافه وعرفت اسم المحقق.: - هون عليك يا أستاذ محمود، فأنت قرأت كتاب معاني الشعر في طبعته التي حققها الأستاذ "عز الدين التنوخي"، وأنا رجعت في عزو هذا البيت إلى الطبعة التي حققها الدكتور "صلاح الدين المنجد" الذي عثر على مخطوطة للكتاب لم تصل إلى الأستاذ التنوخي، وفي هذه المخطوطات زيادات منها هذا البيت دون شك. وسارع الشيخ محمود شاكر مرة أخرى ليأتي من إحدى الغرف بطبعة الأستاذ عز الدين التنوخي، وتأكد أن الشاهد لم يرد فيها، وعندئذ تنفس الصعداء قائلا: الله يرضى عليك.. لقد خفت أشد الخوف وقلت: محمود شاكر قد خرف. وكم وقفت أمام ما كان يفعله الشيخ في شرح الغريب، فيما حقق من كتب التراث، إذ لم يكن يكتفي بما في المعجمات من إيجاز مبهم أو ملبس، حتى يأتي بالشرح الوافي من عنده، ومن ذلك تفسير كلمة "القَلْت" إذ ذهبت معظم المعجمات إلى أن من معانيها "النقرة في الجبل" ولكن الشيخ محمود شرح القلت بقوله على ما أذكر: "القلت" نقرة في الصخر، يجتمع فيها ماء المطر فتضربه الريح، فيكون أعذب ماء يشرب". صمت واكتئاب! ويبدو أني أدركت الشيخ محمود شاكر بعد أن دخل في مرحلة غلب عليه فيها الصمت والاكتئاب، وداخله شيء غير قليل من اليأس، وقد ترك الكتابة في الصحف والمجلات، واكتفى بالتعبير عن آرائه مع الخاصة من زائريه أو في ندوة الجمعة المسائية في بيته، وكنت أستمع إليه عندما يرى العرب يختلفون ويقتتلون، ويهزلون ويعبثون، فيردد في حرقة بالغة. "إيه يا بني إسماعيل.. أنتم في تيه دونه تيه بني إسرائيل". وقد بلغ رغبته في السكوت والعزلة عن الحياة العامة، أني في اليوم الذي قصدته مع معالي الدكتور عبد الله التركي، ليتعرف إليه، رأينا كلاً من الأستاذ مالك بن نبي- رحمه الله ـ والدكتور ناصر الدين الأسد وقد سبقانا إلى زيارته، وقد تساءل الدكتور ناصر الدين الأسد عما يجب على الإنسان المثقف أن يقوم به أمام الاضطراب الفكري والسياسي والصراع العقائدي الذي يكاد يشمل العالم العربي كله؟ وسارع الشيخ محمود شاكر يقول: "يكفي أن يعبر الإنسان عن آرائه وموقفه أمام الذين يجيئونه في منزله". وعندما قلت له "يا أستاذنا إن ما تقوله، هو عين ما يريده الشيوعيون والملاحدة والعلمانيون، من أن يجلس المصلحون في بيوتهم، ويتركوا لهم الشارع ووسائل الإعلام، يعيثون فيها فساداً دون أن يتصدى لهم أحد". وهنا انفجر الشيخ غاضباً على عادته قائلاً: "أنت تريد إذن أن تقيم أحزابا وجمعيات" ثم مضى في هجومه المعتاد عليها جميعاً. هجوم على الأدب الإسلامي وعندما أقيمت ندوة عالمية عن الأدب الإسلامي في جامعة عين شمس بالتعاون بينها وبين رابطة الجامعات الإسلامية، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، قصدت منزل الشيخ محمود شاكر في يوم الجمعة، حيث يلتقي في بيته عدد كبير من الأدباء والمفكرين، مع نفر غير قليل من مريديه ومحبيه، وظننت أني أحمل لشيخنا ما يفرحه عن قيام رابطة الأدب الإسلامي، بمكاتبها المنتشرة في أنحاء العالم العربي والإسلامي، ومجلاتها التي تصدر بأكثر من لغة، ومضيت أحدث الحضور عن الأدب الإسلامي وأهمية الدعوة إليه، ليقف أمام المذاهب الأدبية المستغربة من الواقعية الاشتراكية إلى الأدب الوجودي إلى البنيوية وغيرها من المذاهب الشكلانية، إلى الحداثة، التي كانت دعوة إلى التحديث في ظاهرها وإلى التدمير في حقيقتها ومقاصدها. وكان الحاضرون يستزيدونني الحديث، ويطرحون الأسئلة عن الأدب الإسلامي ورابطته، وكنت أجيب فرحاً بهذا التجاوب مع الأدب الإسلامي من نخبة مثقفة واعية.. وكان الشيخ صامتاً على عادته، ولم يكن يبدو عليه الضيق مما كنت أقول.. حتى إذا فرغت من الكلام قال: لقد تركتك تتكلم "من الصبح" فاسمع الآن ما أقول لك، ولشيخك أبي الحسن الندوي.. ومضى الشيخ يصب جام غضه على هذه الدعوة وعلى من دعا ويدعو إليها، ويؤكد أنه لا شيء إلا الأدب العربي فقط.. وأطال الشيخ في هجومه العنيف، وكان كلما أمعن في الكلام ازداد غضبه وانفعاله، حتى خشيت والله أن تصيبه نوبة قلبية، وكان بجانبي الصديق العالم المحقق الدكتور محمود الطناحي، فناشدته الله هامساً أن يجد طريقة لإسكات الشيخ، خشية أن يصيبه سوء، ولكن من الذي يستطيع أن يقف أمام الشيخ في ثورته العارمة وغضبه المشبوب، إلا من سولت له نفسه أن يجرفه تياره الذي ربما يجتاحه في طريقه. ومع ذلك كله، وعندما أردت الانصراف نهض الشيخ إلى الباب ليودعني، والتزمني معانقاً بحرارة ومودة، وكأنه يودع ولده فهراً!.. ولم أعجب لموقف شيخي من الأدب الإسلامي، ومن تعصبه للأدب العربي بخيره وشره، فقد سأله مرة أحد السائلين عن أبي نواس: أهو شاعر إسلامي؟.. فقال للسائل: "نعم هو شاعر إسلامي رغم أنفك". ذلك أن شيخنا وغيره ممن يقاربونه في نشأته وعمره، كانوا يخافون أن تكون دعوة الأدب الإسلامي دعوة شعوبية تنمو على حساب الأدب العربي، وتعمل على تجزئة الأدب إلى أدب عربي وإسلامي.. ولم يكونوا يقبلون من دعاة الأدب الإسلامي قولهم: إن الأدب العربي أدب منسوب إلى اللغة العربية، كما ينسب الأدب الإنجليزي إلى اللغة الإنجليزية، والأدب الياباني إلى اللغة اليابانية، وهذه النسبة اللغوية للأدب لا تعني ما في مضمونه من مذاهب أدبية متصارعة، وأن هذه المذاهب انتقلت من الآداب الغربية والشرقية إلى أدبنا العربي فجزأته، وجعلته أدباً مقلداً ومزوراً، وقسمت أدباءه إلى أتباع للواقعية الاشتراكية، أو للوجودية، أو للشكلانية، أو مذهب الفن للفن وأخيراً للحداثة التي وصفها الدكتور محمد مصطفى هدارة- رحمه الله- في محاضرة ألقاها في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض قائلاً: "إنها في الحقيقة أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة، ذلك أنها تتضمن كل المذاهب والاتجاهات، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي، ولكنها تعم الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء". وما كان للأدب الإسلامي أن يضاد الأدب العربي، وهو الذي نشأ ونما وترعرع في محضن الأدب العربي، وما كان للأدب الإسلامي أن يزيد في تجزئة الأدب العربي، فهو مجزأ في الساحة الأدبية من قبل أن تقوم الدعوة إلى الأدب الإسلامي، ولكنه سوف يعمل على إلغاء تلك التجزئة، حين يكون ـ إن شاء الله ـ وريثاً لتلك المذاهب الدخيلة، التي بدأت موجتها تنحسر، وبدأ عوارها يظهر منذ سقوط الشيوعية، ومنذ انحسار تيار التغريب أمام الصحوة الإسلامية. يفتح بيته لطلاب العلم ولقد بلغ من كرم الشيخ ومروءته وإنسانيته، ورغبته في إحياء مآثر السلف الصالح، أنه فتح بيته لطلاب العلم على مختلف أجناسهم وأديانهم، وكان يعينهم على ما يعترضهم في إعداد رسائلهم الجامعية. ومعظمهم من طلاب العلم وتحقيق التراث، ولا يضن عليهم بجهد أو وقت، بل لا يتردد في تقديم الكتب إليهم بنفسه، والإتيان بها من غرف المنزل الداخلية. ولقد أحب الشيخ محمود شاكر كل من عرفه عن قرب حق المعرفة، وكل من أدرك أن وراء بعض السلبيات لديه ظروفا قاهرة، ومنها ماهو شخصي خاص من ضيق ذات اليد، ومن غمط الحكام والمتسلطين على مقاليد الأمور لمكانته، وحرمانه من حقه في الحياة الكريمة، والمناصب اللائقة سواء في التدريس الجامعي حيث يتخرج على يديه أساتذتها، ويحرم عليه أن يدرس فيها، أو في مجمع اللغة العربية، الذي لا يدانيه أحد من أعضائه في جدارته بالعضوية فيه، أو في جوائز الدولية، التي كانت تغدق على الفنانين والفنانات وعلى من يستحق ومن لا يستحق من غيرهم، ويحرم منها الشيخ محمود شاكر، وإذا كانت عضوية المجمع وجوائز الدولة قد جاءته، فإنها جاءت بعد فوات الأوان، ولعلها لم تغسل المرارة التي أحسها طوال حياته فكانت من أسباب اكتئابه وعزلته في بيته. أضف إلى ذلك حرقة قلبه ومدى يأسه، حين يرى إلى العالم العربي والإسلامي تكتنفه فتن كقطع الليل، وتتداعى عليه أمم الأرض تداعي الأكلة إلى قصعة الطعام، ويتسلط عليه المستعمرون ينهبون خيراته، ويذله اليهود إذلالاً دونه إذلال الصليبيين بالأمس، ليجعلوهم مطية لتحقيق مطامعهم وغلبة دولتهم. وتزداد كآبة الشيخ مع الأيام، ويزداد يأسه حين لا يرى بارقة أمل، ولا بارقة فجر، وحين يرى إلى العرب الذين يفترض فيهم أن يقودوا العالم الإسلامي وقد فقدوا هويتهم، بعد أن تنكروا للغة القرآن، وبعد أن جعلوا الأدب أدباً فاسداً بمقدار فساد الحياة الأدبية، وبعد أن غربوا حياتهم، بدءا من مناهج التعليم، وانتهاءً بفصل الدين عن الدولة، والنظر إلى الدين الذي هو سر بقائهم وشريان حياتهم على أنه سبب التأخر والجمود! ومع ذلك كله فقد غالب الشيخ كآبته ويأسه، وظروفه الشخصية، وليكون بحق فارس التراث، وشيخ العربية، وأديبها الكبير. وعلى الرغم من قلة ما ترك الشيخ لأمته من المؤلفات، فإنه كان في مواقفه ومقالاته وكتبه يمثل صورة الفارس الأخير، الذي حمل راية القرآن من الرافعي، كاتب الإسلام الأكبر، واستطاع أن يقف أمام طه حسين الذي فجر تيار التغريب في هذه الأمة، حين مضى يدعو إلى انسلاخ مصر، قلب العالم العربي، عن هذا العالم، بل عن الشرق كله، ويدعو في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" إلى أن يأخذ المصريون حضارة الغرب بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يستكره.. وكذلك استطاع أن يتصدى في "أباطيل وأسمار" إلى "لويس عوض"، الذي يمثل الجيل الذي خلف طه حسين، وزاد عليه في التنكر للتراث، وفي دفع الأمة إلى مهاوي العلمانية واليسار والاشتراكية. وقد أنكر بعض الناس أن يتصدى الشيخ محمود شاكر، وهو العملاق الكبير، لقزم لا يطاوله، ولكني أقول: لقد أراد الشيخ أن يجعل لويس عوض مثالاً لتحطيم الأصنام، التي أخذت أجيال من هذه الأمة المسكينة يعدونهم دعاة التنوير، ودعاة التقدم بعد أن تسنم الكثيرون منهم مقاليد الأمور وسيطروا على وسائل الإعلام المختلفة، وعلى دور النشر الرسمية. وإذا كانت الأمة قد بدأت صحوتها الإسلامية لتعود إلى الإسلام من جديد، فلقد كان محمود شاكر ممن مهدوا لقيام هذه الصحوة، على أساس مكين من التمسك بالقرآن ولغته الفصحى، والاعتماد على تراث الأمة، والوقوف أمام تيار التغريب، سعياً وراء منهج يعيد الأمة، كما أرادها الله، خير أمة أخرجت للناس. اللهم ارحم شيخنا كفاء ما قدم في سبيل نصرة دينك وكتابك، وتجاوز عن سيئاته كفاء صدقه، وجهاده في الذود عن لغة القرآن وتراث العربية وعن أصالة هذه الأمة وهويتها الإسلامية. كانت الفرحة شديدة وتلك الجموع تشهد ذاك العُرْس الـمهيب! ولم تعهد تلك الجموع عُرْساً مثل ذاك العُرْس.. فترى الدنانير والدراهم تنثر على تلك الجموع بغير حساب! وترى المسك وثياب الوشى المنسوجة تتخاطفها أيدي تلك الجموع! حقاً! لقد كان ذاك العُرْس أعجوبة من الأعاجيب! ولقد كان العروسان أسعد من تلك الجموع.. وأعظم بهجة بالتلاقي! ذاك عُرْس كان أحلى ما فيه؛ أنَّه جمع بين بحرين في الجود.. ونجمين للسَّارين! الزَّوج: سليل الـمكارم.. وحفيد الشَّرف التَّليد.. هارون الرشيد.. بدر الخلافة العباسية! وعُرْسه: كريمة العنصر.. ودُرَّة نساء بني العباس.. وأصيلة الرَّأي.. زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. فرعان ناضران من فروع تلك الدوحة الباسقة.. والشجرة الرَّيَّانة بـماء الـمكارم.. وطِيب الفضائل! لقد اختار هارون الرَّشيد عروسه بعد أن خَبِر شمائلها.. وأبصر فضائلها.. ولم تكن زبيدة بتلك الـمرأة ضعيفة الرَّأي.. واهنة الـهمَّة؛ بل كانت المتزيِّنة برفيع الخصال.. بعد زينة الحسب.. والـمتجمِّلة بجميل الـخُلُق.. بعد جمال الـخَلْق.. تأدبت بأدب الدين.. وشَبَّت على سُنن الصَّالحين.. ولقد كانت ربَّة ذاك القصر الكبير.. وسيدته الآمرة والنَّاهية. وأعجب لهذه النجيبة.. لم تنشغل ببحبوحة ذاك القصر.. بل كانت فيه السيدة الصالحة.. الـمتزوِّدة ليوم معادها.. فهي التَّالية لكتاب ربّها تعالى في صباحها ومسائها.. حتى كان قصرها محطاً لنفحات القرآن الزَّاكية! كان لزبيدة مئة جارية يحفظن القرآن! ووِرْد كلّ واحدة منهنَّ عُشْر القرآن.. فكان قصر هذه السيدة؛ يُسمع منه كدّويّ النَّحل.. لقراءة القرآن! حقاً إنَّه لا أعلى همَّة ممن صدف عن اللَّهو وهو قادر أن يلهُو! ولا أعلى همَّة ممن وَلِعَ بحبّ العزائم.. وترك الشهوات مع حبّ النفس لها! ولقد كانت هذه الـمصُونة سخيَّةً.. محبّةً للنَّدى.. شديدة الكرم.. لا تردّ حاجة وإن عظُمت.. وإليك هذه الآبدة من لطيف كرم هذه السيدة النجيبة.. لتقف على السماحة والندى.. حبس وكيلها ذات مرّة رجلاً كان يشرف على ضياعها، وجب عليه مائتا ألف درهم.. فكتب المحبوس إلى صديقين له يسألهما سؤال الوكيل في أمره، فخرج الرجلان إلى الوكيل، فلقيهما الفيض بن أبي صالح.. فقال : إلى أين؟ فقالا: نمضي إلى كذا وكذا. فقال: أتحتاجان أن أساعدكما؟ قالا : نعم. فمضى معهما وكتب الوكيل إلى زبيدة يخبرها بالحال. فقالت: لا سبيل إلى إطلاقه حتى يؤدي ما عليه. فأراد الرجلان الانصراف.. فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكّد حبس الرجل! فقالا : وماذا نصنع إذن؟! قال : نؤدي عنه الـمال، ونخرجه من الحبس، ونكشف عنه ضائقته. ثم إنَّ الفيض أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل الـمال عن الرجل! ثم دفع الكتاب إلى وكيل زبيدة وقال: قد أزحنا علّتك في الـمال، فادفع إلينا صاحبنا. فكتب وكيل زبيدة يخبرها بما حدث. فلما وصل الكتاب إلى زبيدة، أخذتها أريحية النَّدى، ولم تشأ أن ترى الفيض أكرم منها يداً.. فوقَّعت على ظهر الرّقعة: (نحن أولى بهذه الـمكْرُمة من الفيض، فأردد إليه حظّه وسلِّم إليه الرجل)! وهكذا بكلمتين من قلمها.. سمحت نفس هذه الكريمة بمائتي ألف درهم! فلله درُّك أيتها الـماجدة! وهل الكرم إلاَّ هذا؟! تلك أريحية امرأة شربت من معين الـمكارم.. وغُذِيَتْ بلِبان الفضائل! وأي عجب في ذلك؟! أليست هي المنفقة في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف دينار؟! ولـما رفع إليها وكيلها حساب النفقة مستعظماً لها؛ أنَّبته تأنيب اللَّبيبة.. وزجرته زجر الـمرأة الحصيفة.. فقالت له : ثواب الله بغير حساب! فلله درُّك أم جعفر! سليلة الأماجد.. وحفيدة الأشاوش من بني العباس! كرمٌ لم يعرفه إلاَّ السُّمَحاء.. ولم تَـجُـدْ به إلاَّ نفوس الكُرَماء.. وكانت هذه النَّجيبة إذا حجَّت .. أنعشت الـملهُوف.. وجبرت الضَّعيف.. وجادت بالنَّفيس والطريف.. فكانت لحجاج بيت الله سحاباً دافقاً.. وربيعاً نافعاً.. لا تزال تعطي الجزيل منذ خروجها من بغداد.. إلى وصولها بيت الله الحرام! وما تقطع مرحلة إلاَّ وتأمر بحفر بئر.. أو بناء الـمرافق للقاصدين بيت الله الحرام.. ولـما رأت - رحمها الله - ما يعانيه أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام من قلة الـمياه.. عزمت عزم الـمرأة الحازمة.. أن تكون حائزة شرف سقاية حجاج بيت الله الحرام.. وسمت همتها إلى بذل الطريف والتليد في تحقيق هذه الأمنية.. فدعت خازنها وأوعزت إليه بأن يأتي بأهل الصِّنْعة ليشقوا قناة من وسط الجبال، حتى يصلوا بها إلى وسط مكة! فأحضر الخازن أهل الصِّنْعة في ذلك، وبدأ العمل، ولم يكن بالعمل السّهل، حيث شقّت تلك القناة الجبال والصخور مسافة عشرة أميال! ولـما جاءها خازنها وقال لها: يلزمك نفقة كبيرة! أجابت جواب أهل الحزم: اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار!! وشاء الله تعالى أن يـحقّق لـهذه الـمصُونة أمنيتها.. فتدفَّقت تلك القناة على أهل مكة وقاصدي بيت الله الحرام.. فارتوى النَّاس بعد الظمأ.. وأخصبوا بعد الجَدْب! فكانت تلك حسنة زبيدة العظمى.. ومنقبتها الكبرى! فكم من ألسنةٍ بالدّعاء لصاحبتها لهجَتْ.. وكم من أكُفٍّ رُفِعَتْ! ألفا ألف دينار صبّتها هذه الصالحة في حفر هذه القناة! فما أكرم هذه الحسنة! وتالله تلك هي التجارة الرَّابحة! تلك همة امرأة لم تر الذُّخْر إلاَّ في اصطناع الـمعروف.. وإدمان الصَّالحات.. وحبّ الطاعات. وبعد اكتمال هذا العمل الجليل، جاء وكيلها وأحضر معه العمال لكي يكتبوا الحساب أمامها.. فقالت لهم : خلُّوا الحساب إلى يوم الحساب!! ثم أمرت بغسل الدفاتر والأوراق! فهنيئاً لك أم جعفر بهذا الشرف الخالد.. أبيْتِ إلاَّ عزماً.. وهمَّة! إنَّها التجارة مع الله تعالى! تجارةٌ لا تعرف الخسارة! ذاك هو الذُّخْر الخالد.. والرّبح الباقي! وزبيدة هي أمّ الأمين بن هارون الرَّشيد، والذي ولِي الخلافة بعد أبيه هارون الرشيد.. وقد نشأ الأمين في حضن هذه السيدة النجيبة.. فتربَّى على الأدب السامي.. والسَّمْت الرَّفيع.. فكان نجيباً.. سيداً.. عظيماً. ولـما آلت إليه الخلافة خلع أخاه الـمأمون من ولاية العهد، فخلعه أخوه الـمأمون، واشتعلت نار الحرب بين الأخوين! فأين كان موقع تلك السيدة يومها من هذه الأحداث؟ لقد كانت زبيدة ـ رحمها الله ـ تلك الـمرأة الحازمة.. اللبيبة.. فها هي تُوصي علي بن عيسى بن ماهان قائد ابنها الأمين.. وكانت الوصية وصية امرأة حكيمة.. نجيبة الرأي.. وها هو ابن ماهان.. يقف عند باب هذه السيدة.. مستمعاً لنُصْحها.. فقالت له - رحمها الله ـ : (يا عليّ إنّ أمير الـمؤمنين وإنْ كان ولدي، وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله - أي الـمأمون - منعطفة مشفقة؛ لـما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنـما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغارَّه على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوَّته، ولا تجبهه بالكلام، فإنَّك لست له بنظير، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع عنه جارية ولا خادماً، ولا تعنِّف عليه في السَّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه)! ثم دفعت إليه بقيد من فضَّة.. وقالت له: إن صار إليك فقيِّده بهذا القَيْد. فقال لها : سأفعل مثلما أمرتِ. فتأمل همَّة هذه الـمصُونة.. لم يثْنها حبّ الولد عن قول الحق.. والإنصاف في القول والفعل! هكذا يكون السُّؤدد والشَّرف! ولكن رياح الأحداث انقلبت، فانهزم ابن ماهان وقُتل، وحاصر الـمأمون بغداد، ثم كان بعدها قتل الأمين.. ابن تلك السيدة زبيدة بنت جعفر.. فقدت تلك السيدة وحيدها.. وفلذة كبدها.. ودخل قلبها ما يدخل قلب كلّ أمّ! وحزنت.. وكيف لا تحزن؟! وابنها الأمين كان عظيم النَّفس.. شهماً.. فريداً في طرازه! حُزْنان لزما قلب هذه السيدة؛ فَقْد الولد.. وفَقْد الشَّهامة! ولكن زبيدة - رحمها الله - وهي العاقلة.. اللَّبيبة.. دفعت حرّ الـمصيبة بصبر الحُرَّة.. الـمُوقنة بالخَـلَف.. الرَّاجية للثواب الباقي.. فلم تجزع جزع الضَّعيف.. بل أبدت من الصبر والـجَلَد ما حيَّر الألباب! فـها هو الـمأمـون يدخل عليـها بعد دخوله بغداد.. وهو يظن أن الحزن قد هدَّها بعد مقتل ابنها.. ولكنها قالت له بجنان ثابت: (أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك، قبل أن أراك! ولئن كنتُ قد فقدت ابنا خليفة لقد عُوِّضتُ ابنا خليفة لم ألِدْهُ! وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك! وأنا اسأل الله أجراً على ما أخذ، وامتناناً بـما عوَّض)! ليت النساء يتعلَّمْنَ منك تلك الـمكارم الرَّفيعة.. ويحتذين تلك الـمفاخر السَّنِيَّة.. فتأمَّلي يا أمَةَ الله في مفاخر واحدة من بنات جنسك.. لم يقعدها عن الـمكارم ضعف النساء.. ولا حبّ الدَّعَة!. وفي مشهد آخر لتلك الحرة الـمصُونة.. أخضعت فيه القلوب لفضلها.. فهي مذعنة لـها بشرف الـمنزلة.. ونُبْل الفِعَال! دخلت على الـمأمون في مرَّة من الـمَّرات.. فقالت له:(الحمد لله الذي ادخرك لي لـما أثكلني ولدي! ما ثكلت ولداً كنت لي عوضاً منه)! فلما خرجت.. قال الـمأمون لأحمد بن أبي خالد:(ما ظننت أن نساء جُبِلْن على مثل هذا الصَّبر)! حقاً! لقد حيَّرت هذه الـمصُونة بصبرها كلّ لبيب؛ حتى غدت بصبرها ذاك النموذج الفريد! وحريٌّ بكل مُصاب أن يقف عند عتبات هذه الـمدرسة الفريدة في الصَّبر، وحُسْن العزاء! عاشت زبيدة ـ رحمها الله ـ أيامها عاكفة على الطاعات.. ومغتنمة للقربات.. وغدت تقدِّم بين يديها أغلى ذُخْر؛ ليوم لا تنفع فيه سوى الحسنات الباقية! وفي شهر جمادى الأولى من سنة 216 للهجرة ودَّعت الدنيا السَّيدة الـمصُونة.. والدُّرّة الـمكنُونة.. ساقية الحجيج.. وربيع الـملهوفين.. والصَّابرة اللَّبيبة.. الصَّالحة النَّجيبة.. أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. لتُطوى صحيفة أنصع من مُزْن السَّحاب! وأنضر من التِّـبْر الـمسبُوك! وإن ودَّعت الدنيا فقد بقيت آثارها.. شاهدة بفضلها الجزيل.. ومقامها الزَّاكي النَّبيل.. مع دعاء الخلائق لها إذا قصدوا تلك الأركان الطاهرات.. ولبّوا بالحج في تلك الأيام الزَّاكيات.. فأنزل الله تعالى زبيدة منازل السُّعداء.. وأكرم نُزُلها في دار الحُبُور والـهَنَاء.. ليست بطون الكتب وحدها التي تمتلئ بسير العظماء والشرفاء؛ فظهر الأرض يحمل الكثير منهم، يعيشون بيننا، وربما لا نشعر بهم لتواضعهم، أو لأننا ـ ياللأسف ـ تعودنا ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد أن ترحل عنا أو نرحل عنها! حق لنا أن نفخر ونزهو؛ لأننا عشنا في زمن ظهر فيه أبطال أعادوا لنا أزماناً جميلة قهرت فيها قوى الحق ضجيج الباطل وأرهقته.. أبطال أرونا أياماً ناصعات تتوالد وتتنفس ونحن نشاهدها على مدار الساعة عبر منافذها الكثيرة. حق لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، لأننا عشنا في زمن ظهرت فيه نساء تمثلن الصبر والجهاد ضد العدو الغاصب، كـ"أمية جحا" وغيرها الكثيرات من نساء فلسطين، وفتيات فلسطين. البداية ولدت "أمية جحا" بمدينة "غزة" في 2/2/1972م، وتخرجت في قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995م بتقدير امتياز، وكانت الأولى على الجامعة. عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999م لتتفرغ للعمل الفني في مجال رسوم الكاريكاتير، حيث فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مارس 1999م، شاركت في العديد من المعارض المحلية. كانت متزوجة من الشهيد القائد الميداني بكتائب "عزّ الدِّين القسَّام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس "رامي سعد" الذي اغتالته يد الغدر في يوم الخميس 1/5/2003، خلال التصدي لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لحي "الشجاعية" شرق مدينة غزة. كانت بداية أمية الحقيقية منذ العام 1948م عندما رُحل أهلها رغماً عنهم من بلدة "المحرقة"، التي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ وقد حولها الاحتلال إلى مستوطنة تدعى "تيقوما". تأثرت أمية مثلما تأثر باقي أطفال فلسطين وشبابها بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها الفلسطينيون، وانعكس هذا التأثر على رسوماتها، حيث عُرفت من خلال رسوماتها بالمفتاح المصاحب لأعمالها، فكما كان ناجي العلي معروفا بين الجمهور بشخصية "حنظلة" في رسوماته عُرفت أمية بـ "المفتاح"، ما جعلها هدفاً لبعض المتطرفين اليهود الذين استحدثوا منذ بداية الانتفاضة موقعاً على شبكة الإنترنت في إطار حملة التحريض ضد المصورين الصحافيين الفلسطينيين، وتضمن الموقع قائمة سوداء بأسماء مصورين فلسطينيين في دعوة مفتوحة لقتلهم بسبب تغطيتهم للأحداث الجارية ولانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وقد تلقت أكثر من 216 رسالة تهديد بالقتل وتفجير منزلها في غزة من قبل منظمات أمريكية ويهودية متطرفة. المرأة الفلسطينية جبارة أهم ما يميز نساء فلسطين ـ وأمية منهن ـ هو الهمة العالية والمعنويات المرتفعة دائماً، المتعالية على كل المحن والأحداث، فهن جميعاً في شغل دائم لترتيب أمور الحياة التي يضربها إعصار الاحتلال من وقت لآخر، ولا تجد منهن من تجيد ندب الحظ أو الشكوى، إنهن يقهرن الدموع في المآقي، ولا نظن أنهن يفعلن هذا وهن بمعزل عن الإيمان بموعود رب السموات والأرض، وإلا فما تفسير تميزهن عن باقي النساء في هذا العالم الفسيح؟! حرصت أمية على مكافحة المحتل وإيلامه أسوة بإخوانها المجاهدين من الرجال.. اقتحمت فن الكاريكاتير وأجادت فيه وتفوقت على الكثيرين من ممارسيه، وقد تميز فنها ببساطته وجماله وعمق دلالته، هذا إضافة إلى ما في فن الكاريكاتير من ميزات لا توجد في فن غيره كسرعة وصوله للجميع؛ فهو لا يحتاج إلى لغات أو ألسن، يفهمه كل ذي عينين أينما كان، وأينما كان لسانه أو جنسه. ولأن أمية وعت أهمية ما أقدمت عليه من اتخاذ الكاريكاتير سلاحاً كالمدفع والرشاش فهي تقول في أحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معها: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخراً للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل فلسطين ومن خارجها، ورغم أنني فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شاباً، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا. فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة". أفراح مسروقة لحظات الفرح والسعادة في حياة الفلسطينيين لحظات مسروقة ومختلسة من دوامة الصراع والمطاردات وملاحقات الصهيونيين الذين لا ترتاحون إلا على أصوات قعقعة المدافع وروائح الموت! لم تدم الزيجة المباركة السعيدة بين رامي وأمية أكثر من عامين فقط، رزقا خلالها بطفلة أسمياها "نور". كانت الأيام الأولى على رحيل الشهيد "رامي سعد" ثقيلة ثقيلة على قلب أمية الملقبة بـ "أم المهدي"، فقد كان رامي يمثل لها الشيء الكثير.. فهو المنظم لحياتها، وكان يتمنى أن يضع كافة أعمالها الفنية رسومات الكاريكاتير على اسطوانات (C.D) خوفاً من ضياعها أو تعرض المنزل لقصف صهيوني غادر. لكن أمية كانت تحس بأن سعادتهما وحياتهما الزوجية لن تطول، وكانت تشعر بأن شيئا ما سيحدث معها وقالت إنه قبل شهر من استشهاد رامي كانت تشعر بالضيق وكانت تطلب منه أن يعرفها على المزيد من الناس، وقالت في حوار معها: "كنت أعلم أنني سأفجع بزوجي "رامي".. لكن هذا قدر الله، الدموع ستكون أكثر في القريب العاجل، لكنني راضية بما كتبه الله لي، ولي الفخر بأنني زوجة شهيد في الدنيا وإن شاء الله زوجته في الآخرة". أمية ترثي "رامي" وبعد أن رزق رامي الشهادة التي طالما تمناها وطمح إليها، سالت عبرات أمية بهذه الكلمات التي تقطر حباً وحناناً، ورضاً بقضاء الله تعالى وأملاً في موعوده، في حزن رصين يحوطه الشعور بالانتصار والأمل في لقاء الحبيب في اليوم الآخر فقالت: سألني: لماذا تبكي المقل؟! قلت له: رامي حبيبي قد قتل أجابني: وهل يُبكَى البطل؟ عاش ما عاش وانتهى به الأجل ليست الرصاصة من أنهت حياته بل هو للرصاصة من قتل قلت: لقد كان لي البسمة والأمل قال: وهكذا هو سيبقى ويظل إنه يرقبك في البيت في الشارع في العمل ويحضن نوراً ويداعبها بلا ملل ويطبع على جبينها ووجنتيها القبل قلت له: وأنّى لك أن تعرف؟ ومن أنت الذي علا صوته وسط السكوت؟ قال: أنا رامي يا أمية أنا رامي يا أمية ألم اقل لك: إن الشهيد حي لا يموت! شيخ الإسلام، وإمام المسلمين.. وقدوة المتنسكين.. ومجدد هدي سيد المرسلين.. ها لقد آن لقلمي أن يتشرف بالكتابة في مناقب هذا السيد الغطريف.. والمتبتل العفيف.. وليت شعري! أنى للأقلام أن تزين تلك المناقب البهية؟! من هو؟ هو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. ذلك النموذج الحي للسلف الصالح.. عاش نفحات أيامه الطاهرات أكثر من ثمانين عاماً.. كانت كأيام الأعراس؛ سروراً.. وبهجةً وسعادةً كاملةً.. ولد بمدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ. وكان في أول أمره بصيراً، ثم أصابه مرضٌ في عينيه سنة 1346هـ فضعف بصره لذلك، ثم ذهب جميع بصره في عام 1350هـ وعمره قريب من العشرين عاماً. بدأ دراسته منذ الصغر، فحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ.. ثم بدأ في تلقي العلوم الشرعية والعربية على كثير من علماء الرياض وأعلامهم.. ومن شيوخه: الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض)، الشيخ سعد وقاص البخاري( من علماء مكة) وأخذ عنه علم التجويد، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ الذي لازمه عشر سنوات، وتخرج عليه في جميع العلوم الشرعية.. ابتداءً من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ وتولى - رحمه الله - كثيراً من المناصب، منها: القضاء في منطقة الخرج، التدريس بالمعهد العلمي بالرياض، وكلية الشريعة بالرياض بعد إنشائها سنة 373هـ. عابد.. زاهد.. جواد.. متواضع كان هذا الإمام آية في حسن العبادة والتهجد.. لا تفتر عزيمته.. ولا تنثني همته.. وأعجب لرجلٍ لم يدع التهجد في سفر ولا في حضر. وها هي السيارة تنطلق ذات مرة بهذا الإمام من الرياض إلى مكة أو العكس.. ولما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل.. قال الشيخ: ما رأيكم لو نِمنَا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟ فوافق الجميع.. إذ إن التعب قد بلغ منهم غايته.. والكل يريد أن يستريح.. وما أحلى النوم بعد التعب! فارتمى الجميع.. ليستسلموا لنومٍ هادئ.. ولكن هنالك رجل التمس راحةً غير راحة النوم.. ولذةً غير لذ' النوم!. إنه: الإمام ابن باز!. فها هو يطلب ماءً.. ويتوضأ.. ثم يقوم متهجداً في صلاة يرجو ذخرها غداً.. ويصلي الإمام العابد ما شاء الله له من الليل.. ثم ينام بعدها.. وكان العجب من نصيب أولئك النفر عندما قاموا إلى صلاة الفجر.. ليجدوا ذلك الإمام الذي تركوه قائماً يصلي؛ فإذا بهم يرونه أيضاً مرة أخرى قائماً يصلي!! كان آخرهم نوماً وأولهم قياماً!! . لم تشغله الدنيا بزخرفها.. ولا ألهته عن تلك المكارم بزهرتها.. وأنى للدنيا أن تملك قلباَ ملكه الزهد. والورع وحب الصالحات؟! وفي سنة 1402هـ قررت هيئة جائزة الملك فيصل العالمية منح الجائزة للإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهي جائزة عظيمة.. ليست بالسهلة! ولعل النفوس تحدثت يومها: أين سيضع هذا الإمام هذه الجائزة؟! ولكن الجواب كان سريعاً! فها هو الإمام يقف شامخاً في الحقل الذي أقيم بهذه المناسبة.. والكل يومها متشوق إلى معرفة مصير تلك الجائزة! وإذا بالإمام الزاهد يعلنها بأريحية بازية.. وزهادة عمرية: "..فإني أبذلها أيضاً، وأهديها أيضاً إلى دار الحديث الخيرية الأهلية المكية؛ معونة لها على ما تقوم به للخدمة الإسلامية، فإن دار الحديث الخيرية الأهلية بمكة تخدم المسلمين أيضاً، وتخدم أبناءهم في سائر أرجاء المعمورة من أفريقيا وآسيا وغيرهما..". يقول الشيخ ناصر الزهراني: "أتيته في يومٍ من الأيام فأخذت أتوسل إليه، وأترجاه وأحاول معه أن يوافق لي على السعي في شراء هذا المنزل الذي يسكنه بمكة، فهو ليس له؛ بل هو مستأجر!. فحاولت إقناعه، وقلت له: لا أريد منك إلا الموافقة، والباقي عليَ. فقال لي: اصرف النظر عن هذا الأمر، أي شئ تحتاجه مني في مساعدة، أو شفاعة للمسمين فلا تتردد، أما لي أنا فلا!!". حقيق بمن كانت تلك أخلاقه؛ أن يزرع الله حبه في قلوب العالمين.. أرأيت كيف أن همه دائماً: أن يسعد المسلمون؟! سهر.. حتى يسعد المسلمون.. وتعب.. حتى يرتاح المسلمون.. وأفتى.. ودرس.. وكتب.. حتى يتعلم المسلمون.. فكان- رحمه الله- لا يُرى إلا في تدريس، أو نصيحة، أو إجابة لمستفتٍ ، أو قضاء لحاجة سائل، أو مجيباً عبر الهاتف، ولم يعرف عنه- رحمه الله- أنه أخذ إجازة خلال عمله! فوقته كله عمل ودعوه، حتى خلال سير السيارة من عمله إلى منزله، فالقراءة عليه مستمرة! وبقي هكذا حتى آخر أيامه- رحمه الله-. ها هي رسالة تأتي ذات مرة من الفلبين إلى مكتب سند المحتاجين.. والرسالة من امرأة تقول فيها: "إن زوجي مسلم أخذوه النصارى، وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة، وأطفالي يتامى، وليس لي أحد بعد الله عز وجل، فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني؟ قال الناس لي: لا يوجد إلا الشيخ عبد العزيز بن باز! فآمل أن تساعدني". فكتب الشيخ إلى الجهات المسؤولة لمساعدتها؛ فجاءت الإجابة: "إنه لا يوجد بند لمساعدة امرأة ألقي زوجها في بئر، فالبنود المالية محددة". ولكن السماحة.. والجود.. وإغاثة الملهوف كانت فوق ذلك؛ فأتت الإجابة من ذاك الإمام إلى أمين الصندوق: "اخصم من راتبي عشرة آلاف ريال وأرسله إلى هذه المرأة!". وهنالك.. وفي أدغال أفريقيا؛ ذهب وفد سعودي في إحدى المهمات، فجاءت إلى الوفد امرأة عجوز، وقالت لأحدهم: أنتم من السعودية؟ فقال: نعم!. فقالت: أبلغ سلامي إلى الشيخ ابن باز! فقال: كيف عرفتيه؟! فقالت: لقد كنت أنا وزوجي عائلة نصرانية وأسلمنا، ولكن طاردنا أقرباؤنا وضاقت بنا الدنيا، فسألت عن مساعد بعد الله، فقالوا: مالك بعد الله إلا ابن باز! فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة، ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل بي وتطلبني بمراجعتها، وإذا بسماحته قد أرسل لها بمساعدة عشرة آلاف ريال، فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك، بعد أن عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون!. وذات مرة دخل أحد الناس على هذا الإمام فقال له: يا سماحة الشيخ، بعض الفضلاء يرون أنك إذا جلست مع الناس وقت الغداء والعشاء وغيرها؛ أنه يجلس معك العاملون والموظفون والعرب والعجم والفقراء ودهماء الناس، وأن في هذا حرجٌ من بعض كبار الضيوف والزوار، فنحن لا نقترح عليك ترك إطعام الناس، وفتح المنزل لهم، ولكن ليكن لهم مجلس خاص، ومكان خاص لأكلهم وشربهم، وأنت وخواص ضيوفك يوضع طعامكم في مكان خاص! فتغير وجه الشيخ من هذه المقولة.. فقال: (مسكين! مسكين ! صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء! أنا سأستمر على هذا، وليس عندي خصوصيات، والذي يستطيع أن يجلس معي أنا وهؤلاء الفقراء والمساكين يجلس، والذي لا يعجبه وتأبى نفسه فليس مجبوراً على ذلك !". من هنا يبدأ يومه يبدأ يوم هذا الإمام قبل الفجر.. حيث يستيقظ في الثلث الأخير من الليل، ويأخذ حظه من الصلاة والذكر، ثم يصلي الفجر وبعد الصلاة يأتي بأوراد وأذكار الصباح، ولا يجيب أحداً حتى يفرغ منها، ثم يبدأ الدرس، حيث يقرأ عليه عدة كتب، ويذيلها- رحمه الله بشروحاته وفوائده، حتى قبيل الساعة السابعة صباحاً، وهذا في أيام الدروس، وأما إذا كان في المنزل، فيجلس إلى الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف أرجاء المعمورة، ثم ينظر في طلبات أصحاب الحاجات، حتى موعد دوامه الرسمي في الساعة التاسعة صباحاً. وإذا وصل إلى مقر الرئاسة، وجد المراجعين قد أخذوا أمكنتهم، فتعرض عليه المعاملات قراءة، ثم يأتي توجيهه في الرد على المعاملة فوراً، وخلال عرض المعاملات يستقبل- رحمه الله - الاتصالات الهاتفية، والتي غالباً تكون في الرد على فتوى، أو استفسار في أمور الدين، وبين الحين والآخر يدخل عليه أناس يريدون الدخول في الإسلام على يديه، وتعليمهم أمور دينهم، وإذا كانت هنالك اجتماعات للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حرص على رئاستها، فإذا كانت صباحاً؛ استقبل المراجعين ظهراً، وإذا كانت ظهراً استقبل المراجعين صباحاً. وإذا أذن المؤذن للظهر ذهب للصلاة في المسجد القريب من المكتب، وربما ألقى بعد الصلاة كلمةً من كلمات وعظه الصادق، ثم يعود إلى المكتب، ويقضي بقية الدوام في المعاملات الرسمية، والنظر في فتاوى الطلاق، وطلب الشفاعة منه من المحتاجين، واستقبال الوفود من الدول الإسلامية وغير ذلك، حتى الساعة الثانية والربع ظهراً، ويحرص- رحمة الله على دعوة كل من يحضره إلى تناول الغداء معه في بيته. وفي منزله العامر يجلس ضيوفه الذين يلقون كل الحفاوة والكرم من تلك الطلعة البهية، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى ضيوفه وجلسائه، حتى وقت أذان العصر، فيصلي في المسجد القريب من منزله، ثم يقرأ عليه شيئاً من الأحاديث؛ ليعلق عليها تعليقات يسيرة، مجلياً لفقهها وفوائدها، ثم يذهب إلى منزله لأخذ قسط من الراحة، حتى وقت صلاة المغرب، فإن كان هنالك درس أو محاضرة أو غير ذلك؛ توجه إلى مجلسه العام؛ لعامة الناس وخاصتهم، المقبلين للسلام عليه، أو استفتائه في أمور دينهم ودنياهم، وهو مجلس تملأه بهجة هذا الإمام، وصدق حبه ووفائه للمسلمين. ويستمر المجلس حتى وقت صلاة العشاء، فيتأهب- رحمه الله- ومن معه للصلاة، وفي المسجد وبين الأذان والإقامة يقرأ عليه من بلوغ المرام، فيشرحه شرحاً دقيقاً، وبعد الصلاة يرجع إلى منزله للنظر في بعض المعاملات الخاصة، ولقاء بعض المهتمين بأمور الدعوة، ثم يتناول مع ضيوفه طعام العشاء، ثم يدخل مكتبته العامرة؛ فلا يزال بين قراءةٍ وإملاءٍ؛ حتى وقتٍ متأخر من الليل!!. وفاة الإمام ياله من جرح فاق كل جرح.. وياله من حزن هان عنده كل حزن.. وياله من يوم ما أشده على المسلمين.. يوم أن قيل: مات ابن باز! يا أمة غاب عنها بدرها الساري وجفّ من أرضها سلسالها الجاري طاشت عقول بنيها من فجيعتها بحادثٍ يلهب الأحشاء بالنار أكثر من ثمانين عاماً من عمر هذا الإمام قضاها في الدعوة إلى الله تعالى.. وخدمة دينه الحق.. والنصيحة للمسلمين. أكثر من ثمانين عاماً مضت في الطاعات! وفي يوم الخميس.. السابع والعشرين من المحرم، سنة أربعمائة وعشرين بعد الألف.. كان الخبر الذي هز أركان الدنيا! وفاة الإمام القدوة المجدد.. شيخ الإسلام.. عبد العزيز بن عبد الله بن باز!. صفحة ما أزهاها قد طويت.. وعين ما أعذبها قد غارت.. لقد كان هذا الإمام قوياً على حادثات الزمان.. لا تضعضعه الآلام.. ولا تهزه الأوجاع.. اجتمع عليه ضعف الكبر.. ووخزات الآلام والمرض.. وهو ماضٍ في طريقه.. أنسته آلام المسلمين آلامه.. وأنسته أوجاع المسلمين أوجاعه..ولكن!! رأيت المرء تأكلهُ الليالي كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنية حين تأتي على نفسِ ابن آدم من مزيد أكثر من ثمانين عاماً؛ ملئت بالأعمال الهائلة.. لو كلفت بها الجبال الراسيات لتضعضعت لها!! لقد كان هذا الإمام صبوراً.. لا يشتكي أوجاعه لأحد.. ولا يبدو عليه ألم المرض وشكواه.. وظل- رحمه الله- إلى آخر يوم في حياته؛ يعلم الخير.. ويقضي حوائج المسلمين.. حتى وهو على سرير "المستشفى العسكري" في "الهدا" في مرضه الأخير!. وتبدأ معنا رحل الفراق لهذا الإمام.. وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله- السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله- لعدم تمكنه من حج عام 1419هـ، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام.. فلقد كان لوجوده- رحمه الله- بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام.. ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله- على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى "مستشفى الهدا العسكري" بالطائف، ومكث به أياماً.. ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر! بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛ وكانت تلك الجلسة هي الجلسة الأخيرة؛ التي جلس فيها كعادته في مجلسه العامر.. يوجه بكلمات نصحه الغالية.. ويستقبل الفتاوى عبر الهاتف!. ثم صلى بعدها صلاة العشاء مع أسرته، وتحدث معهم في مجلس أسري يزينه سماحته رحمه الله تعالى.. وفي تمام الساعة الثانية عشر ليلاً شعر ببعض الآلام في القلب، وضيق في التنفس، وفي الثالثة صباحاً اشتدت به الوعكة؛ فنقل إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف؛ ليفارق بعدها الحياة. وقبل وفاته كان يردد: سبحان الله؛ والحمدلله، والله أكبر.. كلمات لطالما ملأ بها ليله ونهاره.. ولطالما رطب بها لسانه.. لقد كان صباح الخميس صباحاً شديداً على المسلمين! وفي مكة تم غسله وتكفينه بمنزله في العزيزية، وشارك في غسله مجموعة من المشايخ والمحبين.. "ورؤي وجهه وقد اكتسى بعلامات من الضياء، والنور الساطع، فكان بياضه شديداً يأخذ بالأبصار، ويبهر الألباب!". وهنالك وفي الحرم الطاهر.. حيث بيت الله الحرام؛ توافد المسلمون من كل مكان.. ليشهدوا تشييع جنازة الإمام.. شيخ الإسلام.. الذي شهد له بالعلم الموافق والمخالف!. فيا لله! من يوم ما أشد الزحام فيه! امتلأ المسجد الحرام بالخلق! وضاقت ساحاته عن حمل الناس! وقد قدر عدد من شهده بمليونين! الكل يلهج بالدعاء والاستغفار لهذا الإمام.. يوم الجنائز أنت أكبر شاهدٍ للمفترى والعالم الرباني تروي جنازتكم جنازة أحمد أعني ابن حنبل أو فتى حرَّانِ وكانت الصلاة على الجنازة بعد صلاة الجمعة.. من يوم ثمان وعشرين من شهر الله المحرم من سنة ألف وأربعمائة وعشرين.. فرحم الله ابن باز في المرحومين.. وأنزله منازل الشهداء والصديقين.. وأعلى مقامه بمرافقة النبيين.. نكتة سخيفة؛ تلك التي أطلقها مخترع مادة الموت ـ قبل أكثر من مئة عام من اليوم ـ اليهودي "ألفريد نوبل" (1833ـ1896م)، والأسخف منها هؤلاء الذين ما زالوا يضحكون منها لليوم! فضيحة عالمية! ولو عدنا إلى وصية نوبل حول الجائزة لوجدناها مضحكة، إذ سيرة حياة الرجل تخالف وصيته، وتخالف منهج أتباعه الذين حملوا الوصية ليعملوا بعكس ما جاء بها، وهذا ما جعل الكاتب الإيرلندي المشهور "برناردشو" (1856ـ1950م) يقول ساخرا بعد ما رفض استلام هذه الجائزة المشبوهة: "إنني أغفر لنوبل أنَّه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنَّه أنشأ جائزة نوبل". ولعلَّ ما دفع برناردشو إلى رفض الجائزة والتعليق عليها بسخرية هو الانفصام الواضح في الشخصية اليهودية التي تدعو إلى شيء وتعمل شيئاً مخالفا تماماً، ويبدو هـذا أكثر وضوحاً في قـول الأديب اليوناني المعـروف "كازانـتزاكس" (1885ـ1957م) صاحب رواية "زوربا": لم أفهم كيف يتاجر رجل في الديناميت، ثم يدعو للسلام، وينشئ جائزة عالمية لمن يسهمون في خدمته! وقد دفعت شدة المفارقة ووضوح تباين أهداف الجائزة الكاتب الأمريكي "إرفنج ولاس" إلى تأليف رواية مثيرة عام 1965م أسماها "الجائزة" وهي رواية تقوم على كشف الخفايا والأسرار التي تقف وراءها جائزة نوبل وتتحكَّم فيها، كالرشوة، والجنس، والجاسوسية السياسية، والمصالح الاقتصادية، وفساد الضمير، وقد انتهى "ولاس" في روايته الضخمة إلى أنَّ جائزة نوبل هذه ما هي إلاّ فضيحة عالمية! وهكذا كانت نوبل وما زالت فضيحة حقيقية كما وصفها "ولاس" في "الجائزة"، لكنها برغم الحقائق الضخمة التي أوردها "ولاس" في روايته، إلاّ أنَّها تحظى بهالات من الضوء والنفوذ القوي، ومن مُنحها سمع به أهل الأرض، ولا يهم هنا أن يكون من مستحقيها عن جدارة أو من غير مستحقيها، المهم أن يرضي الغرور اليهودي المتغطرس. من هي؟ ولدت شيرين عبادي عام 1947م في مدينة "طهران" وهي متزوجة ولها ابنتان، وعينت كأول قاضية إيرانية عام 1974م، لكنها أقصيت مع قدوم الثورة، لتواصل حياتها الجامعية بانضمامها إلى طاقم التدريس في كلية الحقوق، ثم أنشأت مكتباً للمحاماة. ومن المواقف التي تتخذها شيرين عبادي حيال الشريعة الإسلامية: دعوتها إلى إلغاء إقامة حدي الرجم وقطع اليد في بلادها؛ ليكون ذلك أول مؤشر على إرساء ما تسميه الديموقراطية في بلادها، وذلك في مقابلة معها نشرتها صحيفة "لوموند" الفرنسية يوم السبت 11 أكتوبر. وطالبت بإلغاء الرجم وبتر الأعضاء، وتغيير سن الزواج للشباب المحدد حاليا بسن الثالثة عشر للإناث والخامسة عشر للذكور. وترى شيرين عبادي أن قرارا من هذا القبيل أساسي؛ لأن ذلك يمس حرية وحياة الشعب وأمنه! ودعت إلى الاستعاضة عن الحدود الإسلامية بعقوبات عصرية على غرار كافة البلدان التي تسميها ديموقراطية! وفي المقابلة نفسها تضيف شيرين عبادي أن إيران إذا لم تتطور لن تتمكن من البقاء. ودعت بالتالي إلى إصلاح القانون الانتخابي. وقالت: الأهم الآن هو أن تتم المصادقة على مشروع تعديل قانون الانتخابات الذي قدمته الحكومة؛ حتى يتمكن الناس من انتخاب ممثليهم في البرلمان بحرية. وحذرت من أنه إذا أقدم مجلس صيانة الدستور على عرقلة المشروع فإن الشعب الإيراني سيقاطع الانتخابات المقرر إجراؤها في مارس، كما قاطع السنة الماضية الانتخابات البلدية. وكررت دعوتها إلى فصل الدين عن الدولة. وادعت أن موقفها ليس مناهضا للإسلام، وأن هناك عددا من "آيات الله" يوافقون على فصل الدولة عن الدين. هي ونوبل اختارت لجنة نوبل النرويجية شيرين عبادي من بين 165 مرشحا، أبرزهم بابا الكنيسة الكاثوليكية "يوحنا بولص الثاني" ورئيس تشيكيا السابق "فاتسلاف هافل". سؤال يبحث عن إجابة: لماذا اختارت نوبل "شيرين عبادي" من بين هذه الشخصيات المعروفة التي كانت تعلقت الآمال بفوزها؟ كما يعبر الموسنيور تاديوز بيرونيك، وهو شخصية مرموقة في الكنيسة الكاثوليكية ببولندا، حيث قال: "إن الجمهور سيفاجأ لعدم الاعتراف بالجهود الكبرى التي بذلها البابا من أجل تحقيق السلم". كما قال سائحون زاروا الفاتيكان، في تصريحات للصحافيين، إنه كان يتعين تشريف البابا مكافأة له على معارضته للشيوعية، وأيضا وقوفه في الآونة الأخيرة ضد حرب الخليج. وقد فازت شيرين عبادي بجائزة نوبل لعام 2003 لجهودها في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل وللمناداة بالديمقراطية في إيران. وفي سبيل البحث عن إجابة أقرب للواقع يقول "أحمد الربعي" في زاويته بالشرق الأوسط: "واضح أن فوز شيرين عبادي بجائزة نوبل للسلام هي رسالة سياسية عميقة الدلالة تفتح ملف حقوق الإنسان في إيران على مصراعيه. الإعلان الرسمي للجائزة اختتم برسالة واضحة "نأمل أن تكون الجائزة مصدر الهام لكل المناضلين في إيران والعالم الإسلامي" وهي بالضبط تشبه تلك الرسالة التي قالتها اللجنة بعد تقديم جائزة نوبل لزعيم العمال البولندي ليش فاونسا "إن الكفاح من أجل الحرية يحتاج إلى جهد كبير"!! هل ما زلنا نتذكر أن جائزة نوبل للسلام قد أعطيت في عام 1975 لأندريه سخاروف، المنشق الروسي آنذاك وأحد مهندسي الترسانة النووية الروسية، وأنها كانت رسالة موجهة للاتحاد السوفيتي، وخاصة في ملف حقوق الإنسان، وهل ما زلنا نتذكر أن ياسر عرفات الذي أشاعت عنه الصحافة الغربية بأنه قاتل الأطفال ومختطف الطائرات المدنية قد حصل على جائزة نوبل للسلام؛ لأن تلك المرحلة كانت تتطلب انتقال عرفات من مرحلة المقاومة إلى مرحلة السلام؟!..". عيون تراقب إلى جانب هذا كانت هناك عيون تراقب هذا الفوز وتحلله في أوساط المثقفين والمهتمين من القراء والمتابعين في العالم العربي، استطلع بعض آراءهم موقع الـ " بي بي سي" العربي على الإنترنت فجاءت الآراء متباينة بين مؤيد ومعارض لحصول "شيرين عبادي" على الجائزة، وامتد الأمر إلى اتهامات وجهت للجائزة والقائمين عليها. يقول "كمال هشام" ـ من ليبيا ـ:"للأسف بعد تهميش الأمم المتحدة وتدجينها لصالح أمريكا، وكذلك بعد تسيير وكالة الطاقة الدولية لصالح السياسة الأمريكية يأتي الدور الآن على جائزة نوبل للسلام. للأسف، العناوين الدولية التي يتباهى بها الغرب، الذي يدعي أنه متحضر، أصبحت تسير لصالح رغبات السياسة الأمريكية وتوجهاتها في المنطقة. منح هذه الجائزة ما هو إلا حلقة ضمن سلسلة الحلقات السابقة والتي أدت إلى سقوط هيبة هذه المؤسسات التي تدعي العالمية". أما "أيمن الدالاتي" ـ من الكويت ـ فيقول:" إذا تم تفضيل شخصية غربية على شخصية شرقية في الحصول على جائزة دولية نسارع بالإشارة إلى الأصابع الخفية التي تحارب الشرق ومعتقداته. وإذا فازت الشخصية الشرقية، كحال سيدتنا شيرين، نسارع إلى التشكيك وإلصاق تهم موالاة الغرب على حساب الشرق. لقد أبدعت هذه السيدة واستحقت الجائزة, ولكل الإخوة المتشككين أسأل: ألم تسمعوا تعليقاتها الرائعة عن الإسلام وحقوق الإنسان, وعن رفضها للحلول الغربية لتطبيع حقوق الإنسان في بلدها؟ هذه سيدة عاقلة تعي ما تقول وتعرف ما تفعل. نحن بحاجة لأمثالها في عالمنا العربي. علينا أن نعي جيدا أن الحضارة الأوروبية ليست كالمدنية الأمريكية، وهي تسمح بنوع من العدالة الدولية وتبتعد نسبيا عن ازدواجية المعايير, وتبقي على مسافة بينها وبين الحركة الصهيونية. أوروبا ليست أمريكا دائما". لكن "رائد سليم" ـ من فلسطين ـ يتساءل:" من المعقول أن تعطى هذه الجائزة العالمية ذات الصدى العالمي الواسع على جميع المستويات لمن يستحقها ويعمل من أجلها، ولكن نحن نعرف أن شيرين عبادي عملت من أجل فضح المسلمين، وفضح سياسة بلدها (هي تعتبرها فضيحة) ولكن كل هذا يصب في مصلحة أمريكا وإسرائيل العدو الأول للمسلمين. ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ ماذا فعلت شيرين ل نيل هذا الجائزة؟!". يقول المثل الفلسطيني "الكف ما بتلاطم مخرز" وهو مثل واقعي إلى حد ما؛ لكن هبة دراغمة وأخواتها أثبتن عكس ذلك، فهاهي تنضم إلى قافلة أخذت تغذ السير نحو الشهادة بإرادة قوية وعزم لا يلين، لتسجل لنفسها الرقم 5 بين عذارى الأقصى المبارك اللواتي تخضبن بالدماء بدلاً من التخضب بالحناء وآثرنا الزفاف إلى الجنان على الزفاف إلى أعشاش الزوجية! كانت "وفاء إدريس" أولى من سارعن إلى تدشين هذا العرس البهي خلال غضبة الأقصى التي ثارت في سبتمبر 2000؛ حيث نفذت عمليتها في مدينة القدس يوم 28/1/2002؛ فقتلت أحد الجنود المغتصبين وجرحت مئة وأربعين آخرين. ثم أعقبتها "دارين أبو عيشة" التي نفذت عمليتها في حاجز عسكري إسرائيلي شمال الضفة الغربية في 27/2/2002؛ وهو ما أدى إلى إصابة 3 جنود إسرائيليين. وقامت "آيات الأخرس" من مدينة بيت لحم بعمليتها في 29/3/2002 بأحد أسواق القدس الغربية؛ وهو ما أدى إلى مقتل إسرائيليين وإصابة العشرات، ثم نفذت "عندليب طقاطقة" من مدينة بيت لحم أيضاً عمليتها يوم الجمعة 12/4/2002، وأسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين، وإصابة 85 وذلك في مدينة القدس. هبة العروس ولدت هبة عازم أبو خضير دراغمة عام 1982م "طوباس"، وهي طالبة بالفرقة الأولى جامعة القدس المفتوحة، قسم اللغة الإنجليزية، ببلدتها طوباس، التابعة إداريا لمدينة جنين. كان لديها من الشقيقات ثلاث كلهن متزوجات إلى جانب أربعة أشقاء أكبرهم بكر -20 عاما- وهو طالب في الثانوية الصناعية بـ"نابلس" ومعتقل حالياً في سجون الاحتلال بتهمة التخطيط لشن هجوم استشهادي على إسرائيل. كانت هبة التي التزمت بتعاليم الدين الإسلامي منذ فترة مبكرة من عمرها القصير(19 عاماً) وارتدت النقاب، قد تعرفت قبل فترة على حركة "الجهاد الإسلامي" التي بدأت تعدها لليوم الموعود. وقد جاءت عملية هبة مفاجأة للمحيطين بها وهم الذين عرفوها هادئة وداعة؛ حتى والديها لفتهم الدهشة والذهول من هول ما سمعوا فل يكن يتوقع أحدهما أن تكون هبة على هذا القدر من الجرأة والإصرار، بل لم يتوقعا أن تكون هموم فلسطين قد سيطرت على هذا القلب الأخضر الطري! فشل الأخ في تحقيق حلم الشهادة، لكن هبة استطاعت. هذا ما قالته "ميساء الطوباسي" جارة "هبة ". وتصف ميساء حالة أهالي طوباس بالضفة الغربية بعد وصول نبأ قيام هبة بعملية استشهادية إليهم، قائلة: "الذهول والاستغراب خيم على البلدة بأكملها عندما علموا بنبأ قيام هبة بعملية استشهادية، فلم يكن أحد من أهل البلدة يتوقع أن تنفذ هبة التي عرفها المقربون بالوداعة والهدوء". كما أشارت إلى أن أسرة هبة لم تصدق نبأ وقوفها خلف العملية الاستشهادية في "العفولة" لأنهم كانوا يعتقدون أن هبة غادرت المنزل في ساعات الظهر قاصدة جامعة القدس المفتوحة في طوباس حيث تدرس اللغة الإنجليزية. أما والد هبة فبعد أن سمع من الناس في الشارع عن تنفيذ ابنته لعملية استشهادية، ذهب مسرعاً لمنزله، فلم يجدها هناك، وبعدها ذهب لمنازل شقيقاتها الثلاث ، فلم تكن هناك أيضا، فأيقن صحة الأنباء التي يتناقلها أهالي البلدة. "ثأر العفولة" في نفس اليوم الذي كانت فيه وزارة "أبو مازن" تتلقى التهاني بعد تصديق المجلس التشريعي عليها، يوم الثلاث 29/4/2003م قام العدو الإسرائيلي باغتيال "محمود صلاح" قائد كتائب شهداء الأقصى في بيت لحم ومساعده "عدنان الجواريش". في اليوم التالي وفي الوقت الذي كان "أبو مازن" يتسلم نص خريطة الطريق ارتكب العدو الإسرائيلي مذبحة "حي الشجاعية" في مدينة غزة التي سقط فيها خمسة عشر شهيدًا من بينهم طفل رضيع، وثلاثة أشقاء هم القائد في كتائب القسام "يوسف خالد أبو هين" وشقيقاه محمود وأيمن، والشهيد الأديب الشاعر رامي سعد. ولم تمض أيام قليلة حتى قامت طائرات العدو الإسرائيلي باغتيال "إياد عيسى البيك" أحد كوادر القسام في غزة، واستمر مسلسل الاغتيالات الذي طال عشرات الكوادر الفلسطينية، واستمرت عمليات التوغل الإسرائيلية داخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وما يرافق هذا التوغل من قتل وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها وتجريف الأراضي . ورداً على مسلسل الإجرام الصهيوني، كان ثأرت هبة دراغمة لدماء أبناء فلسطين، فقامت بتفجير جسدها الطاهر في مدينة "العفولة" شمال فلسطين المحتلة يوم الاثنين 19/5/2003م، بعدما نسقت مع سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي وانطلقت ونفذت عمليتها وقد تبنت حركة الجهاد الإسلامي العملية في بيان رسمي. رحم الله "هبة دراغمة" وتقبلها في الشهداء برحيل الفنانين خليفة القَطان وعبد الله القَصَّار يغيب عن ساحة الفن التشكيلي الكويتي رائدان ساهما في غناها خلال القرن العشرين. من اليسير أن يحظى الفنان التشكيلي الراحل خليفة القطان (1934 ـ 2003) بلقب رائد الحركة الفنية التشكيلية في الكويت, ليس فقط لمحاولته ابتكار أسلوب خاص به في الرسم أسماه الدائرية (السيركليزم), معتمدًا الجذور الفلسفية في الصراع الإنساني في لوحته التي تمثل تعبيرية انطباعية خاصة, ولكنه ـ أيضا وبشكل أساسي ـ رائد في النهوض بالمرسم الحر للفنون الجميلة, أساس انطلاقة الفن التشكيلي بالكويت, وهو ثاني الفنانين الملتحقين به في العام 1964 بعد أن سبقه الفنان عيسى صقر بثلاث سنوات. ولا شك في أن الرحلة التي بدأت منذ مولده في يناير 1934 حتى التحاقه بالمرسم الحر, فإدارته له, ومساهمته الكبيرة في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في العام 1968 شكلتها ميوله الفنية مثلما ساندتها روحه المناضلة التي حاول أن يظهر تمردها في الرسوم والمنحوتات معًا. وقد اختير خليفة القطان رئيسًا للجمعية, ليحقق أول أحلامه بتشجيع كل الفنانين للانضمام لها, وإقامة معرض سنوي خاص لهم. وتدشين بينالي الكويت عام 1969. وفي عام 1971 عندما أنشئ الاتحاد العام للفنانين في دمشق, كان القطان أحد أعضائه المؤسسين ممثلاً للجمعية الكويتية. وقد أسعفته الموهبة, وكونه مدرسًا في سن 17 لمواد دراسية عديدة بينها الفن, لينظم في عام 1953 أول معرض فني شخصي كويتي في المدرسة خلال مهرجان محلي, قبل أن ترعى إدارة التربية أول معرض فني جماعي في البلاد شارك هو أيضا فيه سنة 1958. وقد سافر القطان إلى بريطانيا للدراسة في معهد ليستر للفنون والتكنولوجيا, حيث أمضى وقته بين الهواية والعروض الفنية, حتى نال دبلومًا في الأعمال الخشبية سنة 1958. وبعدها عاد للكويت ليعلم في كلية التكنولوجيا. وللقطان مع الريادة موعد متجدد حين ينتقي بعض أعماله فيقيم بها معرضين آخرين خارج الكويت عام 1962, أحدهما في القاهرة والثاني بمدينة فيرارا الإيطالية, ليبدأ انطلاقة لم تتوقف, بين ألمانيا الشرقية والبحرين ومصر والمغرب ولبنان وتونس وقطر والعراق وفرنسا وبريطانيا والصين عام 1981, حيث حل معرضه ضيفا لمدة شهر بالعاصمة بكين في قاعة الفن الحديث. كما كان القطان أول فنان كويتي يتعاون مع إدارة الطوابع البريدية في الأمم المتحدة منذ منتصف الستينيات إلى جانب نشاطه داخل الكويت. تتذكر زوجته الفنانة ليديا القطان معرضين له: (في عام 1975 أثار القطان ضجة عندما أقام معرضا يضم 35 عملاً فنياً تحت اسم (التفاحة). وكانت مدته المقررة أسبوعا واحدًا لكنه استمر شهراً كاملاً. ورغم حساسية موضوع الجنس في المجتمع وجرأته, استقبلت أعمال القطان الفلسفية في الفن بنجاح من قبل الجمهور, ظهر في مقالات مطولة ورسوم كاريكاتورية في المجلات والصحف, وجمع القطان ذلك كله في كتاب اسماه (التفاحة), أما المعرض الآخر بعنوان (النساء اللواتي شاهدت) عام 1978, فكان يفتقد جرأة المعرض السابق ولم يثر أي جلبة. ومنذ منتصف الثمانينيات بدأ إنتاج القطان الفني يتراجع, وقل التزامه بالحركة الفنية التي قادها لعقدين من الزمن. إن تغير مزاجه أثر في فنه. وافتقد الحركة الدرامية والنقد الساخر اللذين لازما عمله خلال الستينيات والسبعينيات, عندما قدم نظريته الفنية (الدائرية). وصار يرسم لوحات من الطبيعة أقل هدوءاً وخاصة الأشجار التي يعشقها, ويجد فيها تعبيراً حقيقيا عن روحه). حين التقيتُ الفنان خليفة القطان هذا العام في أحد المعارض التشكيلية الكويتية التي ظل يحرص على متابعتها رغم الغياب عن المشاركة فيها, قرأتُ وراء الجسد النحيل, والعدسات السميكة, والكلمات الرقيقة ما فسر لي هذا العزوف الذي تحدثت عنه زوجته. وتساءلت آنذاك: هل أحس القطان أن دور الفنان في العصر الحديث, بكل تقلباته المادية العاصفة, لم يعد يستحق كل هذه المعاناة, وهو الذي طالما عانى في معالجته لآفات المجتمع, حين فجرها بشكل مأساوي, بحثا عن العلاج, باللون, والريشة? لكن القطان غاب دون أن يجيب! الفنان والبيئة وإذا كان الفنان خليفة القطان قد اتخذ من قضايا المجتمع (الذهنية) مادة لأعماله التشكيلية, فإن الفنان عبد الله القصار (1941 ـ 2003) كان يرى في أن البيئة (المادية) هي البطل, وأن الفنان منوط به إعادة تشكيل أدوار أبطاله في صياغة فنية جديدة. وربما تكون سنوات القصار في القاهرة التي بدأها بدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة, واختتمها بانخراطه في مرسم الأقصر حتى نال جائزة الرسم الأولى فيه, لعل هذه السنوات هي التي رسمت طريق القصار الفني الذي تميز به. فخلال هذه الرحلة ينتقل الفنان عبد الله القصار من فطرية تناول المشاهد الكويتية للبحر والإنسان إلى رؤية خاصة, يغيب فيها التشخيص مع غياب ملامح الوجه, في الوقت نفسه تكتسب خطوط الجسد والأشياء حوله خصائص مشتركة. وكأنه يجد في لوحته ما يمكن أن نعتبره أصل الأشياء. في لوحته (وحش البحار) ـ على سبيل المثال ـ يتجلى منهج الفنان الرمزي حين يختزل الصراع بين الإنسان والمجهول, إلى معركة بين سمكة قرش وبحار. ورغم انشغال القصار بالبحث عن بيئة مشتركة تجمع قطبي المعركة, نجده يضعهما في فراغ يجمع بين لوني البحر والبر, سواء في دوائر الظلال الزرقاء المائية أو الرملية الصفراء, أو الخلفيتين أيضا. إن مشهد المعركة يبدو مثل رقصة, لكنها رقصة الموت ـ كما يبدو ـ حيث إن النهاية لن تكون إلا بغياب أحدهما, على الأقل. أليست لوحة تسجل سنوات صراع البحارة على متون السفن القديمة مع مياه أعالي البحار وأخطارها, أو سيرة هؤلاء الذين أمضوا العمر في الغوص بحثا عن اللؤلؤ? إن اختيار القصار إبراز العضلات الإنسانية لكسب المواجهة يبرر أحيانا استخدام القوة حين يغيب العقل. يتناول القصار الأدوات اليومية للإنسان الكويتي/الخليجي ليعيد صياغتها بشكل لا يمكن أن نسميه بالرمز المطلق, إنها تعبيرية اختزالية, تبحث عن التوازن في اللون, وتوزيع الخطوط, لتحقق فنها الخاص. في موكب العرس نتذكر العروس والهودج والناقة التي تحملهما, لكن القصار يضيف في لوحته (العروسة) السدو (السجاد البدوي) والغزال الذي لا شك يرمي بالمخيلة إلى الصحراء والرشاقة, ونباتات الصبار, التي قد تعبر عن الصحراء أيضا, وربما تختزل حكمة الاحتمال التي توصى بها العروس في رحلتها للبيت الجديد. إن لوحة القصار تأخذ من اليومي المعيش فتمرره في مصفاة تشكيلية مميزة, فيها من الجمالية ما يسهل قراءتها, حتى على هؤلاء الذين لا يعيشون طقوسه, وخاصة حين يبتعد عن التراث المحلي فيتناول سيرة آدم وحواء على سبيل المثال. وهكذا يضع عبد الله القصار لوحته في خدمة تراثه, ليس فقط التراث البحري, والعادات التقليدية, بل أيضا تلك الحكايات الشعبية التي تشغل حيزها الأثير في التراث المحكي لدى كل أفراد الأسرة بشخصياتها الخرافية المخيفة. ورغم ضيق الاختيارات, وانغماس الجميع في استلهام الموروث نفسه, يستطيع القصار أن يجد لنفسه تلك الريشة الخاصة. وقد منح القصار جائزة الدولة التشجيعية في الفنون للعام الماضي (2002م) عن عمله (الأطباق الطائرة), بعد فوزه بعدة جوائز منها ميداليتان ذهبيتان للمركز الأول في الرسم عامي 1972 و1973 بمعرضين للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية, كما ظل أمينا عاما للمرسم الحر بين عامي 1971 و1982م. لكن اسم الفنان يظل مرتبطا بواحدة من أكثر أحداث الفن التشكيلي فرادة في الكويت, وربما في العالم العربي كله, حين قرر ناقد فرنسي ومقتن وتاجر أعمال فنية هو هرفيه أدورمات أن يحتكر لوحة شهريا من إنتاج الفنان عبد الله القصار, مقابل راتب (فيما يشبه منحة تفرغ), ليروجها له في أوربا, مثل ما فعل مع كثيرين كالبلغاري كازاكوف الذي طافت أعماله العالم بين باريس وطوكيو. وإذا كنا نعرف تراث القصار في بلده, يبقى البحث عن مصير أكثر من 20 لوحة نفذها خلال عامين من هذا الاتفاق مجهولا. كان للأديب والفنان الفرنسي الشهير (أوجين فرومنتان) 1820 - 1876 دور بارز في حركة الفن الاستشراقي - في أوج مجدها - في منتصف القرن التاسع عشر. تميز فرومنتان بنظرة جمالية جمعت بين الرومانسية والفكر الواقعي.. كان جذابا (مفرط الحساسية) شديد التأثر والانفعال, وقد وصفته الكاتبة الفرنسية الشهيرة (جورج صاند) المعاصرة له, بقولها: (إن تكوينه غاية في الرقة) ووجهه يأسر الناظر إليه بكل ما يعكسه من تعبير, وحديثه مثل لوحاته وكتاباته: متألق, حيوي, خصب, بحيث يمكنني أن أنصت إليه طوال حياتي!.. إنه ينعم بتقدير يستحقه, فقد كانت حياته كروحه نموذجا للرقة والذوق الرفيع والتميز). تأثر فرومنتان بالمناخ الثقافي والفني الذي كان يسود باريس في ذلك العصر, وتغيرت معالم شخصيته تماماً, عندما أدرك عدم جدوى دراسته, وقد أنهى دراسة الحقوق بجامعة باريس عام 1843, فبدأ يعيد تكوينه الثقافي من جديد, بحضور محاضرات أعلام الفكر: أوجار كينيه, ميشليه, سانت بوف وغيرهم, وبدأ الدراسة الأكاديمية لفن التصوير في أتيليه الفنان (ريمون).. ثم في متحف الفنان (لويس كابيه) وتوطدت صداقته بالفنان المستشرق (شارل لابيه). كان فرومنتان دائم الإشادة بعالم الشرق, وبعظمة شعوبه التي استطاعت الحفاظ على جمال الحياة والعادات والتقاليد الموروثة, وتميزت إبداعات هذا الفنان برهافة الحس, والمعرفة الدقيقة للعنصر الإنساني وللطبيعة ومتغيراتها, وملاحظة أثر المناخ على السلوك ونمط الحياة خاصة في الصحراء, وقد سعى إلى تخليد مناظر الطبيعة الجزائرية, كما خلد ماريلا الطبيعية المصرية..! دومينيك..! بالرغم من أن (دومينيك) هي الرواية الوحيدة لفرومنتان, فإنها تبوأت مكانة خاصة في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر, وعدها النقاد أحد معالم الرواية الرومانسية, فهي تعتمد على تحليل النفس البشرية وما يختلج بداخلها من مشاعر وانفعالات, وقد عبر فيها فرومنتان عن تجربته العاطفية التي عاشها وهو في الثانية عشرة من عمره, في إطار من التسامي والمثالية. وعن هذه الرواية يقول الناقد (إيميل فاجيه) في كتابه: تاريخ الأدب الفرنسي (.. إن دومينيك من الروائع النادرة في الرواية النفسية, والرواية النفسية تعتبر أسمى أشكال الأدب الروائي, مما يدل على مدى صعوبتها, وفي واقع الأمر, فإن أكبر الأدباء لا يمكنه كتابة أكثر من رواية نفسية واحدة - هي روايته التي عاشها - بشرط أن يكون موهوباً)! كان فرومنتان وهو في الثانية عشرة من عمره, قد وقع في غرام (جيني) ابنة الجيران التي تكبره بأربع سنوات, والتي لم تر في غرامه سوى طفولة طائشة! وعندما تزوجت جيني, كاد فرومنتان يفقد صوابه, فكان أن أرسلته أسرته إلى باريس ليدرس القانون, وفي كل إجازة يعود إلى مدينة (سان موريس) ليظل بجوار جيني فتاة أحلامه, التي بادلته الحب وتوثقت علاقتهما, حتى توفيت وهي في السابعة عشرة من عمرها أثر عملية جراحية عام 1844, ولحظة دفنها, أقسم فرومنتان أن يخلد ذكراها, فكانت رائعته (دومينيك) التي كتبها بعد وفاتها بخمسة عشر عاما. صيف في الصحراء..! وتلبية لدعوة الفنان (لابيه) قام فرومنتان بزيارة الجزائر سراً عام 1845 حيث كانت أسرة لابيه مستقرة بمدينة (البليدة) وكانت عائلة فرومنتان تعارض اتجاهه للفن, فسافر دون علمهم, واستمرت الرحلة لمدة شهر, أثمرت حصيلة إبداعية هائلة, وكتب لوالده رسالة, أوجز فيها انطباعاته الدافقة: (.. قد أكون مخطئاً, غير أن رحلتي هذه, وتوجه أفكاري الجديد, وذلك الدرس الرائع الذي تعلمته في بلاد الضوء الساطع, والألوان الصاخبة, والأشكال الغريبة, يعد تقدماً في عملي, سيغدو ملحوظاً يوماً بعد يوم, وكل هذه المعطيات, تمنحني زخماً جديداً, وتكسبني حماسة وقوة جديدين). في صالون باريس 1847, عرض فرومنتان ثلاث لوحات, تعرض مشاهد جزائرية, قدمته بنجاح إلى الجمهور الفرنسي. لقد بلورت أرض الجزائر العملية الإبداعية والروحية لهذا الفنان, ودفعته إلى معايشة الحالة الروحية للشرق, وتسجيل كل مظاهر السلوك والعادات والتقاليد, والطقوس الدينية, والحكمة, وحب الأرض وعشق الطبيعة, ووصف حياة القبائل العربية, في كتابيه: (صيف في الجزائر) و(سنة في الساحل), وقد أشار في هذين الكتابين, إلى سعيه الدائب لإكساب الصورة الشرقية: نبل وقدسية الكتاب المقدس وعظمة العصور القديمة, فعلى سبيل المثال, كان يقارن دائما بين نساء الجزائر وصورة (راحيل في الكتاب المقدس) ويقارن الراقصة العربية بالليدي ماكبث! إن تعطش الفنان للعثور على شيء ما جديد في الشرق الفني جعله يوغل في عمق الطبيعة الجزائرية ليزور المناطق التي لم يزها أحد من قبله, (الصحراء الجزائرية حيث درجة الحرارة في الظل صيفاً تبلغ 60 درجة مئوية), وبما أن الرومانسيين الأوائل, وفناني الاتجاهات الفنية الأخرى كانوا حتى هذا الوقت قد استنفدوا في أعمالهم الاستشراقية كل ما من شأنه أن يثير الدهشة من مواضيع, وصور وألوان, وأنماط, واستكملوا تقريباً الصورة الرومانسية الاستشراقية. وقاد ذلك فرومنتان إلى تركيز هدفه على الكشف عن (رؤية) جديدة للشرق مغايرة لكل ما سبقها. فقرر أن يعيش بنفسه عالم الشرق الأنقى في (الصحراء), وأن يجرب أثر المناخ على أحاسيسه من (الداخل). ولم تراود الرغبة فرومنتان وحده فقط, بل يكفي أن نتذكر ماريلا, الذي تأثر به فرومنتان من الناحيتين الإبداعية والمعيشية, وكذلك جيراروي نرفال (الذي عاش بين العرب ودرس لغتهم) فكتب يعبر عن رغبته هذه قائلاً: أريد أن أتغلغل عميقا في العالم الأليف لهذا الشعب لإدراك أصالته, وأعتقد بأن بلوغ هذا الهدف ممكن فقط عبر الاقتراب من هذا الشعب أكثر). لقد سعى فرومنتان لتخليد مناظر الطبيعة الجزائرية من المنطق نفسه للصبغة المحلية ولعبة الضوء واللون مثل لوحة ذكريات جزائرية, (متحف الفنون الجميلة في الجزائر). فتتراجع فيها أطلال الآثار المعمارية المحلية (بقايا أعمدة وقناطر), إلى خلفية اللوحة, التي تزين مقدمتها بألعاب الفرسان, دون المبالغة بتجسيد التفاصيل المعمارية. ويمكن تفسير هذا التوجه بسبب طبيعة الآثار الجزائرية التي وقعت تحت نظره والتي تخلو من المواصفات التعبيرية وحجم الموضوع المرئي الذي يتبدى في شكل الآثار المصرية. وفضلا عن ذلك فن العمارة لم يدخل في إطار اهتمامه, بقدر الطبيعة, فهو يسعى لرؤية المنظر الطبيعي الشرقي (بمنظار جديد)! مما لا شك فيه أن إقامة فرومنتان في الجزائر لفترة طويل مكنته لاحقاً, أي في الخمسينيات, من إيجاد ذاته في لوحات شرقية صميمة تصب في جوهرها في التوجه الرومانسي الغريب, غير أنها تنم عن فكر جمالي نظري منبعه الملاحظة الدقيقة لمتغيرات طبيعة الشرق, وأثر المناخ على السلوك ونمط الحياة وبخاصة في الصحراء. لقد أنجز فرومنتان عدداً من لوحات (الصيد), الفكرة التقليدية الاستشراقية التي تغلغلت في الفن الأوربي منذ القدم (مع تغلغل الموتيف الفرعوني والبابلي والآشوري والفارسي). لقد أعاد الفنانون الرومانسيون - من خلال مشاهد الصيد - للشرق ماهيته الفنية الحياتية التقليدية, لاسيما أنهم رأوا فيه تعبيراً عن تعطشهم للغريب والمدهش والغامض! أنجز فرومنتان العديد من مشاهد (الصيد) التي ميزته كفنان استشراقي يسعى دائما إلى (التفرد) في رؤيته للشرق التقليدي. إن (مشهد (صيد الصقور) يعتبر أحد مشاهد الصيد الشرقية التقليدية والمفضلة لدى العربي في الصحراء, ولدى بحث فرومنتان عن مشاهد معبرة عن (روح الشعب) الصحراوي, رأى في مشهد صيد الصقور, صورة شرقية بحتة لم يصورها قبله أحد من الرومانيين فالصقر طائر الصحراء الجارح, وعملية صيده مفعمة بالبطولة, ل أن المعركة بين الإنسان والحيوان لا تدور على الأرض (كما في لوحات سابقيه) بل بين مخلوق الأرض ومخلوق السماء. فتظهر في لوحته (صيد العرب للصقور) صورة الفرسان العرب على صهوات جيادهم الرشيقة يتابعون حركة الصقور في السماء على عدة فرق تتوزع على مساحة مجرى مائي (ساقية, أو نهير) بينما تلف فضاء اللوحة غلالة ضبابية شفافة من انعكاس ضوء المساء الأصفر الباهت على صفحة الماء الفضية, بحيث تشترك السماء والأرض في سيمفونية لونية متناغمة! عايش فرومنتان (الصحراء) سنوات طويلة, فأحسها بكل كيانه الروحي والجسدي, حتى ألهمته لوحات متميزة خالدة, ومثلت لوحته (العطش) قمة إبداعاته عن الصحراء, حيث تتجلى الصورة التراجيدية لحياة الإنسان في الصحراء القاسية! كذلك لوحته الشهيرة: (مشهد صحراوي) أو (لصوص الليل) التي جسدت روعة الليل في الصحراء, وصورت مظهراً من مظاهر الحياة البدوية! وعقب ثلاث رحلات طويلة إلى الجزائر, نشر فرومنتان كتابه (صيف في الصحراء) عام 1857, ثم كتاب (سنة في الساحل), عام 1859, وقد كتب عنهما الناقد الفرنسي (لويس جونس) في كتابه: (أوجين فرومنتان مصوراً وأديباً) قائلا: (إن كتاب الصحراء هو الصيف الإفريقي بعينه, بكل ما فيه من أضواء وألوان صاخبة عنيفة, وهدوء قاتل, وخشونة وشاعرية غريبة, أما كتاب الساحل, فهو الجزائر بذاتها.. الجزائر الضاحكة المخضرة بسمائها المتغيرة وسحبها وألوانها المختلفة وانعكاسات الأضواء, والجبال الشاهقة وآفاق بلا نهاية)! وبدعوة من الخديو إسماعيل, شارك فرومنتان في احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1869, وقدم صورة صادقة متعددة الألوان عن مصر وكان في أعماقه شاعراً, أكثر منه مصوراً, حتى أنه عندما رحل إلى مصر لم يكن معه أدوات للرسم, وإنما اصطحب معه مفكرة لرصد انطباعاته والتي كانت وبحق أبدع مذكرات سجلها فنان, ومن أشهر لوحاته المصرية (لصوص الخيل في الصحراء) و(الغروب على شاطئ النيل) و(النوبيات على شاطئ النيل), التي أبرزت قدرته الخارقة على التلاعب بالدرجات اللونية, وهذه المقدرة الفنية أتاحت له وصف أدق الفروق اللونية التي تطرأ على مياه النيل, فهي تارة في لون الوحل, عسلية اللون, رمادية, فضية مخضرة أو زرقاء قاتمة. وتدل إبداعات فرومنتان على عمق ثقافته وسعة اطلاعه ونزوع إلى الابتكار والتميز, وكان يعشق العزلة ليعيش (خارج الزمان والمكان)..! ووصف نفسه بأنه: (ليس رحالة يصور كل ما تقع عليه عيناه, بل هو فنان يرتحل وراء ما ينبغي تصويره, محاولاً التمييز بين الجميل والغريب). ٿي السادس ٿالعشرين من يناير 2003 الماضي انطٿأت شمعة حياة أهم ٿأٿبر مستشرقة ٿي القرن العشرين, ٿانت من أٿبر عشاق الشرق ٿالإسلام. نعم هذا هٿ التعبير الصحيح, ٿهي بلا منازع الأٿبر ٿالأهم (ٿهذا ٿي الٿاقع لا يٿيها حقها أيضا).... ٿمن الطبيعي أنها ٿانت عالمة عظيمة, ٿمعرٿٿة على مستٿى العالم, إلا أن العالم مليء بالعلماء المشهٿرين ٿي ٿل الميادين ٿالاختصاصات, ٿما يميز آنا ماري شيمل, هٿ حبها للناس, ٿأمانيها أن ترى الخير ٿالإيجابيات ٿي ٿل مٿان, ٿأن يصبح التٿاهم بين البشر من أعماق أنٿسهم. ٿأشد ما ٿانت تبغض ٿي هذا العالم المحاٿلات المقصٿدة, (ٿعند الٿثيرين غير المقصٿدة), للتقليل من قيمة الناس الآخرين, ٿقلب الثقاٿات ٿالحضارات الأخرى رأساً على عقب, ٿالاستهزاء بطرق تٿٿير هؤلاء الناس, ٿاعتبار الرأي الذاتي هٿ المقياس ٿهٿ الحٿم. لقد أحبت آنا ماري شيمل الشرق بٿل أبعاده ٿمعانيه ٿسحره, ٿخاصة الناس ٿيه, ٿنذرت ٿل حياتها لبناء الجسٿر بين الشرق ٿالغرب, تماما ٿما ٿعل بعض المٿٿرين الألمان ٿقبل مائتي سنة. ٿأذٿر هنا خصٿصاً الشاعر جٿته ٿالشاعر رٿٿيرت اللذين ٿانا مقياسها ٿي رٿائع الشعر. ٿلم تٿن هذه الجسٿر مبنية على أسس علمية بحتة ٿقط, بل ٿانت مبنية على الحب ٿالتٿهم. ٿٿانت إنسانة من الطراز القديم عن قصد ٿعمد. ٿهي لم تٿتب ٿي حياتها ٿتابا عن الاجتماعيات, أٿ عن النظم السياسية. بل اقتصر عالمها على القصائد ٿالشعر, ٿعلى الأدب التقليدي الٿلاسيٿي, ٿٿانت ٿي أعماقها عاشقة ٿٿيّة لٿبار شعراء العصٿر الماضية ٿالحاضرة, ٿما ٿجدت الأجٿبة الحقيقية لقضية الإنسانية سابقا ٿلإنسان عصرنا هذا. نذرت آنا ماري حبها ٿتعاطٿها ٿاهتمامها لأٿٿار الصٿٿية بأشٿالها العربية, ٿالترٿية, ٿالٿارسية ٿالأٿردية. ٿأعادت مقارنتها دائما مع أٿٿار التصٿٿ الأٿربية ٿخصٿصا الألمانية ٿي القرٿن الٿسطى. ٿأعتقد جازما بٿجٿد استمرارية للٿٿر بين الماضي ٿالحاضر, ٿالتي تعطي لبعض الأماٿن خصٿصيتها, ٿلهذا لم تٿن مجرد مصادٿة أن تٿلد آنا ماري شيمل ٿي عام 1922 ٿي مدينة إرٿٿرت التي عاش ٿعلّم ٿيها المعلم الرئيس إيٿارت, ٿهٿ المٿٿر الأٿثر عمقا للصٿٿية الأٿربية قبل سبعمائة عام خلت. ٿٿي قلب ترٿيا ٿي قٿنيه مدينة مٿلانا الرٿمي, ٿانت آنا ماري تقضي دائماً ٿترات طٿيلة من التأمل, ليس ٿقط من أجل الدراسة بل أيضاً من أجل الٿهم ٿالتٿهم ٿتعيد. ٿتبت آنا ماري شيمل ٿي حياتها العلمية الحاٿلة 120 ٿتاباً, أٿ ما هٿ أٿثر من ذلٿ. إذ من الصعب حصرها بالتحديد, حيث ٿتبت العديد منها باللغة الألمانية, أٿ بالإنجليزية أصلا, ثم أصدرتها ٿي ترجمة منقحة جديدة إلى هاتين اللغتين... هل هما ٿتابان, هل هٿ ٿتاب ٿاحد, سؤال بسيط ٿي مسألة بسيطة, إذا ما قٿرنت بالسؤال الأساسي لٿبار مٿٿري التصٿّٿ عندما يتعلق المٿضٿع بماهية الرٿح أٿ الله. ٿقد لا تٿٿن أجمل أحجارها الٿريمة ٿي حياتها هي أبحاثها المهمة ذات الثقل العلمي ٿمجلديها حٿل الحضارة الإسلامية ٿي الهند, أٿ أعمالها المرجعية الأساسية ٿي ٿن الخط, أٿ (أبعاد التصٿٿ ٿي الإسلام), بل قد تٿٿن (الجنان الصغيرة) أٿ (زهٿر الحدائق ٿي الإسلام). ٿأخيرا ٿليس آخرا (القطة ٿي الأدب الإسلامي). أٿل مستشرقة ٿلدت آنا ماري شيمل ٿي ٿسط سنٿات صعبة من القرن العشرين, ٿٿي عام ٿلادتها 1922 ٿانت الحرب العالمية الأٿلى قد ٿضعت أٿزارها لبعض الٿقت بعد أن قضت على الملايين من الألمان, ثم تٿٿل المرض ٿالجٿع بالقضاء على ملايين أخرى ٿي أعقاب الحرب, ٿجاء التضخم المالي ٿنتيجة مباشرة للعقٿبات ٿالشرٿط التي ٿرضها المنتصرٿن ٿي الحرب, حيث قضى على ٿل الملٿيات الخاصة, ٿأصبحت حسابات التٿٿير ٿي البنٿٿ غير ذات قيمة, ٿٿي النهاية أصبح الدٿلار الٿاحد يعادل أٿثر من 4000 مليٿن مارٿ. عاشت آنا ماري شيمل ٿل هذه المصائب ٿالنٿبات ٿي عائلتها, ٿلم يٿن ٿالداها من أصحاب الثرٿة, بل ٿان مٿظٿاً ٿي دائرة البريد, ٿراتبه يضمن الخبز اليٿمي لأسرته. ٿٿانت التربية الألمانية الٿلاسيٿية, ٿالاجتهاد, ٿالتٿاضع, ٿالنظام هي السائدة ٿي ذلٿ البيت. ٿالتسلية ٿاللهٿ أٿ حتى تبديد الٿقت, ٿان يعتبر ٿي ذلٿ البيت خطيئة لا تغتٿر. آنا ماري شيمل لم تملٿ جهاز تلٿاز ٿي بيتها حتى مماتها, ٿبالمقابل ٿان منزلها مليئاً لا بل محشٿّاً بآلاٿ الٿتب. ٿي عام 1937 قررت آنا ماري شيمل تعلم اللغة العربية بٿل طاقتها, ٿٿان عمرها حينذاٿ خمسة عشر عاما ٿقط. ٿقد ٿسرت ذلٿ بتراث عائلتها, التي ٿانت تقطن ٿي منطقة ٿقيرة جدا على الشاطئ الألماني لبحر الشمال ٿحيث اعتاد الرجال الخرٿج بسٿنهم دائماً إلى البحار البعيدة, يمارسٿن التجارة مع القارات النائية. جد آنا ماري شيمل ٿان الأٿل ٿي العائلة الذي امتلٿ سٿينة شراعية ٿبيرة, ٿبعد سنٿات من التجارة الجيدة حدثت الٿارثة التي اعادت العائلة ٿلها إلى براثن الٿقر, حيث اصطدمت السٿينة بالقاع ٿي بٿرتٿ الليغرة ٿي جنٿب البرازيل ٿغرقت. لٿن ما بقي من تقاليد عائلة البحارة التجار هٿ الانٿتاح على العالم الخارجي البعيد, ٿٿي الٿاقع ٿإن التجارة تٿٿن ممٿنة ٿقط عندما يتقبل هؤلاء التجار الناس الآخرين ٿما هم. ٿطبعا يذٿرني هذا بتاريخ الٿٿيت البحري التجاري. ثم جاء الداٿع الآخر لها لتقرر طريق حياتها, متأثرة بأمها ٿهٿ الاهتمام بالعقل ٿالتٿٿير, ٿقد ٿانت أمها تٿره مشارٿة النساء الأخريات تمضية الٿقت ٿي احتساء القهٿة ٿالدردشة التي لا تٿيد بشيء. ٿهٿذا ٿان بيت عائلتها منٿحتاً على العالم, يدرٿ بأن ٿراء الحدٿد الذاتية يٿجد أناس آخرٿن, ٿحضارات أخرى, ٿهذا ما أرادت تلٿ الٿتاة الصغيرة أن تستٿعبه, ٿشعرت بلا ٿعي بأن ذلٿ لن يٿٿن سهلا أبدا, ٿأنها لن تتمٿن من إنجاز ذلٿ بصٿرة جانبية, ٿأن عليها أن تعمل بجد ٿحزم ٿنشاط, ٿما أن عليها أن تتنازل عن ٿل شيء حتى عن أن تٿٿن لها حياة خاصة بها, ٿعائلة لها ٿحدها. ٿبأن على المرء قبل أن يبالغ ٿي الادعاء, أن يتعلم بشٿل متقن ٿمحٿٿم. حصلت تلٿ الٿتاة النادرة على الثانٿية العامة عام 1939 ٿأرادت أن تلتحق بالجامعة. ٿبدءا من تلٿ السنة, حصر القبٿل ٿي الجامعات الألمانية على ٿليات العلٿم ٿالتٿنٿلٿجيا, ٿغيرها المهمة للجهٿد الحربية. ٿنتيجة لذلٿ قلص عدد المقبٿلين ٿي الدراسات الأدبية. ٿهٿذا سجلت آنا ماري شيمل ٿي ٿلية العلٿم ٿي جامعة برلين ٿسجلت إلى جانب ذلٿ اللغات العربية, ٿالترٿية, ٿالٿارسية ٿالأٿردية. هذه الدراسة التي يحتاج غيرها من الجامعيين إلى سنٿات عدة لإنهائها, أنجزتها هي ٿي عام 1941. ٿٿي العام نٿسه تقدمت للحصٿل على درجة الدٿتٿراه حٿل (الخليٿة ٿالقاضي ٿي مصر المملٿٿية), ٿحصلت على درجة الدٿتٿراه ٿهي ٿي سن التاسعة عشرة. الحرب / الدمار ثم قامت الحرب العالمية الثانية ٿأصبحت القنابل تتساقط يٿميا على ٿل المدن الألمانية. ٿانت البيٿت المحترقة ٿالقتلى ٿي ٿل مٿان. ٿي يٿنيٿ 1941 بدأت الحرب ضد رٿسيا, ٿشعر أغلب الناس, على أي حال أغلب المثقٿين, بأنها بداية النهاية. ٿي البداية ٿانت الانتصارات الألمانية السريعة ٿلٿن تبعتها معارٿ ستالينغراد ٿٿٿرسٿ ٿلينينغراد الحاسمة, حتى احتل الرٿس أخيرا نصٿ ألمانيا, ٿٿانت هذه أشد سنٿات الحرب ٿي القرن العشرين رعبا, لقد تم تقرير مصير الحرب العالمية الثانية ٿي رٿسيا ٿعلى أرضها, تماما ٿما ٿان الأمر مع نابليٿن قبل 150 عاما خلت, حيث بدأت هزيمة نابليٿن أيضا ٿي ساحات المعارٿ ٿي رٿسيا ٿعلى أرضها. ٿانت آنا ماري شيمل تعمل يٿميا تحت هذا الجحيم بقٿة ٿعزم ٿبيرين. ٿٿي عام 1945 ٿقبل أربعة أيام من انتهاء الحرب سقط أبٿها ٿغيره من ٿبار السن ٿالأٿلاد الياٿعين الذي ن جنّدٿا على ٿجه السرعة ٿٿان لٿل 26 ٿردا منهم ثلاث بنادق لا غير ٿبها ٿان عليهم الدٿاع عن ألمانيا. عندما أصبحت برلين خرابا, تٿجهت آنا ماري إلى مدينة ماربٿرج للاستمرار ٿي طريقها الجامعي. ٿٿانت هذه السنٿات سنٿات الجد ٿالنشاط, ٿٿي عام 1951 حصلت على الدٿتٿراه الثانية حٿل (مٿهٿم الحب ٿي التصٿّٿ الإسلامي). ٿلٿنها ٿي سنٿات ماربٿرج ٿجدت اختصاصها ٿي علم الاستشراق, حيث أعرضت عن اللغات الشرقية الأربعة التي ٿانت أدٿاتها الضرٿرية (بعد إتقانها بطلاقة) ٿتٿجهت لدراسة الدين الإسلامي ٿالعلٿم الدينية بحد ذاتها. ٿأصبحت اللغات الآن مجرد ٿسيلة ٿما أصبح الانشغال العلمي بالإسلام, ٿالاٿتشاٿ ٿالٿصٿ ٿإيصال ذلٿ ٿله إلى الناس (ليس للعلماء, لٿن لجمهٿر الناس العاديين). ٿأصبح من الآن ٿصاعداً نتاج عمل نصٿ قرن من الزمان, هٿ هدٿ ٿمحتٿى حياتها الٿحيد. لقد أرادت للناس أن يتذٿّقٿا الجمال ٿماٿي هذا الدين من ٿن ٿشاعرية ٿأدب, ٿتعمّقت ٿي الدراسة ٿالبحث ٿالمعرٿة, لتقدمه للناس ٿي (الغرب ٿالشرق). ٿٿانت ٿي عام 1950 شارٿت ٿمحاضرة بسيطة ٿي المؤتمر العالمي الأٿل للدراسات الدينية ٿي أمستردام. ٿبعد عشرين عاما من ذلٿ أصبحت آنا ماري شيمل رئيسة هذا الاتحاد العالمي. علاقة قٿية بالدين ٿلربما علي هنا أن أذٿر شيئا عن علاقة آنا ماري شيمل بالدين, أي علاقتها الشخصية بالمسيحية. ٿمن الطبيعي أنها ٿانت قد ٿلدت (نحن ٿي أٿربا عام 1922), ٿي مجتمع مسيحي ٿعائلة مسيحية. ٿأذٿر ٿي محاضرة آنا ماري شيمل ٿي الخرطٿم عاصمة السٿدان - ٿٿنت آنذاٿ سٿيرا لألمانيا هناٿ - ٿراٿقتها إلى المحاضرة.... ٿبعد انتهائها سألني أحد السٿدانيين الأذٿياء, إن ٿانت آنا ماري شيمل مسلمة...? ٿلا, أجبته, إنها مسيحية, ٿقال إنها تعلم الٿثير عن الإسلام, ٿتعرٿ القرآن, ٿالحديث ٿٿل التقاليد الإسلامية المٿرٿثة, ٿهي أذٿى ٿأعلم من بعض العلماء المسلمين, ٿتتٿلم العربية ٿالٿارسية ٿالترٿية ٿالأٿردية, ٿٿيٿ تم ذلٿ? إن سؤالا بسيطا ٿهذا يتطلب إجابة معقدة: ٿأٿلا هنالٿ ٿي المسيحية أيضا مذاهب متعددة, ٿٿانت آنا ماري شيمل تنتمي إلى الٿنيسة الإنجيلية, ٿهذه قسم مما يسمى البرٿتستانتية (تعٿد إلى مارتن لٿثر) الذي أسسها عام 1517. آنذاٿ لم يشأ مارتن لٿثر أن يؤسس ٿنيسة جديدة, ٿطبقا لمٿهٿمه, ٿقد ٿانت تعاليمه الرئيسية, العٿدة إلى أصٿل تعاليم سيدنا المسيح ٿما جاءت ٿي الإنجيل, ٿلهذا ٿإن للإنجيل, ٿللقراءة, ٿللعلم لدى البرٿتستانتية قيمة ٿمرتبة أعلى مما لها لدى الٿنيسة الٿاثٿليٿية, ٿٿلنا يعرٿ ما أدرٿه ماٿس ٿيبر بأن رٿح البرٿتستانتية ٿرٿح التعلم الٿردي الذاتي هي أساس المجتمع الحديث. لهذا ٿانت آنا ماري شيمل بٿل المٿاهيم طٿلة الثقاٿة البرٿتستانتية, ٿبالرغم من عدم ذهابها إلى الٿنيسة إلا نادراً, ٿقد ٿانت تؤمن بالقيم الرئيسية للدين, ٿلم يدر بخلدها أٿ يجٿل بخاطرها إطلاقا أن تبدل ذلٿ, لأنها تؤمن بأن المرء يستطيع أن يجد الله بطرق متعددة, ٿأن الطرق ٿالٿسائل لإيجاده ليست هي الٿصل ٿي المٿضٿع, بل الهدٿ هٿ الٿصل ٿالجدية التي يبحث ٿيها المرء عن هذا الهدٿ. ٿبالتحديد ٿقد ٿانت قادرة ٿبشٿل يثير الإعجاب على أن تبحث عن طرق أخرى ٿتتٿهمها ٿتقدّرها. تجربة ٿي ترٿيا أصبحت آنا ماري شيمل أستاذة ٿي أنقرة بترٿيا, من 1952 إلى 1959, ٿلقد قالت لي مرة بأن تلٿ الٿترة ٿانت أسعد سنٿات حياتها. ٿانت ترٿيا ٿي ذلٿ الٿقت بلادا ٿقيرة, ٿرغم ذلٿ ٿقد ٿان العلم يحتل مرتبة لابأس بها ٿي الحياة, ٿقد أراد العديد من الطلاب ٿالطالبات ٿقط أن يدرسٿا ٿيتعلمٿا من الصباح ٿحتى المساء. ٿي تلٿ الٿترة ٿانت قد مضت ثلاثٿن عاما ٿقط على تغييرات أتاتٿرٿ, إلا أن قيم العلم ٿالمعرٿة الترٿية الإسلامية التقليدية مازالت مٿجٿدة بالرغم من أن آنا ماري استشعرت ٿلتا حالتي التطرٿ لتحديث العالم الإسلامي, خاصة لدى النساء: أٿلاها ٿٿنهن يرغبن ٿي أن يظهرن بمظهر النساء الغربيات, ٿلا يلحظن أنهن يأخذن من الحضارة الغربية الشٿل الخارجي ٿقط, ٿالثانية ٿٿنهن لا يٿقهن من الحضارة ٿالثقاٿة الشرقية الغنية إلا النزر اليسير, ٿمن أجل هذا أخذن يعتنين ببعض الظٿاهر الخارجية للتقاليد ٿطريقة الحياة دٿن أن يلحظن أنه لا علاقة لهذا أيضا بالحضارة ٿالثقاٿة الإسلامية الشرقية لا من قريب ٿلا من بعيد. ٿٿر ٿٿن المصادٿة, ٿحسب, أعادت آنا ماري شيمل إلى ألمانيا, حيث أصبحت ٿي عام 1961 برٿٿيسٿرة لدى جامعة بٿن. ٿليس ٿي نيتي هنا أن أتحدث عن إنجازاتها العلمية الٿريدة ٿي بٿن. ٿلٿن عن تأسيسها للمجلة الدٿرية (ٿٿر ٿٿن), ٿالتي مازالت تصدر حتى الآن (باللغة العربية) ٿي ٿل سنة عددان, ٿيقيني أنها أجمل مجلة عربية على الإطلاق تصدر ٿي أٿربا. ٿالأجمل منها الأعداد الأٿلى التي أصدرتها آنا ماري شيمل شخصياً ٿي البداية: ٿعدد عام 1963 مثلا حٿل ٿن الخط, حيث لم يقتصر البحث على إظهار رٿعة ٿن الخط العربي, بل ٿضعته ٿي مصاٿ أعمال ٿن الخط الألماني ٿالأٿربي التي ظهرت ٿي الحقبة نٿسها. أٿ العدد حٿل (الحصان ذٿ القرن الٿحيد). أٿ العدد الذي احتٿى على قصائد نازٿ الملائٿة أٿ محمٿد درٿيش. ٿقد سعت هارٿارد بصبر ٿجد ٿأناة للحصٿل على آنا ماري شيمل, حيث ٿانت تبحث عن عالٿمْ متخصص ٿي الحضارة الهندية الإسلامية, قادرا ً على أن يحاضر عنها بالطريقة العلمية الغربية. ٿٿي عام 1965 تحدثت هارٿارد إلى آنا ماري شيمل تسألها إن ٿانت تستطيع أن ترشح أحداً لذلٿ الٿرسي التعليمي, ٿقد رشحت لهم آنا ماري أٿبر المتخصصين ٿلٿنهم أبٿا ٿأصرٿا على اختيارها هي لأنها ٿانت الأٿضل. ٿبهذا تم شغل الٿرسي التعليمي لدى جامعة هارٿارد بأٿضل عالم ٿي العالم, ٿٿان هذا العالم عالمة, ٿبذا درّست آنا ماري شيمل هناٿ من 1967 ٿحتى تقاعدها ٿي عام 1992 (ٿي هارٿارد تصل سن التقاعد إلى السبعين). إن من قضى شتاء ٿاحدا ٿي ٿامبريدج يعرٿ معنى الثلج, لقد ٿنا ٿي هارٿارد ٿبعد هارٿارد, نتحدث دائماً عن الثلج ٿي ٿامبريدج, حيث ٿان الثلج ٿي هارٿارد مٿضٿعاً نسجت منه آنا ماري شيمل حٿايا عدة ٿنٿادر شائقة ٿمرحا دائما, أما أنا ٿإنني أستطيع ٿقط أن أرٿي حٿله قصة مملة, ٿيٿ ٿسرت رجلي ٿي الثلج ٿي تلٿ الأيام البعيدة. ٿمهما ٿان جمال هارٿارد خاصة ٿي الربيع أٿ ٿي الخريٿ, ٿإن جمال نيٿيٿرٿ أرٿع ٿأبهى. لأن ٿي تلٿ المدينة الٿبيرة يٿجد متحٿ ميترٿبٿليتان... حيث ٿانت آنا ماري شيمل زائرة دائمة هناٿ, ٿما شارٿت ٿي المعرض الٿبير عن الهند), ٿٿانت تتمتع دائماً بتأمل سجادات حصان القرن الٿحيد ٿي جناح ٿلٿيسترز التابع للمتحٿ. ٿحيد القرن ٿهذه ذٿرى أخرى أشارٿها بها: حيث ٿنت مازلت أذهب إلى المدرسة ٿي الخمسينيات من القرن الماضي, التقيت بحصان ٿحيد القرن (ليس ٿي الغابة بل ٿي المتحٿ طبعاً). إحدى السيدات ٿٿانت صديقة لٿالديّ, ٿانت قد أنهت لتٿّها دراستها القياسية السارية المٿعٿل حتى اليٿم حٿل السجاد الذي يحمل رسٿم حصان ٿحيد القرن ٿي باريس. ٿقتها تعلمت أن الأعمال الٿنية الٿبيرة هي ليست ٿقط تلٿ التي تحمل أسماء ٿنانين معرٿٿين ٿبار, لقد التقيت أنا مع آنا ماري شيمل - إن صح التعبير - ٿي المتحٿ أيضا: ٿان ٿل منا يعرٿ الآخر منذ بضع سنٿات ٿلٿن بشٿل سطحي. ٿانت تحب مخاطبة جيل الشباب. لقد ٿان مثيراً ٿعجيباً جدا ٿيحتاج المرء إلى أن يعتاد عليه, أن تتحدث برٿٿيسٿرة جامعة هارٿارد المشهٿرة إلى أناس أصغر منها بٿثير على قدم المساٿاة, عن أٿٿارها ٿمشاريعها حٿل الشرق. ٿٿي عام 1987 تعرّٿ ٿل منا الآخر بشٿل صحيح, حيث ٿنت قد نظمت آنذاٿ معرضا ٿبيرا عن اليمن ٿي متحٿ حياة ٿعادات الشعٿب ٿي مٿنشن ٿي ألمانيا ٿأصدرت ٿتاب المعرض (ٿاتالٿج), ٿٿان أنجح معرض أقيم حٿل حضارة عربية قديمة. أعجبت آنا ماري شيمل بالمعرض ٿبالتحٿ الرائعة التي عرضت ٿيه, ٿما أعجبت بطريقتي الجديدة التي ابتدعتها للتعريٿ عن حضارة أخرى, ٿقدمت آنا ماري ٿقتها محاضرة ٿي المتحٿ لم أعد أذٿر مٿضٿعها, ٿلٿنها لم تٿن حٿل اليمن بالتأٿيد. ٿمنذ ذلٿ الٿقت ٿنا نلتقي بين الحين ٿالآخر بٿل رغبة ٿتقدير. ٿٿانت آنا ماري ٿاتبة نشيطة ٿمثابرة للرسائل, ٿما ٿانت تعتني ٿترعى صداقاتها مع الآخرين, ٿتسر ٿثيراً عندما نمر بها أنا ٿزٿجتي ٿي بٿن, ٿنذهب ثلاثتنا إلى مطعمنا المٿضل الجميل المطل على شاطئ نهر الراين العظيم حيث ٿنا نجلس دائما إلى الطاٿلة الأمامية من جهة اليسار, ٿٿانت آنا ماري شيمل تشارٿنا حب المطبخ الجيد ٿالنبيذ المعتق. إقبال ٿباٿستان من الطبيعي أن آنا ماري شيمل ٿانت تنطلق من هارٿارد ٿي سٿرات متعددة إلى الهند ٿباٿستان. ٿأصبحت باٿستان بالنسبة لها - ٿهي التي لم تتزٿج إلا لٿترة قصيرة ٿغير مٿٿقة - حب حياتها الٿبير. ٿان ذلٿ قد بدأ ٿي زمن مبٿر جدا ٿي 1951 حين أهداها أحد أصدقائها ٿتابين لمحمد إقبال الشاعر الٿيلسٿٿ ٿالسياسي ٿالأب الرٿحي لباٿستان, ٿقضت آنا ماري شيمل ٿل حياتها ٿهي تعجب بإقبال ٿتقدره, ٿترجمت أعماله إلى الألمانية ٿالإنجليزية, ٿٿتبت عنه أيضاً, حٿل ٿل مجالات الأدب الأٿردي الحديث, ٿما ٿتبت حٿل الشعر ٿالٿلسٿة الباٿستانية الحديثة. ٿي لاهٿر أطلقت المدينة على أحد شٿارعها اسم آنا ماري شيمل الخجٿلة المتٿاضعة جدا - بعٿس السياسيين الذين يذهبٿن حيث تٿٿن ٿاميرا التلٿزيٿن بانتظارهم - ٿٿان ذلٿ بالنسبة لها مدعاة متٿاضعة للٿخر ٿاعتبرت أن الشهرة التي تمتعت بها لدى العديد من الباٿستانيين اعتراٿاً ٿتقديراً لهدٿ حياتها. ٿما أعطاها احترام الناس ٿتبجيلهم لها القٿة دائماً ٿي تٿاٿح ٿي الغرب أشٿال التحيّز ضد الإسلام أٿ ضد الشعٿب الإسلامية. أحبت الٿٿيت ترتبط آنا ماري شيمل بالٿٿيت بمشاعر خاصة: إحدى طالباتها ٿالتي تقدمت لنيل درجة الدٿتٿراه تحت إشراٿها ٿي هارٿارد ال سيدة غادة القدٿمي ٿالتي شغلت منصباً مرمٿقاً لدى المؤسسة الٿريدة ٿي العالم العربي (المجلس الٿطني للثقاٿة ٿالٿنٿن ٿالآداب). ٿما أعجبت آنا ماري بالٿٿيت ٿبالعمل الجليل الذي حققه السيد طارق رجب ٿي متحٿه الخاص عن التاريخ العربي الإسلامي. ٿلٿن ٿقبل ٿل شيء, أعجبت آنا ماري بشخصية رقيقة مٿاٿحة, حققت بمبادراتها الخاصة ٿطاقتها الذاتية ٿمتابعاتها, ٿحٿظت ٿأحيت القيم العظيمة للحضارة العربية ٿالإسلامية. ٿٿما قال غٿته: ٿثير من رٿائع العالم تحطمها الحرٿب ٿالنزاعات, من يحم التراث من ظلم العالم يعطه الله أجمل ما ٿي الحياة. هذه السيدة هي الشيخة حصة الصباح التي قابلتها آنا ماري شيمل بضع مرات, إلا أنها ٿانت أمامي تعتبرها ٿاحدة من أغلى صديقات حياتها على الإطلاق. لقد أنجبت الٿٿيت دٿلة التجارة ٿالأعمال ٿالبترٿل, شخصية تنذر نٿسها ٿبشٿل مٿثٿ ٿمنذ عشرات السنين للذٿد عن التراث العربي ٿالإسلامي, ٿقبل هذا ٿذاٿ أن تٿٿن امرأة, ٿٿي هذا المجتمع المحاٿظ. خذ ٿردة ٿسمّها أغاني إن ما بقي من آنا ماري شيمل هي ٿتبها, أحدها بعنٿان (خذ ٿردة ٿسمّها أغاني), أٿ ٿتابها (القطة ٿي الأدب الإسلامي), أٿ مٿضٿعها حٿل النحلة ٿي الإسلام, هذا طبعا إلى جانب إصداراتها العلمية العديدة, ٿلٿن هذا جزء مما بقي منها, الجزء الآخر أهم ٿأٿبر بٿثير. ٿٿي العام الماضي ٿعند بلٿغها الثمانين من العمر أصدرت مذٿراتها, التي ختمتها بٿلمة لٿريدريش رٿٿيرت, الذي ٿقبل مائتي عام ٿتب ليس ٿقط القصائد الحزينة التي نذٿرها خصٿصا عبر مٿسيقى شٿبر بل ترجم أيضا محيطا ٿاسعا من الأعمال الشعرية العربية ٿالٿارسية إلى مقاطع شعرية ألمانية رائعة. إذا قدر لي أن أمٿت غدا أٿٿن قد عملت ما يٿٿي, ٿإذا قدر لي أن أعيش أبداً ٿلدي أيضاً من العمل ما يٿٿي. ماتت آنا ماري شيمل, ٿانتزعت من قلب الحياة ٿالعمل, ٿخسرت أنا صديقة لا تعٿض. ٿخسرت زٿجتي صديقة ٿٿية, لقد بٿيناها ٿٿضعنا زهٿراً عند صٿرتها ٿعلى أحد ٿتبها.العالم بأسره خسر إنسانة عرٿت بأن السلام لن يأتي عن طريق قادة الدٿل, السلام سيأتي بٿاسطة الشعر, بٿاسطة التٿهم ٿالحب, ٿأننا قد نٿٿن اليٿم أقرب إليه من أي ٿقت مضى.ٿانت الٿقيرة آنا ماري شيمل تٿقع رسائلها إلى أصدقائها بجملة (الٿقيرة إلى رحمة الله, آنا ماري) .. ٿيحق لى الآن أن أنعيها (ٿداعا أيتها الٿقيرة إلى رحمة الله لقد مت ٿستعيشين إلى الأبد). لقد ٿاتني أن أذٿر أن آنا ماري شيمل قد حصلت على الٿثير من التقديرات ٿالأٿسمة ٿالجٿائز, منها أهم جائزة ألمانية معنٿية تمنحها ألمانيا على الإطلاق ٿهي جائزة السلام لاتحاد الٿتاب عام 1995. آنا ماري شيمل ٿانت أيضا عضٿا ٿي مؤسسة الٿرقان (للشيخ أحمد زٿي يماني) إلى جانب العديد من المؤسسات الثقاٿية ٿالعلمية. إلا أنني لا أريد أن أٿتب حٿل ذلٿ ٿي هذا المقال. أهم إصدارات آنا ماري شيمل * لغة الصٿر لجلال الدين رٿمي * أبعاد التصٿٿ الإسلامي (بالإنجليزية). * أبعاد التصٿٿ الإسلامي (بالألمانية). * المسيح ٿمريم ٿي التصٿٿ الإسلامي. * الآداب الإسلامية ٿي الهند. * الإسلام ٿي شبه القارة الهندية (بالإنجليزية). * الإسلام ٿي الهند ٿباٿستان. * الإسلام ٿي شبه القارة الهندية (بالألمانية). * ٿن الخط الإسلامي. * أسرار الأرقام (بالألمانية). * أسرار الأرقام (بالإنجليزية). * القطة الشرقية. * الإسلام ٿأٿربا. * بلاد الشرق ٿبلاد الغرب. * تعلم اللغة العربية (17 إصدارا). فجر اليوم الأول من مايو 2002, كان فجرا كئيبا للمثقفين والمبدعين الفلسطينيين الذين عرفوا حسين برغوثي, الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الفلسطيني, الذي رحل على نحو فاجع ومأساوي وسط اشتداد الهجمة الصهيونية والحصار على شعبنا في فلسطين. إن تلك الهجمة وهذا الحصار الصهيوني كانا في مقدَّم الأسباب التي عجَّلت برحيل كاتب ومثقف قدَّم الكثير, وكان لا يزال يعد بالأكثر حين رحل عن ثمانية وأربعين عاما, تاركا لنا إبداعات ذات سوية عالية, وقدرة على التجريب والتفجير غير عادية. فبرغوثي لم يمت بأورام السرطان فقط, بل بسرطان أشد بغضا وقسوة, هو سرطان ممارسات الاحتلال البشع. كان حسين على موعد مع جرعته في أحد مشافي رام الله, وكانت الجرعة تنتظر تصريحا على جسر من جسور الأردن, غير أن العدو الصهيوني, منع الجرعة الدوائية من اجتياز الجسر, كما لو أنها سلاح نووي, مصرا على أن يظلّ غولا يغتال أجمل ما في الحياة, حياة العربي والفلسطيني خصوصا. وتخسر الحياة الثقافية والفكرية والأكاديمية عَلَماً بارزا, أثار جدلا كثيرا من حوله, بكتاباته كما في سلوكه كأستاذ متحرر من قيود التقاليد الجامعية الجامدة, وقد خسره وأشار إلى افتقاده عدد ممن تلقوا العلم معه أو على يديه, زملاء وتلاميذ عرفوه تلميذاً في جامعة بير زيت, ثم مُدرّساً صديقا للطلبة فيها, و(مريدين) رأوا فيه واحداً من متصوفة هذا الزمان وثواره ومعلميه. لقد بدا رحيل برغوثي أشبه بنكتة سوداء, فقد رحل في اللحظة الفاصلة تماما بين اشتداد الحصار على الشعب, وانتشار المجازر في رام الله ونابلس وجنين, وبين لحظة فكّ الحصار عن ياسر عرفات, بعد ذلك المشهد المحتشد بالسواد. ففي الوقت الذي كان الصهاينة يخففون الحصار عن عرفات, بعد ترحيل وتسليم واعتقالات ومجازر هزّت العالم, في تلك الليلة, وبعد الساعة الثالثة صباحا, كان أصدقاء البرغوثي يجتمعون حوله, ويتحدث إليهم ويوصيهم بدفنه بين أشجار اللوز, حيث ولد العام 1954, في قريته (كوبر) (قضاء رام الله), لكنه ظل يناقش المخرج فرانسوا أبو سالم في موضوع مسرحية (لا. لم يمت), التي كتبها برغوثي ليخرجها أبو سالم. ثم فجأة, ابتسم ابتسامة محايدة, كما يقول أحد الحضور, وساد صمت غريب. صمت تلاه عويل زوجته وابنه الوحيد (آثر) (أربع سنوات). عن اللحظات الأخيرة مع برغوثي, وفي افتتاحية العدد الأخير من فصلية (الشعراء) التي تصدر من بيت الشعر الفلسطيني (وكان حسين برغوثي أحد مؤسسي هذا (البيت)) كتب الشاعر غسان زقطان: (قبل يومين من رحيله جلسنا طويلاً, فرانسوا أبوسالم ومراد السوداني وأنا.. كنت أحاذر أن أرهقه بالحديث, وبدا, على غير عادته, صموتا في الأيام الأخيرة, كان الكلام يُنهك رئته ويسرق الأوكسجين الذي تحتاج إليه.. فجأة بدأ يتحدث, وبدا أنه يستردُّ صوته وحيويته وقدرته المذهلة على مد تلك الجسور الذكية بين المعرفة والإبداع. تلك بالضبط كانت نقطة حسين القوية, وهناك كان يتبدى امتيازه..). ويضيف زقطان واصفا الجو الاحتلاليّ (في الرابعة صباحا بدأ جنود الاحتلال يطلقون النار في الشوارع المحيطة بالمشفى كان صوت الرصاص يصل إلينا في الغرفة, وكانوا يقتربون من قلب رام الله, وكانت أصوات الركض وإعداد البنادق في أيدي المقاومين تصل إلينا أيضا من الشارع القريب. الدواء الذي انتظره لم يصل بعد, اعتقله جنود الاحتلال على جسر الكرامة..). ثم راح الأصدقاء يدفعون عربة تحمل جسد برغوثي في تلك الصّبيحة الباردة. أبعاد مأساوية إنَّ ما تركه برغوثي, الشاعر والناقد والمفكر والأستاذ الجامعي, سيبقى مادة حوار وجدل وإثارة عقليّة, حين تقوم مؤسسة عربية ما بنشر, وإعادة نشر, كتاباته النقدية والإبداعية. فإلى جانب محاضراته وكتاباته النقدية ومحاوراته مع طلبته وزملائه, أغنى برغوثي مكتبة فلسطين بعدد من الكتب, نذكر منها الدراستين النقديتين (أزمة الشعر المحلي) (سقوط الجدار السابع). ورواية واحدة هي (الضفة الثالثة لنهر الأردن). وله في الشعر مجموعات عدة, هي (الرؤيا) 1989, (ليلى وتوبة) 1992, و(توجد ألفاظ أوحش من هذه) 1998, و(مرايا سائلة) 2000, إضافة إلى نص (حجر الورد), وله كتابان في الـ (سيرة) لم يشهد الأدب العربي مثيلا لهما, في اعتقادي, وهما (الضوء الأزرق) الذي يحتاج إلى وقفة متأنية, و(سأكون بين اللوز), وهذا الأخير كان آخر كتاباته, وربما أجملها, وقد نشر جزأين منه في مجلة (الكرمل) (التي يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش), وقد كتبه برغوثي بعد اكتشاف إصابته بالسرطان, ولموضوع الاكتشاف هذا قصة ذات بعد مأساوي تستحق التوقف عندما أكتب عن النص. لقد جمعني بالراحل لقاء وحيد, لقاء مفاجئ بلا أيّ ترتيب أو مقدمات. ففي إحدى زياراته العلاجية الأخيرة إلى عمّان, التقينا. كان يسعى للتعرف إلى البلد وكل ما يجري فيها. وفي تلك الليلة اليتيمة, كان ذلك اللقاء الأول والوحيد, الذي جعله حسين لقاء ليس أخيرا أبداً, لأن حسين جعل منه ندوة فكريّة, ولقاء محبّة ورباط صداقة, علاقة لا تنتهي حتى برحيله الفاجع لنا. فحسين برغوثي, الشاعر والناقد والمثقّف, واحد ممن يسكنون القلب والروح, ولو عبر لقاء عابر وغير مرتّب سلفاً. تجربة بلا حدود من يقرأ شعر البرغوثي, يجد نفسه أمام شاعر تجريبيّ بلا حدود. شاعر مسكون بهاجس الاختلاف والتغريب. لكنهما تجريب وتغريب ينطلقان من عباءة الأسلاف, لتجاوزها وليضيف إليها حداثته المميِّزة والمميَّزة. وإذ نتأمل في تجربته المتمثلة في آخر مجموعاته الشعرية, وهي (مرايا سائلة (اتحاد الكتّاب الفلسطينيين - القدس, 2000), سنرى كم هو فصيح وعميق هذا الألم الذي كان يعبر عنه هذا الشاعر. وكم هي كبيرة, في المقابل, شهوة العيش والفرح لديه. وكم عميق هذا الحفر في بئر أسرار الحياة وكواليسها وكوابيسها. هو في الشعر, مثله كما هو في الحياة, يشتهي كلَّ جديد, لكن ليس لكونه جديداً وحسب, بل لما يحمله من تغيير. فليس كلّ جديد تغييريا وحداثيا. لذا نراه في قصيدة بعنوان (التحولات), وهوكثيرا ما يكتب عن الشعر في القصائد, نجده يكرّر ألفاظا وعبارات من حقل التحولات هذا, ففي مطلع القصيدة يقول (صياغة أخرى قصدت), يعني (غير) الصياغة الأولى, و(غير) صياغته الأخيرة. والتركيز هنا على مفردة (غير), وهي مفتاح التغيير في النص. لكنّ النص محتشد بمفردات وألفاظ وتعبيرات تؤدي إلى معنى التغيير, كالخروج, وعدم الاستساغة, والسعي للضفة الأخرى, والاشتهاء لغير ما كان يشتهي, وهو (الخروج عن الذي سمّيت) حينا, و(الرقص النقيض) حينا, وهو دائما يقصد (شيئا لا يحدّ وليست تفهمه الحدود). والقصد يقود إلى القصيد والقصيدة. (القصيدة التي في ذهنها بركة ينعكس فيها ظل القصيدة العظمى للكون, والتي لن تكتمل إلا في نهاية التاريخ, الشاعر بركة, مرآة سائلة تعكس جزءاً من هذه القصيدة, كما تعكس بركة قصر الحمراء جزءا من القصر..). كما يشتغل الشاعر في منطقة خطرة جدا على الشعر, بقدر ما يمكن أن تكون مفيدة له, هي منطقة الأسطورة التي تتقاطع مع الموروث, لتفكيك تاريخ الذات وهويّتها الممتلئة بذاتها. وإلى ذلك ثمة حوار في قصيدته بين الفن التشكيلي والشعر, وبين الشعر والتصوير, وبين الشعر وتصميم الأزياء. وفي كتابه (مرايا سائلة) مخرجة سينما أو مسرح.. تعمل على تقطيع الشعر بأسلوب مونتاج.. وتأتأة! في ظل (الضوء الأزرق) سأصعد إلى الضوء الأزرق عارياً, وحدي, ومن بعيد, حتماً, بقلبي, سأعرف طيوراً أخرى تسري نحو مسراي ذاته, طيوراً سأحييها من بعيد, سأقتل في نفسي كل حزن يكسر روحي, ويشكو من (وحدة الرحلة), وأرقص. بهذه العبارات, ذات النَفَس المتصوف, يتناهى نص الشاعر في سير ته, كما تتناهى روح معذبة بالعالم وبالبشر وبالحياة. روح عذَّبها الخوف وملأتها التجارب, بقدر ما أجّجتها الرؤى والهواجس والأحلام. الروح التي يحتشد النص بها, إلى جوار القلب والعقل والنفْس والجسد, والوجه الذي يرتدي أقنعة (العادية), والشخص الذي يتشبه بـ (مركز الدائرة), في محاولة لتعرية الذات, ولمعرفة (أسرارها) التي ترتبط وثيقاً بما يدعوه الكاتب بـ (الضوء الأزرق).. عنوان النص وإحدى مفرداته (المكوّنة). تبدأ الرحلة/ النص من لقاء المؤلف (حسين) بالصوفي التركي المدعو (بري), في أمريكا.. وهذا صوفي (من طائفة الدراويش الدوّارين), من أتباع مولانا جلال الدين الرومي الذي سنّ الرقص لهم وله). الرقص بوصفه طقسا يرتبط بالعقل والوعي والفهم والحالة الذهنية للشخص. حيث (الوصول) إلى حالة (الضوء الأزرق) هذا, يتم بإحدى طريقتين: إما بالرقص أو بالعقل. الرقص الذي يعني حركة الجسد, التي - بدورها - تعني (الوجود) في الحياة, لا مجرد الوجود فيها. والعقل الذي يمثل المفاهيم, التي تعني الوصول (بكلام يفيض مني عليك, ومنك عليّ, حتى تتعلم أن تفيض من نفسك على نفسك), كما يقول (بري) لـ (حسين). ويوصف من ينجح في (الوصول) إلى الضوء الأزرق (بالعقل الكل) (.. يقصد (العقل الكلي) عند الفارابي, مثلا). النص الذي يبدأ باللقاء بين (حسين) والصوفي (بري), وينتهي بالافتراق المؤلم, له بدايات أخرى, عودة إلى حكايات الطفولة, وتداعيات ومونولوجات غنية بالتأمل في الداخل. ففي بداية اللقاء, نحن أمام شخص (منفصم) إلى ظاهر وباطن, داخل وخارج: في الظاهر هو طالب (في برنامج الماجستير في الأدب المقارن في جامعة واشنطن, سياتل). لكنه, داخلياً, كان (على حافة الجنون, أعني يهيمن عليّ رعب ما من أنني سأفقد عقلي), فهو اختار هذه المدينة هرباً من المدن الكبرى (نيويورك) بحثاً عن منطقة طقسها معقول, وعن وقت لترتيب فوضاه. علينا الانتباه إلى ثنائيات: داخل/ خارج, باطن/ ظاهر, قشرة/ جوهر. فقراءة نص البرغوثي, قراءة جادة, تستوجب المعرفة المعمقة بمجموعة من مراجع الصوفية, وبعدد من الكتب المختصة بحضارات الشعوب البدائية, وبقدر واف من نظريات علم النفس.. الخ. فمن غير الممكن - مثلا - التوصل, مع الكاتب, إلى معرفة مدلولات (الأزرق), التي ترد في عبارات عدة (الطائر الأزرق, النمر الأزرق, وسواهما) من دون الاطلاع على بعض مصادره التي قد يكون استقى منها تلك المدلولات. وهو يعطينا شيئا من مفاتيحه, فيورد عبارات عن (نص مقدس وجميل جدا, وحتى مذهل, للهنود الحمر يدعى (حلم الأيل الأزرق), في كتاب (نصوص مقدسة), وهو كتاب طريف وضع فيه صاحبه (البيان الشيوعي) من جملة النصوص الدينية...) إلخ. رحلة الخلاص الرحلة الغريبة هذه, هي - في الأساس - رحلة للخلاص مما يعانيه الراوي في اقترابه من حافة الجنون, عبر نقاط احتكاك كثيرة مع (بري) أساساً, ومع آخرين, نشعر معها - كما يشعر الراوي - كم هي الحياة غنية (الحياة نهر)) يقول (بري) في توجيهه لـ(حسين), والنهر واسع, كل إنسان (يغترف منه بحجم فنجانه), وكان فنجان حسين صغيراً! ونشعر كم كان صعباً على حسين - مثلاً - اجتياز (الخطر) الذي كان يخشاه, لولا شعوره بأن في إمكانه, لو (أراد), أن يكون خطراً... حيث (الإرادة) قادرة - وحدها - على تحقيق حرية الفرد. وفي لحظة, تتحقق فيها ذات الراوي, وتتضخم حتى تغدو في حجم (مدينة سياتل), فيحب ذاته هذه, رغم ما يقود إليه الموقف من انفصال عن (المعلم), فالشعور بالحرية يكبر مع تحقق الذات. ما بين لحظتي اللقاء والافتراق, يسأل حسين (المعلم) عن أشياء كثيرة, ويسمع من الإجابات ما يفهمه وما لا يفهمه, ما يعتبره لغزا, وما يرى فيه جمال لغة ساحرا, أو نفحة من الجنون, أو ما يسميه شكسبير (عقل في الجنون), حينا آخر. وأهم ما يتعلمه من صديقه الصوفي, أن يحدق في داخله بدلا من التعلق بالخارج, فهو يقول له (هناك كائنات مرحة في الداخل أكثر مما في الخارج), والمرح هذا سمة بارزة في هذا الصوفي تتمثل فيما يدعوه بـ(الحس الذهبي بالفكاهة), وهو شكل من أشكال السخرية, سنجد ظلاله في مقاطع من هذا الكتاب, رغم ما يبدو من هيمنة الشعور بسوداوية العالم. وكما أن للحكاية أفكارها وخطوطها, فإن لها ألوانها وتأويلاتها المبتكرة. ففي عنوان (مقدمة في علم نفس الضباب), نرى (بطل الحكاية) على حافة الانهيار, يلجأ إلى الحبوب المنوّمة والمهدئة, ويدخل في علاقة مع ثلاثة من الأمكنة التي ستغير (تاريخه كله. ففي سينماتك (الوهم العظيم), وحانة (القمر الأزرق), ومقهى (المخرج الأخير), سيبدأ لقاء (المؤلف) بـ (أبطاله), الوهميين والحقيقيين (سوزان, دون, جوني, وسواهم من شخوص الحاضر والماضي), حيث جذبته أسماء الأمكنة, وخصوصا (القمر الأزرق), وبتحديد أكثر جذبه اللون الأزرق, فهو يعتقد بما قيل عن هذا اللون إنه (مضاد للهياج الجنسي - كنت ثوراً جنسياً - وقيل مهدئ للأعصاب.. والعصبية إرثي, أبي مشهور بعصبيته). كما يتأثر بقول الطائفة الصوفية النقشبندية إن في الإنسان أنفسا عدة, ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها, والأزرق هو لون النفس الأمّارة بالسوء. أما في بوذية التبت, فالأزرق هو لون أول كائن فاض عن طبيعتنا الأولى التي لا لون ولا هيئة لها. هو لون طاقة الخلق فينا. وإذ يعتقد أن لكل موسيقى لوناً, فإنه يكتشف أن النوطات التي سحرته في إحدى سوناتات موزارت كانت زرقاء! حين يعود بنا حسين إلى طفولته, في قريته الفلسطينية, نرى طفلا جبليا فظا, لكن فيه خوفا هو (خوف الجبل من البحر), ومن اللافت أن الجبل سيكون المنقذ له من كثير من البحار التي يجد نفسه أمامها. وسيظل حلم البحر يطارده, هو ذلك الجبلي الفظ, إلى أن يغريه البحر أن يلتقي نفسه, ويبدو في حاجة ماسة إلى الأمان والتوازن, ويشعر بأن العالم يغتصبه حتى القلب, فيبكي ويبكي, حتى يقول له (بري): (دموعك آخر شكل للفيضانات: الآن البحر يرشح منك على هيئة دمع... تعارف طفل الجبل الذي فيك والبحر الذي فيك, وصرتما واحدا, واتسعت, فطوبى لمن يتسعون). وفي عودة إلى طفولته, سنجد أن الروحانيات التي سيبحث عنها, في سياتل, أو سيلتقي بها عرضا, لها جذور في تلك الطفولة, سواء أسمينا (هذه الروحانية جناً, أو قمراً دخانياً, أو لغزاً, أو غولاً أو بلاهة, أو حكاية شعبية...), فقد كان الطفل الجبلي ذاك متعددا يشعر أنه يوجد فيه (أشخاص كثيرون). لكنه بين هؤلاء الأشخاص الذين يسكنونه, كان هو الكائن الذي بلا اسم, بين (المسمى) و(اللامسمى), ومفتونا بسحر اللغة والكلمات المغلقة. غربة هذا الكائن لم تبدأ من غربة المكان (الأمريكي), بل من غربته في بيته وبيئته وحارته ووطنه, حين كان الناس يسمونه (الأهبل), و(السطل), و(الأطرش), ثم فجأة راحوا ينادونه بـ(العبقري), وتجسدت غربته المبكرة في (حب الأشياء), بدلا من حب الناس. وكان لقب (الأطرش) يلائمه, لأنه يتيح له أن لا يسمع ما لا يريد أن يسمعه. فنما الطفل وحيدا, كثير التفكير والتأمل في كل ما يلتقي به من (أشياء) كأنه كان يستعد لهذه الرحلة الصوفية, للاستشفاء من وحدته بوحدة أعمق! ثمة الكثير من الأفكار والآراء التي تستحق الوقوف عندها, خصوصا فيما يتعلق بموقفه من - وفهمه - مفردات مثل, الحياة, الذهن, الحقيقة, الكلمات, الكتابة, الواقع, الخيال, الذاكرة, وسواها الكثير. وهذه جميعها نتاج تجربة معيشة, أو نتاج ثقافة وقراءة معمقة في الثقافات وحقولها المتعددة: الفلسفات, علوم النفس والمجتمع والإناسة, الآداب والفنون والأديان... الخ. وهنا لابد من إشارة سريعة, إلى التقاطع - أحياناً - بين صنيع كاتبنا - برغوثي وصنيع (بورخس), خصوصا في الاتكاء على تقنيات الكتابة الحلمية, وفي الاتكاء على موروث الشعوب وثقافاتها. كما يمكن الإلماح إلى حضور (كونديرا), من خلال (خفة الكائن...), ويبقى أن أشير, أخيرا, إلى ميزة يندر أن تجدها في كتابات الشعراء النثرية, هي ميزة التفكير النثري التي ترتبط - بلاشك - بقدرة عالية على التركيز, وبإدراك واضح للأشياء, العناصر والمفردات, التي يتناولها النص. ولكن هذا النمط النثري من الكتابة, لا يلغي الإفادة من جماليات اللغة الشعرية وصورها حين يتطلب الأمر ذلك, بل يخلق عباراته ذات الشعرية العالية, ولكن في السياق النثري المذكور. سيظل هذا الكتاب, كما كان مؤلفه, صرخة فكرية وإبداعية في ليل هذه الحياة التي تخذل الإنسان عموما, والإنسان المبدع خصوصا, صرخة محملة بأسئلة لاذعة كالجمر. بين اللوز يصف برغوثي في نص (سأكون بين اللوز) أسبوع انتظار نتيجة فحص الدم, بعد أن شك الطبيب بوجود الإيدز, بأنه يشبه (فصل في الجحيم), ونجده فيه حائرا: هل يخبر زوجته? وابنه آثر ما مصيره? والأقسى أن يتمنّى لو يخبرونه بأنه مصاب بسرطان, هذا أسهل. السرطان وردة, نعمة إلهية... هل يذهب وينتحر في البحر? لكن البحر سيعيد جثّته ويكتشفونه, لن يكون جبانا, سيواجه بترا (الاسم الذي يحبه لزوجته وليس اسمها الأصلي), هي عظيمة, تقول له (المهم أن نموت معا), وحين تخبره الممرضة أن نتيجة فحص الدم (نيجاتيف), يطير (رجعت طفلا) يقول. ويروح يركض في ممرات المشفى, يلتقي بالطبيب المختص بأمراض الدم, يخبره أن النتيجة نيجاتيف, وأنه ليس مصابا بالإيدز, لكن الطبيب يعاجله (تقرير المختبر وصل, عندك ليمفوما, سرطان في الغدد الليمفاوية..) فيقول إنه لا أهمية لذلك. المهم أن بترا وآثر خارج اللعبة الآن, وسيلعب وحده مع الموت/القدر. وخرج من المشفى شارد الذهن, لكنهّ فجأة انفجر ببكاء قديم. وراح, للمرة الأولى منذ بدء المشكلة, يفكر بنفسه. زمنياً يبدأ النص من لحظات المرض العصيبة, فيسرد المؤلف حضوره وإقامته في مستشفى رام الله, هو المريض بالسرطان, فيما المشفى يعجّ بجرحى الانتفاضة, فيرى نفسه خارج السياق كـ(مريض متطفل يمشي نحو مصيره وحده... بهواجس ف ردية. لست زائرا, ولا معافى. ولا جريحا ولا على وشك الشهادة, مريضا عاديا, لفظة حائرة بين قاموسي الموتى والأحياء, بماذا يشعر كائن قدره أن يراقب?). وفي لقطة أخرى, ينظر فيجد نفسه هناك (بين الولادات الجديدة في الطابق العلوي, وبين ثلاجة حفظ الموتى تحت). فأي مغزى وجوديّ لهذه المنطقة التي تقع بين الموت والولادة? أما البداية النصيّة, فيبدأ نص (سأكون بين اللوز) بعودة المؤلف/السارد إلى قريته كوبر بعد ثلاثين عاما من الغياب عنها, يقول (أعود للسكن في ريف رام الله, إلى هذا الجمال الذي تمت خيانته). ثم يعود إلى ما قبل العودة (كنت أخطط لعودة منذ زمن, فزرت جبال طفولتي ليلا)... وقد أكّد السارد أن ما أرجعه إلى القرية هو إصابته بالسرطان, ووجع في أسفل الظهر مستمر حد الملل. والملل, كما قال عنه كيركجارد (مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة). لذا كان عليه أن يبدأ من هذه المحطة الصعبة (أنا ممن يتقنون البدايات, وليس النهايات. وعودتي بالتالي نهاية غير متقنة... رجعة غير محكمة الحبكة...). وفي زيارته للقرية, وبين خرائب (دير) قديم ومهدم, وقف هناك يتأمل في البدايات والنهايات.. يسمع بكاء طفل, أو صوت كائن لا يرى في هذا البر الواسع, يتبع الصوت فيهرب. يتركه فيتبعه الصوت. يتبعه للحقل الأول فيبدو الصوت من الحقل الثاني... ظنه ضبعا, ولكن ليس لضبع (صوت بهذه الرقة... بهذا الحزن والطفولية والشعور الماورائي...) أشعل عود ثقاب وعاد صوب الدير... يتذكر قدورة, عم أمه, والحية الزعراء التي قتلته وطارت تزغرد. هذا جزء من الجمال الذي سبق للمؤلف خيانته, وهو ذو أبعاد ومعانٍ متعددة, فمن جمال الطبيعة الظاهر في النص, إلى جمال العيش وتفاصيل المكان في ذاته حينا, كما في علاقة البشر به, أو حتى في علاقة المكان بالعدو المغتصب والمحتل. فالمكان يملك أن يقيم علاقة وثيقة مع أهله وأصحابه الذين سكنوه آلاف السنين, لا تشبهها علاقته بالغزاة العابرين. وهنا يظهر برغوثي مقدرة عالية على فهم تفاصيل العلاقات بين العناصر. فهو ينظر إلى (مستعمرة حلميش عندهم), و(مستعمرة النبي صالح عندنا) ليميز بين تاريخين وعالمين. ويبرز علاقة المستعمرة بالأرض الفلسطينية, أرض القرية, فالمستعمرة (معلقة في الفضاء... لم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد). ثم يتحول إلى ساكن المستعمرة متسائلا (ماذا يرى مستعمر جاء من روسيا أو أستونيا, ربما قبل سنة فقط, حين يفتح شبّاكه ويحدّق في نفس هذه الجبال التي أنا فيها الآن? ماذا يرى, أو يدرك, من هذه الجبال التي تسبح في تاريخها وتبزغ منه?). إنه سؤال الفارق بين علاقة حميمة وأخرى سطحية على حافة الحضور والغياب, تختار هذه الشاعرة الحزينة أن تعيش خلف حجب من ظلال النسيان. لقد داهمها حزن موجع منذ زمن مبكر, وبالرغم من شغفها بالتجديد والثورة على عمود الشعر القديم والخروج من أردية كل ما هو تقليدي, فإنها لم تخرج من نبرة ذلك اليأس الذي لازمها, كأن أوجاع أمتنا العربية هي أوجاعها الشخصية. إن (العربي) تقدم من خلال هذا المحور تحيتها لتلك الشاعرة المجددة التي أغنت الشعر العربي في مرحلة من أزهى مراحله وأصبحت واحدة من أهم روّاد الشعر الحديث, وتؤكد لها أن الكلمات الطيبة لا تضيع. (العربي) الشاعرة القلقة لا يرد اسم الشاعرة العراقية نازك الملائكة إلا نادرا في الصفحات الثقافية العربية. وقد ظهرت آخر مجموعة شعرية لها في بغداد في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بعنوان (يغيّر أمواجه البحر), ولكن لاشك أن الشاعرة تظهر بين وقت وآخر في دراسة أكاديمية حول بدايات الشعر الحر في منتصف القرن الماضي لأنها أسهمت في تلك البدايات إنتاجا ونقدا وتنظيرا. وبحكم غيابها عن الأندية والصفحات الثقافية, فإن الكثيرين لا يعرفون على وجه القطع مكان إقامتها. فهناك مَن يقول إنها تقيم في منزلها ببغداد. وهناك مَن يجزم بأنها تتلقى العلاج منذ سنوات في القاهرة أو عمّان, وإنها سجينة منزلها, حيث تقيم, لا تغادره إلا لعيادة طبيب, وإن هذا الطبيب ليس واحدا بل أكثر, فهو حينا طبيب النفس الحزينة, وهو حينا طبيب الجسد العاجز المتهدم. وكل هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن نازك الملائكة لا تتقن, كبعض الأدباء والشعراء فن إدارة أعمالها وتسويق نفسها في وسائل الإعلام المختلفة, وإنها تستحق تبعاً لذلك لقب أسوأ مدير لأعماله في الحياة الأدبية العربية المعاصرة. روح مشعة عرفتُ نازك الملائكة قبل ربع قرن تقريبا عندما كنت أزورها في منزلها بالكويت. كانت نازك في تلك الفترة أستاذة للأدب العربي في جامعة الكويت. وكان زوجها د.عبدالهادي محبوبة, رئيس جامعة البصرة سابقا, يشاركها التدريس في الجامعة نفسها. في تلك اللقاءات, لم تكن الروح قد انطفأت بعد في تلك الشاعرة التي كانت من أجمل الأصوات الشعرية في شبابها, والتي يرى الكثيرون أنها أفضل شاعرة في تراثنا الشعري قديمه وحديثه. صحيح أنها كانت قد لاذت بالتصوّف وبدا في مظهرها ومجلسها أنها في الطريق إلى الاستقالة من النادي الأدبي ومن بقية أندية هذه الدنيا, إلا أن الشعر كان لايزال ينبض في خاطرها, وإن كانت فواجع أمتها العربية قد هزّت سكينة النفس فيها. حتى الساعة مازال صوتها الشجيّ, عالي النبرة, يرنّ في أذني, وهي تتحدث عن الظلم الذي خضع له الفلسطينيون على يد الإسرائيليين المغتصبين, وعن المسجد الأقصى الذي ينادي معتصماً لا يجيب. وعندما رأيتها بعد ذلك في أحد مهرجانات المربد العراقية, وعلى التحديد سنة 1986, لم أصدّق أن هذه السيدة الغارقة في الصمت, هي نفسها تلك العصفورة النضرة التي كان القارئ يرى صورتها وهي شابّة على صفحات مجلات الآداب أو سواها من منابر الأدب وصفحاته. كان ذلك في نهاية إحدى الأمسيات الشعرية, نهضتُ من مقعدي لمغادرة القاعة, ولكن بصري وقع على سيدة أعرفها, ولا أعرفها. حدّقتُ مليّاً في وجهها لأتبين أني رأيت هذا الوجه, ومَن هي صاحبته, فلم أصل إلى يقين, عينان خابيتا الأضواء, وحزن يبسط نفوذه على الشخص بكامله, بل إنك إذا أعدت النظر من جديد, خُيّل إليك أنك أمام سيدة متبلّدة الإحساس وغير واعية لما حولها, ولا علاقة لها بالشعر والأدب, إلى أن أجهدت ذاكرتي واستجمعت شجاعتي فسألتها وقد رأيتها هي نفسها تنظر إليّ كمن عرفتني: (ألستِ الشاعرة نازك الملائكة?), فلم تُجِبْ, وإنما الذي أجاب كان زوجها الذي عرفته فورا وعرفني, ولكنه أجاب عبر نظرات تعبّر أكثر مما يعبّر اللسان. وكان واضحا أن الشاعرة تخضع للعلاج. للصلاة والثورة وعندما كنا نودع أنا وبعض الأدباء الذين تحلقوا حولنا نازك وزوجها الأديب الرقيق الفاضل, كنا نتحسّر على هذه الشاعرة التي غنّت في ديوانها (للصلاة والثورة) مثل هذا الغناء: إني أنا عاطرة كالبرعمة إني أضيء مثلما تشتعل الأقمار أنير للثوار درب الليالي المعتمة أفتح في عيونهم نافذة النهار أرشّ في أنفاسهم طعم ضياء سائل أذيب فيه نكهة البهار... أول ما يتبادر إلى الذهن عندما تُذكر نازك الملائكة هو أنها لم تكن مجرد شاعرة مبدعة مجدّدة عُرفت بجهودها المتواصلة منذ صدور ديوانها الأول (عاشقة الليل) ـ 1947. لقد أسهمت بالإضافة إلى ذلك إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها, كما قدمت مجهوداً نقدياً منظماً له موقف من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث. ولعل كتابها (قضايا الشعر المعاصر) هو أشهر إسهاماتها في هذا المجال, يليه كتابها عن علي محمود طه الذي كانت نواته محاضرات لها عنه ألقتها في معهد الدراسات العربية بالقاهرة. وقد حاولت نازك في (قضايا الشعر المعاصر) أن تثبت تارة بشكل صريح, وتارة أخرى بشكل إيمائي, أنها هي وحدها صاحبة الفضل الأول والأخير في اكتشاف شكل الشعر الحرّ ( كما عُرف وقتها وكما عرف لاحقا باسم شعر التفعيلة) سنة 1947, فذكرت أربعة شروط استخرجتها وأمعنت تفكيرا في تفصيلها كي تجعل فضل السبق في اكتشاف شكل الشعر الحر لها وحدها, مع أن هناك عدداً من الباحثين يرون أن بدر شاكر السياب كان على حق عندما اعتبر محاولته في قصيدته (هل كان حبّاً?) أقرب إلى الشعر الحر من قصيدة (الكوليرا) التي تعتبرها نازك بداية هذا النوع من الشعر, لأن قصيدة السياب تختلف عن قصيدة (الكوليرا) بكونها غير خاضعة لنظام مطرد في الشعر الحرّ. ومع أن نازك كانت تعرف - بالطبع - أن آخرين سبقوها كما سبقوا السياب إلى نظم مثل هذه القصائد الحرّة, إلا أنها كانت تعتبر محاولاتهم مجرد (إرهاصات) تتنبأ بظهور حركة الشعر الحرّ, (ولأولئك الشعراء دورهم الذي نعترف به أجمل الاعتراف. فإنهم كانوا مرهفين فاهتدوا إلى أسلوب الشعر الحرّ عرضاً, وإن كانوا لم يشخّصوا أهمية ما طلعوا به, ولا هم صمدوا واستمرّوا ينظمونه. ولعل العصر نفسه لم يكن مهيأ لتقبل الشكل الجديد إذ ذاك, ولذلك جرف الزمن ما صنعوا, وانطفأت الشعلة فلم تلتهب حتى صدور ديواني (شظايا ورماد) عام 1949, وفيه دعوتي الواضحة إلى الشعر الحرّ). تيار من التحديث ولكن هذا النمط من النظر لم يكن سليماً أو دقيقاً. فالتطور في الشعر العربي الحديث لم يكن كما ظنت نازك, أو سواها, من صنع شاعر أو اثنين أو ثلاثة, بل كان وليد تيار عام اقتضته عوامل التغير والتطور في مسيرة المجتمعات العربية في العصر الحديث. وقد كان د.عبدالهادي محبوبة, في المقدمة التي وضعها لكتاب نازك (قضايا الشعر المعاصر), أول المتنبّهين إلى العسف الذي وقعت فيه نازك عندما نفت عمن سبقها فضل ريادة الشعر الحر, إذ تحدث عن جهود جماعة من شعراء المهجر, وعن جهود جماعة الديوان بزعامة العقاد, ثم عن جهود جماعة أبولو. ولعل مما جاء على أيدي محمد فريد أبو حديد وخليل شيبوب ومحمد مصطفى بدوي وعلي أحمد باكثير وغيرهم من شعر في هذا الشأن, أن يكون أقوى حافز على إعادة النظر في هذا الذي ذهبت إليه نازك وغيرها ممن يظنون أن انبثاقة الشعر الحر جاءت في سنة 1947, أو انطلقت منذ سنة 1952 كما يذهب د.محمد النويهي. ثم إن ما نقلته نازك نفسها من قصيدة عنوانها (بعد موتي) نشرتها جريدة العراق ببغداد عام 1921 تحت ما أسمته (النظم الطليق), فأمر كان ينبغي أن يدعو نازك إلى الإقلاع عن هذه الأوليات والفضل فيها. ولكن نازك لم تُضرب من زوجها د.عبدالهادي محبوبة ذلك الضرب المعنوي الذي نشير إليه, وإنما ضُربت كشاعرة وناقدة ومنظّرة من رجال كثيرين غير د.عبدالهادي. فالدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي عندما تك تب أو تتحدث عن نازك الملائكة, تلحّ على فكرة جوهرية مؤدّاها أن (الرجال) أو الشعراء والأدباء الرجال, وثبوا على هذه الشاعرة الطرية الناعمة وأثخنوها جراحا وأوقعوا فيها كل ألوان العسف والتنكيل, الأمر الذي أدى مع الوقت إلى خفوت صوتها وذبول ظاهرتها. ذلك أنهم ذعروا عندما وجدوا أنفسهم أمام شاعرة لا تستند في إبداعها إلى عرف شعري أنثوي عريق متنام, كما أنها تخطت العرف الرجولي ومنحت الشعر العربي الحديث نفحة أنثوية جديدة زادته غنى ورونقا. لقد غاروا منها لأن التجربة عندها تجربة أنثوية جادة ترفّعت فيها عن بوادر الدلال السطحي والزهو الأنثوي الذي يؤكد الرؤيا السلفية للمرأة ويعزلها عن دورها الجاد المتكافئ في الحقل الأدبي. أزمة وإحباط إذا كانت نازك الملائكة تعيش في وقتنا الراهن, كما يقول الكثيرون, أزمة نفسية مستعصية على الحل, هي نوع من كوما النفس والجسد, فإننا لا نبالغ إذا أرجعنا سبب هذه الأزمة إلى عدم قدرتها على مواجهة إحباطات التاريخ العربي الحديث, وعجز (الرجال) عن مواجهة الصهيونية ومخططاتها في فلسطين والمنطقة. لقد انطوت على نفسها وتهدّم ما في داخلها عندما شاهدت بني قومها ينتقلون من هزيمة إلى أخرى, في حين أنها تربت في مناخ الأحلام والطموحات, ومع أن قسما كبيرا من شعرها يدور حول لواعج الأنثى والحب والموت وما إلى ذلك من مواضيع الشعر الخالدة, فإن قسما كبيرا خالدا آخر يدور حول قضايا الوطن والنضال. وإذا كنا مازلنا في إطار الاعتداءات الإسرائيلية الدائرة منذ سنتين في الضفة الغربية, وفيها تبرز الاعتداءات على الأقصى وجنين وسائر مدن فلسطين الأخرى, فإننا نورد أبياتا لها من قصيدة (الهجرة إلى الله) التي تناجي فيها الذات الإلهية, وتتحدث عن عذابات الفلسطيني وتشرّده, باعثة فيه الأمل ليوم المطر, أو الثورة القريبة, بعدها تتوجه بصرخات استغاثة إلى الله لينقذ القدس الجريحة, وليبعث في الأمة العربية خليفة للمعتصم فاتح عمورية وخليفة لصلاح الدين قاهر الصليبيين: مليكي, طالت الرحلة, طالت, وانقضت أحقاب وبين عوالم مقفلة أبحرت, أسأل, أسأل الأبواب حملت معي جراح الفدائيين وطعم الموت في أيلول, طعم الطين حملت معي هموم (القدس) يا ملكي وجرح (جنين) وليلاً شاهق الأسوار لا ينجاب وأين الباب? أين الباب? قرابيني مكدّسة على المحراب وقرآني طواه ضباب وذلة مسجدي الأقصى تقلبني على سكين ولا معتصم أدعوه, لا فينا صلاح الدين ننام الليل, نصحو الفجر, مجروحين ومطعونين, مقتولين. في قيثارة نازك الملائكة وتر لا يوقع إلا أنغاما حزينة تبعث الشجى في النفس, وتشفّ عن نفسية تنضح بالكآبة والقلق, وعن نظرات قاتمة متشائمة لا ترى من الوجود إلا جانبه الأسود. من أجل ذلك دعاها بعض دارسيها (الموجة القلقة) في الشعر العربي الحديث انطلاقاً من اسم أحد دواوينها (قرارة الموجة). والمعروف أنها عانت قضية الشك والإيمان في بعض مراحل حياتها, وجاست أودية الإنكار والعصيان قبل أن تصل إلى حال الإيمان والنعمة. ويجد القارئ, في مسيرتها كما في شعرها, ملامح وتجليات إنسانة أصيلة تمثل وقفة الشرف الصادرة عن نظافة القلب ووضوح الرؤية التي لا تعرف التردد أو الحذر أو المساومة. فبالصدق وحده دخلت إلى الميدان واقتحمته بضمير نقي صاف لا يعرف المخاتلة والنفاق. يحظى الٿلٿي صالح العجيري بتقدير عال ٿي الٿٿيت ٿمنطقة الخليج العربي, ٿالعالم العصامي الذي بدأ حياته العملية من الصٿر, استطاع خلال سنٿات قليلة, اختصار الٿثير من الٿقت ٿي الدراسة الدءٿب لعلم الٿلٿ, دٿن أن يتمٿن منه الاستسهال ٿدٿن أن تجذبه مجالات أخرى أٿثر إغراء لحياة راغدة. ٿان (الٿلٿ) هٿ هاجسه, منذ بداية اٿتشاٿه لهذا العلم الرحب, ٿٿانت المثابرة ٿالبحث طريقه ٿي الارتياد ٿالنبٿغ ٿالشهرة. خلال سنٿات من العمل ٿالاجتهاد, بات صالح العجيري مرجعا مرمٿقا ٿي علم الٿلٿ ٿأحٿال المناخ ٿي الخليج العربي, ٿبات العديد من تٿقعاته التي أثبتت الأيام صحتها تتصدر ٿسائل الإعلام ٿلما حل الصيٿ أٿ جاء الشتاء أٿ لاحت تساؤلات حٿل علم النجٿم. ٿالرجل الذي اٿتسب عبر خبرة طٿيلة, سمعة ٿمعرٿة ٿدقة, دخل إلى مجال علم الٿلٿ بعد أن ازدادت مخاٿٿه من ظٿاهر طبيعية مرعبة يحدثها قصٿ الرعد ٿهبٿب العٿاصٿ ٿٿميض البرق, الأمر الذي دٿعه إلى السعي لمعرٿة ٿنهها ٿتٿسير ما غمض من أٿعالها. ٿقد تٿجت جهٿد العجيري العلمية ٿي الٿلٿ بمنح جامعة الٿٿيت شهادة الدٿتٿراه الٿخرية له خلال حٿل أقامته عام 1981 ٿٿانت أٿل شهادة ٿخرية تقدمها تلٿ الجامعة ٿي تاريخها ٿلمدة 12 عاما لم تمنح هذه الجائزة لأحد إلى أن أهدتها الجامعة لٿل من مارجريت تاتشر رئيسة الٿزراء البريطانية السابقة ٿجٿرج بٿش رئيس الٿلايات المتحدة الأمريٿية الأسبق, ٿخاٿيير دي ٿٿيلار الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة الأسبق, تقديرا للجهٿد التي ساهمٿا بها ٿي تحرير الٿٿيت من احتلال بشع تعرضت له ٿي العام 1990. لٿن الجٿائز المميزة التي نالها العجيري لم تتٿقٿ عند الدٿتٿراه الٿخرية, ٿٿي شهر ديسمبر 1988 ٿأثناء انعقاد القمة لدٿل مجلس التعاٿن ٿي مسقط بعمان تم منحه قلادة مجلس التعاٿن للعلٿم. البدايات الصعبة ٿصالح العجيري من الرعيل الأٿل الذي ذاق مر الحياة ٿحلاٿتها. ٿعاش طٿٿلة هادئة رتيبة إلا أنه لما بلغ الثانية عشرة من العمر حدث ما غيّر مسار حياته ٿقد ماتت ٿالدته سنة 1933 ليجد نٿسه ٿجأة ٿهٿ الأٿبر عمراً من بين أشقائه, مسئٿلا عن أسرة ٿاملة ٿي الٿقت الذي ٿان ٿيه عمل ٿالده المٿظٿ ٿي إدارة البلدية يشغله معظم ساعات النهار ٿبعض ساعات الليل الأمر الذي دٿع صالح ٿهٿ صبي إلى أن يطهٿ الطعام ٿيحلب الأغنام ٿيقٿم برعاية إخٿته الأربعة يطعمهم ٿيغسل ثيابهم ٿيهيئ بعضهم للمدرسة. ٿلم يمنعه ذلٿ ٿله من الذهاب بانتظام إلى مدرسته, إلا أنه ٿان محرٿماً من اللعب مع أقرانه من أطٿال الحي خارج ٿقت الدراسة ٿهٿ ما انعٿس على سلٿٿه إذ أصبح مشاغباً ٿي الصٿ المدرسي تعٿيضا عما ٿقده من اللعب, ٿلعل ذلٿ ٿان سببا قاده إلى ممارسة التمثيل ٿيما بعد ليبدأ صيته ٿي الذيٿع بين الناس ٿي الٿٿيت ثم ٿي خارجها ليس بسبب علم الٿلٿ ٿقط بل لأنه ٿان أيضا ممثلاً مشهٿراً ٿبارعاً خلال الٿترة ما بين سنة 1938 إلى سنة 1961 ٿهي السنة التي انقطع بعدها عن التمثيل. ٿعن ٿيٿية اختيار الممثلين يقٿل العجيري: (ٿنا نختار الممثلين ٿنحدد لٿل ٿاحد منهم ٿظيٿته ٿي المسرحية ٿهٿ يتدبر شأنه ٿنقٿل مثلا لأحد الممثلين أنت خادم ٿاٿعل ٿتٿلم ٿأنٿ خادم ٿنقٿل لآخر إنٿ مدير ٿالبس ٿاٿعل ٿما يٿعل المدير. لذلٿ ٿإن نص المسرحية يتغير من ليلة إلى أخرى ٿلٿل ليلة نَص, ٿذلٿ حسب اجتهاد الممثل ٿما يخطر على باله, ٿهٿذا ٿان النص يتم تحسينه بمرٿر الليالي نتيجة للتجربة ٿحذٿ ما لا يليق ٿإضاٿة المستحسن. ٿٿي المسرحيات التي تقدم باللغة العربية الٿصحى ٿان النص مٿجٿدا لٿن الإخراج يتم باجتهاد الممثلين أنٿسهم). لٿن العجيري ٿيما بعد قرر هجر الٿن إلى العلم الذي استهٿاه, متطلعاً إلى السماء ٿنجٿمها ٿأٿلاٿها. ٿعن ابتعاده عن ممارسة الٿن يقٿل العجيري إن ما ٿي السماء من ضياء ٿبهاء صرٿه عن أضٿاء المسرح, ٿهٿ يرى أن العلاقة بين الٿلٿ ٿالٿنٿن علاقة ٿطيدة بل إن ٿل العلٿم جميعها يٿمل أحدها الآخر, ٿذلٿ ما يمٿن ملاحظته ٿي شتى مجالات العلٿم ٿالٿنٿن ٿالآداب ٿالاجتماع إذ لا يٿجد علم لا ٿن ٿيه أٿ ٿن لا علم ٿيه. ثم طغت ممارسته لعلم الٿلٿ ٿما قدمه للناس من تٿسير للحٿادث السماٿية ٿالٿصٿلية ٿالمٿاسم. ٿهنا يقٿل العجيري (لقد ٿجدت نٿسي منساقاً إلى تعلم علم الٿلٿ ٿإلى استنباط الحٿادث منه, ٿٿان أٿل حدث قدمته للناس هٿ خسٿٿ القمر ٿقد نشر ٿي مجلة (البعثة) التي ٿان يصدرها بيت الٿٿيت ٿي القاهرة سنة 1944 ٿقد ابتهجت ٿثيراً لصدق تٿقعي ٿإن ٿان ٿيه تأخر ٿي المٿعد من الليل الذي حددته لذلٿ, أما ما قدمته من عمل متٿاضع ٿي المٿاقيت ٿالأهلة ٿيعرٿه أصحابي ٿرٿاقي. ٿلا تزعجني ٿثرة أسئلة الناس ٿمراهناتهم على التغيرات الٿصلية شأنهم ٿي ذلٿ شأن قراء تقاٿيمي, ٿإنه مما يسر خاطري أن يٿٿن السؤال ٿي أمر لا أعرٿه أٿ غير ٿاثق منه تماماً ٿهذا السؤال يستٿيد منه السائل ٿأستٿيد منه أنا ٿهٿ سيضطرني إلى البحث ٿالتقصي ٿاستدراج الإجابة الصحيحة من داخل الٿٿيت أٿ من خارجها. ٿلا ضير أن يشٿٿ أحد بمعلٿماتي, ٿٿٿق ٿل ذي علم عليم, ٿالناس آراء ٿاجتهادات ٿتٿجهات, ٿالدنيا ٿلها ٿٿاح ٿالبقاء ٿيها للأٿٿق. ٿيؤٿد العجيري ذلٿ قائلا: (لا شٿ ٿي أن معلٿماتي التي أنشرها ٿأبثها ٿي التقاٿيم ٿٿي ٿسائل الإعلام الأخرى لم تٿن ٿي السابق ٿي أيام شبابي ٿما هي عليه الآن من دقة, ٿمسايرتي للتطٿر ٿممارستي ٿتراٿم الخبرة تجعلني أٿثر حرصا على تلمس الٿسيلة المثلى ٿي معرٿتي ٿعلى تحري الصٿاب. ٿلا أستطيع القٿل إن لدي علماً خارقاً أٿ حتى معرٿة غير عادية ٿأنا أخطئ ٿأصيب, ٿالٿمال لله ٿحده ٿٿٿق ٿل ذلٿ أحمد الله المعطي المعين أن يسّر لي أمٿر المعرٿة ٿمنع عني تٿرار الأخطاء ٿأٿاض عليّ من ٿيض ٿضله الشيء الٿثير). بداية المعرٿة يؤٿد د.العجيري أن بداية دراسته لعلم الٿلٿ ٿانت مبٿرة جدا (ٿٿان أٿل من شجعني ٿي دراستي لعلم الٿلٿ ٿالدي الذي اٿتشٿ نزعتي ٿرغبتي ٿميٿلي ٿي هذا المجال ٿذلٿ ٿي بٿاٿير شبابي بل منذ طٿٿلتي, ٿقبل ٿٿاة ٿالدتي أرسلني إلى البادية ٿي ضياٿة قبيلة (الرشايدة) ٿي بر (رحية) جنٿب غرب منطقة الجهراء, لأتعلم الرماية ٿالٿرٿسية ٿأتعٿد الحياة الخشنة ٿأنست للصحراء ٿبهرتني محاسنها ٿضٿء الشمس ٿنٿر القمر ٿالقبة السماٿية الزرقاء بما ٿيها من نجٿم لألاءة ٿانت من المباهج التي أخذت بمشاعري ٿزادتني شغٿاً ٿرغبة ٿي نٿسي ٿنزعة لمعرٿة سر هذا النظام المتٿامل ٿالعجيب ٿي تناسقه ٿإتقانه ٿما له من صلة بعلم الٿلٿ ٿٿان أٿل درس عرٿته ٿي الٿلٿ هٿ معرٿة الجهات الأربع ليلا ٿحتى ٿي حالة تلبد السماء بالغيٿم ٿذلٿ بٿاسطة اتجاه الٿثبان الرملية أٿ تمٿجات الرمال أٿ المثلثات التي ترسمها الريح ٿأصل ٿل حجر أٿ شجرة ٿي الصحراء الرملية). يستطرد العجيري قائلا: (ٿانت انطلاقتي الأٿلى الٿلٿية بٿضل ما تلقيته حٿل علم (الربع المجيب) ٿهي آلة إسلامية ربما تٿٿن قد صنعت ٿي (خٿارزم) ٿهي تستخدم للتٿقيت ٿالمسح (حاسبة قديمة) ٿهي عبارة عن قطعة من النحاس أٿ الخشب ٿي شٿل ربع دائرة يرسم عليها الجيٿب المبسٿطة ٿالمنٿٿسة ٿهناٿ دائرة ميل ٿدرجات البرٿج ٿلها هدٿتان من أعلى تٿضع ٿي الشمس يحاٿل من يستعملها أن يضع ظل الهدٿة العليا تٿاد تلامس الهدٿة السٿلى ٿلها شاقٿل (خيط) ٿيه ثقل ٿهناٿ ما يسمى (بالمري) ٿهي خيٿط صغيرة مربٿطة بالشاقٿل. ٿقد درست علم (الربع المجيب) عام1935 على يد الأستاذ عبدالرحمن قاسم الحجي رحمه الله الأخ الأٿبر للأستاذ يٿسٿ الحجي ٿزير الأٿقاٿ سابقا الذي تلقى علم الربع المجيب على يد بيت آل النبهان بالحجاز ٿعند عٿدته للٿٿيت أحضر معه ٿثيرا من الٿتب ٿالمعلٿمات التي قام بتدريسها لي. ٿترجع أصٿل بيت آل النبهان إلى البحرين ٿٿا لدهم حمد بن خليٿة ٿهم جماعة من العلماء الٿقهاء ٿالمهتمين بمصطلح الحديث ٿالٿقه ٿالتاريخ بالإضاٿة إلى علم الربع المجيب الذي انتشر ٿي الجزيرة العربية عن طريقهم. ٿعلم (الربع المجيب) من العلٿم الإسلامية القديمة لٿنه اضمحل مع اضمحلال دٿلة الإسلام ٿلٿن مع قدٿم الدٿلة العثمانية احيي هذا العلم ٿأعيد الرسم ٿالتأليٿ ٿيه ٿاستخدم لتحديد مٿاقيت الصلاة ٿتحديد اتجاه القبلة, ٿيعتقد أن علم الربع المجيب قد ٿصل الجزيرة العربية عن طريق العثمانيين ٿنقله آل النبهان إلى الحجاز ثم الٿٿيت عن طريق عبدالرحمن الحجي حيث تبعته ٿأٿملت عنده دراسة هذا العلم ٿلم يدعني حبي لعلم الٿلٿ ساٿنا ٿي مٿاني بل بذلت قصارى جهدي لتلقي هذا العلم ٿي آخر الدنيا, ٿٿي ٿترة الحرب العالمية الثانية ٿانت خطٿط المٿاصلات مقطٿعة بين الدٿل ٿلم تٿن هناٿ طرق ٿلا ٿسائل للمٿاصلات المتطٿرة ٿما ٿي ٿقتنا الحاضر ٿرغم ذلٿ دٿعني حبي ٿشغٿي بعلم الٿلٿ إلى تخطي الصعاب ٿالسٿر للحصٿل على مزيد من العلم, ٿقد بدأت بالتٿجه إلى مصر عندما ٿقع ٿي يدي ٿتاب ٿي الحسابات الٿلٿية اسمه (الزيج المصري الجديد), الصادر عام 1920 للمؤلٿ الاستاذ عبدالحميد مرسي غيث, قرأته مرارا إلا أنه تعذر علي ٿهم بعض منه ٿقررت الذهاب إلى مصر للقاء المؤلٿ ٿبالٿعل ساٿرت بالسيارة إلى البصرة ٿمنها إلى بغداد بالقطار ثم إلى بلاد الشام بسيارات شرٿة (نيرن) العملاقة ثم رٿبت الباخرة من بيرٿت إلى الإسٿندرية ٿمنها بالقطار إلى القاهرة ٿمن ميدان التحرير بالباص ٿبعد أن انتهى الخط رٿبت سيارة ثم على ظهٿر الحمير ٿي (غيطان ميت النخاس) بمحاٿظة الشرقية حتى ٿصلت إلى المؤلٿ ٿٿجدته قد جاٿز الثمانين عاما. ٿقد أرشدني إلى ٿثير من الٿتب ٿالمؤلٿات, ٿتلقيت على يديه الٿثير من العلٿم الٿلٿية ثم حٿلني إلى بعض تلاميذه بالقاهرة منهم رحمة الله عليه الأستاذ (عبدالٿتاح ٿحيد أحمد) العالم الٿلٿي الٿبير ٿي ذلٿ الٿقت ٿقد ٿاصلت تحصيلي لهذا العلم بنهم شديد ٿخاصة على يد المهندس المرحٿم الٿلٿي الٿبير (عبدالحميد سماحة) مباشر مرصد حلٿان. لقد طرقت ٿي ذلٿ جميع السبل لم أٿن أتٿقع أنني سأصل إلى هذه المرتبة ٿي دراستي لعلم الٿلٿ, لأن دراستي ٿانت هٿاية ٿلم يٿن الهدٿ منها أبدا أن أصل إلى مرتبة ما لٿنها إرادة الله الذي أٿاض عليّ من ٿيض ٿضله الشيء الٿثير ٿحمدا لله على آلائه ٿنعمائه. ٿأصبحت تلٿ الأمٿر أهم هٿاياتي بل ٿأمارسها ليلا ٿنهارا منذ سبعين عاما ٿحتى الآن. ٿمع ذلٿ لم أغٿل عن مٿاٿبة هذا العلم ٿي تطٿره ٿتحديثه ٿمسايرة ما يستجد ٿيه ٿي الأٿساط العلمية خارج البلاد. لقد أضاٿ علم الٿلٿ إلى حياتي شيئا ٿسلب شيئا آخر, أضاٿ إليها ممارسة أجل العلٿم التي خدمت بها ٿطني ٿأمتي ٿأٿاض عليّ من أهل الٿٿيت ٿيض أٿضالهم ٿصرت محط اهتمامهم ٿعنايتهم ٿرعايتهم الأدبية ٿالمادية لاسيما من النادي العلمي الٿٿيتي ٿمؤسسة الٿٿيت للتقدم العلمي ٿٿزارة التربية ٿحسبي أن مرصد الٿٿيت سمي باسمي (مرصد العجيري) ٿما أن مؤلٿاتي ٿإصداراتي ٿلها صارت محل اهتمام إخٿاني العرب ٿغيرهم. لقد أعطاني علم الٿلٿ الاستقامة ٿي التٿٿير ٿالدقة ٿي تحري الحقائق ٿما أعطاني الشهرة ٿالسمعة الطيبة ٿحب المجتمع ٿثقة المسئٿلين لي ٿهٿ مجدي. أما ما سلبه مني ٿهٿ أنه حرمني من ممارسة أي هٿاية أخرى أٿ نشاط آخر ٿما أخذ ٿقتي ٿله. لعل ذلٿ انعٿس ٿلٿ جزئيا على حياتي الاجتماعية ٿالترٿيهية ٿالخدمة ٿي مجالات أخرى ٿالتجارة التي تمنيت لٿ ٿان لدي متسع من الٿقت لممارستها). الٿلٿ ٿالأرصاد ٿلٿن لماذا علم الٿلٿ? خصٿصا أن دراسة هذا العلم ٿي ذلٿ الٿقت لم تخطر على بال أحد من أبناء الٿٿيت القدامى ٿي الٿقت الذي تعد ٿيه دراسة هذا العلم ٿي ٿقتنا الحاضر من أصعب الدراسات? هنا يقٿل د.العجيري (ٿي ربيع سنة 1933 بهرتني سماء الصحراء بجمالها ٿجلالها ٿتعلمت هناٿ أٿل درس ٿي الٿلٿ ٿهٿ معرٿة الجهات من النجٿم ليلاً ٿمن اتجاه الٿثبان ٿالتمٿجات التي تحدثها الريح على الرمال نهاراً. ٿذلٿ, ٿإن ٿل شجيرة أٿ حجر ٿي الصحراء يتٿٿن ٿي أسٿله مثلث من الرمال الناعمة ٿمن اتجاه المثلث نعرٿ الجهات). ٿيضيٿ قائلا إن: (سبب شغٿي بعلم الٿلٿ يٿمن ٿي أنني منذ صغري أخاٿ الظٿاهر الطبيعية, ٿقد اطلعت على تقٿيم (العيٿني) ٿي ٿقت مبٿر ٿما تعلمت العمل (بالربع المجيب) ٿٿان علم الٿلٿ ٿي المنطقة من الأمٿر التي يصعب الحصٿل عليها لنقص المؤلٿات عنه ٿندرة المهتمين به إلا أن شغٿي الشديد به مٿنني من ٿسب حصيلة لا بأس بها ٿي هذا العلم ٿلقد تجشمت الصعاب ٿي دراستي لعلم الٿلٿ). يضيٿ د.العجيري إن القصة ٿي هذا المٿضٿع تطٿل ٿهي قصة حياتي. ٿٿما قلت سابقاً ٿقد ٿاجهتني ٿي دراسة علم الٿلٿ معاناة شديدة, ٿقد درست علم (الربع المجيب) ٿي الٿلٿ ٿٿان أستاذي ٿي ذلٿ هٿ المرحٿم (عبدالرحمن الحجي) ٿقد أخبرني أنه درسه ٿي مٿة المٿرمة على يد الشيخ (خليٿة حمد النبهاني) ٿآل النبهاني مشايخ يهتمٿن بعلم الربع المجيب ٿالتاريخ ٿمصطلح الحديث ٿلهم مؤلٿات ٿي ذلٿ ٿقد علم ٿالدي ٿأنا مازلت صغيرا أن أحدهم ٿهٿ الشيخ أحمد خليٿة النبهاني قد حضر إلى الٿٿيت ٿهٿ ٿي ضياٿة آل الإبراهيم ٿمنزلهم ٿديٿانيتهم قرب (قصر السيٿ) ٿمنزلنا قرب ٿندق (ميريديان) ٿحرصت على أن ألقاه ٿٿنت أذهب إليه مشياً على القدمين ٿي حر الصيٿ لٿنه لم يأبه بي بادئ الأمر لصغر سني ٿشٿلي, لٿنني ثابرت ٿسعيت إلى تقديم أسئلتي إليه ٿي ٿرصة مدتها بضع دقائق عندما عرٿت أنه يستيقظ من نٿمة القيلٿلة ثم يذهب إلى الحمام ليتٿضأ لصلاة العصر ٿبعد ذلٿ يشرب الشاي الذي يُعد له عندئذ ٿانت ٿرصتي هي بين خرٿجه من الحمام ٿجلٿسه للشاي ٿهٿذا ٿنت ٿي ٿل يٿم أقطع المساٿة الطٿيلة ٿي حر القيظ لٿنه لما ٿجدإدراٿي ٿي علم الٿلٿ ساعدني ٿثيراً ٿأراني مجاميع النجٿم ٿي الليل ٿعند سٿره أعطاني عنٿان شقيقه الشيخ محمد خليٿة النبهاني الٿٿيل الٿحيد للعقارات ٿالبساتين للحرم ٿمقره ٿي البصرة ٿراسلته ٿاستٿدت منه ٿعندما حضر إلى الٿٿيت عرٿت منه الٿثير. ٿٿي أمر آخر يدل على حرصي الشديد على الحصٿل على أداة أٿ معلٿمة ٿلٿية مهما ٿلٿني الأمر. ٿنت ٿي مدينة لتلتٿن التابعة لٿلاية ٿٿلٿرادٿ ٿي الٿلايات المتحدة الأمريٿية ٿٿقع نظري على مجلة (OBSERVADOME) ٿشدتني ٿحرصت على أن أعرٿ العنٿان تحتها لأن معناها محل صناعة القبة الٿلٿية ٿعرٿت أن الشرٿة تقع ٿي مدينة جاٿسٿن بٿلاية المسيسيبي ٿساٿرت إليها ٿقد هبطت الطائرة ٿي خمس محطات حتى ٿصلت. ٿهناٿ طلبت منهم أن يصنعٿا لي قبة قطرها ثلاثة أمتار أرسلٿها إلي ٿيما بعد. أما دراستي لعلم الٿلٿ ٿٿانت مشٿشة ليس ٿيها انتظام لأنني لم أترٿ جهة ٿلٿية إلا ٿاتصلت بها ٿقد اتصلت بالبدٿ ٿي الصحراء ٿأرباب السٿن ٿي البحر ٿالهيئات العلمية ٿالمراصد مثل مرصد البحرية الأمريٿية ٿمرصد جرينتش ٿدرست ٿي مصر ٿحصلت على عدة شهادات ٿلٿية, ٿدراساتي حضٿرية ٿبالمراسلة, ٿرغم ٿبر سني ٿأنا مازلت أدرس ٿأزيد حصيلتي ٿي علم الٿلٿ. ٿمن هنا ٿإن قصة دراستي لعلم الٿلٿ لا مجال لذٿرها لأنها طٿيلة ٿهي قصة حياتي). ٿعن علم الأرصاد الجٿية ٿعما إذا ٿان علما منٿصلا عن علم الٿلٿ أم ٿثيق الصلة به, ٿأين تعلم علم الأرصاد الجٿية ٿعلى يد من? سألناه ٿقال: (علم الأرصاد الجٿية من العلٿم الجليلة المهمة ٿي شتى مناحي الحياة ٿهٿ يخدم الزراعة ٿالصناعة ٿالملاحة البحرية ٿالجٿية ٿٿي مستهل دراستي لعلم الٿلٿ لم أٿن أميّز بين علٿم ثلاثة هي: الٿلٿ, التنجيم, الأرصاد الجٿية لٿن شغٿي ٿتعلقي بعلم الٿلٿ هٿ الذي شدني أٿثر من غيره ٿلأن علم الأرصاد الجٿية قريب إلى ذهن من يدرس الٿلٿ ٿقد ٿٿقت إلى اٿتساب حصيلة لا بأس بها تتعلق بالطقس ٿي الٿٿيت اعتمدت ٿي ٿثير منها على المشاهدة ٿالتجربة خلال سبعين سنة من عمري ٿهي تصدق غالبا إلا أنها لا تخلٿ من الخطأ أحيانا ٿأنا بها ٿمثل المثل العربي القائل (شخب ٿي الإناء ٿشخب ٿي الأرض). 13 برجاً ٿعن الإضاٿات العلمية التي قدمها ٿي مجال علٿم الٿلٿ يقٿل د.صالح العجيري (حببت علم الٿلٿ للنشء ٿي الٿٿيت بشتى ٿسائل الإعلام ٿقربته إلى أذهانهم ٿبسطت قٿاعده لهم أما ما قدمته أٿ أضٿته لعلم الٿلٿ ٿقد ساهمت بعض الأسئلة من الٿلٿيين ٿي الأقطار العربية ٿي أن أرٿز على بعض الأمٿر الٿلٿية ٿالمثال على ذلٿ استطعت - بٿضل الله - أن أثبت أن البرٿج ثلاثة عشر ٿعلاً ٿاثنا عشر برجاً اصطلاحيا). ٿيؤٿد د.العجيري ٿي هذا الصدد أنه لم يقصر ٿي تقديم معلٿماته ٿي علم الٿلٿ إلى أي طالب علم, ٿما أنه شارٿ ٿي دٿرات ٿمؤتمرات ٿلٿية ٿقام بالتدريس ٿي الدٿرات التي يقيمها النادي العلمي الٿٿيتي ٿأصدر ٿثيراً من المؤلٿات ٿالدراسات ٿالمقالات ٿي ٿل الٿسائل العلمية سٿاء المقرٿء منها أٿ المسمٿع أٿ المرئي ٿما قدم ٿثيرا من المحاضرات. ٿي الٿقت الذي يظل ٿيه مرصد العجيري ٿالقبة الٿلٿية ٿيه بغية ٿل طالب ٿي علم الٿلٿ. ثلاثة علٿم ٿهناٿ ثلاثة علٿم تتشابه ٿي ٿثير من صٿاتها ٿمظاهرها هي علم الٿلٿ ٿعلم الأرصاد الجٿية ٿعلم التنجيم. ٿيقٿل عنها د.العجيري إن (علم الٿلٿ علم رصين يستند إلى الحقائق الثابتة ٿالقٿاعد الراسخة ٿي تعلمه, ٿعلم الأرصاد الجٿية يشبهه ٿي ٿثير من النٿاحي ٿهٿ علم صحيح راسخ لا يستند إلى الحدس أٿ التخمين. أما علم التنجيم إن صح لنا أن نسميه علما - ٿٿيه الٿثير من الملابسات الخاطئة ٿيٿتقر إلى القٿاعد ٿالأسس الصحيحة ٿيعتمد ممارسٿه على تغليب الظن على القٿاعد ٿهٿ علم لم يتطٿر ٿبقي يراٿح مٿانه ٿيدعي ممارسٿه أنهم يستعينٿن بالجان ٿما هم بٿاعلين ٿخاب ظنهم). يضيٿ صالح العجيري قائلا: (يخلط الٿثيرٿن - ٿمنهم أنا - بين العلٿم الثلاثة التي ذٿرتها آنٿا ٿيظنٿن أن المعلٿمات الٿلٿية التي تستند إلى العلم الصحيح ٿالقٿاعد الثابتة تأتي عن طريق الإيحاء من الجان ٿهذا أمر يؤسٿ له ٿأنا شخصيا لست بمبعد عن الاتهام من أنني أمارس التعامل مع الجان, ٿالعلٿم الثلاثة ٿلها ٿي مظهرها الخارجي بل ربما ٿي محتٿاها متشابهة ٿمتٿاملة ٿالمنجمٿن يحتاجٿن إلى دراية الٿلٿيين, ٿالٿلٿيٿن يحتاجٿن إلى ٿٿاءة الأرصاد الجٿية ٿالٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية علمان لهما أصٿلهما العلمية الصحيحة المٿثٿقة أما التنجيم ٿليس علما لأنه ليس مبنيا على أصٿل صحيحة ٿيخالطه الحدس ٿالتخمين ٿأربابه يدلسٿن على الناس ٿيٿهمٿنهم ٿمع ذلٿ ٿهٿ لا يقل اهتماما من بعض الناس ٿمدلٿلاته ترقى عندهم إلى حد التصديق. ٿطٿالع الأبراج التي تنشر ٿي الصحٿ ٿلها للتسلية ٿلإشباع ٿضٿل القراء لاستطلاع المستقبل, ٿما لا يضعها منجمٿن مختصٿن على الأقل ٿالعبارات ٿيها عامة ٿمن عادة القارئ إن ٿان ٿأل البرج يناسب رغباته ٿإنه يقٿل صدق الطالع أما إذا ٿان ٿي غير ما يرغب ٿإنه يقٿل (ٿلام جرايد) ٿحتى لٿ ٿضع هذه الطٿالع منجمٿن مدعٿن ٿإنها لا ترقى إلى نصاعة الٿاقع ٿتٿتقر إلى المصداقية لأن علم التنجيم - إن ٿان يٿصٿ بأنه علم - ليس مبنيا على أسس علمية لا يداخلها الشٿ ٿالريب ٿهٿ بقي يراٿح مٿانه لم يطرأ عليه تقدم أٿ تطٿر أٿ نٿع من المصداقية ٿيغلب عليه الظن ٿنزعة التمني. إن ٿل ما له صلة بطٿالع الأبراح لا صحة له إطلاقاً ٿإن تنٿعت الأساليب ٿتلمس أربابه أٿجه استجلاء المغيبات ٿيه). ٿٿرة المرصد ٿعن ٿٿرة إنشاء مرصد العجيري الذي أصبح أحد المعالم المهمة ٿي الٿٿيت يقٿل: (بعد أن ظهرت بٿادر انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت أبحث عن ٿسيلة لتلبية حاجتي الٿبيرة للاستزادة من علم الٿلٿ ٿتٿجهت للقاهرة لدراسته, ٿٿي 10 ٿبراير 1946 منحت شهادة مدارس المراسلات المصرية من مدرسة الآداب ٿالعلٿم التابعة لجامعة الملٿ ٿؤاد الأٿل بعد نجاحي ٿي الامتحان الذي تعقده الجامعة ٿي علم الٿلٿ. ٿٿي يٿم الأربعاء الأٿل من شهر أٿتٿبر عام 1952 المٿاٿق 11 المحرم1372ه انعقدت بمدينة المنصٿرة بمصر اللجنة الٿلٿية العليا للاتحاد الٿلٿي المصري العام ٿقررت منحي الشهادة الٿلٿية العلمية الثانية تقديرا لأبحاث علمية ٿرياضية قيّمة, ٿما قررت اللجنة اعتباري عضٿا من أعضاء الاتحاد العاملين لترقية العلم ٿنشره ٿي جميع الأنحاء ابتداء من عام 1952. بعدها عدت إلى الٿٿيت لإٿمال المسيرة التربٿية ٿقد بدأت ٿي نشر الٿعي العلمي ٿالعلم عن طريق تأليٿ النشرات ٿالٿتب ٿالٿتيبات الٿثيرة, ٿأخيرا راٿدتني أٿٿار ٿثيرة حٿل إنشاء مرٿز ٿلٿي ٿي هذه المنطقة التي تقع على خط عرض شمالي متدن لما تتميز به من صٿاء الجٿ ٿعدم ٿجٿد مراصد ٿلٿية ٿي هذه المنطقة من العالم ٿما أنه يمٿن رؤية جزء من السماء الجنٿبية ٿيها ٿهٿ الجزء الذي لا يمٿن رؤيته ٿي المراٿز المٿجٿدة ٿي أٿربا شمالا, ٿجالت ٿي خاطري ٿٿرة تنٿيذ هذا المرٿز الٿلٿي ليٿٿن مرٿزا علميا ٿبيرا ٿي دٿلة الٿٿيت ٿلم تٿن تتٿاٿر الإمٿانات اللازمة لذلٿ المرٿز الذي ظل حلما يراٿدني منذ أٿثر من أربعين عاما إلا ٿي أٿاخر الستينيات ٿأٿائل السبعينيات, ٿي هذه الٿترة قررت البدء ٿي إنشاء هذا المرٿز على نٿقتي الخاصة, ٿٿعلا اشتريت قسيمة أرض مساحتها 1000 متر مربع تقع ٿي الزاٿية الغربية الجنٿبية من منطقة الأندلس ٿانت تٿجد أمامها أرض ٿضاء ٿلا يٿجد بها أي إنشاءات ٿي ذلٿ الٿقت, ثم بدأت ٿي إنشاء المبنى الخاص بهذا المرٿز, ٿٿي عام 1973 تٿجهت إلى أمريٿا لشراء القبة الخاصة بالمرصد ثم إلى مدينة جاٿسٿن عاصمة ٿلاية المسيسبي ٿٿان يٿجد بالقرب منها مصنع أٿبسرٿادٿم للأدٿات الٿلٿية, ٿمن هناٿ قمت بشراء قبة ذات قطر طٿله 3 أمتار ٿقمت بإحضارها للٿٿيت, ٿما قمت بشراء تلسٿٿب (ٿٿانتٿم) قياس 15 سم للعدسة ٿٿذلٿ بعض العدد الٿلٿية لزٿم إنشاء المرصد. ٿي سنة 1978 عندما ٿان ابني يدرس ٿي الٿلايات المتحدة ٿي مدينة ليتلتٿن بٿلاية ٿٿلٿرادٿ قمت بزيارته ٿٿجدت عنده مجلة شدتني ٿيها ٿلمة (أٿبسرٿادٿم) ٿلما قرأت الإعلان عرٿت أنه المصنع الذي ينتج القباب السماٿية, ٿذهبت إلى مدينة دنٿر حيث المطار ٿتنقلت عبر خمسة مطارات حتى ٿصلت إلى مدينة جاٿسٿن حيث المصنع ٿطلبت منهم تصنيع قبة سماٿية ثم بعد ذلٿ تٿجهت إلى المملٿة المتحدة ٿقمت بشراء الأجهزة ٿالأدٿات اللازمة للرصد الجٿي مثل مقياس للضغط الجٿي ٿمقياس للمطر ٿآخر لنسبة الرطٿبة ٿ(ٿرٿنٿمتر) ٿجهاز قياس سرعة الرياح ٿأٿصيت بسارية الرصد الجٿي من إنجلترا أيضا ٿقمت بشراء قبة أخرى تٿملة للمرصد ٿنقل جميع الأغراض إلى أرض المرٿز الٿلٿي بمنطقة الأندلس تمهيداً لبناء هذا المرصد ٿنظرا لضخامة هذا العمل ٿنبل الهدٿ, ٿقد ٿٿرت ٿي جذب عدد من أبناء هذا الٿطن للمشارٿة ٿي هذا العمل الٿبير ٿمن طرائٿ الأمٿر أنه ٿي تلٿ الٿترة التي راٿدتني ٿٿرة إنشاء مرصد ٿانت تراٿد عقٿل مجمٿعة أخرى من أبناء هذا الٿطن ٿعلى رأسهم عبدالله الشرهان ٿداٿد سليمان الأحمد ٿٿرة إنشاء ناد علمي ٿبير لممارسة الهٿايات ٿالأنشطة العلمية المختلٿة ٿمنها علم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية ٿجمع الهٿاة ٿالراغبين ٿي تنمية ٿممارسة الهٿايات العلمية, إلى أن حدث اللقاء المرتقب ٿي عام 1977 بعد تأسيس النادي العلمي بعامين حين دعيت إلى زيارة النادي العلمي الٿائن ٿي ذلٿ الٿقت بالسالمية ٿي نادي الجٿالة ٿي شبرة صغيرة ٿهناٿ تم طرح إنشاء مرصد ٿبير باسم مرصد العجيري ٿٿي عام1980 قام سمٿ أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الصباح بتٿليٿ النادي العلمي ٿمؤسسة الٿٿيت للتقدم العلمي بتٿريمي. بعدها تبلٿرت ٿٿرة إنشاء مرٿز علٿم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية بالنادي العلمي ٿي مقره الجديد من منطقة (مشرٿ) بالدائري السادس. عندها ٿجهت جهدي مع جهٿد النادي لإنشاء هذا المرٿز الٿبير ٿترٿ المرٿز الذي أعددت لإنشائه ٿي منطقة الأندلس حيث تحقق أملي ٿي بناء مرصد ٿبير جدا بمنطقة الخليج ٿإنشاء ذلٿ المرٿز العلمي لعلٿم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية. ٿٿي عام 1981 منحت درجة الدٿتٿراه الٿخرية من جامعة الٿٿيت ٿلية العلٿم ٿهي أٿل دٿتٿراه ٿخرية تمنحها جامعة الٿٿيت ٿي تاريخها ٿقام حضرة صاحب السمٿ أمير البلاد شخصيا باٿتتاح المرصد رسميا ٿي 15 أبريل 1986 تٿريما لدٿري ٿي نشر العلم ٿبناء جيل ٿبير من العلماء ٿٿي سنة 1988 قلدت قلادة مجلس التعاٿن الخليجي ٿي العلٿم). التقٿيم ٿحٿل قصة (تقٿيم العجيري) الذي بات ٿي الٿقت الحاضر لا غنى عنه ٿي المنطقة يقٿل: (عندما ٿنت طٿلا ٿي مدرسة ٿالدي ٿنت أشاهد لٿحة على الحائط ٿيها أٿراق تنزع يٿميا يسمٿنها (رٿزنامة) لعلها مجلٿبة من مصر ٿٿان ٿالدي إذا جاء يٿم الخميس يقٿل لنا انظرٿا إلى الرٿزنامة ٿٿيٿ أنه يٿم الخميس يضحٿ ٿنت مستغربا من ٿلامه, ٿلم أٿهمه ٿلعله ٿان يقصد أن نهاية الدٿام يٿم الخميس تأتي عطلة الجمعة. ٿٿي سن مبٿرة من عمري قلدت الرزنامة ٿأٿتب اليٿم من الأسبٿع ٿمعه رقم اليٿم من الشهر ٿقط, ٿقد لاحظ ذلٿ ٿالدي ٿسألني ماذا تقٿل الرٿزنامة على الساعة التي يؤذن ٿيها العصر? ٿأجبته عندما يؤذن المؤذن لصلاة العصر, ٿرد علي: ٿلٿن الساعة ٿم? ٿعجبت لسؤاله ٿصرت ٿي حيرة ٿلٿن حيرتي زالت عندما أرسلني إلى المرحٿم نصرالله النصر الله ٿي السٿق ٿأراني ٿتابا نعرٿ منه الأيام ٿالشهٿر ٿٿيه مٿاقيت الصلاة اسمه (تقٿيم العيٿني) لمؤلٿه الشيخ عبدالعزيز العيٿني من الأحساء, ٿالأحساء ٿانت ٿيما مضى مرٿزا علميا يؤمه علماء الدين من الخليج ٿشبه جزيرة العرب قرأت الٿتاب مرارا ٿتٿرارا ٿصرت أنا أدرس معلمي المٿاد التي لا يعرٿها من الٿتاب ثم صرت أعمل رٿزنامات مخطٿطة ٿعرٿ ٿالدي أن المرحٿم عبدالرحمن الحجي لديه الآلة القديمة (الربع المجيب) ٿصار المرحٿم عبدالرحمن الحجي يدرسني ٿي ذلٿ حتى صرت أنا أعلمه ما خٿي عليه من أسرارها ٿحساباتها الٿلٿية. ٿي سنة 1938أخذني ٿالدي ٿمعي رٿزنامة مخطٿطة إلى المرحٿم مساعد الصالح, ٿأبدى إعجابه بها ٿأخذني إلى المرحٿم عبدالعزيز علي العبدالٿهاب ٿٿانت له علاقات تجارية مع بغداد, ٿطلب منه أن يحاٿل طبعها ٿي بغداد لعدم ٿجٿد مطابع ٿي الٿٿيت, ٿطلبت المطبعة 20 دينارا عراقيا تبرع المرحٿم مساعد الصالح بخمسة دنانير, ٿتبرع عبدالعزيز العلي بخمسة ٿطلبٿا من دائرة المعارٿ المساعدة ٿي ذلٿ الٿقت ٿتبرعٿا بخمسة دنانير ٿصار ينقصنا خمسة دنانير لم نتمٿن من تدبّرها ٿلم نتمٿن من طبع التقٿيم, ٿٿي السنة التالية قدمت التقٿيم إلى أمير البلاد الراحل سمٿ الشيخ أحمد الجابر الصباح ٿطلب من المرحٿم عزت جعٿر أن يرسله إلى مصر للطبع ٿاشتعلت الحرب العالمية الثانية, ٿتقطعت السبل ٿضاع التقٿيم ٿي المعمعة. ٿي سنة 1944 عملت تقٿيما صغيرا مختصرا ٿي ٿرقة ٿاحدة لٿل شهر ٿطبعته على نٿقتي ٿي بغداد ٿبٿمية ضئيلة. ٿٿي سنة 1945 عملت تقٿيما ٿبيرا ٿأرسلته إلى صديق لي ٿي بغداد لطبع 500 نسخة ٿجاءني الرد بأن دائرة التمٿين ٿي العراق لا تسمح بتصدير الٿرق الأبيض ٿيمٿن طبعه على ٿرق رخيص ملٿن ٿٿاٿقت على ذلٿ ٿتم طبعه ٿي مطبعة (السريان) ٿأصحابها يهٿد ٿهي متخصصة بطبع التقاٿيم, ٿبعد إنجاز الطبع أصدرت دائرة التمٿين ٿي العراق التعليمات بعدم تصدير الٿرق إلى خارج العراق بٿل أنٿاعه حتى الملٿن ٿأسقط ٿي يدي. ٿطلبت من صديقي أن يرسل التقاٿيم إلى البصرة لتٿٿن قريبة من الٿٿيت على الأقل ٿأٿعزت إليه أن يسلمها إلى محل (رحمين ساسٿن) ٿيجلبها لي ٿي سٿينتهم التي تجلب القمح من البصرة, لٿنه نسي المٿضٿع ٿاستحييت أن أذٿره ٿالتمست له عذرا ٿربما لم يستطع. ٿي هذه الأثناء اشتٿى عليّ المرحٿم محمد أحمد الرٿيح صاحب المٿتبة الٿطنية عند ٿالدي, ٿقال له إن ٿلدٿ صالح ٿعدني بتقاٿيم ٿعدلت عن استيراد تقاٿيم من مصر ٿهٿ حتى الآن لم يسلمها لي مع اقتراب السنة الجديدة ٿعرٿ ٿالدي أنني ٿي المساء أذهب إلى ديٿانية المرحٿم ياسين الغربللي, ٿقد ٿنت زميلا لأٿلاده ٿعتب علي ٿيٿ أنني لم أٿ بٿعدي للمرحٿم محمد أحمد الرٿيح بشأن التقاٿيم, ٿسردت عليه القصة, ٿقال المرحٿم ياسين الغربللي لماذا لم تخبرني بذلٿ, ٿقلت له ٿل ليلة ٿنا نتحدث ٿي هذا المٿضٿع ٿقال لٿالدي أعطني 100 رٿبية, ٿأخرج ٿالدي من جيبه رٿبيات ٿقال المرحٿم ياسين. لا... أريد قطعة ٿاحدة ٿئة 100 رٿبية خضراء ٿذهبت مع ٿالدي إلى البيت ٿأحضرت المطلٿب, ٿقال المرحٿم ياسين الغربللي لابنه عبدالعزيز خذ المائة رٿبية هذه ٿاذهب مع صالح العجيري إلى سائق ٿان ينقل الرٿاب من الٿٿيت إلى البصرة ٿبالعٿس, ٿقل له أن يحضر المطبٿعات من البصرة ٿسلم له المائة رٿبية ٿذهبنا أنا ٿالمرحٿم زميلي عبدالعزيز إلى السائق المذٿٿر ٿطلبنا منه إحضار التقاٿيم من البصرة ٿأجاب: لا أستطيع ٿهذا الأمر ممنٿع, ٿقلت لصديقي عبدالعزيز سلم له الأمانة, ٿلما رأى المائة رٿبية استدرٿ قائلا: لٿنني لا أستطيع أن أعتذر لٿالدٿ ٿهٿ عزيز علينا ٿأمره مطاع سأحاٿل أن أجلب المطبٿعات معي ٿٿان أن أحضرها ٿعلا إلى الٿٿيت ٿقصصت ذلٿ على أحد أصدقائي, ٿقال: ٿنت مع السائق بالسيارة قادما من العراق ٿٿٿقها ٿانت رزم أٿراق, ٿلما سأله مٿظٿ الجمارٿ العراقي: ماهذا? أجاب: إنه البريد. ٿٿي سنة 1946 اٿتتح الأديبان الأستاذان عبدالله زٿريا الأنصاري ٿأحمد زين السقاٿ مٿتبة اسمها (مٿتبة الخليج) ٿأٿٿلا إدارتها إلى المرحٿم يٿسٿ مشاري الحسن ٿقدمت تقٿيمي لهذه المٿتبة ٿلمست من صاحبيها ٿل تشجيع ٿتقدير, ٿطبعاها ٿي بغداد ٿبيعت ٿي تلٿ المٿتبة. إلا أنني خرجت من ٿل تلٿ الإصدارات بالخسائر ٿتٿقٿت عن طبع التقٿيم سنتين, ٿقد لاحظ ذلٿ السيد أحمد الجارالله الحسن ٿعتب علي ٿقال لا تبال بالخسائر ٿي بادئ الأمر, ثم أردٿ قائلا ٿٿأنه يٿشٿ عن المستقبل (إن التقٿيم مجدٿ) ٿأطعته ٿٿتبت إلى زميلي ٿي المبارٿية ٿهٿ السيد عبدالرحمن عبدالغني ٿٿان قد ساٿر إلى الهند ليعمل ٿي مٿتب آل الشايع هناٿ ٿأبدى استعداده لطباعته ٿي الهند إلا أنه نصحني بأن أحاٿل أن أطبعه ٿي مصر ٿذلٿ أجدى, ٿأرسلت تقٿيم سنة 1951 إلى (بيت الٿٿيت) ٿي القاهرة ٿٿان يعنى بشئٿن الطلبة الٿٿيتيين هناٿ ٿيعتبره الٿٿيتيٿن بمنزلة سٿارة لأنه يقٿم بخدماتهم ٿقام بطبعه الأستاذان المرحٿم عبدالعزيز حسين ٿعبدالله زٿريا الأنصاري لٿن بعد تجهيزه للشحن إلى الٿٿيت اتضح أن ٿزارة التمٿين تمنع تصدير الٿرق إلى خارج مصر, ٿبعد جهد جهيد استطاعا أن يجدا رخصة تصدير ٿرق عند شرٿة BOAC ٿاشتريا الرخصة ٿصدرا التقٿيم بمٿجبها إلى الٿٿيت, ٿٿانت اللٿحة تحمل صٿرة الأمير الراحل المرحٿم الشيخ عبدالله السالم الصباح ثم بعد ذلٿ تٿالى طبع التقٿيم سنٿيا حتى صرت أصدره على خمسة أنٿاع. ٿخلال الٿترة من سنة 1951 حتى الآن طبعت بالإضاٿة إلى الطبع ٿي الٿٿيت ٿي حلب ٿدمشق ٿي سٿريا ٿالقاهرة ٿاليابان ٿنابلس ٿي ٿلسطين ٿبيرٿت ٿبغداد ٿباٿستان ٿسنغاٿٿرة). تقدير النبٿغ بعد هذه الرحلة الطٿيلة التي قضاها الٿلٿي الشهير ٿي هذا المجال مقدما خدماته العديدة لأبناء بلده ٿشعٿب المنطقة ٿي هذا العلم الذي ٿان أٿل من أرسى قٿاعده ٿي هذه البقعة من العالم العربي, ألم يٿن جديرا بجامعة الٿٿيت أن تخصص ٿرسيا باسمه ٿي علم الٿلٿ بقسم الجغراٿيا التابع لٿلية الآداب? ٿإذا ٿان التأخير ٿي اتخاذ قرار بهذا الشأن قد عطل تخريج أعداد من المتخصصين ٿي هذا العلم, ٿإن الٿقت لم يٿت بعد لتدارٿ الأمر, تقديرا لنبٿغ ٿتضحية ٿمثابرة نادرة ٿتٿريما لعالم جليل, أبى إلا أن ينحت بأظٿاره ٿي الصخر ليشق طريقا استطاع به أن يرسخ ٿي منطقة الخليج علما مهما, سار ٿيه من بعده العشرات. ذات يوم من أيام الثلاثينيات الأولى, وقف الطفل علي الراعي في شرفة منزله في مدينة الإسماعيلية, فشاهد على الجدار المقابل للشرفة ملصقاً ضخماً بهر الفتى بألوانه الصارخة, وبسطوع ملامح شخصيات الفيلم, ولا يذكر الدكتور علي الراعي الناقد الكبير الذي رحل عن دنيانا في شهر فبراير من العام 1999 اسم الفيلم, لكنه يخبرنا أنه كان من بطولة يوسف وهبي الذي كان أحد ملوك المسرح في ذلك الحين. ويمضي قائلا إنه لم يهدأ في ذلك اليوم حتى تمكن من الحصول على ثمن تذكرة الدخول إلى الفيلم الذي ظل يحفظ مقاطع من حواراته حتى أواخر أيام حياته. لقد سحر الفن وعالمه, وبخاصة المسرح, منذ تلك اللحظة تلميذ المدرسة المجدّ, والذي كانت له مكانة خاصة في قلب أستاذه الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين, فقد كان الشيخ البنا في ذلك الحين مدرّساً في إحدى مدارس بلدته الإسماعيلية, وقد بدأ لتوّه في التبشير لدعوته الإسلامية. كان ذلك هو السحر, أما الحياة فقد كانت تسير في اتجاه آخر, اتجاه يربط بين الثقافة والنضال التحرّري والاجتماعي, ويعطي المثقف دوراً في حركة المجتمع والناس, وكانت المنظمات اليسارية التي بدأت تنشط في مصر في ذلك الوقت هي العنوان, وفي مجلة (الفجر الجديد) التي كانت تصدرها إحدى هذه المنظمات, بدأ علي الراعي كتاباته الأدبية داعياً المثقفين إلى النزول من أبراجهم العاجيّة, وترجم أشعار ماياكوفسكي ولانغستون هيوز وغيرهما من روّاد (الأدب الثوري). لكنه, وهو المطلع على الآداب العالمية لم ينس الإنجاز الأدبي في مصر, فكتب بعض أهم الدراسات حول الشعر المصري وتطوّره من ثورة 1919وحتى الأربعينيات. ولم تكن تلك غير واحدة من دراسات عدة كتبها علي الراعي مرة باسم علي الكاتب ومرة باسم حسن زاهر. الراعي... مذيعاً وفي نهاية الأربعينيات, يتخرج علي الراعي في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة, ويعمل مذيعاً في قسمها الإنجليزي ويتدرج في المناصب حتى يصبح مسئولاً عن القسم. لكنه يذهب في بعثة دراسية إلى بريطانيا ليكمل دراسته العليا, فيحصل على الدكتوراه في مسرح برنارد شو من جامعة برمنجهام, ويعود إلى مصر بعد ثورة 23 يوليو في وقت كانت الثورة الفتية تحاول أن تنشئ وزارة للثقافة. وكان من نصيب علي الراعي - الذي زامل كلا من نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير ويحيى حقي في (مصلحة الفنون) التي أنيطت بها مهمة تأصيل الفنون الشعبية, فكانت تحدّياً للراعي الذي كان يطالب المثقفين بالنزول من أبراجهم العاجية - أن يضع الخطوات العملية لذلك, فساهم في إنشاء فرقة للرقص الشعبي وكذلك في إنشاء عدد من الفرق المسرحية في واحدة من أكثر فترات المجتمع المصري حيوية. ففي الوقت الذي كان فيه الراعي يؤسس فرقاً راقصة ومسرحية شعبية كان يتولى مسئولية الإشراف على الملحق الأدبي لصحيفة المساء التي يرأس تحريرها خالد محيي الدين, والتي كانت بؤرة تجمّع للمثقفين اليساريين المصريين. ومن مدرسة المساء, خرجت أهم وأبرز الأسماء الأدبية المصرية التي عرفت في الخمسينيات والستينيات. وفي العام 1962 تولى رئاسة مؤسسة المسرح والسينما حتى العام 1969, وهي أخصب سنوات المسرح المصري على الإطلاق. وفي العام 1971 تسلم رئاسة دار الهلال لمدة شهرين قبل أن يترك المناصب الرسمية إلى الأبد ويغادر إلى الكويت ليبقى هناك نحو عشر سنوات, ويعود بعد ذلك إلى القاهرة متفرّغاً للكتابة الأدبية في الصحف والمجلات حتى رحيله في شهر فبراير 1999 عن ثمانية وسبعين عاماً. كانت تلك هي الملامح الأساسية لمسيرة علي الراعي, وهي ملامح تبدو شديدة الانقسام من زاوية ما, وشديدة التناقض من زاوية ثانية. فمن الزاوية الأولى هناك اطلاع على الأدب العالمي, وتعامل مع اللغة الإنجليزية عبر الإذاعة, يتحوّل إلى تخصص في واحد من أكبر كتّاب المسرح في العالم هو برنارد شو. وارتباط بحركة ثقافية ذات نزعات تقدمية في أول حياته تتحوّل إلى مساهمة حقيقية في تأسيس مسرح ذي اهتمامات اجتماعية وشعبية تعطي الفن المسرحي مضموناً تقدّمياً, وهذا عين ما كان يدعو له في مقالاته في مجلة الفجر الجديد في الأربعينيات. ومن زاوية ثانية هناك تناقض يعبر عنه ذلك التردد من جانب علي الراعي بين ثقافة عالمية رفيعة المستوى بدأ في مراكمتها منذ أيام الشباب الأول حتى غدت شامخة البنيان فيما بعد, وبين اهتمامات شعبية صرفة جعلته ينهمك في تأسيس فرقة للرقص الشعبي الفولكلوري في العام 1957 من دون ترفّع. كما أن هناك تناقضاً بين التحصيل الأكاديمي الرفيع, وحياة عملية خاض خلالها غمار العمل اليومي المباشر بين المسارح والفرق الشعبية ومؤسسة السينما التي بدأ فيها تجربة لم تكتمل مع المخرج السينمائي الراحل صلاح أبو سيف. وهناك تناقض آخر يمكن تتبعه بين ذلك التحصيل الأكاديمي العالي واشتغاله بالصحافة اليومية مشرفاً على الصفحة الثقافية في صحيفة المساء, كما أشرنا. كما أن هناك تناقضاً ظاهرياً آخر سيظل يحكم إنجازات علي الراعي حتى آخر حياته, فقد كان كتابه الأول عن مسرح برنارد شو, أما كتابه الثاني, وهو الذي ارتبطت حياته واهتمامه بالمسرح, فكان عن الرواية, وقد حمل عنوان (دراسات في الرواية المصرية). بحثاً عن الجمال غير أن ما قد يبدو تناقضاً في مسيرة علي الراعي, إنما هو مكوّن أساسي لتجربته الثرية, فقد كان لديه من الصفاء الذهني والتفتّح الفكري على الحياة وعلى الفن والأدب ما جعله قادراً على مصالحة هذه المتناقضات في ثنايا عقله المبدع وصهرها في بوتقة فكره المتوهّج, فقد كان على درجة من الانفتاح جعلته وهو المتأثر بالفلسفة الماركسية منفتحاً على التيارات الأخرى. وبالرغم من أنه تسلّم الصفحة الثقافية لصحيفة المساء اليسارية في الخمسينيات, وهي فترة علا فيها الصوت الأيديولوجي على ما عداه, وتقدم الاجتماعي والسياسي على الفني, بقي علي الراعي هادئاً صافياً سواء في لغته النقدية التي حملت نفساً إبداعياً ميّزه عن سواه من نقّاد تلك الفترة المضطربة من حياة مصر والعالم العربي السياسية, أو في مقارباته النقدية العميقة التي ابتعدت عن (الأحكام) التي كانت سمة الكتابات الأدبية في ذلك الوقت. وقد استمر على منواله هذا حتى النهاية, فقد كانت دراساته النقدية أقرب إلى محاولات للبحث عن مواطن الجمال في الأعمال الإبداعية من شعر ورواية ومسرح. وقد تطوّرت هذه الروح إلى نوع من التبني للأعمال الواعدة وتقديمها للقارئ الذي وثق بذوق الراعي الرفيع وفكره النيّر ونزاهته الأدبية. وربما عاب بعض النقاد على الراعي (مجاملته) بعض الأعمال التي كان ينقدها, لكن هؤلاء لم يدركوا أن الراعي لم يكن هاويا لإبراز (العضلات النقدية) كما يفعل نقّاد آخرون, بل إنه كان يبحث عن مواطن الجمال في المنتج الإبداعي العربي, وهذا ما جعله في السنوات الأخيرة من حياته يكرّس جهده للكتابة عن الأعمال التي يحبّها ويرى فيها ما يبرز تقديمها للقارئ العربي. ومثلما كانت حياة الراعي ثرية وخصبة ومتنوعة, كانت تجربته الأدبية على الدرجة نفسها من الثراء والخصب والتنوّع, فالراعي معروف للقرّاء بأنه أبرز نقّاد المسرح العربي ومؤرخيه, وذلك من خلال تلك الأعمال التأسيسية التي كتبها في مجال المسرح العربي وتأريخه, ففي الستينيات كتب الراعي (ثلاثيته) في التعريف بالمسرح والتأريخ له, والمكوّنة من كتبه (الكوميديا المرتجلة) و (فن الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني) و (مسرح الدم والدموع), وفي هذه الكتب الثلاثة المهمة لم يكن علي الراعي ناقداً للمسرح المصري الذي كان يعيش أزهى فتراته آنذاك, ولم يكن يؤرخ لأشكال الفرجة التي عرفها العرب قديماً بل كان يبدأ مشروعه الكبير في التنظير لشكل مسرحي عربي الملامح, منطلقاً من صلة وضع يده عليها بين فنون الفرجة القديمة التي عرفتها المجتمعات العربي ة في فترات متفرّقة من تاريخها مثل خيال الظل والأراجوز, أو القراقوز كما يسمى في بلاد الشام, وبين المسرح في شكله الجديد الذي أخذه العرب عن أوربا, فالمسرح هو في الأصل من فنون الفرجة, تماماً مثل فن السامر وفن خيال الظل والقراقوز, وهي أشكال يمكن استخدامها, في المسرح, تماماً كما أنه من الممكن استخدام السينما والفانوس السحري وغيرهما, وتطويعها للفن المسرحي. وبذلك اختلف مع الروائي والمسرحي يوسف إدريس الذي بحث عن شكل عربي للمسرح في فنون الفرجة الشعبية الأخرى مركّزاً على فن السامر الذي يتحوّل فيه الجميع مشاهدين وممثلين إلى مشاركين في العمل الفني. وهو ما حاول تطبيقه في مسرحيته الشهيرة الفرافير. مسرح ورواية عربيان وانطلاقاً من نظرته هذه إلى فن المسرح وأصوله, وقف علي الراعي مع المحاولات المسرحية التي انطلقت من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح, وليس مسرحاً عربياً على أي حال, أينما ظهرت مثل هذه المحاولات في لبنان أو في المغرب, في مصر أو في تونس, في فلسطين أو في الكويت أو في أي بلد عربي, فقد كان علي الراعي مهموماً بالمسرح العربي عموماً وليس بالمسرح المصري فقط. غير أنه بنزاهته وانفتاحه, لم يكن ينطلق من نظرة جامدة ومتعصّبة إلى هذه الفكرة, بل كانت, مثل كل شيء آخر في الوجود فكرة قابلة للنقاش وللمزيد من البحث لإغنائها وإثرائها, وكان يرى أن المحاولات المسرحية التي تنطلق من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح والتنظير والنقد المرافق لها محاولات تستحق التقدير والتشجيع, وحتى لو لم (تثبت) النظرية المذكورة, فإنها تضيف تجارب جديدة إلى التجارب المسرحية الأخرى فتعطي المسرح العربي تنوّعاً وثراء يحتاج إليه لينمو ويأخذ مكانته على خريطة المسرح العالمي. وفي الوقت نفسه الذي كان فيه علي الراعي يراقب المسرح وتطوّراته بعين نافذة ناقدة, كانت عينه الأخرى على الرواية, ذلك الفن الذي تابعه - كما رأينا - منذ بداياته الأولى. ومثلما قام علي الراعي بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للمسرح, فإنه قام أيضاً بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للرواية, وانطلاقاً من النظرة نفسها تقريباً التي نظر بها إلى المسرح, عاد الراعي إلى التاريخ العربي القديم ليكتشف بعض أشكال القص خارج قصص ألف ليلة وليلة, فقد وجدها في مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني والتي اعتبرها شكلاً قصصياً بدائياً, تماماً مثلما كانت الرواية التشرّدية التي تتحدث عن الأفّاقين والمحتالين, في بعض وجوهها إحدى البدايات المبكّرة للرواية الأوربية. ولكنه بالعقلية نفسها لم ينطلق من نظرة جامدة أو متعصّبة لهذا الأمر إذ كان يشجع المحاولات الروائية التي ابتعدت عن الشكل الأوربي للرواية, واستخدمت أسلوباً أقرب إلى أساليب القص والرواية العربية وبخاصة ما فعله الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي في روايته الشهيرة (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل). الحقبة الكويتية خلال إقامة علي الراعي في الكويت, استطاع أن يجد من الوقت ما يمكنه من إنجاز بعض أهم كتبه, فقد حضر إلى الكويت تاركاً المناصب الحكومية والأكاديمية ليرتاح من عناء العمل اليومي, وهناك تمكّن من تخصيص وقت كاف للمسرح, وفضلاً عن حالة الازدهار التي كان يعيشها المسرح الكويتي في تلك الفترة من السبعينيات, كانت الكويت بؤرة للنشاط المسرحي العربي, وهو ما مكّن الراعي من مشاهدة كمّ كبير من التجارب المسرحية العربية وغير العربية التي قدمت عروضها في الكويت في تلك الفترة. وقد كانت حصيلة هذه الفترة الغنية التي عاشها الراعي في الكويت كتابه الشامل عن المسرح, والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية تحت عنوان (المسرح في الوطن العربي). وفيه تتبع النشاط المسرحي في كل بلد عربي في نشأته ونموّه, وقدم أبرز إنجازاته وأهم ملامحه. والكتاب اليوم مرجع لا غنى عنه لكل مَن يود معرفة شيء عن المسرح العربي في أي من البلدان العربية. أما القسم الآخر من نشاطه, فقد كرّسه للقراءة وبخاصة في مجال الرواية العربية مستفيدا من وجود جاليات عربية عدة في الكويت. وقد منحه وجوده في الكويت التي كانت (معملاً للهجات العربية المختلفة) كما كان يقول, القدرة على قراءة أعمال روائية من بلدان عربية أخرى وفك رموز اللهجات المحلية المستخدمة فيها مهما بلغت من صعوبة. وهناك اكتشف الراعي مدى غنى وثراء الإبداع العربي في مجال الرواية فتعرف على الرواية العراقية والفلسطينية والمغربية والجزائرية والسورية وغيرها. وانطلاقاً من قراءاته تلك في مجال الرواية العربية, وضع الراعي كتابه المرجعي الآخر الذي منحه اسم (الرواية في الوطن العربي) الذي صدر في أعقاب عودته من الكويت إلى مصر. وفي هذا الكتاب, قدّم الراعي الرواية العربية إلى القرّاء المصريين الذين ربما لم يكونوا على اطلاع جيد على إنجازاتها في باقي أنحاء العالم العربي, وذلك من خلال إبداعات أكثر من سبعين روائياً ينتمون إلى جميع أقطار العالم العربي تقريبا. لكنه لدى عودته إلى مصر, اكتشف أن جيلاً جديداً من الروائيين المصريين قد ظهر في أثناء فترة غيابه, وأن هذا الجيل حقق إنجازات جديرة بالاحتفاء والتقديم, وهو ما لم يتردد في القيام به, فوضع كتابه (دراسات جديدة في الرواية المصرية) معرفاً بهذا الجيل الجديد من الكتّاب المصريين. المسرح وهمومه على الرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه الراعي للرواية, فإن المسرح كان في واقع الأمر عشقه وهمّه وعذابه الخاص, وعن هذا العشق الذي بدأ منذ رأى, وهو بعد فتى صغير, ذلك الإعلان الغريب من شرفة منزله, كتب علي الراعي آخر أعماله, وهو كتاب (هموم المسرح وهمومي) والذي يروي فيه قصة تلك العلاقة الفريدة مع هذا الفن الذي لم يرتبط اسم ناقد عربي آخر به مثل ارتباط اسم علي الراعي. وقد جاء هذا الكتاب ليكون أقرب إلى شهادة أخيرة من رجل عشق المسرح وتابعه منذ المسرحيات الصارخة في سذاجة مواضيعها وفي تعليميتها وإنشائية حواراتها, مروراً بازدهار المسرح وتألقه في الستينيات على أيدي نعمان عاشور وألفريد فرج ويوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي, وحتى سقوطه أخيراً في أيدي مقاولي الفن وتجّار النكتة في الثمانينيات والتسعينيات. وبغياب علي الراعي عن الساحة الأدبية, انتهت قصة عشقه المعذب للفن والمسرح, وقصة بحثه المضني عن الجمال في المسرح, كما في الرواية, وفي مصر كما في أي بلد عربي آخر, فقد كان الجمال ضالة هذه القيمة الأدبية النادرة في نزاهتها وإخلاصها أحمد صدقي الدجاني (1936 - 2003) الذي توفي الإثنين في القاهرة، سيذكر بأنه أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وأحد العروبيين الذين لم يجدوا حرجا من التأكيد على هويتهم الإسلامية، فهو وإن بدأ حياته العلمية ونشاطه الفكري في منتصف القرن الماضي فإنه ينتمي إلى عروبيي المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية الذين لم يجدوا أي مشكلة مع هويتهم الإسلامية، فالعروبة كانت تعني بالضرورة الهوية الإسلامية. والعروبة في هذا السياق لم تكن أيديولوجيا منفصمة أو منفصلة عن الإسلام أو الهوية الإسلامية للعرب. كما يذكر الدجاني أنه أحد رواد حقل الدراسات الليبية، حيث كان أحد مؤرخي السنوسية، مع نقولا زيادة، ومحمد عزيز شكري، وكتابه "الحركة السنوسية" يعد من المراجع الهامة في تاريخ هذه الحركة الإصلاحية والثورية الليبية. وقد كرس الدجاني جانبا كبيرا من حياته الأكاديمية لدراسة ليبيا الحديثة، وألف فيها أكثر من كتاب، واهتم الراحل بقضايا الوحدة والديمقراطية والعولمة والمعرفة. واتفق جميع مع عرف الراحل الكبير على صلابة موقفه ودماثة أخلاقه وتمسكه بالرؤية المبدئية والثوابت القومية، ولهذا لقي الدجاني احتراما من مجايليه وزملائه، كما اتسم الدجاني، في محضره ومخبره بحفاظه على سلامة اللغة العربية، وكان المثال الذي يحتذى به. الأصول.. شجرة العروبة في الحوارات الليبية التي أعدها الباحث الليبي المقيم في لندن "فرج نجم" استعاد الدكتور الدجاني شيئا من تاريخ عائلته التي تعود في أصولها إلى الجزائر، والدجاني عائلة دينية صوفية مشهورة في يافا. يقول الدجاني: إن علاقة عائلته بليبيا تعود إلى بدايات القرن العشرين عندما عين جده الشيخ محمود الدجاني قاضياً في ليبيا في الفترة التي تلت عام 1900، فقد كانت ليبيا في ذلك الوقت جزءاً من الدولة العثمانية، وكان جده قاضيا في هذه الدولة قبل الانقلاب الحميدي الذي جاء ضد السلطان عبد الحميد الثاني 1908، وتنقل في هذه البلاد الواسعة، بلاد الإسلام التي تحكمها الدولة العثمانية، وفي فترة معينة استقر به المقام في الخمس وزليطن وطرابلس. ويقول الدجاني إنه لم ير جده، فقد توفي قبل ولادته بعامين، "وهو الذي قال لوالدتي: إذا جاءك ابنٌ سميه أحمد صدقي، فأنا أذكر هذه الصلة، وأذكر صورته التي كانت تبرز فيها عمامته، وثوب علماء الدين في وسط الديوان، وكنت أتأثر بما أسمعه من جدتي عنه، وعن الرحلة إلى طرابلس، كيف ذهبوا إلى إستانبول، ومنها كيف ركبوا الباخرة إلى مالطا، وكيف نزلت هي في شوارع مالطا بزيها الذي كان عبارة عن غطاء شديد السواد، وكيف كان هذا محل استغراب في مالطا، ثم كيف نزلوا في طرابلس، وكيف استضافهم أهل طرابلس الكرام. ثم كيف مارس مهمته في القضاء، وكنت أسمع عن عادات أهلنا في ليبيا من جدتي، فالذاكرة اختزنت الكثير، والحق أن من بين هذا الكثير أيضاً أن جدي أطلق اسم الطيب على والدي حين رزق بوالدي، والطيب اسم ليس شائعاً في المشرق، ولكنه كان شائعاً في تلك الفترة التي عاشوها في ليبيا. أمشي قدما بعد ذلك فأذكر أنني في المدرسة كنت أسمع عن ليبيا" . ونشأة كهذه لم تجعله بعيدا عن ليبيا وتراثها وجهاد أهلها، ففي المدرسة كان الدجاني يسمع عن جهاد الليبيين ويقول الدجاني لنجم: كان المثل الذي يحتذى هو استشهاد عمر المختار، البطل الذي أعطى مثلاً للعمل والمقاومة بكل أبعادها، وكنا نتأثر ونحن نقرأ شعراً لإبراهيم طوقان عن عمر المختار، رحمه الله، وكنا نتابع حين بدأت التفتح في فلسطين بعض الأخبار عن ليبيا من خلال ما أسمعه من الأسرة، وكانت مهتمة بتتبع الأخبار السياسية . التكوين العملي والثقافي الدجاني مع الأمير الحسن بعد النكبة انتقلت عائلة الدجاني لسورية، حيث وجد والده عملا في مجال الزراعة والمشاريع الزراعية، وسافر إلى ليبيا في عام 1953. ويعتقد الدجاني أن فترة إقامته في ليبيا ما بين 53 ـ 1956 كانت فترة مهمة بالنسبة له ولتكوينه الثقافي. ففي عام 1958 تعاقد وهو في دمشق التي كان عازفا عن تركها للعمل في وزارة التربية والتعليم، ويقول الراحل عن هذه المرحلة: إنها كانت من أغنى مراحل حياتي، بدأت منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1958 وانتهت في آخر كانون الثاني (يناير) 1965، هذه السنوات أعتبرها من أهم السنوات في تكويني العلمي. ففي هذه الفترة أنجز الكاتب دراسته عن السنوسية، ليؤكد نفسه كأحد رواد البحث العلمي والأكاديمي فيها، كما كانت فترة للتعريف بالقضية الفلسطينية، من خلال النادي الثقافي الليبي، والمركز الثقافي العربي، وجاء نشاطه الثقافي هذا متوافقا مع عمله كمدرس في مدرسة الزاوية وبعدها معهد محمد بن علي السنوسي. ويستعيد الدجاني فكرة اهتمامه بالدراسات الليبية قائلا إنها كانت من اقتراحات أستاذه المؤرخ محمد أنيس، حيث أراد أن يتقدم بأطروحة للماجستير، في مجال التاريخ الفلسطيني، إلا أن الدكتور أنيس قال له لا.. أنت في ليبيا، وأنت من أحاديثي معك رأيتك ملماً، ومهم جداً أن تعطي تاريخ ليبيا حقه، فوجد هذا صدى عظيماً في نفسي، فبدأنا نتداول واستقر الرأي بعد قراءات على اختيار الموضوع التالي: نشأة الحركة السنوسية ونموها خلال القرن التاسع عشر؛ لأني وفقاً لمنهجي التاريخي أردت أن أحصر المدى الزمني في قرن واحد، أي طيلة فترة السيدين المؤسس محمد بن علي السنوسي، وابنه محمد المهدي إلى وفاته، ثم تركت الفترة التالية لمرحلة ثانية وهي مرحلة السيد أحمد الشريف، ومن ثم مرحلة السيد إدريس الذي أصبح ملكًا. في تلك الفترة بدأت بقوة، والحق أنني عملت على أن أجمع كل ما وقع في اليد مما كتب عن السنوسية، وكان هناك بعض الكتابات العربية القليلة وذكرتها، وكانت هناك عناية من بعض الإنجليز تطرقوا إليها في رحلاتهم، ومنهم بريتشارد. وأنتج الدجاني بعد هذه الدراسة -التي اعتبرت مهمة وجامعة في تاريخ الحركة السنوسية- عددا آخر من الدراسات منها اليقظة العربية في ليبيا، أحاديث عن تاريخ ليبيا، وثائق ليبيا الحديثة. وبحسب الباحث فرج نجم فقد كان الدجاني يعد كتابا هو مذكراته عن حياته في ليبيا تحت عنوان لقاء الكهل بالشاب الذي كأنه هو. وحمل الدجاني توقا وألقا لليبيا، وارتبطت عائلته بالمصاهرة بعائلة ليبية كما أن نجله مهدي متزوج من ليبية. ومع أن الدجاني أنجز ما أنجزه في مجال الدراسات الليبية وابتعد في المراحل الأخيرة من حياته عن هذا المجال للكتابة في القضايا الحضارية والثقافية وقضايا العروبة والإسلام، فإنه كان يشارك في أي قضية لها علاقة بتاريخ ليبيا، فقد شارك قبل عامين في مهرجان عمر المختار الذي أقامه مركز ليبي في لندن لتخليد ذكرى الشهيد الليبي الكبير. ومن هنا فوفاة الدجاني تظل خسارة ليبية، وعربية وفلسطينية مجموعة. وعرف الدجاني بنشاطه في المؤتمرات والندوات العلمية، وحاضر في لندن كثيرا حيث دعته جمعيات ومؤسسات فلسطينية وعربية قومية لتقديم محاضرات. وعرف الدجاني بصوته المتميز وتأنقه باللغة، فكان صوته يخرج هادئا ببحة جميلة، ولم يؤثر عنه أنه تكلم العامية في أحاديثه العامة أو الخاصة. وعربيته السليمة لم تكن متقعرة بل عفوية. كان الدجاني مثال العالم العامل، وظل كما قالت كريمته بسمة، يكتب ويشارك في المقال للصحف والمجلات. عطاؤه الفكري الدجاني مع الملك الراحل حسين في المجال الحضاري أكد الدجاني على ضرورة اهتمام العرب بدائرتهم الإسلامية الأوسع التي تضمن الهامش الإسلامي البعيد عن المركز، وكان يشدد على فكرة الديمقراطية والشورى وحقوق الإنسان كأولويات لبناء المشروع الحضاري العربي. ولم تشغله اهتماماته الأكاديمية الليبية ونشاطاته العروبية عن الاهتمام بقضيته الفلسطينية، فقد ظل عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مدة عشرة أعوام. ومع مشا ركته الواسعة في النشاط الفلسطيني السياسي والثقافي، فإنه كان معارضا لنهج التسوية السياسة وإفرازات أوسلو، حيث كان من رافعي شعار "لا للحل العنصري الصهيوني في فلسطين"، وخلافه مع مهندسي أوسلو لم يلجئه ولو مرة إلى دعم أي حركة تدعو لشق الصف الفلسطيني، فقد كان الدجاني بطبعه وحدويا وداعيا للائتلاف الوطني والحوار مع كل فصائل المقاومة، وموقف كهذا جعله قريبا من كل فصائل العمل الفلسطيني، في الداخل والخارج. وأسس منذ عشرين عاما المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة التحرير الفلسطينية وظل رئيساً له حتى عام 2002 حيث استقال بسبب متاعبه الصحية. وانتخب الدجاني في عدد من المجالس والمؤسسات والأكاديميات العربية، فقد كان عضوا بالأكاديمية الملكية المغربية، ومؤسسة آل البيت، وكان أحد مؤسسي المؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمر القومي العربي. وشغل منصب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان. ومثل الدجاني فلسطين في العديد من اجتماعات الحوار العربي الأوربي. وكرمه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمنحه وسام فلسطين. وشارك في ندوات للدفاع عن الهوية الفلسطينية وحق اللاجئين الفلسطينيين، وعمل الدجاني في العديد من الجامعات العربية محاضرا في التاريخ الحديث، وتلامذته الذين أشرف على رسائلهم منتشرون في كل بقاع العالم العربي. وكان آخر حضور للراحل في ندوة شارك فيها في معرض القاهرة الدولي، دعا فيها يهود العالم لنبذ الصهيونية وأكد على أن الانتفاضة الفلسطينية وجدت لتبقى وتتصاعد حتى يسلم العدو ويضطر إلى إيقاف عدوانه الدموي ويجلس للتفاوض. آمن الدجاني بدور الشباب في مرحلة النهوض الحضاري العربي، ووجه الكثير من أعماله لهم، كما كان يخاطبهم في الندوات والمؤتمرات التي يشارك فيها. من آثاره وترك الراحل مكتبة كاملة من ستين مؤلفا، منها: المعرفة والتقنية والتنمية.. آفاق ومخاطر، ضوابط وأضواء على الصين اليوم، النظام العالمي الجديد.. وجهة نظر عربية، الطريق إلى حطين، القدس.. إحياء الذكرى بعد ثمانية قرون... وصدر له هذا العام عن دار المستقبل العربي بالقاهرة كتاب زلزلة في العولمة وسعي نحو العالمية . أحمد صدقي الدجاني مثقف فلسطيني، متميز في مجاله، كغيره من المثقفين الفلسطينيين، الذين برزوا في الخارج، وهو مثقف كان يترك دائما مع الذين يقابلهم حضوره الهادئ والرزين، ولغته الشفافة وكلماته المنتقاة. أذكر أن أول مرة استمعت فيها للراحل كانت محاضرة ألقاها في جمعية للتربية في القاهرة، لم يكن الحضور كبيرا، لكنه كان جميلا ودافئا، كان ذلك في عام 1988، واستمعت إليه مرة ثانية في عام 2000 في لندن، وقلت له إن اسمه ارتبط بذهني بكتاب الحركة السنوسية الذي قرأته منذ زمن بعيد، وهو الكتاب الذي شكل كثيرا من ذاكرتي عن هذه الحركة، ومؤسسها محمد بن علي السنوسي. برحيل الدجاني هذا العام يكتمل موكب الراحلين الفلسطينيين من المبدعين، فقبله رحل الناقد الكبير إحسان عباس الذي دفن في عمان، والشاعر محمد القيسي المدفون في عمان أيضا، والناقد الكبير إدوارد سعيد الذي توفي في نيويورك ونثر رماده في لبنان. والشاعرة المبدعة فدوى طوقان التي عاشت لحظاتها الأخيرة في نابلس، ودفنت فيها. وأخيرا الدجاني الذي توفي في القاهرة التي اختارها مقر إقامته منذ عام 1982 قبل أن نودع العام الميلادي 2003م ويودعنا، بما حملت أمواجه المتلاطمة من أهوال وكروب ومفاجآت لأمة العروبة والإسلام، أبى أن يختم أيامه إلا بتوديع رجل من رجالات الأمة المعدودين، ظل يحمل همومها، ويعاني آلامها، ويجسد آمالها: مجاهدا في سبيل الله، مناضلا عن حقوق الأمة، ذائدا عن حماها، يرفع اللواء، ويلبي النداء، ويقاوم الأعداء، بشجاعة الفارس النبيل، الذي لا يستسلم ولا يرفع الراية البيضاء، وإن رأى من حوله يستأسرون، ويسلمون مستمسكا بالحق، الذي آمن به، وإن رأى من حوله يتنازلون عنه واحدا بعد الآخر. إنه الأخ المفكر المناضل الدكتور أحمد صدقي الدجاني، الذي انتقل إلى رحمة الله مساء الإثنين السادس من ذي القعدة 1424هـ التاسع والعشرين من ديسمبر 2003م. ابن يافا وفلسطين البار إنه ابن فلسطين، ابن يافا، ولد في أرضها، ونشأ وترعرع بين ربوعها، واستنشق شذاها، وشاهد بياراتها، وأكل من برتقالها وفواكهها، وصلى في جوامعها، واستمع إلى الأذان والتكبير من مآذنها، وتعلم في مدرسة (النهضة الإسلامية) بها، ورآها تسقط أمام عينيه، وهو ابن الثانية عشرة. وتركها مجبورا مقهورا، وعينه تذرف العبرات، وصدره يصعّد الزفرات. رأى الفتى الصهيونية الغازية، تقتحم عليه مدينته، وتغتصب منه داره، وتسرق مرتع صباه، ومهوى فؤاده، وملتقى أحبائه، وتشرده وأهله في الآفاق من سنة 1948 إلى اليوم. ترك منزله في (يافا) الذي لا يزال يحتفظ بمفتاحه داخل منزله بالقاهرة حتى اليوم، ليذكر أبناءه وأحفاده بالوطن المسلوب، وكان حريصا على أن يبرزه أمام أعين الإعلاميين، والأصدقاء، كل حين، ليؤكد لهم بأن العودة قضية لا تموت. وعائلة الدجاني عائلة يافوية معروفة: دينية صوفية. فقد كان جد أحمد صدقي -الشيخ محمود- قاضيا شرعيا في الدولة العثمانية، وقد مات قبل ولادته بعامين، وهو الذي أوصى أمه إذا جاءها ابن أن تسميه أحمد صدقي. عيّن الشيخ محمود الدجاني قاضيا في ليبيا في أوائل القرن العشرين، قبل الانقلاب على السطان عبد الحميد (1908م) وكانت إقامته بين طرابلس وزليطن والخمس وقد كانت ليبيا كما كانت فلسطين: جزءا من دولة واحدة هي دولة الخلافة العثمانية. وقد غرس هذا في نفسية الطفل أحمد صدقي وحدة بلاد العروبة والإسلام، التي كانت تمثل دولة واحدة يحكمها الخليفة، وكان جده ينتقل بين ربوعها بحرية واطمئنان، وقد أورثه هذا النزعة العروبية الإسلامية، التي لا ترى تعارضا بين الإسلام والعروبة، على غرار ما سبقه به الإصلاحيون العرب في أواخر عهد الدولة العثمانية من أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ طاهر الجزائري، وأمثالهما من دعاة التجديد والإصلاح في ظل الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية التي تجمع العرب والأتراك تحت راية القرآن. وهذا أيضا ما شده إلى الاهتمام بأمر ليبيا وتاريخها وجهادها، وخصوصا بعد أن تعاقد مع وزارة التربية والتعليم في ليبيا للعمل بها من سنة 1958 إلى سنة 1965، وهو يعتبر هذه السنوات من أغنى سنوات عمره وأهمها في تكوينه العلمي. وكان من رواد الدراسات الليبية، وتأليف عدة كتب عنها، منها: كتابه عن "الحركة السنوسية". كما تأثر باستشهاد البطل العربي المسلم عمر المختار الذي لم تلن قناته في جهاد الإيطاليين، حتى أسر وحكموا عليه بالإعدام. وسجل ذلك شعراء مرموقون مثل إبراهيم طوقان من فلسطين، وأحمد شوقي في مصر. في معمعة النضال الفلسطيني كان أحمد صدقي أحد المؤسسين لمنظمة التحرير منذ عهد رئيسها الأول أحمد الشقيري: وقد اتجهت الأنظار إليه -وهو في ريعان الشباب- لتحمله المسؤولية، وهي واثقة بأنه أهل لها، فلا غرو أن كان عضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني، وعضوا بالمجلس المركزي، وعضوا باللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، كما كان رئيسا للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم بها، ولم يتركه إلا منذ سنة 2002م بعد أن ازدادت متاعبه الصحية، رحمه الله. كما مثل فلسطين في مؤتمرات الحوار العربي الأوربي. وقد قدر الرئيس الفلسطيني عطاءه في مجال الفكر والثقافة والنضال، فمنحه وسام فلسطين. معارضته خط (أوسلو) ظل الدجاني يعمل في المجال النضالي الفلسطيني الرسمي بجهده وفكره وقلمه ولسانه، حتى تغير مسار القضية الفلسطينية من بعد نكبة حزيران 1967، شيئا فشيئا، حتى انتهت إلى مسيرة أوسلو وما تحمله من تنازلات أساسية لا يقبلها، فرأى أن الميدان لم يعد ميدانه، وأن لكل زمان دولة ورجالا، وهو ليس من رجال هذا الدور، والحمد لله الذي عافاه من ذلك، فقدم استقالته من اللجنة التنفيذية احتجاجا، ومعه اثنان من المناضلين المعروفين: شفيق الحوت، ومحمود درويش الشاعر المعروف. وظل يعمل وحده في معركة سلاحها القلم، وحلبتها الفكر، وجنودها الأحرار الذين يجمعون بين الصلابة والإخلاص والصبر وإن طال المدى. ومع معارضته لمهندسي أوسلو، ظل يدعو إلى وحدة الصف الفلسطيني، ويتعامل مع الفصائل الفلسطينية كلها بروح الأبوة والأخوة للجميع، ولا يرضى بأي شق للصف، فليس يؤذي العدو شيء مثل التوحد والتلاحم. لقد كسبه ميدان الفكر وأعتقد أن البعد عن مجال النضال الرسمي، كان من ناحية أخرى خيرا وبركة، فقد كسبه ميدان العلم والفكر الذي تفرغ له، فنما إنتاجه، وازداد عطاؤه، واتسعت دائرة اتصالاته على المستوى العربي، والمستوى الإسلامي، والمستوى العالمي، وأصبح عضوا في أكثر من مجمع لغوي، ومن مؤسسة علمية، ومن مركز ثقافي. وكان من ثمرات ذلك: خمسون كتابا في مختلف جوانب الثقافة، تلقاها أهل الفكر بالقبول والثناء. كان الدجاني فارسا من فرسان الكلمة، وعلما من أعلام الفكر، ورائدا من رواد النضال الفلسطيني، وبطلا من أبطال العروبة والإسلام، رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين من عباده الأبرار. كيف عرفت الدجاني؟ عرفت الدكتور الدجاني منذ أكثر من عشرين سنة قارئا لكتبه ومقالاته، فوجدته رجلا يجمع بين عقلانية العالم، وعاطفية الفنان، وشفافية الأديب، وروحانية المتصوف، وجندية المجاهد. ثم اقتربت منه أكثر، حين لقيته في المؤتمرات والندوات، فعرفت فيه العقل النافذ، والنفس الهادئ، والبصيرة النافذة، والرؤية المتوازنة والمتكاملة للأحداث والتاريخ والواقع، كما لمست فيه الخلق الكريم، والأدب العالي، والذوق الرفيع والحس الرهيف، والسلوك القويم، إنه -في كلمة واحدة- رجل مثقف مهذب. وإذا كان النابغة الذبياني يقول في شعره: ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟! فأنا أقول: أحمد صدقي الدجاني كان أنموذج (الرجل المهذب) الذي افتقده الذبياني وافتقده الكثيرون. وقد قال حافظ: فإذا رزقت خليقة محمودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق! فكيف بمن رزق جملة من الخلائق المحمودة، والفضائل المشهودة، قربته إلى الناس، وحببته إلى الناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. كان رجلا يتميز بالعذوبة في شخصيته: في لقائه، في حديثه، في خلقه، في علاقاته وكأنما خلق من نسمات الفجر، أو من نفحات الزهر، أو من رشحات العطر! رجل جدير بالحب والاحترام أجل إنه رجل يملك من المواهب والقدرات والفضائل ما يرغمك على أن تحترمه وأن تحبه معا، وقل من الناس من تجمع له بين الحب والاحترام. إنه رجل يحبه العلماء والباحثون؛ لأنه عالم بحاثة يحترم نفسه، وقراءه بفكر يجعله العالم الذي يعيش في عصره. ويحبه الأدباء؛ لأنه أديب، يكتب بأسلوب الأديب، وبيان الأديب، ولغة الأديب. ويحبه المناضلون؛ لأنه مناضل أصيل، لم يهن عزمه، ولم يستسلم كما استسلم غيره من المناضلين القدامى. ويحبه العروبيون؛ لأنه عربي مخلص، يعتز بعروبيته، وبقومه، وبلغته فلا يتكلم إلا بالعربية الفصحى، ولا تعرف العامية إلى لسانه سبيلا. ويحبه الإسلاميون؛ لأنه مسلم مستنير، يحسن الفهم للإسلام، كما يحسن الالتزام به، والدعوة إليه على بصيرة، والحماس لقضايا أمته. دوره في تلاقي العروبيين والإسلاميين وحين رأى القوميون المخلصون من دعاة العروبة، والإسلاميون المخلصون من دعاة الإسلام: أن لا معنى للقطيعة القائمة بينهما، وأن هناك قضايا مهمة تجمع بين التيارين، وتفرض عليهما التفاهم والتضامن لمواجهة الخطر الذي يهدد الأمة، وأنه لا بد من عقد مؤتمر يضم المعتدلين من الإسلاميين والقوميين الذين يرون التلاقي بينهم فريضة وضرورة: فريضة يوجبها الدين، وضرورة تحتمها مصلحة الأمة. وعندئذ تقرر عقد المؤتمر القومي الإسلامي الأول في بيروت، وكان المطلوب أن تعد ورقتان: ورقة تمثل القوميين وأهدافهم وتوجهاتهم وطموحاتهم، وأخرى تمثل الإسلاميين وأهدافهم وتوجهاتهم وطموحاتهم، وتجسد كلتاهما القاسم المشترك بين الفريقين: كان الدجاني عضوا في كل من اللجنتين التحضيريتين للإسلاميين والقوميين جميعا. وحين التقى الفريقان وبحثوا عن منسق عام يقوم على هذا المؤتمر يرضى عنه الطرفان ويصلح همزة وصل بينهما: لم يجدوا أفضل من الدكتور الدجاني الذي كان موضع إجماع من الحضور، لم يختلف عليه اثنان، ولم تنتطح فيه عنزان كما يقال. والحق أن الرجل بذل من جهده ووقته وفكره الكثير، في سبيل إنجاح هذه الفكرة واستمرارها وإمدادها بالزاد والوقود، حتى لا تتوقف مسيرتها أو تخمد جذوتها. وخصوصا في هذا الوقت الذي يسعى فيه أناس للتطبيع مع إسرائيل!! لقاءاتنا في الصيف وعلاقته الحميمة بعبد الرحمن وكنت حريصا على لقائه كل عام في إجازة الصيف حين أنزل إلى مصر، وكان هو أبدا صاحب الفضل، فهو الذي يسعى إلى زيارتي في منزلنا بمدينة مصر، باعتباري ضيفا على القاهرة، وهو مقيم بها: حاملا من ثمار قلمه آخر ما أنتجه حول قضيته الأولى (فلسطين) أو قضايا (العروبة والإسلام) ولا انفصال بينهما عنده، أو قضايا العالم الذي نحيا فيه. وكنت أهدي إليه من بضاعتي المزجاة آخر إنتاجي، وكله يدخل في أفق اهتمامه. ومن خلال زياراته ولقاءاته بي: تعرف عليه ابني الشاعر الأديب عبد الرحمن فأعجب به، ودعاه إلى زيارته، فانعقدت بينهما مودة وثيقة، وصلة عميقة، استمرت سنين، في لقاء وتفاهم وحوار، يسمعه عبد الرحمن من شعره ما لا يقوله للآخرين، من شعر السياسة، أو شعر الغزل، الذي عبر عنه عبد الرحمن بأن نصف شعره: يدخل السجن، والنصف الآخر يدخل النار!! ويحاوره في قضايا الدين وقضايا الثقافة، وقضايا السياسة، بحرية وصراحة. وقد قال لي الدكتور الدجاني في لقاء قريب: إن عبد الرحمن: كنز ثمين لم يستفد منه بعد! وقد أهدى عبد الرحمن إليه ديوانه الثاني (أمام المرآة) وقال في إهدائه: إلى أستاذي ووالدي وصديقي، الدكتور أحمد صدقي الدجاني أطال الله عمره، ثمرة سنوات من اللقاءات الطويلة. حوار بين جيلين! مناسبات فكرية ونضالية تجمعنا كانت هناك مناسبات مختلفة تجمعنا منها: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، أو مؤسسة الفكر الإسلامي لآل البيت، وقد كان كلانا عضوا فيها. كما تضمنا جلسات المؤتمر القومي الإسلامي، الذي كان أحد مؤسسيه والداعين إليه. وكذلك مجلس (أمناء مؤسسة القدس) الذي التقى مؤسسوها في بيروت في نحو خمسمائة شخصية من العرب مسلمهم ومسيحيهم، ومن المسلمين عربهم وعجمهم، من كل من يهمه أمر القدس وأمر فلسطين، وما القدس إلا رمز لفلسطين، وقد اتجه جمع من صفوة المشاركين في المؤتمر إلى أن يرشحوني لرئاسة مجلس أمناء هذه المؤسسة الوليدة والمرجوة، وقد اعتذرت لهم أول الأمر لما أحمله من أعباء أنوء بها، فكيف أضيف إليها عبئا جديدا؟ وكان رأيه رحمه الله مع عدد من الأحبة: أنك الوحيد الذي يمكن أن يوافق عليه من المسلمين: العرب والعجم، ويوافق عليه من العرب: المسلمون والمسيحيون، ويوافق عليه من المسلمين: السنيون والشيعيون، ويوافق عليه من العرب: القوميون والإسلاميون. نرجوك أن تقبل هذه المهمة مستعينا بالله، لتجتمع عليك الكلمة! وقد سافرت قبل انفضاض المؤتمر، واختيار مجلس الأمناء ورئيسه، وقد اختاروني في غيابي، والخيرة فيما اختاره الله لنا. وقد التقينا بعد ذلك في مؤتمرات لمؤسسة القدس هذه، أولها كان في اليمن، وكان لقاء خصبا مباركا، والثاني كان في بيروت، وكان له أثره ودوره في مد المسيرة بالوفود، والدكتور الدجاني في كل ذلك يعطي بغير كلل ولا ملل، ولا مَنٍّ ولا أذى. وما من مرة ألقاه فيها في ندوة أو مؤتمر أو لقاء خاص إلا أجده متألقا لم ينطفئ له سنا، ومُسمعا لم يخفض له صوت. وآخر مرة سعدت بلقائه فيها كانت في مملكة البحرين، في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعلى العهد به كان معطاء كالنبع الدافق لا يملك إلا أن يسقي ويحيي، وإن كنت لحظت عليه شيئا من الجهد والتعب. كان يغذي الحوار بالجديد من الأفكار، وكان يسدد الحوار إذا شط عن سواء الصراط. ولقد قرأ بحثي عن "التقريب بين المذاهب" وأبدى إعجابه به؛ لأنه تعرض لنقاط حساسة، عالجها بصراحة واستنارة ورفق. وحين اختمرت عندي فكرة إنشاء اتحاد علماء المسلمين، كان هو في مقدمة الشخصيات التي دعوتها للانضمام إلى هذا الاتحاد، فقد رأيت أن أوسع مفهوم (العلماء) بحيث لا يقتصر على خريجي الكليات الشرعية، والجامعات الدينية، بل تشمل كل من له عطاء يتصل بالثقافة الإسلامية، وإن لم يكن من المشايخ، وقد استجاب بسرعة لندائي، وإن كان قد اقترح أن نعرف العالم المسلم: بأنه كل من يمارس اختصاصه برؤية مؤمنة مسلمة. خسارة الأمة بفقد الدجاني إن فقد الرجال خسارة كبيرة، ونكبة عظيمة، فإنما الأمة برجالها، والرجال قليل، فكيف إذا كان هذا الرجل عالما، وقد قال ابن مسعود: سيأتي على الناس زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه! فإذا كان الرجال قليلا، فالعلماء قليل من قليل. وكيف إذا كان هذا العالم مفكرا: له رؤيته الخاصة، ونظرته المستقلة، إلى العالم من حوله، وإلى قضايا الأمة، فليس هو مقلدا لأحد، ولا ذيلا لأحد، فإذا كان العالم قليلا من قليل، فالعالم المفكر قليل من قليل، من قليل. ثم كيف إذا كان هذا المفكر مناضلا، فهو لم يعش لفكره في برج عاجي، أو في صومعة منعزلة، مستغرقا في تأملاته الصوفية، محلقا في أحلامه الطوباوية، بل نزل إلى معترك الحياة كما هي، بوردها وشوكها، وحلوها ومرها، وبهذا يكون هذا النوع قليلا من قليل من قليل، من قليل. ولا عجب أن يختار هذا الرجل في كل منتدى للحوار الداخلي والخارجي، فهو يملك من المواهب والقدرات الفكرية والنفسية والخلقية ما حرم منه الأكثرون {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: 35). إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ومنذ أسابيع اتصل ابني عبد الرحمن -وهو حبيبه الأثير لديه- وطلب مني وأنا مسافر إلى مكة، أن أخص الدكتور الدجاني بالدعاء، فقد اشتد عليه المرض، وأدخل المستشفى، ويحتاج إلى دعاء المحبين: أن يمن الله عليه بالشفاء، ويتم عليه العافية، وكم والله دعوت له من أعماق قلبي، وتضرعت إلى ربي: أن يكشف عنه الضر كما كشفه عن أيوب، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، وإذا كان الداء من السماء، بطل الدواء، وعجز الأطباء، حتى ينفذ القضاء. إن الطبيب له علم يُدل به ما دام في أجل الإنسان تأخير حتى إذا ما انقضت أيام مهلته حار الطبيب وخانته العقاقير! وفي مساء الإثنين (29/12) اتصل ابني عبد الرحمن هاتفيا، وحين سمعت صوته يحمل رنة الحزن، عرفت أن قدر الله نفذ، وأخبرني وهو بجواره في المستشفى وهو يجهش بالبكاء: أن أستاذه الحبيب قد فارق الدنيا، وما أشد مرارة فراق الإنسان لمن يحب، وخصوصا إذا كان فراقا سيطول: وكما تقول الخنساء: نَأْي الحبيبين كون الأرض بينهما هذا عليها وهذا تحتها سكنا! رحمة الله عليك أبا الطيب، وطبت حيا وميتا، وغفر الله لك ورحمك ورفع درجاتك في الصالحين من عباده، وجزاك عن دينك ووطنك وأمتك خير ما يجزي به العاملين الصادقين الموفين بعهدهم إذا عاهدوا {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23). القرضاوي ينعي الدجاني 14/01/2004 بقلم: أ.د. يوسف القرضاوي لكل دولة رجال، وللعمل الخيري والإنساني رجالاته ومؤسسوه، ولا يُذكر العمل الخيري في الكويت إلا ويتبادر للأذهان اسم الشيخ يوسف الحجي -رئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية- فهو رجل صامت قليل الكلام حتى إذا وصلته رسالة تشكو سوء حال أو تحمل أخبارًا كارثية من أي بقعة إسلامية تنقلب الصور تمامًا فيهبّ داعيًا رموز الخير بالكويت إلى اجتماع عاجل عبر اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة التي يترأسها أيضًا؛ لينظموا حملة إعلامية واسعة؛ تمهيدًا لحملة واسعة أخرى لجمع التبرعات، ويخاطبوا مؤسسات الدولة ذات الصلة، ويسيّروا الوفود إلى التجار والأثرياء والمحسنين من أجل إغاثة إخوانهم المضارين والمنكوبين هنا وهناك.. الكويت المولد والنشأة ولد يوسف جاسم الحجي في الكويت عام 1341هـ – 1923م، لوالد كان مريدًا لعدد من علماء الكويت مثل الشيخ عبد الله خلف الديحان والشيخ محمد الفارسي والشيخ عبد الوهاب الفارس وغيرهم؛ فرافق والده إلى مجالس هؤلاء العلماء، ودروس العلم بالمساجد، وبعد وفاة والده استمر على هذا النهج، وحرص على حضور الدروس والمواعظ الدينية، كل هذا كان له أكبر الأثر في تكوين شخصيته وتحديد توجهه. درس في المدرسة المباركية، ثم مدرسة عثمان عبد اللطيف العثمان وإخوانه خلال الفترة من 1927 – 1933، وتعلم اللغة الإنجليزية بمدرسة هاشم البدر حتى نهاية عام 1938، وبعد تخرجه عمل فى المملكة العربية السعودية عام 1938 بوظيفة كاتب دوام، ثم تزوج عام 1941، وعاد إلى الكويت عام 1942 ليعمل بالأعمال الحرة لمدة سنة واحدة. العم يوسف ورحلة الخير عُيِّن في وزارة الصحة مسؤولا عن مخازن الأدوية فى عام 1944، وتدرج فيها حتى صار وكيلا لوزارة الصحة العامة. وفي عام 1976 اختير وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية وظل بها حتى عام 1981، ترأس جمعيتي الإصلاح الاجتماعي وجمعية عبد الله النوري الإسلامية، وعرف طيلة سنوات حياته بالقبول لدى كل التيارات الإسلامية في الكويت على مختلف فصائلها. رشحته سمعته الطيبة وجهوده الخيرية لأن يحظى بموقع المسؤولية وعضوية العديد من مجالس إدارات العديد من المنظمات الخيرية والجامعات الإسلامية والبنوك والهيئات الطوعية، مثل جمعية الهلال الأحمر الكويتية، وجامعات أوغندا والنيجر وإسلام آباد، وبنك دبي الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد فى رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها... وقد عرف عن الحجي أنه لا يتأخر عن دعوة يتلقاها من هذه المنظمات أو تلك للمشاركة في مناقشة هموم الأمة والتحديات التي تواجهها، كما أن بضاعته لا تقتصر على الكلام؛ فهو دائمًا يمتلك أجندة عملية، ربما مبعث ذلك طبيعته الخيرة وكونه يمتلك قرار مؤسستين خيريتين هما الهيئة واللجنة المشتركة أو لقبوله لدى الأوساط الرسمية والشعبية وسائر الجمعيات الخيرية في الكويت. ترأس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي أسست في الكويت عام 1404هـ – 1984م، واختير بالإجماع رئيسًا لمجلس إدارتها منذ التأسيس حتى الآن، وهي تُعَد من كبرى الهيئات الخيرية فى العالم الإسلامي، وأمام كثرة اللجان والمؤسسات الخيرية وتنوعها في الكويت دعت الحاجة إلى تأسيس لجنة للتنسيق بين جهود هذه اللجان في ظل نظام أساسي أعد لها؛ فكانت اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة التي أسست بتاريخ 19 سبتمبر 1987، واختير الحجي رئيسًا لها بإجماع رموز الكويت في الحقل الخيري. القرضاوي أول الداعين للهيئة الشيخ يوسف يتوسط اجتماع الجمعية العامة للهيئة الخيرية الاسلامية" وعَبْر جهود رئيسها احتلت الهيئة الخيرية مكانة متميزة في الكويت على المستويين الحكومي والشعبي، وهي عالمية التأسيس والإنفاق والتمويل؛ ولهذا تلقى الدعم المتواصل محليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وفي هذا الصدد يقول الحجي: لقد احتضنت نخبة من مفكري وعلماء الأمة فكرة إنشاء هيئة خيرية عالمية بعد أن نادى الدكتور يوسف القرضاوي في مؤتمر للمصارف الإسلامية عقد على أرض الكويت بضرورة جمع مبلغ مليار دولار لدعم المسلمين ضد ثالوث الخطر: الفقر والجهل والمرض، من خلال هذه الهيئة، ردًّا على جمع النصارى للمبلغ نفسه في مؤتمر كلورادو الشهير للإنفاق على الأنشطة التنصيرية، ومن خصوصيتها أنها المؤسسة الخيرية الوحيدة في الكويت التي صدر بشأن تأسيسها مرسوم أميري (حمل رقم 64 – 1986). وتقوم فكرة الهيئة على جمع التبرعات واستثمارها والإنفاق على المسلمين من عائد الاستثمار، ومنذ إنشائها بدأ نشاطها كما ينص نظامها الأساسي في مساعدة الفقراء ومحاربة الجهل المستشري بين كثير من أبناء المسلمين في العالم، والسعي إلى التخفيف عمن يتعرضون إلى النكبات الطارئة والكوارث المفاجئة، وتضم الهيئة عددًا من اللجان مثل لجنة "مسلمي آسيا" ولجنة "فلسطين الخيرية" ولجنة "ساعد أخاك المسلم" ذات النشاط النسائي، ولجنة "الشروق" التي تعنى بالشباب وطلاب العلم، وتلك اللجان تعمل في العديد من الدول الإسلامية مثل بنجلاديش والصومال والسودان ولبنان وفلسطين والهند ودول أفريقية وأوروبية كثيرة، ولها آلاف المشاريع الخيرية المتنوعة التي تديرها. واللافت للنظر أن الهيئة حققت طفرة نوعية في مجال العمل الخيري المؤسسي التنموي، مدركة لطبيعة الواقع والصعوبات التي تواجه الدول الإسلامية الفقيرة، وقد غطت مشاريعها في المسار التنموي العالم الإسلامي وأماكن تواجد الأقليات المسلمة؛ فقد دشنت مئات المساجد والمراكز الإسلامية والآبار والمدارس والمشاريع الصحية المتنوعة، والمراكز المهنية والتعليمية، ومراكز تحفيظ القرآن، ودور رعاية الأيتام، وكفالة المدرسين والدعاة وأساتذة الجامعات. واستطاع الشيخ الحجي ربط الهيئة مع عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية لقطاع المجتمع المدني واتحاد المنظمات الأهلية العربية والهلال الأحمر والصليب الأحمر والمفوضية العليا للشؤون اللاجئين، وحصلت الهيئة بفضل جهوده وسياسته المدروسة على عضوية في منظمة الأمم المتحدة، هذا فضلا عن تنسيقها مع العديد من المنظمات الإقليمية مثل الأسيسكو، والمجلس الإسلامي للدعوة والإغاثة، وهو مثال للرجل المتطور غير التقليدي؛ حيث يعشق روح الإبداع والتطوير، والحرص على متابعة العمل الخيري على المستوى العالمي؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن ينشأ بالهيئة مركزًا للدراسات والأبحاث الخيرية لرصد، ومتابعة كل جديد على ساحة العمل الخيري الذي أصبح له مدارسه وفنونه وأساليبه الخاصة. إغاثة المنكوبين وجاء تشكيل اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة برئاسة الحجي على إثر رغبة من بيت الزكاة الكويتي بعد الفيضانات العارمة التي ضربت بنجلاديش فى أواخر الثمانينيات، وأسفرت عن تشريد أكثر من 30 مليون مسلم، وتدمير محاصيلهم الزراعية ومئات الآلاف من المساكن، وانتشار الأمراض والأوبئة والمجاعات التي كان طبيعيًّا أن ينتج عنها آلاف الوفيات؛ ولهذا تنادت آنذاك الهيئات والجمعيات الخيرية فى الكويت بشقيها الرسمي والشعبي بما تضم في عضويتها من وزارة الأوقاف والأمانة العامة للأوقاف وبيت الزكاة لدراسة الأمر والتنسيق فيما بينها لمواجهة الخطب وتقديم العون اللازم للمنكوبين من خلال العمل الجماعي المنظم والمشترك، وانبثق عن هذه اللجنة فرق عمل ولجان متخصصة مثل اللجنة الإعلامية واللجنة الطبية ولجنة المهندسين المتخصصة في إقامة البيوت. وقد أدت اللجنة دورًا فاعلا في المناطق المنكوبة مثل البوسنة والهرسك والصومال ولبنان وبنجلاديش والسودان، وتجسد اللجنة نموذجًا متميزًا للعمل الخيري الإسلامي؛ حيث لا تتوانى عن نداء الأخوة الإسلامية والواجب الإنساني، وقد بدا ذ لك في المساعدات السخية التي قدمتها للشعب العراقي أثناء الحرب الأنجلو - أمريكية على العراق بالتنسيق مع مركز العمليات الإنسانية التي أنشأته الكويت، وما زالت قوافلها الإغاثية والطبية والحاملة للأدوات التعليمية والحقائب المدرسية تتوالى على العراق، كما شهدت حالة من الاستنفار للجانها حين وصلتها أنباء عن الفيضانات التي ضربت السودان مؤخرًا، فخصصت 100 ألف دولار دفعة مبدئية لإغاثة المنكوبين، وأوفدت مندوبًا عنها لتقدير حجم الأضرار والخسائر على أرض الواقع؛ لاستمرار دورها في تخفيف المعاناة التي لحقت بالسودانيين. معًا لا يعود السائل إلى السؤال ويؤكد يوسف الحجي لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الهيئة لا تنفق من أموال الصدقات، بل من عوائد استثماراتها، وبهذا يبقى التبرع للهيئة صدقة جارية أصلها ثابت ويبقى عائده كل عام موردًا جديدًا يخدم المسلمين في كل أنحاء العالم، وإضافة إلى ذلك نجحت الهيئة في جعل نظام الوقفيات معلمًا بارزًا في أنشطة كل اللجان الخيرية، ومن الوقفيات التي تطرحها الهيئة: وقفية أعطه فأسًا ليحتطب، وقفية اليتيم، وقفية وفاء لوالديك، وقفية الألف ألف وغيرها، كما تنفذ مشروع إفطار الصائم في العديد من الأقطار الإسلامية. وحول سياسة الهيئة في مجال جمع الزكوات قال: إنها تعتمد على رغبة المزكي في تحديد مكان إنفاق زكاته، سواء في داخل الكويت أو خارجها. وفي هذا الجانب تقدم الهيئة المساعدات للأسر المحتاجة للزكاة والحالات المرضية المستعصية وبعض الطلبة المحتاجين، وجميع الفئات التي يعوزها الدعم والغوث والإعانة، وبهذا تسعى الهيئة إلى تحقيق شعارها المتمثل في "معًا لا يعود السائل إلى السؤال"، وقد تحول هذا الشعار إلى مشاريع إنتاجية أطلقت الهيئة عليها مسمى التمكين، وهذه المشاريع في جلها ذات طابع تدريبي وتأهيلي، يعود بالفائدة على الفقير والمحتاج، ويحول السائل إلى عنصر منتج وفعّال في مجتمعه ووطنه من خلال تعليمه حرفة أو تدريبه على مهنة أو تمليكه مشروعًا إنتاجيًّا صغيرًا زراعيًّا أو حيوانيًّا أو مهنيًّا حتى يعول نفسه وأسرته دون الحاجة إلى ذل السؤال وما يتبعها من صد ونهر ورد، وبهذه المشاريع التمكينية الإنتاجية أسهمت الهيئة في حركة التنمية المجتمعية بالأقطار الإسلامية، وأعادت البسمة إلى وجوه آلاف اليتامى والأرامل والمعذبين، وساندت كثيرًا من الحكومات الإسلامية في إنشاء مثل هذه المشاريع الحرفية والتنموية.. وينفي أن تكون الهيئة قد تأثرت ماليًّا بفعل الحملة على المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مؤكدًا أن قناعات الناس بأهمية دعم العمل الخيري قد تنامت، وهذا مرده إلى أن المتبرع لم يلتفت إلى هذه الاتهامات، خاصة أننا نتواصل معه بتقارير دورية ومشاريع إعلامية تبين حجم المشاريع الخيرية التي تنتجها الهيئة في المجالات المختلفة، ولغة الأرقام التي نوافي بها المتبرعين تعطيه الدافعية والارتباط بالعمل الخيري وتعطينا الاستمرارية. ويرى الحجي أن خدمة الفئات الضعيفة في المجتمع الإسلامي ليست عملا كريمًا وحسب، بل هي عبادة إسلامية تصل إلى حد الفريضة على الإنسان القادر عليها؛ حتى يتم إغلاق كل ثغرات الضعف في الجسد الإسلامي، والارتقاء بالضعفاء والمتضررين من أبناء المسلمين إلى مستوى إنساني لائق وكريم. العم أبو يعقوب لقد حفلت حياة الحجي بكل أشكال العمل الخيري؛ حتى أسماه البعض "إمام العمل الخيري بالكويت وقدوة الخيرين"، ووسمه آخرون بأنه مجدد في مجال الدعوة في شقها الخيري، ويعرف بين موظفي الهيئة وأبناء المجتمع الكويتي بالعم يوسف الحجي أو العم "أبو يعقوب" تقديرًا واحترامًا لمكانته والدور الذي يؤديه في الحقل الخيري، وذلك لقب أو كنية تنادى به الشخصيات المرموقة مجتمعيًّا جريًا على عادة أهل الخليج، وفي حياته ومسيرته الكثير من المواقف المشهودة. قبل أن يصبح أحد فرسان العمل الخيري، كان طبيبا متخصصا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، لم يكن طبيبا عاديا، بل طبيبا فوق العادة، إذ بعد أن ينتهي من عمله المهني، كان يتفقد أحوال المرضى، في أجنحة مستشفى الصباح (أشهر مستشفيات الكويت)، ويسألهم عن ظروفهم وأحوالهم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، ويسعى في قضاء حوائجهم، ويطمئنهم على حالاتهم الصحية. واستمرت معه عادته وحرصه على الوقوف إلى جانب المعوزين وأصحاب الحاجة، حينما شعر صاحبها بخطر المجاعة يهدد المسلمين في أفريقيا، وأدرك خطورة حملات التنصير التي تجتاح صفوف فقرائهم في أدغال القارة السوداء، وعلى إثر ذلك آثر أن يترك عمله الطبي طواعية، ليجسد مشروعا خيريا رائدا في مواجهة غول الفقر وخطر التنصير، واستقطب معه فريقا من المخلصين، الذين انخرطوا في تدشين هذا المشروع الإنساني، الذي تتمثل معالمه في مداواة المرضى، وتضميد جراح المنكوبين، ومواساة الفقراء والمحتاجين، والمسح على رأس اليتيم، وإطعام الجائعين، وإغاثة الملهوفين. مولده ونشأته ولد د. عبد الرحمن حمود السميط رئيس مجلس إدارة جمعية العون المباشر (مسلمي أفريقيا سابقا) في الكويت عام 1947م، ويحكي المقربون منه أن د. السميط بدأ العمل الخيري وأعمال البر منذ صغره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فقاموا بجمع مبلغ من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة، وكان يقوم أحد أفراد المجموعة بعد انتهاء دوامه بنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم دون مقابل. تخرج في جامعة بغداد بعد أن حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، وفي الجامعة كان يخصص الجزء الأكبر من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية قدرها 42 دينارًا كان لا يأكل إلا وجبة واحدة وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبرا ذلك نوعا من الرفاهية. حصل على دبلوم أمراض مناطق حارة من جامعة ليفربول عام 1974م، واستكمل دراساته العليا في جامعة ماكجل الكندية متخصصًا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، وأثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارًا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا وغير ذلك من أعمال البر والتقوى. حياة حافلة بالإنجازات عمل إخصائيا في مستشفى الصباح في الفترة من 1980 – 1983م، ونشر العديد من الأبحاث العلمية والطبية في مجال القولون والفحص بالمنظار لأورام السرطان، كما أصدر أربعة كتب هي: لبيك أفريقيا، دمعة على أفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة، تولى منصب أمين عام جمعية مسلمي أفريقيا عام 1981م، وما زال على رأس الجمعية بعد أن تغير اسمها إلى جمعية العون المباشر في 1999م. شارك في تأسيس ورئاسة جمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا 1976م. كما شارك في تأسيس فروع جمعية الطلبة المسلمين في مونتريال 1974- 1976، ولجنة مسلمي ملاوي في الكويت عام 1980م، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة 1987م، وهو عضو مؤسس في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وعضو مؤسس في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وعضو في جمعية النجاة الخيرية الكويتية، وعضو جمعية الهلال الأحمر الكويتي، ورئيس تحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الأفريقي، وعضو مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، وعضو مجلس أمناء جامعة العلوم والتكنولوجيا في اليمن، ورئيس مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار ورئيس مجلس إدارة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا. نال السميط عددا من الأوسمة والجوائز والدروع والشهادات التقديرية، مكافأة له على جهوده في الأعمال الخيرية، ومن أرفع هذه الجوائز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، والتي تبرع بمكافأتها (750 ألف ريال سعودي) لتكون نواة للوقف التعليمي لأبناء أفريقيا، ومن عائد هذا الوقف تلقت أعداد كبيرة من أبناء أفريقيا تعليمها في الجامعات المختلفة. الخير في قارة تحتاج إليه تركز جل نشاط السميط من خلال لجنة مسلمي أفريقيا بعد أن وضعت أجندة خيرية تنطلق في مسارات عدة منها: من أجل أن تمسح دمعة يتيم مسلم، من أجل رعاية قرية مسلمة تعليميا أو صحيا أو اجتماعيا، من أجل حفر أو صيانة بئر مياه للشرب، من أجل بناء أو صيانة مدرسة، من أجل رعاية الآلاف من المتشردين، من أجل مواجهة الخطر التنصيري الزاحف، من أجل استمرارية العمل الخيري الإسلامي. وكان اهتمامه بأفريقيا بعد أن أكدت دراسات ميدانية للجنة أن ملايين المسلمين في القارة السوداء لا يعرفون عن الإسلام إلا خرافات وأساطير لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فغالبيتهم –خاصة أطفالهم في المدارس– عرضة لخطر التنصير، وقد نتج عن ذلك أن عشرات الآلاف في تنزانيا وملاوي ومدغشقر وجنوب السودان وكينيا والنيجر وغيرها من الدول الأفريقية صاروا ينتسبون إلى النصرانية، بينما آباؤهم وأمهاتهم من المسلمين. قصة دخوله أفريقيا والسميط من المؤمنين بأن الإسلام سبق جميع النظريات والحضارات والمدنيات في العمل التطوعي الاجتماعي والإنساني، وتعود قصة ولعه بالعمل في أفريقيا حين عاد إلى الكويت في أعقاب استكمال دراساته العليا، حيث كان مسكونا بطاقة خيرية هائلة أراد تفجيرها فذهب إلى وزارة الأوقاف وعرض على المسئولين رغبته في التطوع للمشاركة في الأعمال الخيرية، غير أن البيروقراطية الرسمية كادت أن تحبطه وتقتل حماسه، لكن الله شاء له أن يسافر إلى أفريقيا لبناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في ملاوي، فيرى ملايين البشر يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، ويشاهد وقوع المسلمين تحت وطأة المنصرين الذين يقدمون إليهم الفتات والتعليم لأبنائهم في مدارسهم التنصيرية، ومن ثم فقد وقع حب هذه البقعة في قلبه ووجدانه وسيطرت على تفكيره. وكان أكثر ما يؤثر في السميط إلى حد البكاء حينما يذهب إلى منطقة ويدخل بعض أبنائها في الإسلام ثم يصرخون ويبكون على آبائهم وأمهاتهم الذين ماتوا على غير الإسلام، وهم يسألون: أين أنتم يا مسلمون؟ ولماذا تأخرتم عنا كل هذه السنين؟ كانت هذه الكلمات تجعله يبكي بمرارة، ويشعر بجزء من المسئولية تجاه هؤلاء الذين ماتوا على الكفر. تعرض في أفريقيا للاغتيال مرات عديدة من قبل المليشيات المسلحة بسبب حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين، كما حاصرته أفعى الكوبرا في موزمبيق وكينيا وملاوي غير مرة لكن الله نجاه. التنصير أبرز التحديات وعن أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في أفريقيا يقول الدكتور عبد الرحمن: ما زال التنصير هو سيد الموقف، مشيرا إلى ما ذكره د. دافيد بارت خبير الإحصاء في العمل التنصيري بالولايات المتحدة من أن عدد المنصرين العاملين الآن في هيئات ولجان تنصيرية يزيدون على أكثر من 51 مليون منصر، ويبلغ عدد الطوائف النصرانية في العالم اليوم 35 ألف طائفة، ويملك العاملون في هذا المجال 365 ألف جهاز كمبيوتر لمتابعة الأعمال التي تقدمها الهيئات التنصيرية ولجانها العاملة، ويملكون أسطولا جويا لا يقل عن 360 طائرة تحمل المعونات والمواد التي يوزعونها والكتب التي تطير إلى مختلف أرجاء المعمورة بمعدل طائرة كل أربع دقائق على مدار الساعة، ويبلغ عدد الإذاعات التي يملكونها وتبث برامجها يوميا أكثر من 4050 إذاعة وتليفزيون، وأن حجم الأموال التي جمعت العام الماضي لأغراض الكنيسة تزيد على 300 مليار دولار، وحظ أفريقيا من النشاط التنصيري هو الأوفر... ومن أمثلة تبرعات غير المسلمين للنشاط التنصي ري كما يرصدها د. السميط أن تبرعات صاحب شركة مايكروسوفت بلغت في عام واحد تقريبا مليار دولار، ورجل أعمال هولندي تبرع بمبلغ 114 مليون دولار دفعة واحدة وقيل بأن هذا المبلغ كان كل ما يملكه، وفي أحد الاحتفالات التي أقامها أحد داعمي العمل التنصيري في نيويورك قرر أن يوزع نسخة من الإنجيل على كل بيت في العالم وكانت تكلفة فكرته 300 مليون دولار حتى ينفذها، ولم تمر ليلة واحدة حتى كان حصيلة ما جمعه أكثر من 41 مليون دولار. حصيلة مشاريع العون المباشر وكانت حصيلة المشاريع التي نفذت في أفريقيا -كما يذكر د. السميط- حتى أواخر عام 2002م: بناء 1200 مسجد، دفع رواتب 3288 داعية ومعلما شهريا، رعاية 9500 يتيم، حفر 2750 بئرا ارتوازية ومئات الآبار السطحية في مناطق الجفاف التي يسكنها المسلمون، بناء 124 مستشفى ومستوصفا، توزيع 160 ألف طن من الأغذية والأدوية والملابس، توزيع أكثر من 51 مليون نسخة من المصحف، طبع وتوزيع 605 ملايين كتيب إسلامي بلغات أفريقية مختلفة، بناء وتشغيل 102 مركز إسلامي متكامل، عقد 1450 دورة للمعلمين وأئمة المساجد، دفع رسوم الدراسة عن 95 ألف طالب مسلم فقير، تنفيذ وتسيير عدة مشاريع زراعية على مساحة 10 ملايين متر مربع، بناء وتشغيل 200 مركز لتدريب النساء، تنفيذ عدد من السدود المائية في مناطق الجفاف، إقامة عدد من المخيمات الطبية ومخيمات العيون للمحتاجين مجانا للتخفيف على الموارد الصحية القليلة في إطار برنامج مكافحة العمى، تقديم أكثر من 200 منحة دراسية للدراسات العليا في الدول الغربية (تخصصات طب، هندسة، تكنولوجيا). وما زالت الطموحات مستمرة وأشار إلى أن طموحات جمعية العون المباشر في أفريقيا لا تتوقف عند حد معين؛ فالجهود مستمرة لإعداد الدراسات اللازمة لإنشاء كلية لتدريب المعلمين في ملاوي؛ لأن الحاجة هناك ماسة جدا لتخريج معلمين مسلمين، فرغم أن المسلمين يشكلون 50% من عدد السكان فإن عدد المدرسين المسلمين المؤهلين لا يزيد على 40 مدرسا، فضلا عن أن الدولة تفقد سنويا ما بين 12% - 13% من العاملين في التدريس بسبب مرض الإيدز المنتشر، والاستقالات والموت الطبيعي، ويبلغ تعداد المدرسين المفقودين سنويا قرابة تسعة آلاف مدرس من أصل 90 ألفا هم مجموع المدرسين العاملين في ملاوي؛ وهو ما تسبب في خلق فجوة كبيرة وعجز واضح في المدرسين المسلمين، وبالتالي فهذا الظرف فرصة كبيرة في سد هذا الفراغ التربوي بالمعلمين المسلمين، هذا بالإضافة إلى إنشاء محطات إذاعية للقرآن الكريم، بدأت بإنشاء محطة في جمهورية توجو وهناك مائة محطة يجري العمل في مراحل تنفيذها المختلفة بمناطق مختلفة من أفريقيا، وتبلغ تكلفة المحطة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي، تتضمن المعدات اللازمة ومصاريف التشغيل عاما كاملا. ولم تؤثر حملة ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب -في تقدير د. السميط- على العمل الخيري في أفريقيا مقارنة بالضغوط التي مورست على الهيئات الخيرية العاملة في جنوب شرق آسيا خاصة في أفغانستان وباكستان والجمهوريات الإسلامية المستقلة، يقول: "الضغوط التي تمارس ضد العمل الخيري ومنظماته هي جزء من مخطط كبير ضد الإسلام والمسلمين، ويجب أن نعمل ولا نتأثر بهذه الحملات، المهم أن نعمل عملا مدروسا ومؤسسيا، له كوادره ومتخصصوه، وقد دعوت جامعة الكويت والجامعات الخليجية إلى تدريس مادة إدارة العمل الخيري إلى أبنائنا لسد العجز في الكوادر المتخصصة التي تحتاجها الجمعيات الخيرية، خاصة أنها في حاجة ماسة إلى أفراد مدربين ومعدين إعدادا جيدا، يمكنهم الولوج في العمل الإداري على أسسه العلمية الصحيحة". زكاة أثرياء المسلمين ويرى د. السميط أن زكاة أموال أثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم؛ إذ يبلغ حجم الأموال المستثمرة داخل وخارج البلاد العربية 2275 مليار دولار أمريكي، ولو أخرج هؤلاء الأغنياء الزكاة عن أموالهم لبلغت 56.875 مليار دولار، ولو افترضنا أن عدد فقراء المسلمين في العالم كله يبلغ 250 مليون فقير لكان نصيب كل فقير منهم 227 دولارا، وهو مبلغ كاف لبدء الفقير في عمل منتج يمكن أن يعيش على دخله. وبعد أن وضعت الحرب الأنجلو-أمريكية أوزارها ضد العراق قام السميط بمهمة خيرية لإعانة الشعب العراقي، وكانت جمعية العون المباشر قد خصصت مليوني دولار لدعم الطلاب العراقيين الفقراء وإغاثة الأسر المتعففة، وفي تلك الأثناء تعرض رئيس الجمعية إلى حادث مروري في منطقة الكوت (160 كيلومترًا غرب بغداد) بعد أن اصطدمت السيارة التي كانت تقله ومرافقيه بشاحنة، توقفت فجأة؛ وهو ما أسفر عن إصابته بكسور وجروح متفرقة عولج خلالها في أحد مستشفيات الكوت ثم نقل إلى مستشفى الرازي بالكويت لاستكمال علاجه. لابد أن أقدم فأقول أن ما أكتبه ليس سوى طرف من مسامرات وحكاوي جمعتني بهذا الرجل، وربما ساعدت في فك شفرة الغموض الذي اكتنف مواقف الرجل وآراءه التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. وإذا وصفت الشيخ أحمد الكبيسي فإنه طويل القامة خفيف الظل مبتسم ضاحك معظم الوقت، صموت إذا لزم الصمت، متكلم لبق ومحدث مفوه حين يحين وقت الكلام، تحب النظر إليه وإلى لحيته البيضاء وتحب أكثر الاستماع لحديثه الشجي ومسامراته الممتعة ومساجلاته القوية واجتهاداته الجديدة والمبتكرة القادرة دوما على إثارة دهشة متابعيه. هذا هو الشيخ الكبيسي ابن الأنبار الأزهري عاشق القاهرة وقاطن بغداد ومحاضر دبي، وهو عراقي الجنسية عربي اللسان عالمي الانتماء، وفي هذه الكلمات العينية الثلاث يمكن أن نجمل الرأي في هذا الرجل. هو عراقي، يفيض بالشعر وبالقدرة على المحاورة وبالعلم، فقد ولد بالكبيسة في العراق عام 1934 وهي قرية من قرى الأنبار تعد آخر قرى العراق قبل بادية الشام، ثم انتقل إلى الفلوجة بالعراق لتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي ثم رحل لمصر ليكمل تعليمه العالي بالأزهر الشريف الذي حصل منه بعد ذلك على الدكتوراه عام 1970 . وهو عربي، فقد عشق اللغة العربية منذ الصغر وحفظ القرآن وهو في العاشرة وقرأ أمهات كتب اللغة من ألفية ابن مالك إلى شرح السيوطي إلى المغني في صباه الباكر. وهو يقضي معظم وقت دراسته في قراءة القرآن وتدبر معانيه، والكثير من اجتهاداته الفقهية مبنية على التفسير اللغوي للقرآن متأسيًا في ذلك بالعلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعرواي والذي يقدره الكبيسي كثيرًا. وقد تولى الكبيسي عددا من المناصب العلمية في كثير من الجامعات والأكاديميات الإسلامية منها رئاسة قسم الشريعة في كلية الحقوق بجامعة بغداد، وقسم الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية ببغداد، وقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات (وهو أحد مؤسسيها)، كما اختير عضوا بالمجلس الأعلى في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وللشيخ الكبيسي ما يقارب الثلاثين إصدارًا من مؤلفات وأبحاث منشورة في شتى المجالات من أهمها: المرأة والسياسة في صدر الإسلام، وفلسفة نظام الأسرة في الإسلام، والأحوال الشخصية في الفقه والقضاء والقانون ( جزآن)، وأحكام جناية السرقة في الفقه والقانون، والفقه الجنائي الإسلامي، وأحسن القصص في القرآن الكريم، والقضاء في الإسلام، وفي رحاب القرآن، والغبن والتغرير في عقد البيع، والتركة: تكوينها ومدى تعلق الحقوق بها. وهو عالمي الرؤية، يعرف عصره جيدًا وتنقل بين أرجاء المعمورة فدرس في القاهرة، ودرًس في دبي، وحاضر في عمان، ومثله مثل الشيخ الشعراوي، يستفيد كثيرًا من ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، فهو وجه معروف لكل مشاهدي الفضائيات، وهو ضيف دائم على برامج قنوات فضائية كثيرة مثل: اقرأ (منبر الشباب، والمنبر الحر)، ودبي الفضائية (أحسن القصص، تفسير القرآن)، والجزيرة (الشريعة والحياة) وغيرها من برامج أخري مثل:نحو فهم جديد للقرآن الكريم، والكلمة وأخواتها،والمرأة في القرآن،وفيها كتب قيمة، وآية تبحث عن معنى،والنبأ العظيم، واتقوا النار..وعبر هذه القنوات ومن خلال هذه البرامج التقيت الشيخ الكبيسي وكان لقاؤنا حافلا بالقصص والمسامرات والنوادر والكثير منها مهم ومفيد ومن خلاله ربما نستطيع أن نسبر أكثر غور هذه الشخصية العميقة. اللقاء الأول..على الهواء والمقاهي! كان لقاؤنا الشخصي الأول في عمان عام 1998، وكنا في ضيافة الأصدقاء د. ماهر أبو الحمص، والأستاذ هاشم الكفاوين، والأستاذ عماد الدين الخطيب وباقي أسرة برنامج " منبر الشباب" ومقدمه د. محمود الرشدان، وبرنامج "المنبر الحر"، ومقدمه د. وليد سيف، كنا مجموعة من الضيوف من مختلف أرجاء الوطن العربي الكبير في ضيافة أسرة "سجى" ـ الشركة التي تنتج البرنامجين الناجحين ـ.وأذكر من الضيوف: خالد الحروب من فلسطين، وصلاح الدين الجورشي ود. أحمد النيفر من تونس، ومجموعة من الشباب الأردني الكريم منهم محمد عربيات وعلي كفاوين، وآخرين ربما نستهم الذاكرة وإن لم ينسهم القلب. كانت المجموعة تلتقي في الصباح حول إفطار عامر في الفندق وتبدأ المناقشات في شتى الموضوعات: سياسية، دينية، شعر، فن، ودائمًا كان الشيخ الكبيسي نجم هذه المسامرات. في سيارة علي كفاوين التي تنقلنا إلى الأستوديو، أدار علي شريط كاسيت، انساب صوت ماجدة الرومي يتغنى بكلمات نزار قباني، سألت الشيخ عن رأيه في نزار؟ قال: نزار شاعر كبير وعظيم وشعره جميل والمغنون يا أخي يفسدونه ولكن ليس ماجدة ولا أم كلثوم. أخبرني الشيخ أنه من عشاق أم كلثوم وعبد الوهاب، تدخل علي الكفاوين سائلا عن حكم الغناء، فضحك الشيخ وتعجب من السؤال ونحن نسمع ماجدة الرومي!! الشيخ الكبيسي يبحث دائمًا عن التيسير والتبشير، حكى لنا ذات مرة أنه كان يستمع لمحاضرة اكتظت بالوعيد والتهديد والويل والثبور والترهيب، وبعد انتهائها قال الشيخ للمحاضر: والله ذكرتنا يا أخي بالحديث القائل: "عسروا ولا تيسروا" فقاطعه المحاضر قائلا: لا.. الحديث يقول: "يسروا ولا تعسروا"، فضحك الشيخ فقال: إذن يا أخي، لماذا لا تعمل به؟!. المعركة مع سلطة.. الثقافة المهيمنة وسأله سائل في مداخلة تليفونية عندما استضافه ماهر عبد الله في برنامج الشريعة والحياة عن رغبته الدائمة في التيسير واستخدامه للمنطق والرأي للتعبير عن الدين واستنكر منطقه قائلا: "كأن هذا الدين ما فيه تشدد وإنما كله رخص!" فرد عليه الكبيسي: "يا أخي أنا أكفيك شر هذا.. والله ـ إن شاء الله ـ لن أموت وألقى الله وقد قلت في الإسلام رأيًا!!.. أنا أتحدى بكل إكرام وإعزاز وأجيب( أستحضر) لك خمسين نصا على ما قلت.. إنما أريد أن أقتحم هذه العقول التي أرهبت المسلمين!!" فالكبيسي يريد تحدي سلطة الثقافة المهيمنة والتي يعتقد الناس أنها مقدسة، لا تحدي سلطة النهي في النص، وما يفعله دائمًا هو إعادة الاحترام للنص المقدس ونزع القداسة عن صنم الثقافة المهيمنة وتحطيم هذا الصنم. إنه يريد كل واحد منا أن يقول: "هذا فهمي للقرآن والحديث ولا أجبر أحدًا على هذا الفهم". لا أن يقول عن رأيه: "هذا هو القرآن والشرع ومن خالفه فهو خارج عنه". إنه يؤكد دائمًا أن النصوص هي الأساس الملزم، ورأي الفقهاء من السلف الصالح أساس أيضًا ولكنه غير ملزم؛ لأنهم اختلفوا وفي خلافهم حياة ورحمة للبشر!! إعادة الاعتبار للـ"اختلاف"! الكبيسي يعيد للاختلاف وقبول الآخر أهميته الأساسية كحجر زاوية في الفهم الإسلامي. وهو يؤكد دائمًا في لقاءاته التليفزيونية ومحاضراته العلمية ومسامراته على المقهى مع الأصدقاء أن "الإجماع خرافة". يرفض أن تبدأ كلامك قائلاً: "اتفق العلماء"... يقول: "كيف يتفقون يا أخي، هل جمعتهم أو سمعت رأي كل واحد منهم؟" الإجماع مستحيل! والصواب في رأي الكبيسي أن نقول إن رأي الثلاثة أفضل من رأي الاثنين وهكذا، لكن دعونا دائمًا نترك مساحة للاختلاف وقبول الآخر!! وحين يختلف الكبيسي يدعم رأيه بنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة ويبني عليها منطلقًا منها، مجتهدًا في ضوئها. مثلا يرى الكبيسي أن الأصل في الإسلام هو عدم الفصل بين الرجل والمرأة، وأن فكرة الفصل غير إسلامية، وإنما فرضت فرضًا بفعل التاريخ والمجتمع!! ويرى الكبيسي أن الحجاب هو الفصل بين الرجل والمرأة، وأن زي المرأة الذي نسميه "الحجاب" هو "زي شرعي" مثله مثل أي زي لا يبدي من المرأة مفاتنها ولا يظهر منها إلا الكفين والوجه، وأن الحجاب ـ أي الساتر الذي يفصل بين الرجل والمرأة ـ فرض على أمهات المؤمنين فقط. الكبيسي يرجع رأيه دائمًا للقرآن والسنة ويؤيده بال أحاديث والآيات البينات ويقبل الخلاف ورؤية العلماء الآخرين بوصفها رحمة ولكنه يطالبهم بقبول رأي الآخر كذلك. يرى الكبيسي أن كبت المرأة وقهرها وضربها باسم الدين هو "الوأد المعنوي" الذي ظهر عند المسلمين نتيجة لعهود من القهر والتراجع أثرت على تعامل الرجل "المقهور" مع المرأة "المقهورة" كذلك ويطالبنا الكبيسي بأن ننفض هذه العهود عن أكتافنا!! وهو يعتمد في رؤيته لفكرة الحجاب بوصفها الفصل بين الرجل والمرأة على التفسير اللغوي الذي يستخدمه كثيرًا في فهم القرآن. وهي جرأة محمودة واجتهاد مطلوب لكن تلك صفات غير مستغربة في شيخنا الجليل الذي سافر للقاهرة في الخمسينيات طالبًا العلم في الأزهر ولم يكن في جيبه- كما قال لي وسط مقاهي عمان التي كانت تجمع صحبة المسامرات- سوى " ثلاثة جنيهات فقط"!. استنساخ يأجوج ومأجوج في برنامج "نبوءات" الذي كان يقدمه في قناة أبو ظبي الفضائية صلاح الجورشي؛ قدم الكبيسي رؤية جديدة لموضوع "الاستنساخ" وتفسيرًا لغويًّا لقصة يأجوج ومأجوج في القرآن.فقد بين أن ذكر يأجوج ومأجوج جاء مرتين في القرآن، الأولى مع ذكر السد وذي القرنين، والثانية عند الحديث عن ظهورهم في آخر الزمان، ويرى الشيخ الكبيسي أن ما يربط المرتين هو صفة يأجوج ومأجوج أي الإفساد في الأرض ومن ثم ليس بالضرورة أنهما نفس القوم. وهو يرى أنه ربما كان الاستنساخ هو الوسيلة التي ستؤدي لظهور المفسدين الجدد في الأرض آخر الزمان!! تفسير جديد ورؤية جريئة تستحق منا التأمل والتدبر حيث يرى معظم المفسرين أن يأجوج ومأجوج هم قوم محددون بذاتهم؛ أي عرق مفسد في الأرض، بينما يقدم لنا الكبيسي صوتًا جديدًا يرى أن يأجوج ومأجوج الذين وضع لهم السد هم قوم مفسدون في الأرض وهم من الأمم الغابرة!! أما يأجوج ومأجوج الذين سيأتون مستقبلا فهم -في تفسيره- قوم مفسدون قد يظهرون نتيجة الاستنساخ. هي فكرة نجد مشابهًا لها في قصص الخيال العلمي وأفلام الخيال العلمي وأيضًا الكتابات المستقبلية للعديد من المفكرين والفلاسفة، فكرة نجدها عند "ألدوس هكسلي" في "عالم جديد جميل Brave new world"، وجورج "أورويل 1984" وقدمها "وودي الآن" سينمائيا في فيلم "النائم"!! إنها فكرة صناعة نموذج بشري (محدد سوي قويم) سواء كانت الصناعة تأتي عبر البيولوجيا (الاستنساخ) أو تأتي عبر الهندسة الاجتماعية (النظريات العرقية المتطرفة كالنازية وغيرها). فكرة إنهاء الاختلاف والقضاء على تدافع البشر. تلك الفكرة الكابوسية التي يرفضها الكبيسي ويراها "أم الكبائر". وأساس صناعة الخوف. مع أمريكا..هل ناقض الشيخ نفسه؟ وفي جرأة معروفة عنه قال الكبيسي في حديث له كان قد أجراه معه إمام الليثي مراسل إسلام أون لاين في بغداد: "نريد الآن حياة مدنية، لا تسألني عن الحل الإسلامي الآن" وقال "نعم سنتعامل مع أمريكا الآن" كان هذا بعد سقوط بغداد بينما كان الكبيسي نفسه قد قال في حوار حي معه قبل الغزو الأمريكي للعراق إن الجهاد ضد الغزو الأمريكي فرض، وحذر أي بلد إسلامي من الوقوف مع الغزو قائلاً: "لا شك أن كل من يقف مع أمريكا وإسرائيل ضد أي بلد أو شخص مسلم يعتبر مرتدًّا من وجهة النظر الإسلامية"!!. رأى البعض في هذا تناقضا؛ فكيف يقبل التعامل مع أمريكا وقد كان يعتبر التعامل معها ردة وخروجًا عن الدين؟!! المشكلة فيمن يقول هذا أنه لا يرى السياق التاريخي للرأيين، ويعتقد أن الفتوى ثابتة على مدار الزمان والمكان؛ بينما يري الكبيسي أن مقاومة الغزو الأمريكي فرض عين وأن التعاون مع الأمريكان ردة أما بعد الهزيمة ووجود أمر واقع جديد فيتعامل الكبيسي مع هذا الواقع من منطلق مصلحة الشعب العراقي!! وهو نفسه الذي يقول للشعب العراقي: "تظاهروا ليعرف الأمريكان أنكم موجودون".ذلك هو الواقع! الأمريكان موجودون، وعلينا أن ندخل بقوة في المعترك السياسي الآن لنبرهن أننا موجودون. في الموقفين ينطلق الكبيسي من أرضية ثابتة، هي رؤية مصلحة الشعب العراقي وقراءة الواقع في ضوء الشرع، ومن ثم يصل إلى رأيين يتميزان في كل الأحوال بالجرأة والمغايرة. نقبل أيهما أو نختلف معه!! تلك ليست هي القضية! عند الكبيسي القضية دائمًا هي أن "الاختلاف أساس" وأن "القبول أساس" .. الاختلاف أساس الرأي، والقبول أساس العلاقات الإنسانية. ولا تعارض!! رجل في كلمات الخروج على سلطان الثقافة المهيمنة، قبول الآخر والاختلاف كأساس شرعي ورحمة للبشر، الجرأة في الحق حتى لو صادم المألوف والمستقر، التأصيل اللغوي، التعامل المفتوح مع التطور العلمي والتاريخي، الرغبة في التيسير والتسامح تلك هي صفات الشيخ أحمد الكبيسي كما عرفناها عن قرب في مسامراتنا معه على مقاهي عمان التي ما زلنا نحتفظ منها بأفكار جديدة وذكرى جميلة وبقصيدة ساخرة أودعها أبيات وداع ومحبة وقفشات مداعبة !!. في منتصف التسعينيات كتبت الصحف الفرنسية تقول: إن الأدب الفرنسي كان في طريقه للموت لولا اثنان: "فرنسوا ميتران" و"أمين معلوف"! ورغم أن المبالغة واضحة فإن المقولة تكشف عن قيمة أدب أمين معلوف أحد أهم وأشهر الكتاب الفرانكفونيين، هذا هو الاسم الذي تطلقه الأوساط الأدبية والثقافية الفرنسية على مجموعة الكتاب ذوي الأصول العربية الذين يكتبون بالفرنسية. ومن هؤلاء المغربي "الطاهر بن جلون" والجزائريان "محمد ديب" و"مالك حداد" والموريتاني "محمد عبيد هوندو" والمصريون "أندريه شديد" و"ألبير قصير" و"أحمد راسم" و"جورج حنين". من الصحافة إلى الأدب ولد أمين معلوف في بيروت عام 1949، ودرس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بمدرسة الآداب العليا بالجامعة اليسوعية في بيروت، وامتهن الصحافة بعد تخرجه فعمل في الملحق الاقتصادي لجريدة "النهار" البيروتية الشهيرة التي تعتبر من أهم الصحف اللبنانية. عمل أيضا إلى جانب عمله كمحرر اقتصادي محررا للشئون الدولية بالجريدة، وهو ما أتاح له الاطلاع على الكثير من التطورات السياسية والدبلوماسية في العالم خاصة أن "غسان تويني" صاحب الجريدة ورئيس تحريرها كان من أهم رجال الدولة في لبنان في فترة الستينيات وأوائل السبعينيات إبان حكم الرئيسين "شارل حلو" و"سليمان فرنجية". وفي عام 1976 ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية ترك معلوف لبنان وانتقل إلى فرنسا حيث عمل في مجلة "إيكونوميا" الاقتصادية، واستمر في عمله الصحفي فرأس تحرير مجلة "إفريقيا الشابة" أو"جين أفريك"، وكذلك استمر في العمل مع جريدة "النهار" اللبنانية وفي ربيبتها المسماة "النهار العربي والدولي". ومنذ الثمانينيات تفرغ للأدب وأصدر أول رواياته "الحروب الصليبية كما رآها العرب" عام 1983 عن دار النشر "لاتيس" التي صارت دار النشر المتخصصة في أعماله. ترجمت أعماله إلى لغات عديدة ونال عدة جوائز أدبية فرنسية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته "ليون الإفريقي"، ورشح لجائزة "الجونكور" أكبر الجوائز الأدبية الفرنسية. ومن أهم أعماله بالإضافة لما ذكرنا "سمرقند" و"القرن الأول بعد بياتريس" و"حدائق النور" و"موانئ المشرق" "وصخرة طانيوس". لا يكفي أن نقول: إن أمين معلوف روائي كبير، أو أن نقول: إنه مرشح لنيل جائزة نوبل أو غير ذلك، فكل هذا مجرد أوصاف لا تضيف شيئا للرجل أو لأدبه، ما نريده حقا هو تحليل السمات العامة المميزة لأدب معلوف سواء أكانت تلك السمات تمثل أسلوبه في السرد، أو الخصائص الروائية المضمونية في هذا الأدب. التسامح أول سمات أدب معلوف والتي تمثل خاصية واضحة في كل أعماله وخيطا رابطا بين هذه الأعمال هي التسامح. التسامح الذي هو علاقة إيجابية بين الأنا بكل دوائرها والآخر بكل ألوان طيفه، وهذه السمة جزء من تكوين معلوف ذاته المسيحي العربي اللبناني، التسامح هنا صفة شخصية ولكنه يتحول إلى سمة أدبية في أعماله المختلفة، ففي أول أعماله: "الحروب الصليبية كما يراها العرب" يتحدث معلوف إلى المجتمعات الأوربية مناقشا المفاهيم الأساسية للحضارة ذاتها، فالحروب الصليبية في الذهنية الأوربية تعني فعلا إيجابيا، ولعلنا نتذكر كيف استخدم "بوش" هذا المفهوم في كلامه عن حملة أفغانستان وكيف أثار هذا الاستخدام ثائرة العرب والمسلمين، وربما كان ما يريده معلوف تحديدا هو تجنب مثل هذا الاستخدام وكأنه يقول للغرب: في الوقت الذي تتكلمون فيه عن إلغاء المركزية الأوربية لا بد من إعادة النظر في المفاهيم التي تعتبرونها بديهية وإعادة النظر هي بداية الطريق للتسامح. يقدم معلوف في روايته تلك الرؤية العربية للحروب الصليبية، ويوضح بأسلوب بسيط وسلس كيف أن العرب لا يرونها حروبا دينية من أجل الصليب وإنما حملات استعمارية، مشددا على المجازر التي ارتكبتها تلك الحملات في حق جميع الأديان بما فيها المسيحية. وفي رواية "ليون الإفريقي" يحكي لنا قصة الرحالة والعالم والدبلوماسي "الحسن بن محمد الوزان" النبيل الأندلسي الذي عاش الأعوام الأخيرة للمسلمين في الأندلس ثم هاجر مع أسرته إلى المغرب وقام برحلات إلى شمال إفريقيا ومصر ثم اختطفه القراصنة الإيطاليون وعاش في البلاط البابوي حيث تغير اسمه إلى "ليون دي مويتشي" وتزوج فتاة متنصرة من يهود الأندلس وأنجب منها ابنه "يوسف" أو "جوزيف" أو "جيوسبي" الذي يروي لنا قصة حياته. و"ليون" عند معلوف ليس عربيا مسلما متنصرا ثم عائدا إلى دينه الذي أقام عليه طوال فترة أَسره ولكنه شخصية أسطورية مثالية حالمة، شخصية تحلم بعالم فاضل بلا حرب تتدفق فيه المعرفة ويتبادل فيه البشر الخبرات، إنه تجسيد للتسامح. في "سمرقند" يقص علينا معلوف قصة "عمر الخيام" الشاعر العالم الأديب الفقيه، وعلاقته بالسلطة (ممثلة في نظام الملك) والمعارضة (ممثلة في الحسن بن الصباح)، الخيام مثل ليون الإفريقي، كان يصوره معلوف شخصية لا زمانية، متجردة تبحث عن عالم مثالي، ولا تحاول الاقتراب من الواقع المؤلم ولكنها تصنع لنفسها واقعها الخاص من خلال المراصد والبحث في عالم الفلك الرحيب، إنه -مرة أخرى- التسامح الفردي الإنساني الذي يتطلع إلى تسامح كوني. في "حدائق النور" يتكلم معلوف عن "ماني"، هذا الفارس الحالم بالمساواة بين البشر والطامح إلى عالم خال من الحقد والحرب والبغضاء، عالم يدعو إلى نبذ السلطة بكل أشكالها والانغماس في عالم الفن، الرسام الذي يكتب بريشته لوحات تدعو إلى الحب ويدعو أتباعه إلى التسامح بآلات الموسيقى بدلا من الحرب، يحاول التوفيق بين الإمبراطورية الساسانية الفارسية والإمبراطورية الرومانية فيكون مصيره الموت في النهاية. وفي "موانئ الشرق" يقدم البطل "عصيان كتبدار" المسلم العثماني ذو الجد الأرميني الذي ولد في تركيا وترعرع في لبنان ودرس بفرنسا، إنه المواطن العالمي الذي يجسد فكرة التسامح في أجمل وأكمل معانيها فيكون مصيره الجنون ومستشفى الأمراض العقلية الذي لا يخرج منه إلا مع الحرب في سخرية مرة ومؤلمة. وفي "القرن الأول بعد بياترس" يحكي لنا قصة عالِم الحشرات الذي يقع في غرام الصحفية ويواجهان معا نوعا من التعقيم الإجباري للشعوب؛ إنه الدواء العجيب الذي يتيح للمرأة إنجاب الذكور فقط، التسامح هنا ليس التسامح بين الشعوب ولكنه التسامح داخل النوع البشري، التسامح مع الذات عن طريق رفض أي أعراف أو تقاليد إذا كانت مدمرة للجنس البشري. المرأة رمز الخصوبة والنماء في مواجهة الرجل رمز الحرب والقوة. ومرة أخرى يطرح معلوف سؤالا: هل الحقد هو البنية الأساسية للجنس البشري؟ ويبدو التسامح عند معلوف مثل السعادة عند "ميترلنك" طائرا خرافيا، نظن أننا أمسكناه بين أصابعنا فلا يلبث أن يفر ضاحكا أو نكشف عن زيفه. هل العيب في طريقنا أم أن العيب فينا؟ هذا هو تساؤل معلوف المتكرر والذي يظل حائرا بلا إجابة يلح على الكاتب فيطرحه على القارئ دائما وأبدا. ثنائية الشرق والغرب السمة الثانية هي تلك العلاقة المراوغة بين الشرق والغرب، هل سيظل "الشرق شرقا والغرب غربا ولا يتلقيان" كما قال "كبلينج" الشاعر الإنجليزي الشهير. معلوف يحاول ردم هذا البرزخ وإقامة جسر حقيقي للتواصل بين الحضارات، إنه يرى العالم من خلال الأفراد وليس من خلال الكليات الفكرية. في "الحروب الصليبية" يكلمنا ويكلم الغرب بالأساس عن رموز المسلمين وسلوكياتهم، عن ابن منقذ الطبيب والشاعر والفقيه وعالم اللغة، وعن معين الدين أنر السياسي والدبلوماسي، وعن صلاح الدين القائد السياسي والمحارب والمفاوض والعالم.. إنه يقول لهم: لقد أقام الأجداد علاقات رغم الأحقاد فلماذا لا نفعل مثلهم؟ وفي "ليون الإفريقي" يحكي لنا عبر شخصيات مختلفة كيف يمكن لفرد أن يتنقل بين عالمين مختلفين تماما في الظاهر، ولكنه يظل هو ذاته بكل خصائصه يلعب نفس الدور المسالم الحالم في إطار الدسائس والحروب والمؤامرات والقتل والاغتصاب والاستباحة؛ استباحة القاهرة على أيدي جنود سليم خان المسلمين، واستباحة روما المسيحية على أيدي المرتزقة الألمان المسيحيين، وفي الحالتين يتأمل الحسن بن محمد الواقع من خلال موقع المشاهد الخارجي وينتهي به الحال إلى الخروج والهرب. الفرار من الواقع إلى العلم والكتب هو سبيل اللقاء بين هذين العالمين المختلفين المتشابهين. هنا يعيد معلوف في روايته التاريخية النظر في فكرة العولمة ويطرحها من خلال رؤية عالم بلا حدود به مواطن عالمي لا يتقيد ببلد ولا يستقر في وطن: "الخيّام" العالم الرحالة أو سميه الأمريكي "عمر" الذي ينتقل من أمريكا لفرنسا لتركيا لإيران بحثا عن المخطوط الحلم والحب الأسطورة. "ليون" الرحالة العالم الذي تأخذه الأقدار من الأندلس للمغرب لإفريقيا يتاجر ويحمل رسائل الملوك ثم مصر ثم إيطاليا، لا يستقر به المقام إلا عند الموت. "عصيان" المولود في إستانبول وأبوه الذي يريد له أن يكون ثوريا متمردا وأخوه المهرب الوزير وزوجته "كلارا" اليهودية الشيوعية الألمانية الفرنسية، شخصيات رحالة غير مستقرة ترفض الواقع المادي وتطلب المستحيل ولكنها عبر هذا الطلب تعيش وتترك لنا ثروة من الخبرات والتجارب الصغيرة والكبيرة ولا تكف عن الحلم. إنه المواطن العالمي غير المتكيف ولكن الباقي والمستمر الذي يحمل أملا بلا حدود في غد أفضل ربما لا يأتي أبدا. عادي ومألوف.. ومتمرد أيضا! شخصيات معلوف كلها قد تبدو شخصيات خارقة للعادة ولكنها عند التدقيق شخصيات عادية جدا؛ عمر الخيام يأكل ويحب ويبحث وينظم الشعر ويكتب الكتب ويصادق الفقهاء والأمراء والوزراء والعصاة ويحلم أبدا بعالم مثالي ويرفض كل سلطة ولكنه يعتمد على تلك السلطة كي يعيش، عصيان المجنون الذي يحتمل أن يكون جنونه وراثيا، الذي يذهب لفرنسا لدراسة الطب متمردا على رغبة والده في أن يكون قائدا ثوريا فلا يستطيع إلا أن يحقق تلك الرغبة بانخراطه في المقاومة الشعبية في النازي ليحقق في عصيانه رغبة والده. "ماني" المتمرد على أوامر الأسينيين أصحاب الملابس البيضاء الذكوريين التطهريين، الذي يدعو للحب والفن ويحاول تحقيق حلمه عبر السلطة فيكون مصيره الموت على يد تلك السلطة ذاتها. إنها شخصيات عادية مألوفة ولكنها من زاوية أخري خارقة وغير مألوفة ومتمردة تماما يتحقق تمردها عبر حياتها العادية التي تدهشنا كما تدهش الراوي، وما إن ندقق النظر فيها حتى نجد أنها كانت تحيا مثلنا. مزيج من الأدب والتاريخ هذا كله يطرحه معلوف على قارئه من خلال عدة سمات أسلوبية مميزة؛ أولها هو البحث التاريخي الدقيق. كل رواية من روايات معلوف تتضمن العديد من المعلومات الموثقة من مصادر أولية وأساسية، ففي الحروب الصليبية يعتمد معلوف على المؤرخين العرب المسلمين في عصر الحروب الصليبية كمصدر أساسي للمعلومات، ويضمن كتابه فقرات كبيرة من كتابات المؤرخين، في "سمرقند" يعتمد على الترجمات العديدة لرباعيات الخيام وعلى ترجمة حياته وعلى كتابات المؤرخين في عصره، بل ويقدم معلومات جديدة فيغير -مثلا- المعنى المتواتر لفرقة الحسن بن الصباح الحشاشين، تلك الفرقة الباطنية المجهولة في التراث الإسلامي والتي تتناثر حولها الأقاويل والأساطير الغامضة، فهو يخبرنا أن اسم Assassin الإنجليزي أو الإفرنجي بشكل عام لا يعود إطلاقًا للحشيش. فالحسن بن الصباح لم يكن يقدم لأتباعه ومريديه عقارًا مخدرا ليقتلوا أعداءهم وإنما كان يعبئهم بالإيمان الصلب والأساسي وأن الاسم الذي أطلقه عليه زعيمهم هو "الأساسيون" أي الذين يحافظون على الأساس، وأن هذا الاسم هو الذي وصل للغرب ومنه تحور وحمل الأسطورة التي عادت إلينا. في "ليون الإفريقي" يعتمد على كتابات الرجل وخاصة رحلته "وصف إفريقيا" لكنه يعتمد كذلك على كتب المؤرخين حول الأخوين "بارباروسا" و"طومانباي" و"جيوفاني دي موتشي" وغيرهم، وفي "موانئ الشرق" يعتمد على كتابات المؤرخين المعاصرين حول المقاومة السرية في فرنسا وكذلك على تطور الهجرة اليهودية لفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية. البحث يحول الرواية الخيالية إلى عالم من الواقع عن طريق التناص الواقعي والتاريخي، إنه يضفي المصداقية على الرواية ويحولها إلى تاريخ، وربما لهذا نجد التنوع في أسلوبية السرد عند معلوف في مختلف الروايات. في "الحروب الصليبية" هناك صوت الراوي المحايد البعيد، المؤرخ الذي يحاول تقديم المعلومة بحياد ولكنه يعلن منذ البداية أنه متحيز. وفي "سمرقند" يتأرجح السرد ويلف حول المخطوط المفقود الموجود حتى ينتهي الأمر إلى فقدانه التام مع تعيين موضعه بدقة في "صندوق" في قاع المحيط في حطام "التيتانيك". لذا نجد أن صوت الراوي يتراوح بين الـ(أنا) المتداخلة في الحدث مثلما يحدث عندما يسرد البطل تاريخ ومغامرات الحصول على المخطوط وقصة حبه لشيرين الأميرة الإيرانية وتلميذة السيد جمال الدين الأفغاني، وبين الـ(هو) المبتعدة عن الحدث عندما يقص علينا قصة عمر الخيام وقصة الحشاشين وقصة صعود وانهيار إمبراطورية السلاجقة. إنه يقدم في هذه الرواية نصًا متداخلا يتأرجح بين الكتابة التاريخية والتسجيل اليومي في محاولة منه لرفع درجة مصداقية النص، فالراوي في كل الأحوال ليس راوية، إنه بطل الحدث الأساسي، ألا وهو البحث عن المخطوط. في "ليون الإفريقي" يعتمد معلوف على المؤلف البطل كراوٍ ويصبح السرد بمثابة تسجيل لحوليات؛ كل حولية هي رؤية لمكان عبر الزمان والشخصية التي يحدثنا عنها الراوي المؤرخ الرحالة (ليون الإفريقي). "عام سلمى" هو عام ولادته وسلمى هي أمه ومن خلالها يقص علينا قصة الصراع بين المسلمين في غرناطة وأيامهم الأخيرة وسقوط الأندلس. "عام طومان باي" هو عام آخر المماليك السلطان الشجاع الذي اعتمد على المصريين ليرد الزحف العثماني. الرحالة المؤرخ يقوم بدوره ويتركه معلوف ليقدم لقارئه يوميات أو حوليات، قصد الرحالة أن يتركها لابنه وقصد معلوف أن يقدمها للعالم. في "موانئ الشرق" تدور الرواية بين الراوي المعجب بالشخصية الرئيسية والذي عرفها من صورتها المنشورة في كتبه المدرسية كأنه يحكي عن نفسه أي عن معلوف كراوٍ وبين البطل رغم أنفه "عصيان كتبدار" الذي يحكي لمعلوف الراوي ليزجي وقته ويرفع عن نفسه عناء الانتظار المؤلم للأمل الأخير في حياته. في الأمسيات الأربعة التي يقضيانها معًا يقص علينا معلوف على لسان "عصيان كتبدار" تاريخ الرجل منذ ولادته في الآستانة إلى رحيله للبنان إلى أفراد أسرته، جدته المجنونة وأبوه المتمرد الأبدي وأخوه المتمرد الآني وأخته المحبة التي ستقوم بدور الأم وعائلة أمه الأرمينية ورحلته إلى فرنسا ودوره في المقاومة ولقاؤه بحبيبته اليهودية التي يتزوجها بعد انتهاء الحرب وبالذات بسبب هجرتها مع خالها إلى فلسطين، وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية لنعرف في النهاية قصة هروبه إلى فرنسا بعد الحرب الأهلية اللبنانية وأنه ينتظر لقاء زوجته بعد أن طلب منها في رسالة أن يلتقيا في نفس المكان الذي جمعهما بعد الحرب لأول مرة على جسر على نهر "السين" في باريس. في أربعة أيام، ومن خلال (أنا) قلقة حائرة و(أنا) مسائلة متطلعة تحاورها لا نسمع صوتها إلا في خفوت وفي مواضع قليلة، يقص علينا معلوف رؤية خاصة جدًا، لتاريخ خاص جدًا لمنطقة عامة جدًا هي الشرق الأدنى أو الأوسط كما يسميه الغربيون. تنوع أسلوبية السرد والانتقال من الـ(أنا) إلى الـ(هو) والاعتماد على فكرة التسجيل أو اليوميات أو الحوليات أو التاريخ نجده كذلك في روايته المستقبلية "القرن الأول بعد بياتريس"، وكأنه يقول لنا: "حتى المستقبل أنا أراه كتاريخ". وهكذا يصنع معلوف المرشح لنوبل عالمه الروائي من التاريخ الشخصي والعام لمنطقته ويقدمه للقارئ الفرنسي ثم يترجم لنا كعرب. لم يتعود المواطن التركي أن يرى سياسييه بهذه الطيبة.. يفطر في بيت فقير، ويطلب من الخدم مشاركته الطعام.. وتدمع عيناه إذا سمع بكاء طفل… في رمضان يقوم عبد الله جول يوميًّا باصطحاب زوجته إلى منزل إحدى العائلات الفقيرة بالعاصمة أنقرة، كي يتناول الإفطار بينهم؛ ليطالع أحوال الشعب، وليؤكد خروجه من بين هؤلاء الفقراء وانتماءه الحقيقي لهم، وكان من الطبيعي أن تنتشر في الأشهر الأخيرة صورة "جول" وهو يقوم بعمل السَّلطة في مطبخ إحدى هذه العائلات الفقيرة التي شاركها إفطارها. إن اهتمام جول بالود والتراحم في تعامله ليس مبعثه الدعاية الانتخابية، ولا هي مجرد صور تلتقط للشهرة، ولكنها خلق أصيل -على ما يبدو- من حديث محمد أردوغان وهو بستاني يعمل في فيلا لأحد أصدقاء جول بإستانبول الذي قال: "في الصيف الماضي جاء عبد الله جول لزيارة صاحب المنزل، وكان وقت الصباح فساعدت في إعداد مائدة الإفطار في الحديقة، وعندما بدأ الجميع في تناول الطعام، انصرفت ناحية الحديقة لأقوم بعملي الروتيني، فوجئت بعبد الله جول ينادي علي باسمي، هرعت عائدا للمكان معتقداً بأنه سيطلب مني القيام بعمل ما أو أن شيئا في الأكل لم يعجبه، ولكني فوجئت به يدعوني لتناول الطعام مع أهل المنزل، فاعتذرت قائلا: "لقد تناولت فطوري قبلكم.. شكرا لك" لكنه أصرّ، فقلت له سأشرب الشاي بعد انتهائكم من الطعام، ولكنه كان مصرا فاضطررت للمشاركة فلم يكن أمامي غير القبول بعدما وجدت جول مُصرًّا، لا أستطيع نسيان هذا الموقف، لقد كنت أعتقد بأنه من كبار القوم وعلى الأكثر سيقول لي تعال لتأخذ بعض الطعام وتنصرف.. ويضيف محمد: تعودنا من كبار القوم ألا يلتفت أحدهم لأمثالنا من طبقات الشعب، ولكنه أثبت بحق أنه ابن محافظة قيصري، كما أثبت أنه رجل مسلم بحق وجدير بالاحترام أيضًا". الأمير ينشق عن الملك يعد عبد الله جول واحداً من أبرز العناصر الشابة التي ظهرت في حزب الرفاة (المحظور) عام 1991 كعضو برلماني عن محافظة قيصري بوسط الأناضول التركي، لدرجة أن الإعلام التركي قد أطلق عليه تعبير "أمير" -على أساس أنه أحد الشباب المقربين من أربكان الملك- فقد عينه وزيرا للدولة للشؤون الخارجية وقضايا العالم الإسلامي، ومتحدثاً رسميا في الحكومة الائتلافية التي تشكلت بين عامي 96-1997م. ولم يمنع احترام جول لأستاذه قوطان وزعيمه أربكان من الاختلاف معهم في الرأي وأن يقوم هو والطيب أردوغان بقيادة حركة تجديدية داخل التيار الإسلامي في تركيا، وبالفعل ترشح جول في مايو 2000 لرئاسة الفضيلة ضد قوطان في سابقة تاريخية في الأحزاب الإسلامية أن يتنافس أكثر من مرشح، لكن تأييد أربكان الزعيم الإسلامي التاريخي لخليفته قوطان أفشل مساعي التجديديين في النجاح.. فأعلن جول عن قيام حزب العدالة والتنمية عام 2001م. أول خطوات المشوار ولد عبد الله جول بمحافظة قيصري في 26/10/ 1950م، لوالده أحمد حمدي جول الذي يعمل في مصنع الطائرات بقيصري، وهي من المحافظات الشهيرة بالتمسك بالإسلام والعادات والتقاليد الشرقية، حيث كانت قيصري أحد أهم مراكز الثقافة الإسلامية القديمة التي ذاع صيتها أيام الدولة السلجوقية (1071 – 1299م). بعد انتهائه من التعليم الابتدائي بمدرسة غازي باشا، والثانوي بمدرسة الأئمة والخطباء، تخرج في كلية الاقتصاد جامعة إستانبول عام 1972 ثم حصل على درجة الماجستير، وذهب بين 76-1978 لجامعة لندن لجمع المادة العلمية اللازمة لرسالة الدكتوراة؛ مما مكنه من إجادة الإنجليزية تماما. وفور عودته من إنجلترا وحصوله على درجة الدكتوراة في موضوع: تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي، عيّن مدرسا للاقتصاد بقسم الهندسة الصناعية بجامعة سقاريا بتركيا، لكنه ما لبث في 1980 أن ألقي القبض عليه من قبل الشرطة العسكرية، وفقا لتعليمات الجنرال كنعان إيفرن بتهمة الانتماء لمجموعة "السنجق"، وبينما كان في الأيام الأولى لزواجه من "خير النساء" فإنه كان يقضي عدة أشهر بسجن "متريس" الشهير في إستانبول. عمل من 83-1991 في بنك التنمية الإسلامي بجدة كخبير اقتصادي، مما مكنه من الإلمام بالعربية، وفي عام 1991 حصل على درجة أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي. سوابق سياسية أم هبوط بالمظلة؟ لم يهبط جول لرئاسة الوزارة بالمظلة.. لكنه رجل ذو تاريخ سياسي حافل.. ففي مرحلة مبكرة من شبابه انضم لمجموعة أطلق عليها "نادي فكر الشرق الكبير"، كما كان عضوا في "اتحاد الطلاب الأتراك"، وانتخب عضوا برلمانيا لحزب الرفاه عن محافظة قيصري 1991، ثم مسؤول العلاقات الدولية بحزب الرفاه 1993، ومن 1995- 2001 كان عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي. حصل على ميدالية شرفية كعضو دائم بالمجلس الأوروبي، كما مثل تركيا في برلمان الدول الأعضاء بحلف الأطلنطي، وطالما عبر عن دعمه في البرلمان لقضايا دول مسلمة مثل: الجزائر، والبوسنة، والشيشان، كما يصفه البعض بأنه أحد مهندسي مشروع حكومة حزب الرفاه "مجموعة الثمانية الاقتصادية الإسلامية". انضم لحزب العدالة والتنمية بعد إغلاق حزب الفضيلة أغسطس 2001 وهو نائب رئيس الحزب للشؤون القانونية والعلاقات الدولية. مؤثرات في حياته لقد شب عبد الله فرأى والده أحمد حمدي جول الأناضولي المتديّن، عضوا في حزب السلامة الوطنى بزعامة أربكان، وعضوا مرشحا للمجلس النيابي في 1973، كما يمكن أن نقول إنه تربى على أفكار الزعيم نجم الدين أربكان، فقد كان عبد الله شابا واعيا في التاسعة عشرة حين بدأ أربكان حملته عام 1969 للحفاظ على الهوية الشرقية الإسلامية لتركيا؛ ولذا فإنه انضم لحزب الرفاه عند ظهوره، لأنه وجد في أربكان الزعيم الذي يحلم به وفي الرفاه الحزب الذي يرضي حسه الإسلامي. واللافت للنظر أن ممن أثروا على جول كذلك عدد من الأدباء والشعراء مثل الشاعر جميل مَريتش، وكذلك الشاعر الراحل/ نجيب فاضل الذي تربى على يديه جيل مسلم بأكمله في تركيا، وقد كان أول تعرفه عليه حين ذهب نجيب فاضل لمحافظة قيصري في لقاء فكرى وثقافي مدعواً من قبل نادى فكر الشرق الكبير الذي كان جول أحد أعضائه، كما أثرت فيه عدة شخصيات أكاديمية مثل الدكتور/ نوزت يالجين طاش، الذي منحه درجة الدكتوراة في الاقتصاد، وكذا رجل الاقتصاد الدكتور/ صباح الدين زعيم. لا يحب الرئاسة لكنه جدير بها يبدو أن هاجس رئاسة الوزراء كان يدور في خلده، بل إن الجميع كان يتوقع وصوله لهذا المنصب فقبل أيام قليلة من الانتخابات تناول معه رجل الأعمال مصطفى قيلنش الإفطار وحكى عن هذا اللقاء قائلا: "دار حولنا حوار حول منصب رئيس الحكومة، فقال لي: لقد أعددت نفسي جيّدًا لهذا اليوم". يعد جول سياسيا مسالمًا لم يعرف عنه خلال تاريخه الطويل في العمل السياسي والطلابي أنه شارك في أي أعمال عنف على الرغم من تورط كثيرين في مثل هذه الأعمال ومن أشهرها أعمال العنف بين الفصائل السياسية التي اجتاحت تركيا بين سنوات 68-1971 وكذلك الصراع السياسي الذي اندلع بين التيارات السياسية داخل الجامعات بين حقبتي الستينيات والسبعينيات. إن عدم الميل للشدة هو الذي جعل عبد الله جول، يتصرف بهدوء أمام منع زوجته من القيد بالجامعة بحجة ارتدائها الحجاب.. ويوّجه انتقادات للحكومة والنظام من مدخل الحريات الشخصية حتى لا يصطدم بالدستور العلماني إذا انتقد من مدخل فرضية الحجاب. حرص جول على إحياء المناسبات القومية التركية ولم ير في الاهتمام بها ما يتنافى مع أفكاره الإسلامية، فقد ظل ينظم الرحلات الجامعية لطلابه لمضيق "شناق قلعة" في ذكرى انتصار القوات التركية على الاعتداء اليوناني الغربي في الحرب العالمية الأولى، بهدف احتلال إستانب ول. أفضل صورة لرئيس وزراء تركي لم يتعود المواطن التركي البسيط أن يرى سياسييه بهذا التواضع وهذه الطيبة؛ ولذا فإن أكثر الصور انتشارًا في الأيام الأخيرة بين الشباب التركي كانت لجول حين كان يمر بقرب مدرسة ابتدائية، وما إن رآه الصغار حتى اندفعوا إلى أحضانه في مظاهرة حب.. واستفتاء بريء على شعبية الرجل ورصيده في القلوب. هو صنف من الناس نحّى رغباته ومطالبه الذاتية وصعد ربوة عالية لينظر إلى حاجات مجتمعه ومتطلبات أمته.. رسم طريقه ليكون جهادًا في خدمة هذا المجتمع ورفعة هذه الأمة، ودفاعًا عن هذه الأرض.. حول سنوات عمره إلى وقود يضيء للعوام من البشر طريقهم ويمنحهم جزءًا من عزتهم المفقودة. المجاهد حافظ سلامة رجل من هذا الطراز؛ فها هو يبلغ من العمر 78 عامًا وما زالت قضايا الأمة وخدمة المجتمع هي هاجسه الأول والأخير، فلم يكتف بذكريات نصر حققه ورجال المقاومة في السويس حين تصدوا لمحاولات إسرائيل احتلال المدينة في حرب أكتوبر 1973 بل كانت حياته عطاء دائمًا ومتجددًا دون كلل أو ملل من أجل إضاءة شمعة في تلك الأيام والليالي من تاريخ الأمة التي اعتراها سواد كاحل. وفي هذا الملف تلتقي والمناضل المصري حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية في مدينة السويس الباسلة إبان حرب أكتوبر؛ لنتعرف على جانب من حياته الثرية بالأحداث والمواقف الملتهبة.. ونشاهد فصول ملحمة المقاومة في السويس ( 28 رمضان). كان المتوقع أن يدّعي البطولة ويقول إنه عرض نفسه للاغتيال، وإنه تصدى لفوهة مسدس رجل الأمن الذي طلب منه أن يترك آله التصوير الخاصة به، ولكنه أخبرني أنه أصيب بإغماءة من هول المفاجأة، وأنه لم يدر أنه سيكون المصور الوحيد الذي يلتقط صورتين بالألوان لحادثة اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في العرض العسكري الشهير. إنه محمد رشاد القوصي المصور العالمي الشامل الذي نقلت عنه كل وكالات الأنباء صورتيه الملونتين لحادثة اغتيال السادات، سوف يحيرك صدقه وإيمانه المطلق بأن التوفيق والحظ حالفاه كثيرا، خاصة في ذلك اليوم الذي غير تاريخه الصحفي، وساقه للعالمية بعدما ظن أنه لم يلتقط أي صورة لحادثة الاغتيال، وأرسل صور العرض العسكري لوكالة الأنباء التي كان يعمل لديها؛ ليفاجأ بجواب تهنئة يخبره بأن له صورتين لحادثة الاغتيال التقطتهما يداه المحترفة في غياب عقله. مصور منذ الصغر بدأ محمد القوصي التصوير وهو في العاشرة من عمره عندما كان في منزل جده لأمه الشيخ محمود القوصي رئيس المحكمة العليا الشرعية في منطقة الحلمية الجديدة بالقاهرة، وكان يستعير كاميرا التصوير الخاصة بخاله أو أبيه، وكان يستخدمها لتصوير عائلته أو إخوته الذين يكبرهم ليلتقط لهم الصور أعلى سطح منزلهم أو في حديقة جامع الرفاعي الذي يقع بالقرب من منزله، وكان يشتري الفيلم بثلاثة قروش ويطبعه بأربعة قروش من مصروفه الخاص، وكان يطبع أفلامه عند المصورين الأرمن في ميدان العتبة وشارع عبد العزيز، وكان يراقبهم ويعجب بعملهم. وقد ارتبط القوصي بالتصوير منذ طفولته، وفي المدرسة الثانوية انضم إلى جماعة التصوير التي أنشاها مدرس التربية الفنية بمدرسته، والتي كانت أولى خطواته لاحتراف التصوير، وقد تتلمذ فيها أيضا اللواء عبد الفتاح رياض، وهو أول مؤلف لكتاب في التصوير الفوتوغرافي في مصر وهو كتاب "آلة التصوير"، ولكن القوصي حرص على أن تكون دراسته فنية، بينما انضم زميله في الجماعة عبد الفتاح رياض لكلية البوليس، وفي بداية حياته التقط صورة جميلة للملك فاروق وهو يضع الورد على قبر والده الملك فؤاد بمسجد الرفاعي بعدما تسلل من حرسه وهرب من الرقابة المشددة عليه. الصدفة مدخله لعالم الصحافة عقب تخرجه في الجامعة عمل القوصي مدرسا بمدرسة ملحقة بدار للأيتام في منطقة العباسية واستمر بها سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة الدرب الأحمر الابتدائية في منطقة باب الخلق القديمة بالقاهرة. وفي عام 1946 نشرت له أول صورة صحفية وكانت لوزير المعارف الإيراني ووزير المعارف المصري، وكانا في زيارة لقبر الملك فؤاد بالقرب من منزله، وعندما رأى الشاب رشاد الموكب توجه إليه والتقط لهما صورتين وطبعهما في معمله المتواضع بمنزله، ثم توجه بهما إلى جريدة الأهرام وعرضهما على المسئول آنذاك "نجيب كنعان" وسلمه الصورتين بعد أن كتب عليهما "تصوير القوصي"، ونشرت إحداهما في اليوم التالي لتكون أول اتصال له بعالم الصحافة. وبعدها بعامين عرض عليه الشيخ حسن البنا الذي كان يسكن نفس شارعه العمل معه في جريدة "الإخوان المسلمين" التي كان يعتزم إصدارها، فقبل القوصي عرضه على أن يعمل بها بعد الظهر، وبالفعل استمر القوصي مصورا للإخوان حتى اغتيال حسن البنا وإغلاق الجريدة، ولكنه سرعان ما استأنف عمله كمصور صحفي بعدما طلبه صديقه "أرشاك مصرف" وهو مصور أجنبي مشهور للعمل بجريدة "الزمان" و"جورنال دي إيجيبت" اللتين تصدران عن مؤسسة صحفية واحدة، ويملكهما "إدجار جلاد" أحد رجال الملك، وذلك مقابل 25 جنيها، بينما كان يتقاضى من التدريس 10 جنيهات فقدم استقالته من المدرسة فورا. أول مصور عسكري كان القوصي ينتظر مجده في حرب 1948؛ فحين اندلعت الحرب انتدب القوصي بأمر من رئيس الوزراء النقراشي باشا ووزير الحربية محمد حيدر؛ للعمل على الجبهة بعد رفض كل المصورين الأجانب الذين كانوا يحتكرون مجال التصوير آنذاك، وكان القوصي هو أول مصور عسكري عربي يذهب إلى الحرب ممثلا لوزارة الدفاع التي كانت تتولى توزيع الصور على الجرائد والوكالات؛ لتنشر صوره في كل أنحاء العالم، وكان معه مصور مصري واحد هو حسن مراد من جريدة "مصر الناطقة"، وعاد القوصي من الجبهة بعد الهدنة المصرية إلى جريدته "جورنال دي إيجيبت" بعدما تألق نجمه وعلا صيته، وارتفع راتبه المصري كذلك إلى 40 جنيها، واستمر بها حتى مارس 1952 عندما فوجئ بقرار إنهاء خدمته ومعه شيك بـ 500 جنيه دون سبب يذكر!! ولكن رشاد المصور اللامع لم يحزن لهذا القرار لثقته الكبيرة في إمكاناته وقدراته التي ستفرض نفسها في أي مكان، وبالفعل ترك جريدته التي تبعد حوالي 100 متر عن أخبار اليوم، ودخل لصديقه الصحفي والشاعر الموهوب كامل الشناوي بأخبار اليوم، وأطلعه على خطاب إنهاء خدمته، وطلب منه العمل لديه؛ فتحدث الشناوي إلى رئيس التحرير مصطفى أمين بشأنه فوافق عليه لشهرته، وطلب منه الرجوع لمحمد يوسف رئيس قسم التصوير في أخبار اليوم، ويستعيد القوصي ذكرياته قائلا: "عندما دخلت ليوسف وجدت عنده رجلا لا أعرفه، ودون أن يكلمني يوسف أعطاني كاميرا وفلاش وأفلاما، وطلب مني الخروج مع هذا الرجل -وكان محمد الليثي- وفي اليوم التالي كانت صوري تتصدر الصفحة الأولى لأخبار اليوم". ومكث القوصي بأخبار اليوم حتى 1960 عندما وشى به زملاؤه لرئيسه محمد يوسف، وقالوا: إنه مقصر في عمله لانشغاله بالتصوير التليفزيوني، ولكنه كان دائما يشعر بأن الله لن يضيعه، ويعلق قائلا: "سبق أن فصلت من جريدتي، وبعد ساعة وجدت مكاني في واحدة من كبريات المؤسسات الصحفية"! كان القوصي قد تعلم التصوير التليفزيوني على يد مصرف عام 1957 الذي كان يعمل لمحطات أجنبية عديدة -وكان التصوير التليفزيوني مقتصرا على المصورين الأجانب في ذلك الوقت- وبدأ القوصي العمل في التليفزيون وهو لا يزال في أخبار اليوم، عندما تعاقد مع محطة تليفزيون لندنية تجارية هي "Independent Television News"، وكان يتقاضى منها 100 إسترليني في الشهر، هذا بالإضافة لعمله لدى العديد من المحطات الأجنبية ووكالات الأنباء. وقدم القوصي استقالته من أخبار اليوم بعدما وصله خطاب من مدير عام مؤسسة أخبار اليوم يطالبه بالتفرغ لأخبار اليوم مقابل علاوة 10 جنيهات، فوجدها القوصي صفقة خاسرة: أن يترك محطة التليفزيون اللندنية التي يتقاضى منها 100 جنيه إسترليني مقابل 60 جنيها مصريا، وحتى لا يخسر العمل في كل هذه الأماكن التي كان يجمع بينها في ذات الوقت. مصور الرؤساء وكأن القوصي كان -كحظه دائما- على موعد مع النجاح؛ فقد استدعاه سعد لبيب في التليفزيون، وطلب منه العمل معه في التليفزيون المصري، وبالفعل دخل القوصي التليفزيون منذ افتتاحه في يوليو 1960، وفي التليفزيون بدأ نجم القوصي يصعد بسرعة؛ فقد ارتبط القوصي بالرئيس الراحل عبد الناصر، وكان مصوره التليفزيوني الذي رافقه في كل رحلاته، وزاول العمل بالتليفزيون إلى جانب العمل في الوكالات التي كانت مصدر دخله الرئيسي، وفي 1975 ترك التليفزيون للتفرغ لوكالة الأخبار التليفزيونية "ديزني نيوز" بعدما عرضت عليه الوكالة مرتبا مغريا جدا وطلبت منه التفرغ، فطلب إجازة بدون مرتب من التليفزيون. وكانت حادثة اغتيال السادات نقطة التحول في حياته بصورتيه اللتين دخل بهما زمرة المصورين العالميين بعدما نشرت هذه الصور في معظم الجرائد والمجلات العالمية، وتناقلتها شاشات التليفزيون ووكالات الأنباء وذاع صيته، وبعد هذه الحادثة فضل القوصي التفرغ للعمل لوكالات الأنباء الفرنسية جاما وسيجما كمصور فوتوغرافي، وفي 1983 أحيل للمعاش ليعود هاويا كما بدأ حياته مع عشيقته الكاميرا. صداقة الكامي را ويحكي لنا الفنان بعضا من المواقف الطريفة التي جمعته بأصدقاء المهنة الواحدة؛ فيقول: كنت في القصر الجمهوري لتغطية زيارة وزير إسرائيلي، فطلب مني زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية تصوير الضيف لعدم وصول مصور الرئاسة "فاروق إبراهيم"، وقبلت، ولكن فاروق حضر في اللحظة الأخيرة فحمدت الله، وبالفعل أنهيت التصوير أنا وفاروق، ولكنه اكتشف عدم وجود فيلم في الكاميرا الخاصة به، فطلب مني أن أعيره فيلمي الذي التقطته، وفي اليوم التالي ظهرت صوري في كل الصحف تحت اسم "فاروق إبراهيم"، ولم أحزن؛ لأنني أعلم أنه سوف يحفظ لي معروفي، وحدث بالفعل. ويستطرد:" كان لنا زميل إسكندراني (من الإسكندرية) كان يغطي مباراة لفريق الاتحاد السكندري في القاهرة، وبمجرد إحراز فريقه هدفا رمى بالكاميرا وأخذ يصفق، وبعد انتهاء المباراة طلب مني صور الأهداف فأعطيتها له". والقوصي في صوره فنان أصيل يرى بعينه الثاقبة ما يخفى على كثيرين، وهو يتحاور بذكاء مع عدسته؛ يديرها في كل اتجاه ليقتفي بها أثر الحدث سعيا للانفراد؛ ففي أحد الأيام طلب منه الصحفي الكبير مصطفى أمين تصوير الملكة زين زوجة الملك طلال وأم الملك حسين ملك الأردن في المطار، وكانت قادمة في زيارة سرية لزوجها في مستشفى بهمان للأمراض النفسية في المعادي، وكان التصوير ممنوعا، وفي المطار استطاع أن يلتقط لها صورتين نادرتين، لكن حرس المطار أوقفه وأخذ منه الفيلم، لكنه عاد مطمئنا لجريدته بعدما أحرز سبقا صحفيا؛ لأنه قام بتغيير الفيلم قبل أن يلقي حرس المطار القبض عليه، وفي اليوم التالي تصدرت صورة الملكة الصفحة الأولى. والقوصي حتى الآن -وبالرغم من إتمامه الثمانين في أول ديسمبر الجاري- يمتلك تركيزا عاليا وذهنا حاضرا، وكانت آخر انفراداته في يوليو 2003 وهي صورة لـباب زويلة وهو مغلق نشرت بجريدة الأهالي. وقد تأثر القوصي بأرشاك مصرف الذي كان أباه الروحي في عالم التصوير الفوتوغرافي ومعلمه فن التصوير التليفزيوني، ومحمد يوسف أستاذه في أخبار اليوم. وعشق القوصي الفنان التصوير أيا كان نوعه وأيا كان مكانه؛ فكان يسعى للتعلم والاحترافية في عمله، كما أنشأ الجمعية المصرية للتصوير الفوتوغرافي لتكون مدرسة تجمع كل محبي التصوير، وتولى رئاستها أكثر من 5 مرات، وهو حاليا مستشار بها. ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته "القوس العذراء"، ومحقق بارع لكتب التراث، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا. غير أن العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية. البداية والتكوين ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وقد نشأ في بيت علم، فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909-1913م)، واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919م، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة. انصرف محمود شاكر -وهو أصغر إخوته- إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: الكامل للمبرد، والحماسة لأبي تمام. المواجهة الخافتة وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك. وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث. وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث. وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة. اكتشاف المتنبي وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد. والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354هـ الأول من يناير 1936م، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد. وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، فقال بعلوية المتبني وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه. وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي"، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطيا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان "بيني وبين طه حسين". مع سيد قطب والإخوان وبعد وفاة مصطفي صادق الرافعي بعام أشعل سيد قطب معركة أدبية على صفحات الرسالة سنة 1938م، اندفع إليها بحماس الشباب دون روية، ومتأثرا بحبه الشديد وإعجابه الجامح بالعقاد، فهاجم أدب الرافعي وجرده من الإنسانية، والشاعرية واتهمه بالجمود والانغلاق، فثار محبو الرافعي على هذا الهجوم الصارخ، وقاد شاكر الدفاع عن شيخه وفند ما يزعمه سيد قطب، ودخل معه في معركة حامية لم يستطع الشهيد سيد قطب أن يصمد فيها. ثم تجددت المعركة بينهما بعد سنوات طويلة حين كتب سيد قطب مؤلفه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكان سيد قطب قد بدأ مرحلة التحول إلى الفكر الإسلامي، وحمل الكتاب ما اعتبر نقدا وتجريحا لبعض الصحابة، فانتفض شاكر وكتب مقالة شهيرة في مجلة "المسلمون" تحت عنوان " لا تسبوا أصحابي" سنة 1952م. وهذا يجرنا إلى محاولة معرفة الموقف السلبي الذي اتخذه شاكر من جماعة الإخوان المسلمين، وكان شديد الهجوم عليهم، ولا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فهل كانت المعركة بينه وبين سيد قطب من أسباب ذلك؟! وهل الذين اتصلوا به من جماعة الإخوان كان لهم دور في توسيع الخلاف بينه وبينهم؟! ويجدر بالذكر أنه حين أنشئت داخل جماعة الإخوان المسلمين لجنة الشباب المسلم للتفرغ للدرس والبحث وبعيدا عن الانشغال بالنشاط الحركي، اتصلت بمحمود شاكر، وكان في برنامجها أن يقوم بتدريس السيرة النبوية لها بناء على اقتراح من المرشد العام حسن البنا، وعقدت عدة لقاءات، وعلى الرغم من هجوم شاكر على حسن البنا، فإن الأخير كان يصر على إتمام هذه اللقاءات للاستفادة من علم الأديب الكبير دون أن يتأثر بما يقوله عنه. العالم الإسلامي في بيت شاكر كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته، يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإبراهيم شبوح، فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله الطيب. وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي. وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى. أباطيل وأسمار وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان "على هامش الغفران" وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه. وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي. وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965م، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين. معارك فكرية أخرى وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة" 7 مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي "تأبط شرا" وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة، وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم. ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء". تحقيق كتب التراث يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري (16 جزءا)، طبقات فحول الشعراء (مجلدان)، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه" وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه". صاحب رسالة لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته. وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله. ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا". ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب. وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة. وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر. أحمد حسن الزيات واحد من الكوكبة العظيمة التي تبوأت مكان الصدارة في تاريخ الثقافة العربية، وَلَج هذه الكوكبة ببيانه الصافي، وأسلوبه الرائق، ولغته السمحة، وبإصداره مجلة "الرسالة" ذات الأثر العظيم في الثقافية العربية. ولد الزيات بقرية "كفر دميرة القديم" التابعة لمركز "طلخا" بمحافظة "الدقهلية" بمصر في (16 من جمادى الآخرة 1303 هـ= 2 من إبريل 1885م)، لأسرة متوسطة الحال، تعمل بالزراعة، وكان لوالده نزوع أدبي، وتمتّعت أمه بلباقة الحديث وبراعة الحكي والمسامرة، وتلقى تعليمه الأوّلي في كُتّاب القرية، وهو في الخامسة من عمره، فتعلم القراءة والكتابة، وأتمّ حفظ القرآن الكريم وتجويده، ثم أرسله أبوه إلى أحد العلماء في قرية مجاورة، فتلقى على يديه القراءات السبع وأتقنها في سنة واحدة. الزيات في الأزهر التحق الزيات بالجامع الأزهر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكانت الدراسة فيه مفتوحة لا تتقيد بسن معينة، ولا تلزم التلاميذ بشيخ محدد، وإنما كان الطلاب يتنقلون بين الأساتذة، حتى إذا آنس أحدهم ميلاً إلى شيخ بعينه؛ لزمه وانصرف إليه. وظل الزيات بالأزهر عشر سنوات، تلقى أثناءها علوم الشريعة والعربية، غير أن نفسه كانت تميل إلى الأدب، بسبب النشأة والتكوين، فانصرف إليه كليةً، وتعلق بدروس الشيخ "سيد علي المرصفي" الذي كان يدرّس الأدب في الأزهر، ويشرح لتلاميذه "حماسة" أبى تمام، وكتاب "الكامل" للمبرّد، كما حضر شرح المعلقات للشيخ محمد محمود الشنقيطي، أحد أعلام اللغة البارزين. وفي تلك الأيام اتصل بطه حسين، ومحمود حسن الزناتي، وربطهم حب الأدب برباط المودة والصداقة، فكانوا يترددون على دروس المرصفي الذي فتح لهم آفاقًا واسعة في الأدب والنقد، وأثّر فيهم جميعًا تأثيرًا قويًا، وكانوا يقضون أوقاتًا طويلة في "دار الكتب المصرية" لمطالعة عيون الأدب العربي، ودواوين فحول الشعراء. الزيات معلمًا لم يستكمل الثلاثة دراستهم بالجامع الأزهر، والتحقوا بالجامعة الأهلية التي فتحت أبوابها للدراسة في سنة (1329 هـ= 1908م) وكانت الدراسة بها مساء، وتتلمذوا على نفر من كبار المستشرقين الذين استعانت بهم الجامعة للتدريس بها، من أمثال: نللينو، وجويدي، وليتمان. وكان الزيات أثناء دراسته بالجامعة، يعمل مدرسًا بالمدارس الأهلية، وفي ذات الوقت يدرس اللغة الفرنسية التي أعانته كثيرًا في دراسته الجامعية حتى تمكن من نيل إجازة الليسانس سنة (1331هـ= 1912م). التقى الزيات وهو يعمل بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية في سنة (1333هـ= 1914م) بعدد من زملائه، كانوا بعد ذلك قادة الفكر والرأي في مصر، مثل: العقاد، والمازني، وأحمد زكي، ومحمد فريد أبو حديد، وقد أتيح له في هذه المدرسة أن يسهم في العمل الوطني ومقاومة المحتل الغاصب، فكان يكتب المنشورات السرية التي كانت تصدرها الجمعية التنفيذية للطلبة في أثناء ثورة 1919م، وكانت تلك المدارس من طلائع المدارس التي أشعلت الثورة وقادت المظاهرات. وظل الزيات يعمل بالمدارس الأهلية حتى اختارته الجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيسًا للقسم العربي بها في سنة ( 1341 هـ= 1922م)، وفي أثناء ذلك التحق بكلية الحقوق الفرنسية، وكانت الدراسة بها ليلاً، ومدتها ثلاث سنوات، أمضى منها سنتين في مصر، وقضى الثالثة في فرنسا حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس في سنة (1344هـ= 1925). وظل بالجامعة الأمريكية حتى اختير أستاذًا في دار المعلمين العالية ببغداد (1348 هـ= 1929م) ومكث هناك ثلاث سنوات، حفلت بالعمل الجاد، والاختلاط بالأدباء والشعراء العراقيين، وإلقاء المحاضرات. مجلة الرسالة بعد عودة الزيات من بغداد سنة (1351هـ= 1933م) هجر التدريس، وتفرغ للصحافة والتأليف، وفكّر في إنشاء مجلة للأدب الراقي والفن الرفيع، بعد أن وجد أن الساحة قد خلت باختفاء "السياسة" الأسبوعية التي كانت ملتقى كبار الأدباء والمفكرين، وذات أثر واضح في الحياة الثقافية بمصر، وسانده في عزمه أصدقاؤه من لجنة التأليف والترجمة والنشر. وفي (18 من رمضان 1351 هـ= 15 من يناير 1933) ولدت مجلة الرسالة، قشيبة الثياب، قسيمة الوجه، عربية الملامح، تحمل زادًا صالحًا، وفكرًا غنيًا، واستقبل الناس الوليد الجديد كما يستقبلون أولادهم بلهفة وشوق؛ حيث كانت أعدادها تنفد على الفور. وكانت المجلة ذات ثقافة أدبية خاصة، تعتمد على وصل الشرق بالغرب، وربط القديم بالحديث، وبعث الروح الإسلامية، والدعوة إلى وحدة الأمة، وإحياء التراث، ومحاربة الخرافات، والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة، والجملة البليغة. وقد نجحت الرسالة في فترة صدورها، فيما أعلنت عنه من أهداف وغايات، فكانت سفيرًا للكلمة الطيبة في العالم العربي، الذي تنافس أدباؤه وكُتّابه في الكتابة لها، وصار أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها، فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة؛ فقد أصبح من كُتّاب الرسالة. وأفسحت المجلة صفحاتها لأعلام الفكر والثقافة والأدب من أمثال العقاد، وأحمد أمين، ومحمد فريد أبو حديد، وأحمد زكي، ومصطفي عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي الذي أظلت المجلة مقالته الخالدة التي جُمعت وصارت "وحي القلم". وربت الرسالة جيلا من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي، فتخرج فيها: محمود محمد شاكر، ومحمد عبد الله عنان، وعلي الطنطاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في (29 من جمادى الآخرة 1372هـ= 15 من فبراير 1953م). الزيات أديبًا يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة، وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير، والثلاثة الآخرون هم: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، والعقاد، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين، فيقول: "والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندسة، والجملة المزدوجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتاب عصرنا". وعالج الزيات في أدبه كثيرًا من الموضوعات السياسية والاجتماعية، فهاجم الإقطاع في مصر، ونقد الحكام والوزراء، وربط بين الدين والتضامن الاجتماعي، وحارب المجالس الوطنية المزيّفة، وقاوم المحتل، وعبّأ الشعب لمقاومته، ورسم سبل الخلاص منه.. يقول الزيات: "إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد، وكلماتها من نار، فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة، وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل، أو تضعوا القيود في رِجل الأسد، أو تلقوا الماء في فم البركان، فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة، إذا هاج لا يُقْدَع، وإذا وقع لا يُدْفَع، لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل، وصبرنا حتى مللنا الصبر، والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب، ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار". وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددًا من الكتب، أقدمها: كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وصدر سنة (1335 هـ= 1916م)، ثم أصدر "في أصول الأدب" سنة (1352هـ= 1934م)، و"دفاع عن البلاعة" سنة (1364 هـ= 1945م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي، قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي. ثم جمع الزيات مقالاته وأبحاثه التي نشرها في مجلته، وأصدرها في كتابه "وحي الرسالة" في أربعة مجلدات، أودعها تجاربه ومشاهداته وانفعالاته وآراءه في الأدب والحياة والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى ما صوّره بقلمه من تراجم لشخصيات سياسية وأدبية. ولم يكن التأليف وكتابة المقالة الأدبية هما ميدانه، بل كان له دور في الترجمة الراقية، ذات البيان البديع، فترجم من الفرنس ية "آلام فرتر" لجوته سنة ( 1339هـ= 1920م) ورواية "روفائيل" للأديب الفرنسي لامرتين، وذلك في أثناء إقامته بفرنسا سنة (1344هـ= 1925م). وقد لقي الزيات تقدير المجامِع والهيئات العربية، فاختير عضوًا في المجامع اللغوية في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وكرّمته مصر بجائزتها التقديرية في الأدب سنة (1382هـ= 1962م). وعاش الزيات بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، فلم ينضم إلى حزب سياسي يدافع عنه، مثل العقاد وهيكل وطه حسين، ولم يدخل في خصومه مع أحد، ولم يشترك في المعارك الأدبية التي حفلت بها الحياة الثقافية في مصر؛ فقد كان هادئ النفس، وديع الخلق، ليّن الجانب، سليم الصدر. وظل الزيات محل تقدير وموضع اهتمام حتى لقي ربه بالقاهرة في صباح الأربعاء الموافق (16 من ربيع الأول 1388 هـ= 12 من مايو 1968م) عن ثلاثة وثمانين عامًا. ازدهر تحقيق التراث العربي في مصر في مطلع القرن العشرين منذ أن حمل رايته شيخ العروبة أحمد زكي باشا، فأضاء طريقًا وعبّد نهجًا سلكه مِن بعده نفر كرام من حملة العلم وأئمته، فأخرجوا للناس كنوز أمتهم المخبوءة، ويسروا لهم الوقوف على التراث، حتى يتصل الحاضر بالماضي، وينتقل علم السلف إلى الخلف في سلامة وأمان، بعيدًا عن التصحيف والتحريف. وحمل هذه الأمانة أعلام بررة من أمثال أحمد محمد شاكر ومحمود محمد شاكر ومحيي الدين عبد الحميد، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر ومحمد أبو الفضل إبراهيم... وهؤلاء الأفذاذ كانوا أشبه الناس بعلمائنا القدامى في سعة العلم ورحابة الأفق ورجاحة العقل، وعت صدورهم علوم العربية، فهي تنثال على أقلامهم دون كدّ أو تعب، وكتبوا صفحات مشرقة في صحائف الثقافة العربية. وتتلمذ على هذا الجيل عدد من أبناء العربية النابهين من أمثال عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود علي مكي، وإحسان عباس، ومحمد يوسف نجم ومهدي المخزومي.. وغيرهم. وكان محمود محمد الطناحي واحدًا من أبرز هذا الجيل، اتصل بالتراث العربي مبكرًا.. ناسخًا ومحققًا، حتى صار من خبرائه المعدودين في العالم، ولازم شيخ العربية محمود محمد شاكر وتوثقت صلته به، فأفاد منه علمًا غزيرًا، وهو إلى جانب ذلك حجة في فنون العربية وآدابها، بصير بعلومها، متقن للقرآن وقراءاته، كثير الرواية، حلو الحديث لا يمل جليسه. المولد والنشأة في إحدى قرى محافظة المنوفية، ولد محمود محمد الطناحي في (23 من ذي الحجة 1353هـ = 29 من مارس 1935م)، وانتقل إلى القاهرة مع أسرته وهو في الثامنة من عمره إلى حي الدرب الأحمر بوسط القاهرة التاريخية، وبعد أن حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة التحق بمعهد القاهرة الديني التابع للأزهر، وحصل منه على الشهادة الابتدائية ثم الثانوية في سنة (1378هـ = 1958م)، والتحق بكلية دار العلوم ولم يواصل طريقه في الجامعة الأزهرية. وفي ذلك الوقت اتصل بفؤاد السيد أمين المخطوطات في دار الكتب الذي أعجب بذكائه وشغفه بالمعرفة، فعهد إليه بنسخ بعض المخطوطات لحساب بعض المستشرقين الذين كانوا يترددون على دار الكتب، فنسخ أجزاءً من كتاب الوافي بالوفيات للصفدي وكنز الدرر لابن أيبك الداوردي، والمغازي للواقدي.. وفي أثناء تردده على دار الكتب اتصل بعدد من العلماء والباحثين العرب الذين كانوا يقصدون قائمة المخطوطات بدار الكتب من أمثال إسماعيل الأكوع من اليمن، وشاكر الفحام من سوريا، ومحمد بن شريفة من المغرب.. وفي الوقت نفسه عمل مصححًا في مطبعة عيسى البابي الحلبي، وهي من أعرق المطابع ودور النشر في مصر والعالم الإسلامي، أخرجت كنوزًا كثيرة من التراث، وقد أوقفه عمله بالتصحيح على أشياء كثيرة، وحصَّل معارف واسعة. في معهد المخطوطات العربية وبعد تخرجه في كلية دار العلوم سنة (1382هـ = 1962م) عمل معيدًا بمعهد الدراسات العربية التابع للجامعة الأمريكية، ولم يستمر في هذا العمل طويلاً، فانتقل سنة 1965م إلى معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، الذي بدأ الاستعانة بعدد من شباب الباحثين في مجال المخطوطات كان من بينهم الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو.. وأكسبه العمل في المعهد خبرات واسعة بكنوز التراث العربي بفضل تلمذته على عالِمي المخطوطات الكبيرين محمد رشاد عبد المطلب وفؤاد السيد.. وكان رشاد عبد المطلب كما يقول الطناحي: "من العلماء بالمخطوطات وأماكن وجودها، وكان لا يجارى في معرفة المطبوعات وأماكن طبعها شرقًا وغربًا، والفرق بين الطبعات، وعدد طبعات الكتاب المختلفة، ومن وراء ذلك كانت له صلات وثيقة بعلماء الدنيا من عرب وعجم، كنت لصيقًا به ملازمًا له عشر سنوات في معهد المخطوطات.. وتعلمت منه الكثير". وقد اشترك الطناحي في البعثات التي كان يوجهها المعهد إلى البلاد التي احتوت خزائن كتبها على نوادر المخطوطات، لتصويرها وحفظها في المعهد لتكون تحت تصرف المحققين والباحثين، فسافر إلى تركيا مع بعثة المعهد سنة (1390هـ = 1970م)، والمملكة المغربية عامي (1392هـ = 1972م) و (1395هـ = 1975م)، والسعودية سنة (1393هـ = 1973م) واليمن سنة (1394هـ = 1974م). رحلة كفاح وجهاد واصل الطناحي في أثناء عمله بالمعهد دراساته العليا، فحصل على الماجستير في النحو العربي من كلية دار العلوم سنة (1392هـ = 1972م) بتحقيق كتاب "الفصول الخمسون" لابن معط ودراسة آرائه النحوية، ونال درجة الدكتوراه من الكلية نفسها سنة (1398هـ = 1978م) برسالة موضوعها "ابن الشجري وآراؤه النحوية". إلى جانب ذلك فقد كان يشتغل بإخراج عدد من كنوز التراث محققة تحقيقًا علميًّا، فأخرج في سنة (1383هـ = 1963م) بالاشتراك مع الطاهر أحمد الزوي ثلاثة أجزاء من كتاب "النهاية في غريب الحديث والأثر" ثم انفرد بتحقيق الجزأين الأخيرين من هذا الكتاب. ثم اشترك مع زميله عبد الفتاح محمد الحلو في إخراج واحد من أهم كتب التراجم، فبدأ في سنة (1394هـ = 1964م) نشر كتاب "طبقات الشافعية الكبرى"، في عشرة أجزاء، ثم أعاد نشره مرة ثانية مع مزيد من العناية والتدقيق سنة (1413هـ = 1992م). وتوالت بعد ذلك أعماله في تحقيق نصوص تراثية بالغة القيمة، فنشر الجزء الثامن من كتاب "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" لتقي الدين الفاسي سنة (1389هـ = 1969م)، والجزء الأول من كتاب الغريبين – غريبي القرآن والحديث – للهروي سنة (1390هـ = 1970م) والجزأين السادس عشر والثامن والعشرين من كتاب تاج العروس للزبيدي في سنتي (1396هـ = 1976م) و (1414هـ = 1993م). وهذا النشاط الوافر في إخراج كتب التراث لم يشغله عن مجالسة أئمة العلم وشيوخ المحققين والتلمذة على أيديهم، من أمثال محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون ومحمد أبو الفضل إبراهيم، وأتاح له تردده عليهم وحضوره مجالسهم أن يقف على أبواب واسعة من العلم، وأن يستفيد بخبراتهم الواسعة في فن التحقيق. وظل الطناحي وفيًا لهم دائم الذكر والدعاء فيما يكتب، عارفًا بفضلهم عليه.. ومن بين المشايخ الذين تردد عليهم وحضر مجالسهم: شيخ الإقراء في مصر عامر السيد عثمان، وكانت له مقرأة حافلة في مسجد الإمام الشافعي في يوم الجمعة، يؤمها القراء والدارسون، والفقيه الأصولي عبد الغني عبد الخالق الأستاذ في كلية الشريعة. العمل بالجامعات العربية وبعد حصوله على الدكتوراه انتقل الطناحي للعمل باحثًا في مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ثم أستاذًا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعات نفسها. وقد عرف القائمون على الجامعة قدر الرجل وخبرته النادرة في تحقيق التراث، فلم يعامل مثل غيره من أساتذة الجامعة، وإنما وضعوه بإزاء الأساتذة: محمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي، والسيد أحمد صقر، والسيد سابق، ومحمد قطب… وهذه الأسماء اللامعة لعلماء العصر تنبئك بحق مكانة الطناحي وقدره. وفي فترة إقامته هناك التي امتدت لأكثر من عشر سنوات نجح في تكوين مدرسة من تلامذته الذين أشرف على رسائلهم أو شارك في مناقشتها، كما نشر هناك تحقيقه لكتاب "منال الطالب في شرح طوال الغرائب" لمجد الدين بن الأثير سنة (1403هـ = 1983م)، وكتاب "الشعر" لأبي على الفارسي في مجلدين سنة (1409هـ = 1988م). العودة إلى القاهرة وبعد عودته إلى القاهرة عمل أستاذًا بجامعة القاهرة في كلية الدراسات العربية والإسلامية، ثم انتقل سنة (1417هـ = 1996م) أستاذًا بكلية الآداب جامعة حلوان، وظل الطناحي على صلة بالجامعات العربية.. فعمل أستاذًا زائرًا في كل من جامعة محمد بن سعود بالرياض سنة (1412هـ = 1991م)، وجامعة الكويت سنة (1415هـ = 1994م)، وجامعة العين بالإمارات المتحدة سنة (14 18هـ = 1997م). وخلال هذه السنوات اختاره مجمع اللغة العربية سنة (1410هـ = 1989م) خبيرًا في لجنة المعجم الكبير، وكان عمله في هذه اللجنة مثريًا لها بما كان يقدمه من تحقيقات ومراجعات تشهد بعلمه الواسع بالتراث، ومعرفته العميقة بمظانه، والتمرس بتحقيق مخطوطاته. كما اختير خبيرًا بمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، وانتخب عضوًا بالهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي في معهد إحياء المخطوطات العربية. وأخرج في هذه الفترة عددًا من عيون كتب التراث، فأخرج كتاب أمالي ابن الشجري في ثلاثة أجزاء سنة (1413هـ = 1992م)، وذكر النسوة المتعبدات لأبي عبد الرحمن السلمي، سنة (1414هـ = 1993م)، وأعمار الأعيان لأبي الفرج بن الجوزي سنة (1415هـ = 1994م) وجهود الطناحي في الكتب التي حققها وأخرجها تضعه في مصاف كبار العلماء الذين نهضوا بهذه الرسالة الجليلة من أمثال عبد العزيز الميمني وعبد السلام هارون ومحمود محمد شاكر. مؤلفات الطناحي ومقالاته للطناحي مؤلفات أصيلة دار أكثرها حول نشر التراث، وهو العلم الذي قضى حياته خادمًا له، من ذلك كتابه النفيس "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" تعرض فيه لبواكير نشر التراث العربي، وتتبع مداخله في مصر وغيرها، وعرض لمراحل تطوره والأدوار التي مر بها، ومدارس التحقيق وأعلامه في مصر والعالم العربي، وتطرق لجهود دور النشر الأهلية والرسمية في نشر التراث. وله أيضًا: الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم. وتعد المقدمات التي كان يكتبها الطناحي للكتب التي قام بتحقيقها كتبًا أصيلة، تحدد أصول المنهج الذي ينبغي أن يلتزم به من يقوم بالتحقيق. ووضع فهارس علمية لبعض كتب التراث، وهي تعد نماذج لما يجب أن تكون عليه الفهرسة للكتب التراثية، وهو عمل يحتاج إلى دقة ودأب وصبر، فوضع فهرسًا لكتاب "الأصول في النحو" لابن السراج ونشره في القاهرة سنة (1407هـ = 1986م)، وفهرس الأشعار لكتاب "ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري، ونشره في العدد السابع والثلاثين من مجلة معهد المخطوطات العربية. وله بحوث علمية دقيقة نشرها في المجلات العلمية المتخصصة. وفي العشر السنوات الأخيرة من حياته طلع على الناس بمقالاته البديعة التي كان يكتبها بانتظام في مجلة الهلال فكشفت عن جوانب جديدة، وأبانت عن تمكنه الشديد من الثقافة العربية، مع قدرة على الإبانة في أسلوب طلي جذاب، ومن يطالع هذه المقالات يعرف أن الرجل قد احتشد لها واستعد فهي ليست مما يقرؤه الناس من بعض الأقلام تحمل خواطر وآراء، وإنما هي تحمل علمًا وأدبًا، يدهشك ما ينثره بين ثنايا مقالاته من فوائد لغوية وتاريخية، هي خلاصة خبرته وملازمته للكتب ومشافهته أهل العلم. شخصية الطناحي جمع الطناحي إلى علمه الواسع صفات وخلالا أسرت كل من التقى به وخالطه وجالسه فهو كريم الخلق، نقي النفس، خفيف الروح، عذب الحديث، فإذا تكلم وحكى بهر جلساءه بظرفه وفصاحته ونوادره التي لا يمل حديثها، فكان زينة المجالس والمحافل مع هيبة واعتداد بالنفس. وهو وفي لشيوخه ومعلميه كثير الدعاء لهم إذا استشهد بواحد منهم أو عرض لذكراه، فإذا كانوا من الأحياء دعا لهم بمثل قوله: أطال الله في الخير بقاءهم" ، وإذا كان أحدهم من الأموات قال: "برَّد الله مضجعه" أو "طيَّب الله ثراه". وعلاقته بشيخه محمود محمد شاكر مثال نادر للوفاء يقدمه تلميذ لشيخه، فكان دائم الثناء عليه، ذاكرًا له في كل موضع، معترفًا بفضله، حريصًا على حضور مجلسه الأسبوعي في منزله في يوم الجمعة مهما كانت الشواغل، وكان الطناحي لا يترك مناسبة إلا ذكر الناس بفضل شيخه وقيمته في الثقافة العربية، يقول عنه في أحد المواضع من كتابه "مدخل إلى تاريخ نشر التراث": "كيف أكتب عنك أيها الشيخ الجليل، ومن أين أبدأ، وكيف أمضي وإلى أين أنتهي؟ فالحديث عنك إنما هو عن تاريخ هذه الأمة العربية: عقيدة ولغة وفكرًا ورجالاً.. ومعذرة ثم معذرة شيخي أبا فهر إذ أكتب عنك بهذه الوجازة التي تراها.. ثم معذرة من بابة أخرى، وهو أن كثيرًا مما ستقرؤه إن شاء الله منتزع من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك، وأتقدم إليك بسابق فضلك وموصول علمك...". وهو مع تلاميذه كأحدهم ولكن في وقار، يأنس بهم ويعاونهم ويشجعهم على طلب العلم، ويفتح لهم مغاليق العلم، وكانت روحه دائمة الشباب، لا تستشعر إذا جالسته أنك أمام عالم تخطى الستين من عمره. وبعد وفاة محمود محمد شاكر تطلع الناس إلى تلميذه الوفي ليكون خليفته ويواصل مسيرته في خدمة التراث العربي، لكن الموت لم يمهله فاختطفه فجأة وهو في أتم صحة وعافية في (6 من ذي الحجة 1419هـ = 23 من مارس 1999م). يعتبر اسم ألفريد نوبل أحد أشهر الأسماء في العالم، كما تُعَدُّ الجائزة المعروفة باسمه من أقدم الجوائز العالمية وأكثرها شهرة وأكبرها قيمة؛ سواء من حيث قيمتها المادية، أو من حيث قيمتها الأدبية والمعنوية.. وُلد ألفريد نوبل يوم 21 من أكتوبر عام 1833 في مدينة "أستوكهولم" عاصمة السويد، وكان أبوه "عمانوئيل نوبل" مهندسًا مدنيًّا مختصًا بإنشاء الطرق والكباري، كما كان مبتكرًا ومخترعًا، خاصة فيما يمس طرق تدمير الصخور. وعلى العكس من مسار الأحداث بعد ذلك كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته، فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما التهمت النار مسكن العائلة؛ وهو ما دفع الأب إلى السفر وحده إلى فنلندا عام 1837م بحثًا عن فرصة أفضل للحياة، ثم ارتحل سريعًا إلى "بطرسبرج" عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيًّا من أستوكهولم، وأنشأ في مدينة بطرسبرج ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات مع الجيش الروسي فتحسنت أحواله المادية وأرسل لعائلته عام 1842م لتلحق به في بطرسبرج. وكان نجاح عمانوئيل الأساسي يتمثل في اختراع الألغام البحرية المستخدمة في الحروب، والتي استخدمها الجيش الروسي في إقامة شبكة من الألغام البحرية في مياه بحر البلطيق وحول مدينة بطرسبرج، وهو ما وفَّر الحماية للمدينة من البحر أثناء حرب القرم (عام 1853- 1856) بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، ولم تستطع السفن الحربية البريطانية اختراق شبكة الألغام أو الاقتراب من المدينة. وتقديرًا لمجهوداته واختراعه حصل عمانوئيل على وسام الإمبراطور الذهبي من قيصر روسيا. مع والده على طريق الديناميت بعد نجاح عمانوئيل نوبل في حياته العملية في مدينة بطرسبرج، وتكوينه لثروة كبيرة من اختراعه للألغام البحرية، أراد أن يعوِّض أولاده الأربعة: روبرت، ولودفيح، وإميل، وألفريد عن سنوات الضنك السابقة فأتاح لهم مستوى رفيعًا من التعليم الخاص؛ حيث وفَّر لهم مدرسين قاموا بتعليمهم علوم الطبيعة والكيمياء واللغات والآداب، وبلغ نبوغ ألفريد حدًّا مذهلاً، فلم يكد يتم السابعة عشرة من عمره حتى أتقن خمس لغات، وهي: السويدية، والروسية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية. واتجه اهتمام ألفريد إلى الأدب، خاصة الأدب الإنجليزي، وتأليف الشعر، غير أن أباه لم يكن راضيًا عن اهتمام ابنه بالآداب ومحاولات تأليفه الشعر، وكان يريد إلحاقه بمشاريعه في الهندسة المدنية، فأرسله للخارج في سلسلة رحلات لعدة دول؛ ليواصل تعليمه في علم الكيمياء، فزار ألفريد السويد وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وفي باريس وجد ألفريد نفسه منخرطًا في الكيمياء فالتحق بمعمل البروفيسور بيلوز، وتوجه اهتمامه نحو نفس اهتمامات والده في التفجير والديناميت؛ حيث زامل عالمًا شابًّا من علماء الكيمياء له نفس اهتماماته، وهو الإيطالي "أسانوي سوبر يرو" الذي توصَّل إلى تحضير سائل النيتروجليسرين شديد الانفجار. وفي الولايات المتحدة التقى بالمخترع السويدي الأصل الأمريكي الجنسية "جوذا أريكسون".. وكان لهذه اللقاءات أثرها في أن يقتنع ألفريد بوجهة نظر أبيه في العمل في مجالي الطبيعة والكيمياء وتطبيقاتها في مجال المفرقعات. وفي غضون عام 1862م، ومع انتهاء حرب القرم وتوقف صفقات الجيش الروسي، تدهورت الأحوال المادية لعمانوئيل نوبل، فقرر العودة للسويد والإقامة في مدينة أستوكهولم هو وولداه إميل وألفريد، في حين بقي روبرت ولودفيح في بطرسبرج. وبالعودة لمدينة أستوكهولم حمل ألفريد في أمتعته مذكراته عن سائل النيتروجليسرين، وقام هو ووالده ببناء مصنع بالقرب من المدينة لتصنيع هذه المادة شديدة الانفجار، وقام بتصنيع نحو 140 كيلو جرامًا من هذه المادة، ولكن المصنع انفجر عام 1864م، وتسبب الانفجار في مقتل الأخ الأصغر لألفريد (إميل)، وأربعة من الكيميائيين والعمال. وقد ترك هذا الحادث جرحًا عميقًا في نفسه، وفكر ألفريد فصار همه الأول هو كيف يستأنس هذه المادة شديدة الانفجار ويُخضعها لرغبات الإنسان وإرادته، ونجح بالفعل عام 1866 في اختراع الديناميت، وحصل على براءة اختراعه فتهافتت على شرائه شركات البناء والمناجم والقوات المسلحة، وانتشر استخدام الديناميت في جميع أنحاء العالم، وقام ألفريد بإنشاء عشرات المصانع والمعامل في عشرين دولة، وجنى من وراء ذلك ثروة كبيرة جدًّا حتى أصبح من أغنى أغنياء العالم، وأُطلِقَ عليه "مل