إدوارد سعيد شغل المثقفين في العالم منذ ربع قرن! ذات يوم في ممرات الجامعة لقيت شابا يحمل لوحا خشبيا للدعاية على صدره يقابله آخر على ظهره, مكتوب على الجهتين إعلان عن محاضرة لـ"إدوارد سعيد", فتأكدت منه عن حقيقة قدوم المحاضر فقال إن اللقاء هو فقط عرض لفيلم مسجل عن محاضرة له سابقة, وأنهم يتوقعون جمهورا كبيرا لها!! ثم التقيت بمبشر قضى أكثر ردح من حياته في بلاد الشام يدأب لإنشاء الكنائس وتوجيه الشباب العربي للنصرانية, من لبنان إلى القدس، لا يفتؤ يحاول.. عسى ولعل, ولكنه كان يسبح ضد التيار, وقد ربطت السياسة بين موقفينا, فهو يناصر بحكم المعايشة واختلاف الموقف قضايا العرب في أمريكا, وهو كاثوليكي, ومن أول من سمعت منه وصف المتعصبين البروتستانت لإسرائيل بـ "الصهاينة", وكان يأنف من مجرد ذكرهم, ويراهم طائفة تسخر بلاده لمصلحة إسرائيل, ويهز أريحيته للحديث ذكر رجلين فقط في تاريخ العرب الثقافي الحديث, هما: إدوارد سعيد ومحمد حسين فضل الله؛ لأنه يراهما "متطرفين جدا في الذكاء"! ثم يتحدث بمزاج شاعري عن تلك الليلة العامرة التي شهد فيها في مؤتمر المستشرقين في شيكاغو مواجهة تاريخية بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس, بعد ضجة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد, وقد أدار المواجهة مؤرخ شهير هو "ويليام مكنيل", مؤلف كتب مهمة في التاريخ، منها: "صعود الغرب". وكان مكنيل وقتها رئيس رابطة مؤرخي أمريكا ـ كما فهمت - من شاهد الحادثة. ثم يصف كيف قدم مكنيل الرجلين الخصمين, فكانت له صرامته, إذ حدد عشرين دقيقة فقط لكل منهما أن يقدم رأيه وحجته, ثم وقت للرد, ثم يجيبان عن أسئلة قليلة من القاعة, والمناقشة في وقت محدد.. يضاء قرب نهاية كل سياق نور أصفر موح بنهاية الوقت, ثم ضوء أحمر يوقف المتحدث. قال: كان اللقاء متعة ووجبة ثقافية رائعة, تساوي أن يسافر لمشاهدتها المهتم, وقد استطاع إدوارد ـ وهو الأديب المتمكن ـ أن يجعل الحاضرين يسخرون من لويس, ويأسفون لضعفه أمام العربي الذي استولى على المجال دون مناوئ قادر على المواجهة. قال: لقد كانت ليلة جميلة أن يستمع نخبة المثقفين للرجلين اليساريين الذين شقا معسكر الثقافة المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي, فأما لويس الذي أصبح صهيونيا, فقد كان يساريا ثم ارتد - كما يقولون!- ليمثل دور متطرفي الصهاينة, ويسخر حياته الباقية الطويلة في الإفساد الثقافي إلى اليوم.. إفساد الرؤية الغربية للعالم الإسلامي, وإفساد الحكم على ثقافتنا, وتشويهها قدر طاقته, والتهوين منها, ونشر الرعب في قلوب الغربيين منا. وبين شق آخر هو بقية اليسار, من المتمردين على ثقافة اليمين المتطرف الصهيوني, وقد قاد الموقف اليساري في هذه القضايا إدوارد سعيد, المثقف اليقظ, وحف به قوم لا يقل بعضهم شهرة عنه, رأت فيه معلما لنهجها, ومدافعا عن المظلومين. ولد في القدس عام 1935م, وتلقى بداية تعليمه في القاهرة, ثم أكمل في أمريكا في أكثر من جامعة, وانتهى به الأمر أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. لقيته مرة واحدة في قاعة "ويستمنستر" في لندن يقدم مقابلة أو محاورة عن المنطقة, وعن جوانب من حياته, وكانت امتلأت القاعة قبل بدء اللقاء, وأثناء المحاضرة.. كان بجانبي أستاذ في أحد الجامعات اللندنية, بيده مسجل، أما أنا فقد كتبت معظم اللقاء, وانتهت الأوراق التي بيدي, فطلبت منه مزيدا من الورق, إذ كان يحمل رزمة من الأوراق ربما ليكتب لو لم يعمل المسجل, ولما انتهى اللقاء, قلت: كانت المحاضرة "جيدة", فغضب جاري وقال: ماذا تقول؟! إنها "عظيمة" وليست مجرد جيدة.. أدركت من استنكار جاري أنني هضمت مستوى اللقاء, وشعرت أنني قصرت في حق المحاضر. وقد كانت محاضرته حقا كما وصفها جاري, إذ يمتلك أسلوبا حواريا مقنعا. ثم نزلت من الطابق الأعلى لأجد الناس يصطفون لالتقاط الصور معه, ولما خف الزحام صافحته وشكرته وذهبت, وبدأ حديثه مع كاتب اسكتلندي يتحادثان في كتاب ألفه الأخير عن الموسيقى, ولأن إدوارد حجة في الموسيقى كما يكتبون عنه, فعندما يقيّمون عمله وإنتاجه يضعون إلى جانب مكانته في السياسة والأدب الإشادة بمعرفته في هذا الميدان وتقدمه بين الناقدين لهذا الفن أيضا. واحتفل أخيرا بمرور ربع قرن على صدور كتابه المهم "الاستشراق" وهو الكتاب الذي أخرج مؤلفه للناس من مجرد ناقد أدبي أكاديمي, ومن ناطق سياسي ذي صوت عال للمسألة الفلسطينية إلى مفكر عالمي مضاد للاستعمار وثقافته, شق الكتاب للناس دربا جديدا في التعرف على ظاهرة الاستشراق, وما يؤسس لها ويلحق بها من ثقافة, وكان لتلامذته دور مهم في تقديمه وتأليف الكتب عنه, وله تلميذة من الهند أصبحت تدرّس في الجامعة نفسها, كتبت عنه وجمعت له كتابا مهما, وقد اهتمت بموضوع لغة الاستعمار, وكتبت رسالة علمية لها أهميتها في هذا الجانب, مما أغرى المثقفين الإسرائيليين بدعوتها وتكريمها, تخفيفا من حملتها عليهم, أو حرفا لها عن طريقها, وإغاظة لأستاذها, وهكذا يقتنصون المثقفين الجدد! اشتهر إدوارد سعيد ناقدا قبل أن يفاجئ الناس بـ "الاستشراق", هل كان مبدعا في كتابه؟ يقول خصومه: لا, فلم يزد على أن جدد أقوال الناقدين, ونصوص الأدباء والرحالة, ومواقف السياسيين؛ ليصوغ منها حملة شرسة على الاستعمار وأربابه. وربما رآها آخرون حملة ناقمة, عمياء, دل عليها كتابان تاليان هما كتاب "تغطية الإسلام" و"ثقافة الإمبريالية", لقد جار عليه خصومه, وذلك ردهم على لذعاته ولوذعيته. كتاب الاستشراق فيه تطبيق لنظريات ميشيل فوكوه, ولا يضره ذلك ففلسفة فوكوه وجدت تطبيقا ميدانيا لها, في مسائل المعرفة وعلاقتها بالسلطة, وإعجاب إدوارد بفوكوه كبير, حتى إنه اهتم بحضور محاضراته, وربما حضر درسه الافتتاحي. وكان كتاب إدوارد سعيد قوة لكتابات فوكوه, وتطبيقا للنظرية تجاوز بالتطبيق والتفريع فكرة "صاحب نظرية المعرفة سلطة" أو"المعرفة تستتبع السلطة" وأسلوبه العالي نفخ الحياة في جفاف التنظير. وقد غزاه السرطان وأرهقه, وفي مقدمة هيكل لكتاب إدوارد عن أوسلو ومحادثات السلام, سلاّه هيكل عن السرطان بأن الأمراض تختار أجسادها. كان شجاعا, تميز عن مثقفي الشرق بكشف زيف الغرب واستغلاله للمعرفة, وسيلة للاستعمار, وكان شجاعا بتجاوز عقدة خنوع المثقف وحرصه وتبعيته وتهافته, وخالف نهج مثقفي العرب في المهجر الذين يلوذون بالصمت خوفا من نفوذ اليهود, وحرصا على مواقعهم الوظيفية, انضم لمنظمة التحرير بقناعة. قامت الدنيا عليه في جامعة يتنفذ فيها يهود نيويورك, ولم يبال بعرائضهم المطالبة بطرده, يقول: لم أملك إلا أن أقف على الحدود اللبنانية وأرمي المحتلين بحجر, والتقطت الصورة له وهو يرجمهم. وبدأت حملة جديدة طالب فيها أساتذة جامعته بطرده. ومن قبل ذلك لاحقه خصومه اليهود ينكرون كونه فلسطينيا مولودا في القدس, وذهب وفد يستقصي تاريخه, ونشرت مجلة "كومنتري" الأدبية اليهودية ملفا بذلك, فزادت هذه المطاردة من ذيوع قضيته. وخالف عرفات وصلحه بشجاعة, وخالف آراء كثير من مثقفي العرب في الموقف من مذابح هتلر لليهود, فهو يصدق حدوثها, ويستنكر قول المنكرين, ويتعاطف مع ضحاياها, وله في المسألة الفلسطينية رأي جريء حيث يطالب بدولة ديموقراطية واحدة في فلسطين للجميع, تحكمها الأغلبية وترعى حق الأقلية, ويخالف من يقول بدولتين. موقفه من قضايا المسلمين موقف منصف غالبا, وتغيظ مواقفه التيار الوصولي في الثقافة العربية المعاصرة؛ لأنه كان شديد القسوة على من يسميه بالمثقف الخائن, ويكثر من تكرار استخدام أحد الكتب الفرنسية المثيرة التي كتبت مطولا عن خيانة المثقفين وتبعيتهم. وهنا نلاحظ ذلك الجانب المكروه للوصوليين, وسوطه المرفوع الذي يجلد به ظهورهم, لم يكن يملك ما يخاف عليه, ولم يزده مرضه إلا تخففا وشجاعة, وقد سأله أحد المعلقين عن سر مضاعفة جهده, فأكد خطر معاناته لسرطان الدم, والمصاب بالسرطا ن لا وقت لديه, كان إذا حل على برنامج "تشارلي روز" تهاتفنا بالخبر؛ لأننا سنقضي ساعة من المتعة والفكرة, وبراعة المواجهة, فشجعان العقول قليل.. وهو من القلة التي تستطيع أن تكشف حدود الحرية الفكرية في أمريكا, وما أصعب أن ترى حدود الحرية. خسر المسلمون والعرب مدافعا فصيحا عن قضاياهم, ومهتما بارزا بقضية فلسطين. لقد كان رجلا واحدا، ولكنه كان جهازا إعلاميا ثقافيا مؤثرا, أكثر مما أثرت الدول العربية في التوعية بالمسألة الفلسطينية في الغرب, وكان مطلعا ومتابعا للأحداث ومعلقا فطنا, ومتحدثا آسرا, يفوق أسلوب حديثه أسلوب كتابته. كتبه القديمة والحديثة دائما معروضة في طبعات جديدة, لا ينتهي حولها الجدل, كان صيادا وعارضا للفكرة، مجيدا ومبدعا في اعتراضه ومؤثرا. عمقه في أدب الإنجليزية لا يبارى, وأجاد الفرنسية, ثم عاد لبيروت وتمكن من العربية. ولكم وددت أن يجد القارئ العربي كتاب "الاستشراق" بترجمة عربية جيدة, فإن مترجمه أعجمه, وأضر كمال أبو ديب بكتاباته, ولو قارنت هذه الترجمات مع ترجمات كتب أخرى مثل كتاب "صور المثقف" أو كتاب المقابلة الطويلة معه التي أجراها بارسيمان؛ لرأيت فرق الطريقتين. لقد كان لسان العرب الحر, محاضرا ومحاورا, أما بعد حسم معركته مع لويس فقد قل من فكّر في مواجهته. ودّع الناس مفكرا ومناضلا ثقافيا لا بديل له, ولا مقارب, وبقيت آثاره مدرسة في النزاهة ومكافحة الظلم, كان يعتقد الشكّ ـ كما وصف نفسه-.. ولو كان مسلما لترحمنا عليه..! كان مصطفى السباعي علماً من أعلام الفكر الإسلامي، ورائداً من رواد النهضة الإسلامية الحديثة. ولد في حمص عام 1915م، وتلقى فيها علومه الأولى، ثم قصد إلى الأزهر الشريف ليستكمل دراسته للعلوم الإسلامية، وكانت تبدو عليه علامات النجابة والذكاء منذ الصغر، فكان كثيراً ما يخطب في الناس في الجامع الكبير يوم الجمعة وهو بعد لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره. شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضاً، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص حيث ألهب حماس الجماهير وهيج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين رداً على اعتداءاتهم. إلى مصر وفي عام 1933 سافر إلى مصر للدراسة ونال شهادة التخصص من الأزهر، ثم نال درجة الدكتوراه وكان البحث الذي قدمه لنيل الدرجة عن "السنّة ومكانتها من التشريع الإسلامي"، وهي رسالة جادة وهادفة تدفع كيد خصوم الإسلام وأعدائه وتفضح مؤامرتهم وألاعيبهم! وقد استطاع السباعي في بحثه هذا أن يدفع عن السنة تحريضات المستشرقين، وخاصة كبيرهم "جولد تسهر" اليهودي المشهور. وحين نادي منادي الجهاد للدفاع عن فلسطين عام 1948م كان على رأس كتائب الإيمان التي زحفت من مكان، حيث قاد الكتيبة السورية، وشارك هو وإخوانه في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم وإخراجهم من ديارهم ومصادرة أموالهم وهدم بيوتهم. مؤامرة وبعد أن تمت المؤامرة على المجاهدين، حيث جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم وسـلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل المجاهدون وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون بلادهم، عاد السباعي إلى سورية غاضباً يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال "كلوب" الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود "ماكو أوامر" ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة. يقول السباعي في كتاب "الإخوان في حرب فلسطين": "كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة. وقمت بجولة في سورية تحدثت فيها عن معارك فلسطين وألقيت في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماه وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تماماً، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبين صدق ما أدعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه" وفاتـــه وفي يوم السبت 27/5/1384هـ الموافق 3/10/ 1964م انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى رحمة ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في جمع مهيب من العلماء ومن تلاميذه ومحبيه، وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق. رحم الله الشيخ مصطفى السباعي وأجزل له المثوبة. لله درك من شهمٍ له قدمٌ في العلم راسخةٌ ما كل أو نكلا يا ناصر الدين قد أحييت مدرسةً أستاذها المصطفى فافخر به عملا يا ناصر الدين قد فجرت جاريةً من نبعها كل شهمٍ عبَّ أو نهلا في عام اثنتين وثلاثين وثلاثمئة ألف من الهجرة، وفي مدينة "أشقوردة" عاصمة ألبانيا خرج إلى الوجود طفل ألباني، ويا لله! ما أوسع علمه وحكمته؛ فهو سبحانه العالم وحده بأنه سيكون لهذا الطفل شأن عظيم. كان والد هذا الطفل من علماء بلده، ومن فقهاء المذهب الحنفي، ونشأ المولود بين سمع والده وبصره، يغذوه من العلوم النافعة، والآداب السامية.. هاجر الوالد بأسرته إلى دمشق، وكان ذلك في عهد حكم الشيوعي "أحمد زوغو".. هاجر الوالد فراراً بدينه؛ لما رأى انتشار الفساد على يد الحاكم الشيوعي. وهاهي دمشق تفتح ذراعيها لاستقبال ذلك المولود، الذي سيكون له شأن على ترابها في يوم من الأيام! وفي دمشق فتح الوالد محلاً لإصلاح الساعات، وهي مهنة تعلمها في (فينا) عاصمة النمسا، ويجانب صنعته هذه كان يقوم على أمر بعض مساجد دمشق. ويُدخل الوالد ابنه المدرسة ليتعلم الكتابة والقراءة، وتلوح على الصغير ملامح الذكاء والنجابة، واجتاز الصغير المرحلة الابتدائية بتفوق. ولما كانت المدارس وقتها ضعيفة في العلوم الدينية؛ رأى الوالد أن يخرج ابنه من المدرسة، ووضع له برنامجاً علمياً مركزاً، حيث درس الصغير على والده القرآن والتجويد والصرف وفقه المذهب الحنفي.. وهكذا بدأت حياة هذا الصغير؛ فتفتَّق لسانه على قراءة كتاب الله تعالى.. وعلوم العربية، والفقه في الدين.. ليكون بعد ردح من الزمان محدث العصر وبطل راية الإسناد! ذلكم هو: أبوعبدالرحمن محمد ناصر الدين ابن نوح بن نجاتي بن آدم الألباني. رحلة الشموخ! انطلق الإمام في رحلة طلب العلم؛ فتوجه شطر المكتبة الظاهرية في دمشق؛ ليروي ظمأه من معينها، ولم تقف الهمة عند هذه المحطة؛ بل كان ـ رحمه الله ـ يستعير الكتب من بعض المكتبات التجارية، فأقبل على الحديث وعلومه بجد وعزم لا يلين! ويومها قررت إدارة المكتبة الظاهرية أن تخصص غرفة خاصة للشيخ، ومنحه مفتاح المكتبة، ليواصل رحلته بأمان ونجاح، فلم تركن تلك الهمة العالية إلى الدعة والراحة؛ بل كان صاحبها يحثها بسوط العزم، حتى لا تستكين! فكانت الساعات تمضي، والألباني ثابت العزيمة، ريان النشاط.. ست عشرة ساعة من كل يوم يقضيها هذا الإمام جوالاً في بطون الكتب! وهنالك وعلى رفوف "المكتبة الظاهرية" تراه واقفاً أكثر من ثلاث ساعات، باحثاً في بطون المطبوع والمخطوط من الكتب! وقد كوفئ هذا الشهم على صدق نيته في طلب الحديث، فها هو العلامة المسند الشيخ "محمد راغب الطباخ" ما إن سمع بهمة ذلك الفتى، ومثابرته على طلب العلم، ودعوته للكتاب والسنة، حتى جادت يده لذلك الفتى بأغلى هدية: فأجازه بمروياته، والتي يتصل إسنادها برسول الهدى صلى الله عليه وسلم! وكان الألباني يومها في مقتبل عمره. ظل هذا الإمام بسنة رسول الهدى حفياً، ولهديه داعياً بكرةً وعشياً، ومضى في طريق العلم والعمل، والدعوة إلى الله تعالى، لا يصده عن ذلك كيد كائد، ولا جحود معاند؛ بل مضى كالسيل الجارف، والموج الراجف. وازدانت دمشق بدعوة هذا الإمام، فانتشرت دعوة التوحيد، وسارت السنن بين الناس، وواصل الألباني رحلته، فكانت دروسه العلمية في: التفسير، والتوحيد، والفقه، والحديث، والأدب، فترى الناس يردون إلى تلك الدروس؛ ورود الإبل الظمأى! ويصدر الجميع رياناً جذلاناً. وقد ربطت وشيجة المنهج بين هذا الإمام وتلك الشموس الساطعة؛ كإمام العصر عبد العزيز بن عبد الله بن باز- قدس الله روحيهما - فكان بين الإمامين من الود فوق أن يصفه الواصفون، أو يترجمه الناطقون! وكم كان بين الإمامين من لقاء أكمد قلوب المبتدعين، وأسر أفئدة السلفيين. فرحم الله تعالى هذين الإمامين؛ فقد كانا حقاً قمرين للعالمين. صفحات من حياته لقد كان الألباني نموذجاً فريداً في سعة الصدر ولين الجانب، إن ناقشه مناقش أفسح له من طبعه ومد له من حبله، لا يتضجر إن تضجر الخصم، ولا يثور لثوران المناقش، فيجد المناظر نفسه أمام جبل لا يؤثر فيه النطح، ولا يهزه الضجيج! فتنخفض نيران المناقش، ويذهب سخطه، فكأنما جمر صببت عليه ماءً؛ فسكن وذهبت ناره! كانت حججه أشد من قواطع السيوف.. وبراهينه أوضح من ضوء النهار! فهاهو أحد كبار المبتدعة يطلب لقاءه، ولما جمعهما المجلس، رأى ما لم يخطر بباله! وأخذته الدهشة! وكأن نفسه حدثته: هل هذا هو الألباني الذي كنت أسمع عنه؟! وحتماً ما كان يظنه بمثل ذاك الخلق الرفيع! ثم دارت عجلة النقاش؛ فانبهر الرجل ورأى ضوء الصباح! فأذعن إذعان المسالم، وأصر على تقبيل يد ذاك الأسد الرَّابض! لما أخذته براهين الحق ونور الحجج! وفي مجلس من المجالس انفجر بعضهم، وأرسل قوارض الكلام على الألباني! فنصحوه أن يقابل الألباني؛ فقال: الألباني لا يقبل النصيحة! فقالوا: هل جربت؟ قال: أنا لم أره قط، ولكن هذا متواتر عنه! وشاء الله أن يجتمع هذا الرجل بالألباني، وثار كثورته تلك، وارتفع صوته.. ولكن تكسرت أمواجه على طرف ذلك الجبل؛ كأن لم يكن شيء! وصمد الألباني لنقاش صاحبه؛ فتلاشت حجج الرجل، وفتر بعد أن أخذته الدهشة أمام تلك السماحة الظاهرة! فقال للألباني: أنا أحمد الله- عز وجل ـ أنك تغيرت، وأني لقيتك بعد هذا التغير! فقال الألباني : وهل أنت التقيت معي قبل اليوم؟! فقال الرجل: لا! فأشار الألباني إلى رجلٍ جالس وقال: أنا لم أتغير، وهذا صحبني أكثر من عشرين سنة في الدعوة، ويعرف عني هذا! ثم أردف قائلاً: وعلى كل جزاك الله خيراً، وأما أنا فأطلب منك المسامحة إن كنت أخطأت في حقك في شيء، وأسأل الله- عز وجل- أن يغفر لي إن كنت أخطأت في حق أحدٍ من المسلمين، ثم بكى ـ رحمه الله-! فأخذ ذاك الموقف بقلب الرجل، وذهب به كل مذهب فانفجر باكياً! وأقبل على يد الألباني لثماً وتقبيلاً وأصبح بعدها من الملازمين لهذا الهمام المنتفعين من هديه! ولقد كان الإمام متواضعاً، غير ملتفت إلى منصبه، ولا مفتخراً بعلمه، وما أحلى التواضع إذا كان من رفيع المنزلة، وما أنبله إذا كان من رأس في الناس! رأى بعضهم هذا الإمام وهو جالس ذات مرة في السيارة، فاندفع نحوه، وقال له: أأنت الشيخ الألباني؟! فتقاطرت دموع الألباني باكياً! ولما سألوه عن سبب بكائه أجاب جواب العالم الرباني: "ينبغي للمرء أن يجاهد نفسه وأن لا يغتر بإشارة الناس إليه". وكم ردد وهو يسمع عبارات الثناء تطرق أذنه: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخذنا بما يقولون". وعبارة أخرى لا يأتي بها إلا من خالطت قبله نفحات التواضع لطالما رددها: "أنا طويلب علم"! يوم الوداع على فراش المرض، وبعد رحلة امتدت أكثر من سبعين سنة قضاها في العلم، خاطبه تلميذه الوفي "محمد بن إبراهيم شقرة": "إن العظيم لا يكون بلاؤه هيناً خفيفاً! إن العظيم يكون بلاؤه على قدر عظمته، وأنت يا شيخنا عظيم، عظمك الله تبارك وتعالى بما وهبك من علم وفقه، فكان البلاء على قدر ما أولاك الله من عظمة في نفسك، وبما أولاك من علم". فعلت ذاك الوجه بسمةٌ.. ثم تلتها الدموع.. ثم تلاها اعتذار؛ لطالما ردده وهو يسمع مثل ذلك الإطراء: "اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيراً مما يظنون، ولا تؤاخدنا بما يقولون". سنتان أمضاها ذاك الإمام مع المرض يعاني آلامه، وينحت المرض في ذاك الجسم الذي برته السنون بأفراحها وأتراحها! وفي عصر يوم السبت الثاني والعشرين من شهر جمادى الثانية، سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة وفي عمان بالأردن، كان يوم الوداع!! مات ا لمحدث.. مات العلامة.. مات فارس راية الإسناد.. مات الغيور على السنن.. مات الشامة في جبين السلفية! مات الألباني! لا تنسين دعوةً بظهر الغيب لذاك البدر الآفل.. وترحماً على ذاك الطود الشامخ، وقل معي: رحم الله الألباني في المرحومين، وأقر عينه مع الهانئين، وحشره في زمرة الناجين، وأسكنه فردوسه مع النبيين والصديقين. أفنت "إنديرا غاندي" حياتها جهاداً ونضالاً؛ حتى حفرت لنفسها اسماً بارزاً بين أعلام الهند، لكنها ـ للأسف ـ لم يكن جهادها ونضالها في سبيل قضايا بلادها ليشفع لها عند الله يوم الحساب؛ إذ ليس بعد الكفر ذنب {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..}. عاشت "إنديرا غاندي" أول رئيسة وزراء للهند الحياة السياسية بكل تقلباتها، فكانت على رأس السلطة تحكم واحدة من أكبر دول العالم تارة، وحبيسة جدران السجون والمعتقلات بعد هزيمة حزبها وانتقام قادة المعارضة منها تارة أخرى. وظلت وفية لمبدأ القضاء على الامتيازات الخاصة، وإعلاء قيمة الانتماء للدولة فوق الانتماء الطائفي إلى أن سقطت صريعة رصاصات غادرة من بعض السيخ المتعصبين داخل حرسها الشخصي، انتقاما لاقتحام الجيش معبداً مقدساً لهم؛ لتلقى المصير نفسه الذي لقيه "المهاتما غاندي" من قبل. ولدت "إنديرا بريادار شيني نهرو" في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917م بمدينة "الله آباد" في عائلة لها باع طويل بالعمل السياسي، حيث كان جدها ووالدها من رموز العمل الوطني، ومثّلا مع "المهاتما غاندي" ثالوثاً أسماه الهنود "الثالوث المقدس" كان له فضل كبير في مساعي الهند للحصول على استقلالها من بريطانيا. وشغل والدها "جواهر لال نهرو" منصب أول رئيس وزراء للهند عقب استقلالها عام 1947م. درست إنديرا في معهد "سانتينيكيتان" الذي أسسه الشاعر الهندي الكبير "طاغور" وأكملت دراستها في العلوم السياسية بسويسرا، ثم في كلية سومر وجامعة إكسفورد ببريطانيا، وهناك تزوجت عام 1942م "فيروز غاندي" ـ أحد ناشطي الحركة الوطنية الهندية ـ ورزقت منه بولدين هما: سنجاي وراجيف. تأثرت إنديرا بالزعيم الهندي المهاتما غاندي، وبخاصة فيما يتعلق بالعمل على الخلاص من الاستعمار البريطاني، والاعتماد على النفس في سد احتياجات الشعب والحفاظ على وحدة الهند، ورفض الاقتتال الطائفي. ومن شدة تأثرها بغاندي باتت تنسب إليه، وأصبح يطلق عليها: إنديرا غاندي، ولبست الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن، ولم تبال بسخرية أقرانها الصغار في مراحل التعليم الأولى. وأثر في إنديرا أيضا أفكار والدها وجهوده السياسية، فكانت شخصيتها مزيجا من روحانية النساك وواقعية رجال الدولة. وكانت إنديرا من أكثر الكارهين للتعصب الديني والطائفي، حتى إنها سقطت صريعة بسبب وفائها لهذا المبدأ، كما سيأتي عند الحديث عن اغتيالها. وقد كرست إنديرا معظم حياتها لوحدة الهند الوطنية وإخراجها من التقاليد البالية والانقسامات الاجتماعية المولدة للعنف، كما عرفت كيف تحافظ على استقلال الهند في عالم يتميز بهيمنة الكبار على كل تفاصيل العلاقات الدولية، فقد كانت حليفا صعبا للسوفيات، وخصما عنيدا للأميركان، وعدوا لدودا لباكستان، ولكنها في الوقت نفسه عرفت كيف تتمسك بحركة عدم الانحياز، وتقيم علاقات حميمة مع العالم العربي، وترفض باستمرار ومبدئية الاعتراف بإسرائيل. اشتغلت إنديرا بالعمل السياسي منذ وقت مبكر من حياتها، وتمرست على تقلبات الحياة السياسية، ففي عام 1942م (أي في العام الذي تزوجت فيه) اعتقلت هي وزوجها بتهمتي التخريب ومناهضة السياسة الاستعمارية فقضى الاثنان في السجن 13 شهراً. بعد تولي والدها رئاسة الوزراء أصبحت إنديرا المساعد الرئيسي له، وكانت بمثابة مديرة لمكتبه، وصحبته في معظم رحلاته الداخلية والخارجية، وخاصة الرحلات التاريخية إلى الصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وحاولت احتواء بذور الفتنة الطائفية بين الهندوس والمسلمين، وبذلت جهدها لمنع انفصال باكستان عن الهند، لكن الرغبة في الانفصال كانت أقوى منها. انتخبت في عام 1959م بعد وفاة زوجها رئيسة لحزب المؤتمر لمدة عام واحد، وعلى الرغم من قصر تلك المدة فإن جهودها أسفرت عن تطهير الحزب من قياداته البيروقراطية وإدخال دماء جديدة إلى صفوفه، ونجحت في إضعاف الحزب الشيوعي الهندي في أهم حصونه داخل ولاية "كيرلا"، وذلك بفوزحزب المؤتمر هناك عام 1957م. كلفت إنديرا الإشراف على إستراتيجية الدفاع الوطني عام 1962م عندما تصاعدت حدة الخلافات من جديد بين الهند وباكستان على كشمير. مثلت إنديرا بلادها في منظمتي اليونسكو واليونيسيف في باريس عام 1964م لكنها سرعان ما استدعيت إلى الهند مرة أخرى بسبب تدهور الحالة الصحية لوالدها ومارست مهام رئاسة الوزراء بالوكالة. طلب رئيس الوزراء الجديد "لال بهادور شاستري" الذي خلف نهرو عام 1946م من إنديرا تولي حقيبة وزارة الخارجية لكنها رفضت مفضلة وزارة الإعلام، وزادت من نشاطها في مجلس ممثلي الولايات الهندية الذي يعتبر المركز الحقيقي للسلطة في البلاد، وكان من أهم إنجازاتها في وزارة الإعلام تمكين المعارضة من عرض وجهات نظرهم في الإذاعة والتلفزيون. جاءت الوفاة المفاجئة لرئيس وزراء الهند "شاستري" في يناير/ كانون الثاني 1966م في العاصمة الأوزبكية "طشقند" أثناء حضوره مؤتمراً للنزاع على كشمير برعاية الاتحاد السوفياتي، لتمهد الطريق أمام تولي إنديرا رئاسة الوزراء، واختيرت إنديرا غاندي لتولي منصب رئيس الوزراء، وفيعام 1967م قرر الحزب إعادة ترشيحها. اندلعت صراعات داخلية بين بعض رموز حزب المؤتمر بغية الفوز بمنصب رئيس الوزراء، وقد أدت هذه الصراعات إلى انقسام الحزب إلى قسمين: حزب المؤتمر o أي التنظيم(organization) وحزب المؤتمر r أي الحاكم (ruling) بقيادة إنديرا، واستطاعت إنديرا الصمود أمام هذه العاصفة الجديدة بتحالفها مع التيارات اليسارية داخل البرلمان، واستمر هذا الوضع مدة عام. رفض البرلمان الهندي إدخال تعديل على الدستور يسمح بإلغاء الامتيازات والنفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء، وقد تجاوزات إنديرا هذا الرفض فاستصدرت مرسوما رئاسيا يسمح بإصدار مثل هذا القانون، وعندما أعلنت المحكمة الدستورية العليا عدم دستورية هذا القانون، رفعت المعارضة شعار "اطردوا إنديرا" فردت عليهم بشعار "اطردوا الفقر" مما أكسبها تأييد الجماهير الشعبية التي صوتت بكثافة لمرشحي حزب المؤتمر (جناح إنديرا)، ونجح مؤيدوها بـ350 نائبا من أصل 515 مما سمح لها بتنفيذ العديد من الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند. كانت إنديرا غاندي تعتبر علاقتها بالاتحاد السوفياتي علاقة استراتيجية تكللت في 9 أغسطس/ آب 1971 بتوقيع معاهدة للصداقة والتعاون تمهيدا للدخول في الحرب الثالثة مع باكستان التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقات مميزة. قادت إنديرا الهند في حربها مع باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد موال للهند هو بنغلاديش. وقد رفع هذا الانتصار شعبية إنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين. ضرب الجفاف مساحات شاسعة من الهند، قلت على أثره المحاصيل الزراعية وارتفعت أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها النفط ودخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري، ساعد على بروز أصوات المعارضة بقوة، وهو الأمر الذي حدا برئيسة الوزراء إنديرا غاندي إلى إعلانحالة الطوارئ في 26 يونيو/ حزيران 1975م مبررة ذلك بضرورة تنفيذ برنامج طموح من الإصلاحات الجذرية. وبموجب حالة الطوارئ، هذا زجت حكومة إنديرا بأبرز زعماء المعارضة البرلمانية في السجن، وفرضت الرقابة على الصحف وعلقت الحريات الدستورية. ونتيجة لكل ذلك كان من الطبيعيأن تتهاوى شعبيتها ويخسر حزبها في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 1977م أمام تكتل المعارضة "جناتا بارتي" وتخسر هي نفسها مقعدها في البرلما ن. عادت إنديرا إلى السلطة مرة أخرى مستغلة سلسلة من الأخطاء السياسية ارتكبها تكتل المعارضة، منها: ـ قرار وزير الداخلية باعتقالها مدة يوم واحد قبل أن تصدر المحكمة قرارها بالإفراج عنها. ـ رفض البرلمان الهندي دخولها إلى قاعة البرلمان رغم نجاحها في إحدى الدوائر الانتخابية، وتصويته على طردها، ثم اعتقالها لمدة أسبوع كامل من 19 - 26/12/1978م مما منحها تعاطفاً شعبياً كبيراً. ازدياد الانقسامات والصراعات داخل تكتل المعارضة الحاكم، ثم انفراط عقد التكتل بأكمله. حل البرلمان الهندي بعد أن دخلت البلاد في حالة من الفوضى السياسية. وكانت إنديرا غاندي قد استعدت لذلك، فجاءت نتائج الانتخابات في يناير/ كانون الثاني 1980م لتكرس انتصارها وانتصار حزبها وابنها سنجاي الذي انتخب هو الآخر بأغلبية ملموسة. كان سنجاي من القلائل الذين شجعوا إنديرا على الاستمرار في الحياة السياسية الهندية عند هزيمتها عام 1977م وساعدها في تجديد قيادات الحزب عام 1978م وأصبح أحد أمناء العامين، وتمكن بهذه الصفة من إقصاء معظم الوزراء والحزبيين المتورطين في ارتكاب تجاوزات، ولم يتردد في شق الحزب عام 1978م، وتشكيل حزب جديد عرف باسم حزب المؤتمر (إ) نسبة إلى إنديرا. ولكنه لم يقدر له أن يتمتع بثمرات انتصاره إذ لقي حتفه في حادث طائرة شراعية بعد شهر من عودة والدته إلى الحكم، تاركاً المجال مفتوحا أمام خلافة والدته، وذلك قبل أن تقنع هذه الأخيرة ابنها الأكبر راجيف بالانخراط في معترك السياسة تمهيدا لخلافتها. احتج بعض زعماء السيخ المتشددين على بعض سياسات إنديرا، واعتصموا في أحد معابدهم المقدسة (معبد الشمس) وطالبوا باستقالتها، ولما امتنعوا عن الاستجابة لمناشدتها بفض الاعتصام وعدم إثارة الرأي العام أو النعرات الطائفية أعطت أوامرها للجيش باقتحام المعبد والقضاء على المعتصمين، وعلى رأسهم "سانت بيندرانوال" مما أثار حفيظة بقية السيخ. في هذه الأثناء رفضت إنديرا تغيير حرسها الشخصي المكون من الضباط السيخ، معتبرة أنه يجب أن لا يؤخذ الأبرياء بجريرة المذنبين على حد وصفها، لكنها لم تكن موفقة في هذا الرأي، فقد تغلب التعصب الطائفي على الواجب القومي، فسقطت إنديرا صريعة برصاصات قاتلة أطلقها عليها حرسها الشخصي صبيحة يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1984م فودعت الحياة السياسية عن عمر يناهز 67 عاماً. وُلد الشاعر "محمد مفدى زكريا" عام 1908م في قرية "بني يزقن" في منطقة "الميزاب" بالجنوب الجزائري وقد تلقَّى تعليمه متنقلاً بين مختلف المدارس والمعاهد، ابتداء من الكُتّاب الذي حفظ فيه القرآن وتعلم القراءة والكتابة، وانتهاء بمعهد الزيتونة والمعهد الخلدوني في تونس، وأتيح له خلال مقامه في البلد الشقيق الاغتراف من نبع اللغة والثقافة العربية، واستيعاب تراثها الشعري، والاطلاع على قصائد شعراء مدرسة الإحياء وكذلك المدرسة الرومانسية، فكان لذلك أثره في إثراء موهبته واتباعه المنهج الفني الذي قامت عليه المدرسة الأولى بصفة خاصة، كما يبدو جليَّا في شعره. كما أتيح له متابعة الصحف العربية الوافدة من مصر إلى تونس، وما حفلت به صفحاتها من مقالات بأقلام رواد النهضة والإصلاح والتحرير، وانعكس هذا بدوره على الموضوعات والأفكار والمشاعر التي عبّر عنها مفدى زكريا. لما عاد من تونس إلى الجزائر المنكوبة بالاستعمار لم يتردد في اللحاق بركب حركة الإصلاح والاستقلال، فانضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان من شعرائها المرموقين، وقد تتابعت قصائده بصحفها ومجلاتها، ثم رافق الحركة السياسية الوطنية مناضلا بقلمه ولسانه، فكان شاعر الحرية والنضال والدعوة إلى التضحية والفداء في سبيل عزة الوطن وحريته. ولُقّب بـ"ابن تومرت"، وهو اسم مؤسس دولة الموحدين في المغرب اللهب المقدس لما انطلقت ثورة الفاتح من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1954م التحق بصفوفها محارباً بقلمه ولقب بـ "شاعر الثورة التحريرية"، وقد كلفه ذلك تجريده من حريته سنوات طويلة، زُجّ فيها في غياهب السجون. وقد نظم كثيراً من قصائده وأناشيده في الزنازين، وما ثناه هذا القمع عن عزمه. وتطالع القارئ أنفاسه المتهدجة الثائرة في كل صفحة من صفحات أشعاره النضالية في ديوانه الكبير "اللهب المقدس". فالثورة الجزائرية هي الينبوع المتفجر في قصيده؛ لأنها القضية الأساسية التي وقف عليها فنه وحياته، والتي ألهمته حرارة أنفاسه. فلا غرو أن يقترن اسم مفدى زكريا على صفحة غلاف هذا الديوان بعبارة (شاعر الثورة الجزائرية) فهي قولة حق بلا منازع؛ لأنها الجذوة التي ألهبت وجدانه وفكره، منذ عرف طريقه إلى عالم الكلمة حتى غدا شاعر الحرية والنضال. وبهذا الموقع ينتسب في رأينا إلى طبقة شعراء الحماسة العرب. فشعره هو الثورة، والثورة هي شعره، ومن ثم أهدى ديوانه (إلى الدقيقة الواحدة من فاتح نوفمبر 1954م.. إلى أول أصبع جزائرية... تطلق القذيفة المسحورة الأولى فتسعِّر "اللهب المقدس" في دروب بلادي الحالمة وأحراشها السكرى، ورمالها العطشى، وجبالها الغضبى). ويقول في كلمة التقديم أيضاً إن "اللهب المقدس" هو ديوان الثورة الجزائرية ـ التي يسميها ثورة العرب في الجزائر ـ بواقعها الصريح، وبطولاتها الأسطورية، وأحداثها الصارخة، وهو "شاشة تليفزيون" تبرز إرادة شعب. ويقتبس مفدى زكريا وصف أمير الشعراء أحمد شوقي للشعراء (أنتم الناس أيها الشعراء) كما يُعرِّض بشعر نزار قباني في ديوان "طفولة نهد"، وذلك في قوله: "قد لا يجد عشاق ما يسمونه بالشعر الجديد في "اللهب المقدس" ما يشبع غرائزهم المشبوبة في جحيم النهود والبراعم والفساتين، ولكن سيجد فيه (الشعراء الناس) صلة رحم وثقى بعزّ أمجادهم، وتجاوبا صادقاً مع مشاعر العروبة الزاحفة في كل بلد عربي يقدر ما لكلمة "عروبة" من عظمة وجلال، وعسى أن أكون قد أرضيت ضميري وثورة بلادي وعروبتي". ويشترك مفدى زكريا مع كثير من شعراء المقاومة السجناء في مخاطبتهم من وراء الأصفاد أطياف زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم المغيبين عن عيونهم فينادي مفدى زوجته من سجن "بربروس" الرهيب في الجزائر العاصمة سنة 1955م إذ يقول: سلوى أناديك (سلوى) مثلهم خطأً لو أنهم أنصفوا كان اسمك الرَّمقُ يا فتنة الروح هلا تذكرين فتى ما ضره السجن إلا أنه وَمِق؟ هل تذكرين إذا ما الحظ حالفنا إليك أهتف يا (سلوى) فنتفق؟ أم تذكرين ولحن الروح يطربنا إذ نفرش الرمل في الشاطئ ونعتنق وتغرب الشمس تطوي في ملاءتها سَّرين أشفق أن يغشيهما الشفق وكم سهرنا وعين النجم تحرسنا إذ نلتقي كالرؤى حينا ونفترق والليل يكتم في ظلمائه شبحاً يأوي إلى شبح ضاقت به الطرق يا ليل كم لك في الأطواء من عجب يا ليل حالك حالي أمرنا نسق عود على بدء ويتغنى شاعرنا بانتماء الجزائر إلى الإسلام والعروبة، فتحت رايتهما تصدت كتائب جيش التحرير للمستعمر مستلهمة مبادئها وأهدافها وسلوكها من الأصول الإسلامية وروح الشريعة، جاعلة من الجهاد في سبيل إعادة البلاد إلى نهج العروبة والإسلام مبدأ مقدسا آمن به رجالها إيمانا لا يتزعزع. وقد بلغ من التزام المجاهدين بقدسية التضحية والفداء التي نص عليها الكتاب والسنة تنفيذ بعضهم ـ في حالات نادرة ـ حكم الإعدام في أبناء وآباء وأخوة ثبتت في حقهم جريمة العمالة والخيانة العظمى. ومن ثم كان للدين الإسلامي الحنيف الباع الطويل في شحذ الهمم والتفاف الشعب حول قادة الفاتح من نوفمبر بعد أن مهد العلماء المسلمون الجزائريون للثورة بنشر العقيدة وبث الوعي بمقاصدها، وعلى رأسهم الشيخان "عبدالحميد بن باديس" و"محمد البشير الإبراهيمي" اللذان استوعبا جوهر الدين الحق، وحاربا البدع والضلالات التي أشاعها التخلف والاستعمار، وعرفت باسم "الطرقية"، كما قاوما النزعة "الإقليمية" المعادية للعروبة والتي غرسها الفرنسيون، وبشرا بالجانب الإنساني للإسلام، ونشرا التعليم باللغة العربية التي استخدم الاستعمار كل الوسائل للقضاء عليها وطمس الشخصية الجزائرية. اقرأ كتابك ويستحق مفدى أن ينال شرف نعته بالمدافع الصلب عن الوحدة العربية، لا لما شدا به من قصائد في هذا الغرض فحسب، بل بما بذل وضحى في سبيل مبدئه، متوجا قوله بفعله، فلقد دفع الثمن من حريته إذ زج به العدو من سجن إلى سجن، فلم يجزع أو تهن عزيمته، بل زاده الاضطهاد والتعذيب إيمانا بحرية وطنه وعروبته. ولنستمع إلى صدى صوته من قاع الزنزانة رقم "375 بسجن البرواقية" وهو ينشد قصيدة "اقرأ كتابك" وقد ألقيت هذه القصيدة نيابة عنه في إذاعة (صوت العرب) بالقاهرة: هذا (نفمبر) قم وحي المدفعا واذكر جهادك والسنين الأربعا واقرأ كتابك للأنام مفصلا تقرأ به الدنيا الحديث الأروعا إن الجزائر قطعة قدسية في الكون لحنها الرصاص ووقعا وقصيدة أزلية أبياتها حمراء كان لها (نفمبر) مطلعا نظمت قوافيها الجماجم في الوغى وسقى النجيع رَويَّها فتَدفّعا غنى بها حر الضمير فأيقَظت شعبا إلى التحرير شمر مسرعا وأراده المستعمرون عناصرا فأبى مع التاريخ أن يتصدعا واستضعفوه فقرروا إذلاله فأبت كرامته له أن يخضعا واستدرجوه فدبروا إدماجه فأبت عروبته له أن يُبلعا وعن العقيدة زوروا تحريفه فأبى مع الإيمان أن يتزعزعا لقد كان شاعرنا في طليعة العلماء والأدباء في عصره، وله دراية عميقة بالتاريخ العربي الإسلامي الذي جعل شعوب المشرق والمغرب نسيجا واحداً لا انفصام له. في ملحمة فلسطين تتوج ملحمة الشعر النضالي الذي استوحاه من إيمانه بالوحدة العربية ودعوته إلى الدفاع عن شعوبها المكافحة بقصيدته "فلسطين على الصليب"، وهي حوار بين الشاعر وفلسطين والعرب بعد 13 عاما من تقسيم فلسطين. وهي من أروع منجزاته الشعرية صياغة ومضمونا. ولعل قسوة الجرح الفلسطيني وفداحة النكبة كانا من وراء حرارة النغم الذي شدا به هذا الشاعر الموهوب المرهف الحس الأصيل الانتماء، وهو يفتتح الجزء ال أول من القصيدة بنداء جياش موجع يثير كل المواجد: أناديك في الصرصر العاتية وبين قواصفها الذَّارية وأذكر جرحك في حربنا وفي ثورة المغرب القانية فلسطين يا مهد الأنبيا ويا قبلة العرب الثانية ويا حجة الله في أرضه ويا هبة الأزل السامية أما الجزء الثاني فقد صاغه الشاعر على لسان فلسطين، فهو ينزف أسى ولكنه يسمو شموخا. وفيه يكشف مفدى دون مواربة ولا رياء عن أسباب المحنة. فالعربي الذي يبكي فلسطين هو الطاعن والطعين، هو الجرح والسكين. وقبل أن ندين غيرنا علينا أن نطهر أنفسنا، تلك شريعة الحق والعدل، وليس هناك طريق بديل: لقد كان لي سبب للبقا فقطع قومي أسبابيه ورحت أباع وأشرى كما تباع لجزارها الماشية وأشنق في حبل مستعمري وأصلب في كف جلاديه وفرَّقني الخُلْف أيدي سبا وشُتِّت في الأرض أوصاليه فأصبحت أرسف في محنتي وقومي عن محنتي لاهية هو الشعب لا السادة المترفون يحقق للنصر أحلاميه ويستفز الشاعر النخوة العربية بذكر الأمجاد التاريخية التي خلدها أبطال العرب خالد بن الوليد وسعد بن أبى وقاص وصلاح الدين الأيوبي في القادسية وحطين وأنطاكية. ويختتم مفدى زكريا قصيدته بالأمل.. بل بالثقة في النصر: ولن يخلف الله ميعاده ولا ريبَ ساعتنا آتية عرفت العلامة الكبير الأستاذ محمود شاكر- رحمه الله ـ منذ أكثر من ثلاثين سنة، في مستهل دراستي في كلية آداب القاهرة لنيل درجة "الماجستير" وامتدت هذه الصلة إلى مرحلة "الدكتوراه" حين أقمت في القاهرة متفرغاً سنة كاملة، كنت أتردد خلالها على منزله العامر في معظم أيام الأسبوع، أمكث فيه من العصر إلى جنح من الليل، أفيد من مكتبته العامرة وعلمه الغزير، وربما قصدته في الضحى والمساء.. حتى كأني أصبحت فرداً في أسرته، دون أن أجد منه تثاقلاً أو إعراضا بل كان- رحمه الله- لا يتردد في مناولتي أي كتاب أطلبه، إذا لم يكن في غرفة مكتبه، فهو يأتي به من إحدى الغرف الداخلية التي امتلأت برفوف الكتب. صفاته واستمرت صلتي بشيخي الجليل إلى ما بعد مرحلة الدكتوراه، إذ قلما زرت القاهرة دون أن أقصد شيخ العربية براً به، ووفاء له، واستزادة من علمه وفضله، وهو الذي أفتخر بتخرجي عليه في منهج التحقيق الذي تفرد به، وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة رسالتي للدكتوراه عن تحقيق"شرح ديوان ذي الرمة" لأبي نصر الباهلي صاحب الأصمعي. كان الشيخ أقرب إلى الطول، شديد السمرة، في شعره الذي خالطه الشيب جعودة يسيرة، تغطي عينيه اللتين أضنتهما الكتب المطبوعة والمخطوطة نظارة مضاعفة العدسة. وكانت أسارير وجهه توحي بالجد والرصانة، ومع ذلك فقد أوتي روحا مرحة، تطرب للنادرة. حتى تحس أنه يضحك لها من قلبه وجوارحه كلها، وكأنه طفل غرير، لا يحمل هماً، ولا يعرف غماً، وهو كثيراً ما يداعب تلاميذه، ويمازح خواص جلسائه، حتى إذا جد الجد فهو الليث عادياً، كما يقول ابن المقفع، وويل كل الويل لمن يتعرض إلى عاصفة من غضبه العاصف المدمر، أو لسانه العضب الذي لا يعرف المهادنة، ولا يبالي بصغير أو كبير، حتى قيل إن زلة لسانه في ثورة غضبه على عبد الناصر هي التي أودت به إلى السجن دون أن تقبل فيه شفاعة الشافعين. وكان من بواعث غضبه الذي لا يكاد يهدأ حتى يثور، ومن عوامل حساسيته الشديدة التي كانت تؤرقه وتتلف أعصابه، ما نره لدى عدد كبير من كبار العلماء الذي يتبحرون في العلم، وينقطعون إليه، حتى لا يكاد الواحد منهم يغادر بيته ليختلط بالناس، ويعرف أحوال المجتمع عن كثب، وهذا ما يوقعهم في حالة من عدم التلاؤم مع غيرهم، ومن عدم الرضا عن الظروف المحيطة بهم وبأمتهم، وبخاصة أنهم قد يصابون بالإحباط واليأس، إذ يطمحون أن يغيروا من حولهم، وأن يرفعوهم إلى مستوى مطامحهم وأمانيهم في نهوض الأمة من كبوتها، وفي عودتها خير أمة أخرجت للناس، وهم يريدون لمن حولهم أن يكونوا على ماهم عليه من الجد والمثابرة والإخلاص والاستقامة، والوعي بطريق الخلاص وأسس النهضة.. ولكن هيهات هيهات!.. برنامجه اليومي كان البرنامج اليومي للشيخ فيما رأيته خلال سنة ونيف، يبدأ بالكتابة في فترة الصباح إلى الغداء، ثم تأتي فترة القراءة حيث يستلقي الشيخ على أريكة طويلة بعد أن يختار أحد الكتب من منضدة طويلة تتوسط قاعة الجلوس، وقد اختلطت فيها أنواع الكتب ما بين تراثي قديم ومعاصر جديد، وما بين كتب لغوية وفكرية، وما بين دراسات أدبية أو دواوين شعرية. فإذا أدى الشيخ صلاة المغرب جاء وقت الراحة، يستقبل فيه الخلص من أصحابه، أو يسامر ولديه الصغيرين آنذاك،: فهراً وزلفى، أو يجلس أمام شاشة "التلفزيون" غير متحرج من ذلك. أما مساء يوم الجمعة فإن بيت الشيخ ينقلب من بعد صلاة المغرب إلى ندوة أدبية وفكرية وسياسية، يلتقي فيها أصحابه من الأدباء والشعراء والمفكرين وطلاب الدارسات العليا، وتدور الأحاديث في هذه الندوة في شتى الموضوعات، التي يثيرها خبر من الأخبار، أو حدث من الأحداث المهمة المحلية أو العالمية، أو سؤال يطرحه أحد الحضور. وما يكاد الشيخ يخرج من بيته إلا لضرورة ماسة: من زيارة لطبيب، أو مرور على خياط، أو مناسبة ملحة لا يستطيع دفعها، وما أندر مثل هذه المناسبات في حياته. وقد تعرفت في منزل الشيخ على عدد من كبار الشخصيات، منهم الدكتور "عبدالحليم محمود" شيخ الأزهر، والشيخ "عبد الخالق عضيمة" إمام النحو، والأديب الكبير الأستاذ "يحيى حقي"، والشاعر الكبير الأستاذ "محمود حسن إسماعيل"، والدكتور "حسين نصار" الأستاذ بكلية آداب القاهرة والدكتور "ناصر الدين الأسد" الذي كان آنئذ في جامعة الدول العربية، والدكتور "محمود الطناحي" الذي كان من أصحاب الشيخ الخلص وأقربهم إلى قلبه. وكان ممن صحبتهم إلى منزل الشيخ وعرفتهم إليه معالي الدكتور "عبد الله التركي" عندما كان عميداً لكلية اللغة العربية بجامعة الإمام، وقد امتدت علاقته به حتى دعاه إلى إلقاء عدد من المحاضرات العامة، عندما أصبح من الملازمين للشيخ ومن المهتمين برعايته إلى آخر عمره. على أن ما أشرت إليه من البرنامج اليومي للشيخ لا بد أنه كان في الشطر الأخير من كهولته.. وإلا فكيف أتيح له أن يحيط بالتراث إحاطة لا يدانيه فيها أحد من المعاصرين؟ ومن المعروف أن الشيخ محمود شاكر أخذ يثقف نفسه وفق برنامج شامل، اختطه لنفسه بعد صدامه مع الدكتور طه حسين، وتركه الجامعة. وهو في السنة الثانية من سني الدراسة، ومضى يأخذ نفسه بالجد والمثابرة على تحصيل العلم، والتضلع بالتراث، قراءة للكتب، وحفظاً لدواوين الشعر، وهو ما يزال في ريعان الشباب، يرى إلى أترابه يهزلون ويجدون، ويلهون ويرتعون، وهو ماض إلى غايته كما يمضي أولو العزم من الرجال، واستطاع بذلك أن يجمع بين الثقافة العربية والإسلامية، وبين الثقافة الغربية، إذ كان يجيد الإنجليزية إجادة تامة. ذاكرة عجيبة! وقد أعانه على تلك الثقافة الواسعة الشاملة أمور عدة، منها نشأته في بيت علم متوارث، إذ كان والده - رحمه الله- شيخ علماء الإسكندرية، ثم صار وكيلاً للجامع الأزهر، ومنها ذلك التحدي الذي كان من جراء صدامه مع الدكتور طه حسين وتركه للجامعة، ومنها تعهد أخيه الشيخ أحمد ـ رحمه الله- له، ومنها وهو أعظمها، تلك الذاكرة العجيبة التي شهدت عجائبها بنفسي، والتي أسوق طرفا مما أذكره منها خلال ملازمتي له في منزله سنة بل أكثر من سنة. فمن ذلك أني كنت أنظر في لسان العرب في مكتبته، فرأيت في بعض الصفحات إشارات تشبه إشارة الضرب في الحساب (x) وليس بجانبها أي تعليق كان، وقد دفعني الفضول إلى أن أسأله عن هذه الإشارات المبهمة، فقال لي: غفر الله لأخي الشيخ أحمد فقد كان يطلب إلى أن أحفظ ما بين كل إشارة وتاليتها في زمن يحدده لي. وكان الشيخ أحمد يكبر أخاه بنحو من سبعة عشر عاماً. ومن شواهد حفظه للشعر القديم ما رأيته من محاورة تمت أمامي بين الصديق الدكتور "محمد علي الهاشمي" وبين الأستاذ الدكتور "حسين نصار"، وكان الدكتور الهاشمي يحقق جمهرة أشعار العرب، فسأل الدكتور حسين نصار عن بعض الأبيات في الشعر الجاهلي لم يهتد إلى قائلها، وما كان من الدكتور نصار إلا أن قال له دون تردد: اسأل شيخك محمود شاكر فهو يحفظ الشعر الجاهلي. وكنت في أثناء تحقيقي لشرح ديوان ذي الرمة وقفت حائراً أمام نحو أربعين شاهداً من شواهد الشرح، لم أستطع الاهتداء إليها في مظانها على ما بذلك من جهد، ولما سألت الشيخ محمود شاكر عنها، إذا به يرشدني فوراً إلى نحو نصفها، ذاكراً اسم القائل واسم المصدر الذي يحتوي الشاهد، أما النصف الآخر فقد أراد أن يسهل علي متابعة البحث عنها، فقال لي عن كل شاهد منها: ليس هذا البيت معروف القائل، ولا هو من شعر فلان وفلان وفلان. وقد وقفت عاجزاً عن تخريج عبارة وردت في أثناء شرح ديوان ذي الرمة، وهي قولهم: "إن ابن آدم ومتاعه على قَلْت إلا ما وقى الله، أي: على هلاك". ولما سألت عنها الشيخ محمود لم يتلبث في الإجابة بأكثر مما يتلبث المشتغل على الحاسوب "الكمبيوتر" في الضغط على أزرار الجهاز، ثم قال لي: "أظن أني قرأت هذه العبارة في الطبعة القديمة لكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، ومادامت الطبعة التي حققه ا الأستاذ عبدالسلام هارون تحتوي على فهرس لغوي فانظر فيها لعلك تجد هذه العبارة". وقمت من فوري لأنظر في البيان والتبيين، حيث وجدت العبارة بنصها، وأخذ مني العجب مأخذه حين قرأت في مقدمة التحقيق التي كتبها الأستاذ عبدالسلام هارون أن الطبعة القديمة التي قرأها الشيخ محمود شاكر، ورأى فيها تلك العبارة، مضى على صدورها نحو من ستين عاما! موقف طريف على أن أطرف ما حدث بيني وبين الشيخ محمود شاكر أني سألته عن معنى بيت عويص من شواهد شرح ديوان الرمة، ولما أخذ ينظر في البيت رآني قد عزوته إلى كتاب "معاني الشعر" للاشنانداني، فأنكر على ذلك، ومضى على عادته يسلقني بلسانه الحاد قائلاً: -لا أدري كيف تدرس في الجامعة وأنت تخطئ في عزو بيت من الشعر إلى مصدر لم يرد فيه. وأجبت قائلاً: -إنني تلميذك يا أستاذ محمود، وقد درست في الجامعة نحواً من ثماني سنوات، ومن المحال أن أقع في مثل هذا الخطأ الذي لا يقع فيه طالب مبتدئ. وهنا ثارت ثائرة الشيخ وقال بالحرف الواحد: -أنتظر، وسأريك مدى جهلك ومكابرتك. وأسرع الشيخ إلى إحدى الغرف الداخلية- وغرف البيت كلها مملوءة بأرفف الكتب كما قدمنا- وجاء بكتاب "معاني الشعر" للأشنانداني، وفتح الكتاب على الصفحة التي عزوت إليها الشاهد العويص، فإذا بالشاهد مثبت في الكتاب كما عزوته بالضبط، وهنا احمر وجه الشيخ خجلاً، وظهرت عليه أمارات الضيق والتبرم، وكان يتلفت يمنة ويسرة، ويعيد النظر في الكتاب، وكأنه لا يصدق ما يرى بأم عينه، ولا يصدق أن ذاكرته العجيبة قد خانته هذه المرة. وقلت للشيخ مهدئاً روعه، بعد أن أخذت الكتاب من يديه، ونظرت في غلافه وعرفت اسم المحقق.: - هون عليك يا أستاذ محمود، فأنت قرأت كتاب معاني الشعر في طبعته التي حققها الأستاذ "عز الدين التنوخي"، وأنا رجعت في عزو هذا البيت إلى الطبعة التي حققها الدكتور "صلاح الدين المنجد" الذي عثر على مخطوطة للكتاب لم تصل إلى الأستاذ التنوخي، وفي هذه المخطوطات زيادات منها هذا البيت دون شك. وسارع الشيخ محمود شاكر مرة أخرى ليأتي من إحدى الغرف بطبعة الأستاذ عز الدين التنوخي، وتأكد أن الشاهد لم يرد فيها، وعندئذ تنفس الصعداء قائلا: الله يرضى عليك.. لقد خفت أشد الخوف وقلت: محمود شاكر قد خرف. وكم وقفت أمام ما كان يفعله الشيخ في شرح الغريب، فيما حقق من كتب التراث، إذ لم يكن يكتفي بما في المعجمات من إيجاز مبهم أو ملبس، حتى يأتي بالشرح الوافي من عنده، ومن ذلك تفسير كلمة "القَلْت" إذ ذهبت معظم المعجمات إلى أن من معانيها "النقرة في الجبل" ولكن الشيخ محمود شرح القلت بقوله على ما أذكر: "القلت" نقرة في الصخر، يجتمع فيها ماء المطر فتضربه الريح، فيكون أعذب ماء يشرب". صمت واكتئاب! ويبدو أني أدركت الشيخ محمود شاكر بعد أن دخل في مرحلة غلب عليه فيها الصمت والاكتئاب، وداخله شيء غير قليل من اليأس، وقد ترك الكتابة في الصحف والمجلات، واكتفى بالتعبير عن آرائه مع الخاصة من زائريه أو في ندوة الجمعة المسائية في بيته، وكنت أستمع إليه عندما يرى العرب يختلفون ويقتتلون، ويهزلون ويعبثون، فيردد في حرقة بالغة. "إيه يا بني إسماعيل.. أنتم في تيه دونه تيه بني إسرائيل". وقد بلغ رغبته في السكوت والعزلة عن الحياة العامة، أني في اليوم الذي قصدته مع معالي الدكتور عبد الله التركي، ليتعرف إليه، رأينا كلاً من الأستاذ مالك بن نبي- رحمه الله ـ والدكتور ناصر الدين الأسد وقد سبقانا إلى زيارته، وقد تساءل الدكتور ناصر الدين الأسد عما يجب على الإنسان المثقف أن يقوم به أمام الاضطراب الفكري والسياسي والصراع العقائدي الذي يكاد يشمل العالم العربي كله؟ وسارع الشيخ محمود شاكر يقول: "يكفي أن يعبر الإنسان عن آرائه وموقفه أمام الذين يجيئونه في منزله". وعندما قلت له "يا أستاذنا إن ما تقوله، هو عين ما يريده الشيوعيون والملاحدة والعلمانيون، من أن يجلس المصلحون في بيوتهم، ويتركوا لهم الشارع ووسائل الإعلام، يعيثون فيها فساداً دون أن يتصدى لهم أحد". وهنا انفجر الشيخ غاضباً على عادته قائلاً: "أنت تريد إذن أن تقيم أحزابا وجمعيات" ثم مضى في هجومه المعتاد عليها جميعاً. هجوم على الأدب الإسلامي وعندما أقيمت ندوة عالمية عن الأدب الإسلامي في جامعة عين شمس بالتعاون بينها وبين رابطة الجامعات الإسلامية، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية، قصدت منزل الشيخ محمود شاكر في يوم الجمعة، حيث يلتقي في بيته عدد كبير من الأدباء والمفكرين، مع نفر غير قليل من مريديه ومحبيه، وظننت أني أحمل لشيخنا ما يفرحه عن قيام رابطة الأدب الإسلامي، بمكاتبها المنتشرة في أنحاء العالم العربي والإسلامي، ومجلاتها التي تصدر بأكثر من لغة، ومضيت أحدث الحضور عن الأدب الإسلامي وأهمية الدعوة إليه، ليقف أمام المذاهب الأدبية المستغربة من الواقعية الاشتراكية إلى الأدب الوجودي إلى البنيوية وغيرها من المذاهب الشكلانية، إلى الحداثة، التي كانت دعوة إلى التحديث في ظاهرها وإلى التدمير في حقيقتها ومقاصدها. وكان الحاضرون يستزيدونني الحديث، ويطرحون الأسئلة عن الأدب الإسلامي ورابطته، وكنت أجيب فرحاً بهذا التجاوب مع الأدب الإسلامي من نخبة مثقفة واعية.. وكان الشيخ صامتاً على عادته، ولم يكن يبدو عليه الضيق مما كنت أقول.. حتى إذا فرغت من الكلام قال: لقد تركتك تتكلم "من الصبح" فاسمع الآن ما أقول لك، ولشيخك أبي الحسن الندوي.. ومضى الشيخ يصب جام غضه على هذه الدعوة وعلى من دعا ويدعو إليها، ويؤكد أنه لا شيء إلا الأدب العربي فقط.. وأطال الشيخ في هجومه العنيف، وكان كلما أمعن في الكلام ازداد غضبه وانفعاله، حتى خشيت والله أن تصيبه نوبة قلبية، وكان بجانبي الصديق العالم المحقق الدكتور محمود الطناحي، فناشدته الله هامساً أن يجد طريقة لإسكات الشيخ، خشية أن يصيبه سوء، ولكن من الذي يستطيع أن يقف أمام الشيخ في ثورته العارمة وغضبه المشبوب، إلا من سولت له نفسه أن يجرفه تياره الذي ربما يجتاحه في طريقه. ومع ذلك كله، وعندما أردت الانصراف نهض الشيخ إلى الباب ليودعني، والتزمني معانقاً بحرارة ومودة، وكأنه يودع ولده فهراً!.. ولم أعجب لموقف شيخي من الأدب الإسلامي، ومن تعصبه للأدب العربي بخيره وشره، فقد سأله مرة أحد السائلين عن أبي نواس: أهو شاعر إسلامي؟.. فقال للسائل: "نعم هو شاعر إسلامي رغم أنفك". ذلك أن شيخنا وغيره ممن يقاربونه في نشأته وعمره، كانوا يخافون أن تكون دعوة الأدب الإسلامي دعوة شعوبية تنمو على حساب الأدب العربي، وتعمل على تجزئة الأدب إلى أدب عربي وإسلامي.. ولم يكونوا يقبلون من دعاة الأدب الإسلامي قولهم: إن الأدب العربي أدب منسوب إلى اللغة العربية، كما ينسب الأدب الإنجليزي إلى اللغة الإنجليزية، والأدب الياباني إلى اللغة اليابانية، وهذه النسبة اللغوية للأدب لا تعني ما في مضمونه من مذاهب أدبية متصارعة، وأن هذه المذاهب انتقلت من الآداب الغربية والشرقية إلى أدبنا العربي فجزأته، وجعلته أدباً مقلداً ومزوراً، وقسمت أدباءه إلى أتباع للواقعية الاشتراكية، أو للوجودية، أو للشكلانية، أو مذهب الفن للفن وأخيراً للحداثة التي وصفها الدكتور محمد مصطفى هدارة- رحمه الله- في محاضرة ألقاها في مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض قائلاً: "إنها في الحقيقة أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة، ذلك أنها تتضمن كل المذاهب والاتجاهات، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي، ولكنها تعم الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء". وما كان للأدب الإسلامي أن يضاد الأدب العربي، وهو الذي نشأ ونما وترعرع في محضن الأدب العربي، وما كان للأدب الإسلامي أن يزيد في تجزئة الأدب العربي، فهو مجزأ في الساحة الأدبية من قبل أن تقوم الدعوة إلى الأدب الإسلامي، ولكنه سوف يعمل على إلغاء تلك التجزئة، حين يكون ـ إن شاء الله ـ وريثاً لتلك المذاهب الدخيلة، التي بدأت موجتها تنحسر، وبدأ عوارها يظهر منذ سقوط الشيوعية، ومنذ انحسار تيار التغريب أمام الصحوة الإسلامية. يفتح بيته لطلاب العلم ولقد بلغ من كرم الشيخ ومروءته وإنسانيته، ورغبته في إحياء مآثر السلف الصالح، أنه فتح بيته لطلاب العلم على مختلف أجناسهم وأديانهم، وكان يعينهم على ما يعترضهم في إعداد رسائلهم الجامعية. ومعظمهم من طلاب العلم وتحقيق التراث، ولا يضن عليهم بجهد أو وقت، بل لا يتردد في تقديم الكتب إليهم بنفسه، والإتيان بها من غرف المنزل الداخلية. ولقد أحب الشيخ محمود شاكر كل من عرفه عن قرب حق المعرفة، وكل من أدرك أن وراء بعض السلبيات لديه ظروفا قاهرة، ومنها ماهو شخصي خاص من ضيق ذات اليد، ومن غمط الحكام والمتسلطين على مقاليد الأمور لمكانته، وحرمانه من حقه في الحياة الكريمة، والمناصب اللائقة سواء في التدريس الجامعي حيث يتخرج على يديه أساتذتها، ويحرم عليه أن يدرس فيها، أو في مجمع اللغة العربية، الذي لا يدانيه أحد من أعضائه في جدارته بالعضوية فيه، أو في جوائز الدولية، التي كانت تغدق على الفنانين والفنانات وعلى من يستحق ومن لا يستحق من غيرهم، ويحرم منها الشيخ محمود شاكر، وإذا كانت عضوية المجمع وجوائز الدولة قد جاءته، فإنها جاءت بعد فوات الأوان، ولعلها لم تغسل المرارة التي أحسها طوال حياته فكانت من أسباب اكتئابه وعزلته في بيته. أضف إلى ذلك حرقة قلبه ومدى يأسه، حين يرى إلى العالم العربي والإسلامي تكتنفه فتن كقطع الليل، وتتداعى عليه أمم الأرض تداعي الأكلة إلى قصعة الطعام، ويتسلط عليه المستعمرون ينهبون خيراته، ويذله اليهود إذلالاً دونه إذلال الصليبيين بالأمس، ليجعلوهم مطية لتحقيق مطامعهم وغلبة دولتهم. وتزداد كآبة الشيخ مع الأيام، ويزداد يأسه حين لا يرى بارقة أمل، ولا بارقة فجر، وحين يرى إلى العرب الذين يفترض فيهم أن يقودوا العالم الإسلامي وقد فقدوا هويتهم، بعد أن تنكروا للغة القرآن، وبعد أن جعلوا الأدب أدباً فاسداً بمقدار فساد الحياة الأدبية، وبعد أن غربوا حياتهم، بدءا من مناهج التعليم، وانتهاءً بفصل الدين عن الدولة، والنظر إلى الدين الذي هو سر بقائهم وشريان حياتهم على أنه سبب التأخر والجمود! ومع ذلك كله فقد غالب الشيخ كآبته ويأسه، وظروفه الشخصية، وليكون بحق فارس التراث، وشيخ العربية، وأديبها الكبير. وعلى الرغم من قلة ما ترك الشيخ لأمته من المؤلفات، فإنه كان في مواقفه ومقالاته وكتبه يمثل صورة الفارس الأخير، الذي حمل راية القرآن من الرافعي، كاتب الإسلام الأكبر، واستطاع أن يقف أمام طه حسين الذي فجر تيار التغريب في هذه الأمة، حين مضى يدعو إلى انسلاخ مصر، قلب العالم العربي، عن هذا العالم، بل عن الشرق كله، ويدعو في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" إلى أن يأخذ المصريون حضارة الغرب بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يستكره.. وكذلك استطاع أن يتصدى في "أباطيل وأسمار" إلى "لويس عوض"، الذي يمثل الجيل الذي خلف طه حسين، وزاد عليه في التنكر للتراث، وفي دفع الأمة إلى مهاوي العلمانية واليسار والاشتراكية. وقد أنكر بعض الناس أن يتصدى الشيخ محمود شاكر، وهو العملاق الكبير، لقزم لا يطاوله، ولكني أقول: لقد أراد الشيخ أن يجعل لويس عوض مثالاً لتحطيم الأصنام، التي أخذت أجيال من هذه الأمة المسكينة يعدونهم دعاة التنوير، ودعاة التقدم بعد أن تسنم الكثيرون منهم مقاليد الأمور وسيطروا على وسائل الإعلام المختلفة، وعلى دور النشر الرسمية. وإذا كانت الأمة قد بدأت صحوتها الإسلامية لتعود إلى الإسلام من جديد، فلقد كان محمود شاكر ممن مهدوا لقيام هذه الصحوة، على أساس مكين من التمسك بالقرآن ولغته الفصحى، والاعتماد على تراث الأمة، والوقوف أمام تيار التغريب، سعياً وراء منهج يعيد الأمة، كما أرادها الله، خير أمة أخرجت للناس. اللهم ارحم شيخنا كفاء ما قدم في سبيل نصرة دينك وكتابك، وتجاوز عن سيئاته كفاء صدقه، وجهاده في الذود عن لغة القرآن وتراث العربية وعن أصالة هذه الأمة وهويتها الإسلامية. كانت الفرحة شديدة وتلك الجموع تشهد ذاك العُرْس الـمهيب! ولم تعهد تلك الجموع عُرْساً مثل ذاك العُرْس.. فترى الدنانير والدراهم تنثر على تلك الجموع بغير حساب! وترى المسك وثياب الوشى المنسوجة تتخاطفها أيدي تلك الجموع! حقاً! لقد كان ذاك العُرْس أعجوبة من الأعاجيب! ولقد كان العروسان أسعد من تلك الجموع.. وأعظم بهجة بالتلاقي! ذاك عُرْس كان أحلى ما فيه؛ أنَّه جمع بين بحرين في الجود.. ونجمين للسَّارين! الزَّوج: سليل الـمكارم.. وحفيد الشَّرف التَّليد.. هارون الرشيد.. بدر الخلافة العباسية! وعُرْسه: كريمة العنصر.. ودُرَّة نساء بني العباس.. وأصيلة الرَّأي.. زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. فرعان ناضران من فروع تلك الدوحة الباسقة.. والشجرة الرَّيَّانة بـماء الـمكارم.. وطِيب الفضائل! لقد اختار هارون الرَّشيد عروسه بعد أن خَبِر شمائلها.. وأبصر فضائلها.. ولم تكن زبيدة بتلك الـمرأة ضعيفة الرَّأي.. واهنة الـهمَّة؛ بل كانت المتزيِّنة برفيع الخصال.. بعد زينة الحسب.. والـمتجمِّلة بجميل الـخُلُق.. بعد جمال الـخَلْق.. تأدبت بأدب الدين.. وشَبَّت على سُنن الصَّالحين.. ولقد كانت ربَّة ذاك القصر الكبير.. وسيدته الآمرة والنَّاهية. وأعجب لهذه النجيبة.. لم تنشغل ببحبوحة ذاك القصر.. بل كانت فيه السيدة الصالحة.. الـمتزوِّدة ليوم معادها.. فهي التَّالية لكتاب ربّها تعالى في صباحها ومسائها.. حتى كان قصرها محطاً لنفحات القرآن الزَّاكية! كان لزبيدة مئة جارية يحفظن القرآن! ووِرْد كلّ واحدة منهنَّ عُشْر القرآن.. فكان قصر هذه السيدة؛ يُسمع منه كدّويّ النَّحل.. لقراءة القرآن! حقاً إنَّه لا أعلى همَّة ممن صدف عن اللَّهو وهو قادر أن يلهُو! ولا أعلى همَّة ممن وَلِعَ بحبّ العزائم.. وترك الشهوات مع حبّ النفس لها! ولقد كانت هذه الـمصُونة سخيَّةً.. محبّةً للنَّدى.. شديدة الكرم.. لا تردّ حاجة وإن عظُمت.. وإليك هذه الآبدة من لطيف كرم هذه السيدة النجيبة.. لتقف على السماحة والندى.. حبس وكيلها ذات مرّة رجلاً كان يشرف على ضياعها، وجب عليه مائتا ألف درهم.. فكتب المحبوس إلى صديقين له يسألهما سؤال الوكيل في أمره، فخرج الرجلان إلى الوكيل، فلقيهما الفيض بن أبي صالح.. فقال : إلى أين؟ فقالا: نمضي إلى كذا وكذا. فقال: أتحتاجان أن أساعدكما؟ قالا : نعم. فمضى معهما وكتب الوكيل إلى زبيدة يخبرها بالحال. فقالت: لا سبيل إلى إطلاقه حتى يؤدي ما عليه. فأراد الرجلان الانصراف.. فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكّد حبس الرجل! فقالا : وماذا نصنع إذن؟! قال : نؤدي عنه الـمال، ونخرجه من الحبس، ونكشف عنه ضائقته. ثم إنَّ الفيض أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل الـمال عن الرجل! ثم دفع الكتاب إلى وكيل زبيدة وقال: قد أزحنا علّتك في الـمال، فادفع إلينا صاحبنا. فكتب وكيل زبيدة يخبرها بما حدث. فلما وصل الكتاب إلى زبيدة، أخذتها أريحية النَّدى، ولم تشأ أن ترى الفيض أكرم منها يداً.. فوقَّعت على ظهر الرّقعة: (نحن أولى بهذه الـمكْرُمة من الفيض، فأردد إليه حظّه وسلِّم إليه الرجل)! وهكذا بكلمتين من قلمها.. سمحت نفس هذه الكريمة بمائتي ألف درهم! فلله درُّك أيتها الـماجدة! وهل الكرم إلاَّ هذا؟! تلك أريحية امرأة شربت من معين الـمكارم.. وغُذِيَتْ بلِبان الفضائل! وأي عجب في ذلك؟! أليست هي المنفقة في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف دينار؟! ولـما رفع إليها وكيلها حساب النفقة مستعظماً لها؛ أنَّبته تأنيب اللَّبيبة.. وزجرته زجر الـمرأة الحصيفة.. فقالت له : ثواب الله بغير حساب! فلله درُّك أم جعفر! سليلة الأماجد.. وحفيدة الأشاوش من بني العباس! كرمٌ لم يعرفه إلاَّ السُّمَحاء.. ولم تَـجُـدْ به إلاَّ نفوس الكُرَماء.. وكانت هذه النَّجيبة إذا حجَّت .. أنعشت الـملهُوف.. وجبرت الضَّعيف.. وجادت بالنَّفيس والطريف.. فكانت لحجاج بيت الله سحاباً دافقاً.. وربيعاً نافعاً.. لا تزال تعطي الجزيل منذ خروجها من بغداد.. إلى وصولها بيت الله الحرام! وما تقطع مرحلة إلاَّ وتأمر بحفر بئر.. أو بناء الـمرافق للقاصدين بيت الله الحرام.. ولـما رأت - رحمها الله - ما يعانيه أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام من قلة الـمياه.. عزمت عزم الـمرأة الحازمة.. أن تكون حائزة شرف سقاية حجاج بيت الله الحرام.. وسمت همتها إلى بذل الطريف والتليد في تحقيق هذه الأمنية.. فدعت خازنها وأوعزت إليه بأن يأتي بأهل الصِّنْعة ليشقوا قناة من وسط الجبال، حتى يصلوا بها إلى وسط مكة! فأحضر الخازن أهل الصِّنْعة في ذلك، وبدأ العمل، ولم يكن بالعمل السّهل، حيث شقّت تلك القناة الجبال والصخور مسافة عشرة أميال! ولـما جاءها خازنها وقال لها: يلزمك نفقة كبيرة! أجابت جواب أهل الحزم: اعملها ولو كانت ضربة فأس بدينار!! وشاء الله تعالى أن يـحقّق لـهذه الـمصُونة أمنيتها.. فتدفَّقت تلك القناة على أهل مكة وقاصدي بيت الله الحرام.. فارتوى النَّاس بعد الظمأ.. وأخصبوا بعد الجَدْب! فكانت تلك حسنة زبيدة العظمى.. ومنقبتها الكبرى! فكم من ألسنةٍ بالدّعاء لصاحبتها لهجَتْ.. وكم من أكُفٍّ رُفِعَتْ! ألفا ألف دينار صبّتها هذه الصالحة في حفر هذه القناة! فما أكرم هذه الحسنة! وتالله تلك هي التجارة الرَّابحة! تلك همة امرأة لم تر الذُّخْر إلاَّ في اصطناع الـمعروف.. وإدمان الصَّالحات.. وحبّ الطاعات. وبعد اكتمال هذا العمل الجليل، جاء وكيلها وأحضر معه العمال لكي يكتبوا الحساب أمامها.. فقالت لهم : خلُّوا الحساب إلى يوم الحساب!! ثم أمرت بغسل الدفاتر والأوراق! فهنيئاً لك أم جعفر بهذا الشرف الخالد.. أبيْتِ إلاَّ عزماً.. وهمَّة! إنَّها التجارة مع الله تعالى! تجارةٌ لا تعرف الخسارة! ذاك هو الذُّخْر الخالد.. والرّبح الباقي! وزبيدة هي أمّ الأمين بن هارون الرَّشيد، والذي ولِي الخلافة بعد أبيه هارون الرشيد.. وقد نشأ الأمين في حضن هذه السيدة النجيبة.. فتربَّى على الأدب السامي.. والسَّمْت الرَّفيع.. فكان نجيباً.. سيداً.. عظيماً. ولـما آلت إليه الخلافة خلع أخاه الـمأمون من ولاية العهد، فخلعه أخوه الـمأمون، واشتعلت نار الحرب بين الأخوين! فأين كان موقع تلك السيدة يومها من هذه الأحداث؟ لقد كانت زبيدة ـ رحمها الله ـ تلك الـمرأة الحازمة.. اللبيبة.. فها هي تُوصي علي بن عيسى بن ماهان قائد ابنها الأمين.. وكانت الوصية وصية امرأة حكيمة.. نجيبة الرأي.. وها هو ابن ماهان.. يقف عند باب هذه السيدة.. مستمعاً لنُصْحها.. فقالت له - رحمها الله ـ : (يا عليّ إنّ أمير الـمؤمنين وإنْ كان ولدي، وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله - أي الـمأمون - منعطفة مشفقة؛ لـما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنـما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغارَّه على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوَّته، ولا تجبهه بالكلام، فإنَّك لست له بنظير، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع عنه جارية ولا خادماً، ولا تعنِّف عليه في السَّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه)! ثم دفعت إليه بقيد من فضَّة.. وقالت له: إن صار إليك فقيِّده بهذا القَيْد. فقال لها : سأفعل مثلما أمرتِ. فتأمل همَّة هذه الـمصُونة.. لم يثْنها حبّ الولد عن قول الحق.. والإنصاف في القول والفعل! هكذا يكون السُّؤدد والشَّرف! ولكن رياح الأحداث انقلبت، فانهزم ابن ماهان وقُتل، وحاصر الـمأمون بغداد، ثم كان بعدها قتل الأمين.. ابن تلك السيدة زبيدة بنت جعفر.. فقدت تلك السيدة وحيدها.. وفلذة كبدها.. ودخل قلبها ما يدخل قلب كلّ أمّ! وحزنت.. وكيف لا تحزن؟! وابنها الأمين كان عظيم النَّفس.. شهماً.. فريداً في طرازه! حُزْنان لزما قلب هذه السيدة؛ فَقْد الولد.. وفَقْد الشَّهامة! ولكن زبيدة - رحمها الله - وهي العاقلة.. اللَّبيبة.. دفعت حرّ الـمصيبة بصبر الحُرَّة.. الـمُوقنة بالخَـلَف.. الرَّاجية للثواب الباقي.. فلم تجزع جزع الضَّعيف.. بل أبدت من الصبر والـجَلَد ما حيَّر الألباب! فـها هو الـمأمـون يدخل عليـها بعد دخوله بغداد.. وهو يظن أن الحزن قد هدَّها بعد مقتل ابنها.. ولكنها قالت له بجنان ثابت: (أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك، قبل أن أراك! ولئن كنتُ قد فقدت ابنا خليفة لقد عُوِّضتُ ابنا خليفة لم ألِدْهُ! وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك! وأنا اسأل الله أجراً على ما أخذ، وامتناناً بـما عوَّض)! ليت النساء يتعلَّمْنَ منك تلك الـمكارم الرَّفيعة.. ويحتذين تلك الـمفاخر السَّنِيَّة.. فتأمَّلي يا أمَةَ الله في مفاخر واحدة من بنات جنسك.. لم يقعدها عن الـمكارم ضعف النساء.. ولا حبّ الدَّعَة!. وفي مشهد آخر لتلك الحرة الـمصُونة.. أخضعت فيه القلوب لفضلها.. فهي مذعنة لـها بشرف الـمنزلة.. ونُبْل الفِعَال! دخلت على الـمأمون في مرَّة من الـمَّرات.. فقالت له:(الحمد لله الذي ادخرك لي لـما أثكلني ولدي! ما ثكلت ولداً كنت لي عوضاً منه)! فلما خرجت.. قال الـمأمون لأحمد بن أبي خالد:(ما ظننت أن نساء جُبِلْن على مثل هذا الصَّبر)! حقاً! لقد حيَّرت هذه الـمصُونة بصبرها كلّ لبيب؛ حتى غدت بصبرها ذاك النموذج الفريد! وحريٌّ بكل مُصاب أن يقف عند عتبات هذه الـمدرسة الفريدة في الصَّبر، وحُسْن العزاء! عاشت زبيدة ـ رحمها الله ـ أيامها عاكفة على الطاعات.. ومغتنمة للقربات.. وغدت تقدِّم بين يديها أغلى ذُخْر؛ ليوم لا تنفع فيه سوى الحسنات الباقية! وفي شهر جمادى الأولى من سنة 216 للهجرة ودَّعت الدنيا السَّيدة الـمصُونة.. والدُّرّة الـمكنُونة.. ساقية الحجيج.. وربيع الـملهوفين.. والصَّابرة اللَّبيبة.. الصَّالحة النَّجيبة.. أمّ جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر الـمنصور.. لتُطوى صحيفة أنصع من مُزْن السَّحاب! وأنضر من التِّـبْر الـمسبُوك! وإن ودَّعت الدنيا فقد بقيت آثارها.. شاهدة بفضلها الجزيل.. ومقامها الزَّاكي النَّبيل.. مع دعاء الخلائق لها إذا قصدوا تلك الأركان الطاهرات.. ولبّوا بالحج في تلك الأيام الزَّاكيات.. فأنزل الله تعالى زبيدة منازل السُّعداء.. وأكرم نُزُلها في دار الحُبُور والـهَنَاء.. ليست بطون الكتب وحدها التي تمتلئ بسير العظماء والشرفاء؛ فظهر الأرض يحمل الكثير منهم، يعيشون بيننا، وربما لا نشعر بهم لتواضعهم، أو لأننا ـ ياللأسف ـ تعودنا ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد أن ترحل عنا أو نرحل عنها! حق لنا أن نفخر ونزهو؛ لأننا عشنا في زمن ظهر فيه أبطال أعادوا لنا أزماناً جميلة قهرت فيها قوى الحق ضجيج الباطل وأرهقته.. أبطال أرونا أياماً ناصعات تتوالد وتتنفس ونحن نشاهدها على مدار الساعة عبر منافذها الكثيرة. حق لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، لأننا عشنا في زمن ظهرت فيه نساء تمثلن الصبر والجهاد ضد العدو الغاصب، كـ"أمية جحا" وغيرها الكثيرات من نساء فلسطين، وفتيات فلسطين. البداية ولدت "أمية جحا" بمدينة "غزة" في 2/2/1972م، وتخرجت في قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995م بتقدير امتياز، وكانت الأولى على الجامعة. عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999م لتتفرغ للعمل الفني في مجال رسوم الكاريكاتير، حيث فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مارس 1999م، شاركت في العديد من المعارض المحلية. كانت متزوجة من الشهيد القائد الميداني بكتائب "عزّ الدِّين القسَّام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس "رامي سعد" الذي اغتالته يد الغدر في يوم الخميس 1/5/2003، خلال التصدي لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لحي "الشجاعية" شرق مدينة غزة. كانت بداية أمية الحقيقية منذ العام 1948م عندما رُحل أهلها رغماً عنهم من بلدة "المحرقة"، التي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ وقد حولها الاحتلال إلى مستوطنة تدعى "تيقوما". تأثرت أمية مثلما تأثر باقي أطفال فلسطين وشبابها بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها الفلسطينيون، وانعكس هذا التأثر على رسوماتها، حيث عُرفت من خلال رسوماتها بالمفتاح المصاحب لأعمالها، فكما كان ناجي العلي معروفا بين الجمهور بشخصية "حنظلة" في رسوماته عُرفت أمية بـ "المفتاح"، ما جعلها هدفاً لبعض المتطرفين اليهود الذين استحدثوا منذ بداية الانتفاضة موقعاً على شبكة الإنترنت في إطار حملة التحريض ضد المصورين الصحافيين الفلسطينيين، وتضمن الموقع قائمة سوداء بأسماء مصورين فلسطينيين في دعوة مفتوحة لقتلهم بسبب تغطيتهم للأحداث الجارية ولانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وقد تلقت أكثر من 216 رسالة تهديد بالقتل وتفجير منزلها في غزة من قبل منظمات أمريكية ويهودية متطرفة. المرأة الفلسطينية جبارة أهم ما يميز نساء فلسطين ـ وأمية منهن ـ هو الهمة العالية والمعنويات المرتفعة دائماً، المتعالية على كل المحن والأحداث، فهن جميعاً في شغل دائم لترتيب أمور الحياة التي يضربها إعصار الاحتلال من وقت لآخر، ولا تجد منهن من تجيد ندب الحظ أو الشكوى، إنهن يقهرن الدموع في المآقي، ولا نظن أنهن يفعلن هذا وهن بمعزل عن الإيمان بموعود رب السموات والأرض، وإلا فما تفسير تميزهن عن باقي النساء في هذا العالم الفسيح؟! حرصت أمية على مكافحة المحتل وإيلامه أسوة بإخوانها المجاهدين من الرجال.. اقتحمت فن الكاريكاتير وأجادت فيه وتفوقت على الكثيرين من ممارسيه، وقد تميز فنها ببساطته وجماله وعمق دلالته، هذا إضافة إلى ما في فن الكاريكاتير من ميزات لا توجد في فن غيره كسرعة وصوله للجميع؛ فهو لا يحتاج إلى لغات أو ألسن، يفهمه كل ذي عينين أينما كان، وأينما كان لسانه أو جنسه. ولأن أمية وعت أهمية ما أقدمت عليه من اتخاذ الكاريكاتير سلاحاً كالمدفع والرشاش فهي تقول في أحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معها: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخراً للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل فلسطين ومن خارجها، ورغم أنني فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شاباً، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا. فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة". أفراح مسروقة لحظات الفرح والسعادة في حياة الفلسطينيين لحظات مسروقة ومختلسة من دوامة الصراع والمطاردات وملاحقات الصهيونيين الذين لا ترتاحون إلا على أصوات قعقعة المدافع وروائح الموت! لم تدم الزيجة المباركة السعيدة بين رامي وأمية أكثر من عامين فقط، رزقا خلالها بطفلة أسمياها "نور". كانت الأيام الأولى على رحيل الشهيد "رامي سعد" ثقيلة ثقيلة على قلب أمية الملقبة بـ "أم المهدي"، فقد كان رامي يمثل لها الشيء الكثير.. فهو المنظم لحياتها، وكان يتمنى أن يضع كافة أعمالها الفنية رسومات الكاريكاتير على اسطوانات (C.D) خوفاً من ضياعها أو تعرض المنزل لقصف صهيوني غادر. لكن أمية كانت تحس بأن سعادتهما وحياتهما الزوجية لن تطول، وكانت تشعر بأن شيئا ما سيحدث معها وقالت إنه قبل شهر من استشهاد رامي كانت تشعر بالضيق وكانت تطلب منه أن يعرفها على المزيد من الناس، وقالت في حوار معها: "كنت أعلم أنني سأفجع بزوجي "رامي".. لكن هذا قدر الله، الدموع ستكون أكثر في القريب العاجل، لكنني راضية بما كتبه الله لي، ولي الفخر بأنني زوجة شهيد في الدنيا وإن شاء الله زوجته في الآخرة". أمية ترثي "رامي" وبعد أن رزق رامي الشهادة التي طالما تمناها وطمح إليها، سالت عبرات أمية بهذه الكلمات التي تقطر حباً وحناناً، ورضاً بقضاء الله تعالى وأملاً في موعوده، في حزن رصين يحوطه الشعور بالانتصار والأمل في لقاء الحبيب في اليوم الآخر فقالت: سألني: لماذا تبكي المقل؟! قلت له: رامي حبيبي قد قتل أجابني: وهل يُبكَى البطل؟ عاش ما عاش وانتهى به الأجل ليست الرصاصة من أنهت حياته بل هو للرصاصة من قتل قلت: لقد كان لي البسمة والأمل قال: وهكذا هو سيبقى ويظل إنه يرقبك في البيت في الشارع في العمل ويحضن نوراً ويداعبها بلا ملل ويطبع على جبينها ووجنتيها القبل قلت له: وأنّى لك أن تعرف؟ ومن أنت الذي علا صوته وسط السكوت؟ قال: أنا رامي يا أمية أنا رامي يا أمية ألم اقل لك: إن الشهيد حي لا يموت! شيخ الإسلام، وإمام المسلمين.. وقدوة المتنسكين.. ومجدد هدي سيد المرسلين.. ها لقد آن لقلمي أن يتشرف بالكتابة في مناقب هذا السيد الغطريف.. والمتبتل العفيف.. وليت شعري! أنى للأقلام أن تزين تلك المناقب البهية؟! من هو؟ هو عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز. ذلك النموذج الحي للسلف الصالح.. عاش نفحات أيامه الطاهرات أكثر من ثمانين عاماً.. كانت كأيام الأعراس؛ سروراً.. وبهجةً وسعادةً كاملةً.. ولد بمدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ. وكان في أول أمره بصيراً، ثم أصابه مرضٌ في عينيه سنة 1346هـ فضعف بصره لذلك، ثم ذهب جميع بصره في عام 1350هـ وعمره قريب من العشرين عاماً. بدأ دراسته منذ الصغر، فحفظ القرآن الكريم قبل البلوغ.. ثم بدأ في تلقي العلوم الشرعية والعربية على كثير من علماء الرياض وأعلامهم.. ومن شيوخه: الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض)، الشيخ سعد وقاص البخاري( من علماء مكة) وأخذ عنه علم التجويد، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ الذي لازمه عشر سنوات، وتخرج عليه في جميع العلوم الشرعية.. ابتداءً من سنة 1347هـ إلى سنة 1357هـ وتولى - رحمه الله - كثيراً من المناصب، منها: القضاء في منطقة الخرج، التدريس بالمعهد العلمي بالرياض، وكلية الشريعة بالرياض بعد إنشائها سنة 373هـ. عابد.. زاهد.. جواد.. متواضع كان هذا الإمام آية في حسن العبادة والتهجد.. لا تفتر عزيمته.. ولا تنثني همته.. وأعجب لرجلٍ لم يدع التهجد في سفر ولا في حضر. وها هي السيارة تنطلق ذات مرة بهذا الإمام من الرياض إلى مكة أو العكس.. ولما أشارت عقارب الساعة إلى الثانية عشر من منتصف الليل.. قال الشيخ: ما رأيكم لو نِمنَا هنا ثم في الصباح نكمل السفر؟ فوافق الجميع.. إذ إن التعب قد بلغ منهم غايته.. والكل يريد أن يستريح.. وما أحلى النوم بعد التعب! فارتمى الجميع.. ليستسلموا لنومٍ هادئ.. ولكن هنالك رجل التمس راحةً غير راحة النوم.. ولذةً غير لذ' النوم!. إنه: الإمام ابن باز!. فها هو يطلب ماءً.. ويتوضأ.. ثم يقوم متهجداً في صلاة يرجو ذخرها غداً.. ويصلي الإمام العابد ما شاء الله له من الليل.. ثم ينام بعدها.. وكان العجب من نصيب أولئك النفر عندما قاموا إلى صلاة الفجر.. ليجدوا ذلك الإمام الذي تركوه قائماً يصلي؛ فإذا بهم يرونه أيضاً مرة أخرى قائماً يصلي!! كان آخرهم نوماً وأولهم قياماً!! . لم تشغله الدنيا بزخرفها.. ولا ألهته عن تلك المكارم بزهرتها.. وأنى للدنيا أن تملك قلباَ ملكه الزهد. والورع وحب الصالحات؟! وفي سنة 1402هـ قررت هيئة جائزة الملك فيصل العالمية منح الجائزة للإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وهي جائزة عظيمة.. ليست بالسهلة! ولعل النفوس تحدثت يومها: أين سيضع هذا الإمام هذه الجائزة؟! ولكن الجواب كان سريعاً! فها هو الإمام يقف شامخاً في الحقل الذي أقيم بهذه المناسبة.. والكل يومها متشوق إلى معرفة مصير تلك الجائزة! وإذا بالإمام الزاهد يعلنها بأريحية بازية.. وزهادة عمرية: "..فإني أبذلها أيضاً، وأهديها أيضاً إلى دار الحديث الخيرية الأهلية المكية؛ معونة لها على ما تقوم به للخدمة الإسلامية، فإن دار الحديث الخيرية الأهلية بمكة تخدم المسلمين أيضاً، وتخدم أبناءهم في سائر أرجاء المعمورة من أفريقيا وآسيا وغيرهما..". يقول الشيخ ناصر الزهراني: "أتيته في يومٍ من الأيام فأخذت أتوسل إليه، وأترجاه وأحاول معه أن يوافق لي على السعي في شراء هذا المنزل الذي يسكنه بمكة، فهو ليس له؛ بل هو مستأجر!. فحاولت إقناعه، وقلت له: لا أريد منك إلا الموافقة، والباقي عليَ. فقال لي: اصرف النظر عن هذا الأمر، أي شئ تحتاجه مني في مساعدة، أو شفاعة للمسمين فلا تتردد، أما لي أنا فلا!!". حقيق بمن كانت تلك أخلاقه؛ أن يزرع الله حبه في قلوب العالمين.. أرأيت كيف أن همه دائماً: أن يسعد المسلمون؟! سهر.. حتى يسعد المسلمون.. وتعب.. حتى يرتاح المسلمون.. وأفتى.. ودرس.. وكتب.. حتى يتعلم المسلمون.. فكان- رحمه الله- لا يُرى إلا في تدريس، أو نصيحة، أو إجابة لمستفتٍ ، أو قضاء لحاجة سائل، أو مجيباً عبر الهاتف، ولم يعرف عنه- رحمه الله- أنه أخذ إجازة خلال عمله! فوقته كله عمل ودعوه، حتى خلال سير السيارة من عمله إلى منزله، فالقراءة عليه مستمرة! وبقي هكذا حتى آخر أيامه- رحمه الله-. ها هي رسالة تأتي ذات مرة من الفلبين إلى مكتب سند المحتاجين.. والرسالة من امرأة تقول فيها: "إن زوجي مسلم أخذوه النصارى، وألقوه في بئر، وأصبحت أرملة، وأطفالي يتامى، وليس لي أحد بعد الله عز وجل، فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني؟ قال الناس لي: لا يوجد إلا الشيخ عبد العزيز بن باز! فآمل أن تساعدني". فكتب الشيخ إلى الجهات المسؤولة لمساعدتها؛ فجاءت الإجابة: "إنه لا يوجد بند لمساعدة امرأة ألقي زوجها في بئر، فالبنود المالية محددة". ولكن السماحة.. والجود.. وإغاثة الملهوف كانت فوق ذلك؛ فأتت الإجابة من ذاك الإمام إلى أمين الصندوق: "اخصم من راتبي عشرة آلاف ريال وأرسله إلى هذه المرأة!". وهنالك.. وفي أدغال أفريقيا؛ ذهب وفد سعودي في إحدى المهمات، فجاءت إلى الوفد امرأة عجوز، وقالت لأحدهم: أنتم من السعودية؟ فقال: نعم!. فقالت: أبلغ سلامي إلى الشيخ ابن باز! فقال: كيف عرفتيه؟! فقالت: لقد كنت أنا وزوجي عائلة نصرانية وأسلمنا، ولكن طاردنا أقرباؤنا وضاقت بنا الدنيا، فسألت عن مساعد بعد الله، فقالوا: مالك بعد الله إلا ابن باز! فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة، ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل بي وتطلبني بمراجعتها، وإذا بسماحته قد أرسل لها بمساعدة عشرة آلاف ريال، فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك، بعد أن عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون!. وذات مرة دخل أحد الناس على هذا الإمام فقال له: يا سماحة الشيخ، بعض الفضلاء يرون أنك إذا جلست مع الناس وقت الغداء والعشاء وغيرها؛ أنه يجلس معك العاملون والموظفون والعرب والعجم والفقراء ودهماء الناس، وأن في هذا حرجٌ من بعض كبار الضيوف والزوار، فنحن لا نقترح عليك ترك إطعام الناس، وفتح المنزل لهم، ولكن ليكن لهم مجلس خاص، ومكان خاص لأكلهم وشربهم، وأنت وخواص ضيوفك يوضع طعامكم في مكان خاص! فتغير وجه الشيخ من هذه المقولة.. فقال: (مسكين! مسكين ! صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء! أنا سأستمر على هذا، وليس عندي خصوصيات، والذي يستطيع أن يجلس معي أنا وهؤلاء الفقراء والمساكين يجلس، والذي لا يعجبه وتأبى نفسه فليس مجبوراً على ذلك !". من هنا يبدأ يومه يبدأ يوم هذا الإمام قبل الفجر.. حيث يستيقظ في الثلث الأخير من الليل، ويأخذ حظه من الصلاة والذكر، ثم يصلي الفجر وبعد الصلاة يأتي بأوراد وأذكار الصباح، ولا يجيب أحداً حتى يفرغ منها، ثم يبدأ الدرس، حيث يقرأ عليه عدة كتب، ويذيلها- رحمه الله بشروحاته وفوائده، حتى قبيل الساعة السابعة صباحاً، وهذا في أيام الدروس، وأما إذا كان في المنزل، فيجلس إلى الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف أرجاء المعمورة، ثم ينظر في طلبات أصحاب الحاجات، حتى موعد دوامه الرسمي في الساعة التاسعة صباحاً. وإذا وصل إلى مقر الرئاسة، وجد المراجعين قد أخذوا أمكنتهم، فتعرض عليه المعاملات قراءة، ثم يأتي توجيهه في الرد على المعاملة فوراً، وخلال عرض المعاملات يستقبل- رحمه الله - الاتصالات الهاتفية، والتي غالباً تكون في الرد على فتوى، أو استفسار في أمور الدين، وبين الحين والآخر يدخل عليه أناس يريدون الدخول في الإسلام على يديه، وتعليمهم أمور دينهم، وإذا كانت هنالك اجتماعات للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حرص على رئاستها، فإذا كانت صباحاً؛ استقبل المراجعين ظهراً، وإذا كانت ظهراً استقبل المراجعين صباحاً. وإذا أذن المؤذن للظهر ذهب للصلاة في المسجد القريب من المكتب، وربما ألقى بعد الصلاة كلمةً من كلمات وعظه الصادق، ثم يعود إلى المكتب، ويقضي بقية الدوام في المعاملات الرسمية، والنظر في فتاوى الطلاق، وطلب الشفاعة منه من المحتاجين، واستقبال الوفود من الدول الإسلامية وغير ذلك، حتى الساعة الثانية والربع ظهراً، ويحرص- رحمة الله على دعوة كل من يحضره إلى تناول الغداء معه في بيته. وفي منزله العامر يجلس ضيوفه الذين يلقون كل الحفاوة والكرم من تلك الطلعة البهية، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى ضيوفه وجلسائه، حتى وقت أذان العصر، فيصلي في المسجد القريب من منزله، ثم يقرأ عليه شيئاً من الأحاديث؛ ليعلق عليها تعليقات يسيرة، مجلياً لفقهها وفوائدها، ثم يذهب إلى منزله لأخذ قسط من الراحة، حتى وقت صلاة المغرب، فإن كان هنالك درس أو محاضرة أو غير ذلك؛ توجه إلى مجلسه العام؛ لعامة الناس وخاصتهم، المقبلين للسلام عليه، أو استفتائه في أمور دينهم ودنياهم، وهو مجلس تملأه بهجة هذا الإمام، وصدق حبه ووفائه للمسلمين. ويستمر المجلس حتى وقت صلاة العشاء، فيتأهب- رحمه الله- ومن معه للصلاة، وفي المسجد وبين الأذان والإقامة يقرأ عليه من بلوغ المرام، فيشرحه شرحاً دقيقاً، وبعد الصلاة يرجع إلى منزله للنظر في بعض المعاملات الخاصة، ولقاء بعض المهتمين بأمور الدعوة، ثم يتناول مع ضيوفه طعام العشاء، ثم يدخل مكتبته العامرة؛ فلا يزال بين قراءةٍ وإملاءٍ؛ حتى وقتٍ متأخر من الليل!!. وفاة الإمام ياله من جرح فاق كل جرح.. وياله من حزن هان عنده كل حزن.. وياله من يوم ما أشده على المسلمين.. يوم أن قيل: مات ابن باز! يا أمة غاب عنها بدرها الساري وجفّ من أرضها سلسالها الجاري طاشت عقول بنيها من فجيعتها بحادثٍ يلهب الأحشاء بالنار أكثر من ثمانين عاماً من عمر هذا الإمام قضاها في الدعوة إلى الله تعالى.. وخدمة دينه الحق.. والنصيحة للمسلمين. أكثر من ثمانين عاماً مضت في الطاعات! وفي يوم الخميس.. السابع والعشرين من المحرم، سنة أربعمائة وعشرين بعد الألف.. كان الخبر الذي هز أركان الدنيا! وفاة الإمام القدوة المجدد.. شيخ الإسلام.. عبد العزيز بن عبد الله بن باز!. صفحة ما أزهاها قد طويت.. وعين ما أعذبها قد غارت.. لقد كان هذا الإمام قوياً على حادثات الزمان.. لا تضعضعه الآلام.. ولا تهزه الأوجاع.. اجتمع عليه ضعف الكبر.. ووخزات الآلام والمرض.. وهو ماضٍ في طريقه.. أنسته آلام المسلمين آلامه.. وأنسته أوجاع المسلمين أوجاعه..ولكن!! رأيت المرء تأكلهُ الليالي كأكل الأرض ساقطة الحديد وما تبغي المنية حين تأتي على نفسِ ابن آدم من مزيد أكثر من ثمانين عاماً؛ ملئت بالأعمال الهائلة.. لو كلفت بها الجبال الراسيات لتضعضعت لها!! لقد كان هذا الإمام صبوراً.. لا يشتكي أوجاعه لأحد.. ولا يبدو عليه ألم المرض وشكواه.. وظل- رحمه الله- إلى آخر يوم في حياته؛ يعلم الخير.. ويقضي حوائج المسلمين.. حتى وهو على سرير "المستشفى العسكري" في "الهدا" في مرضه الأخير!. وتبدأ معنا رحل الفراق لهذا الإمام.. وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله- السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله- لعدم تمكنه من حج عام 1419هـ، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام.. فلقد كان لوجوده- رحمه الله- بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام.. ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله- على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى "مستشفى الهدا العسكري" بالطائف، ومكث به أياماً.. ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر! بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛ وكانت تلك الجلسة هي الجلسة الأخيرة؛ التي جلس فيها كعادته في مجلسه العامر.. يوجه بكلمات نصحه الغالية.. ويستقبل الفتاوى عبر الهاتف!. ثم صلى بعدها صلاة العشاء مع أسرته، وتحدث معهم في مجلس أسري يزينه سماحته رحمه الله تعالى.. وفي تمام الساعة الثانية عشر ليلاً شعر ببعض الآلام في القلب، وضيق في التنفس، وفي الثالثة صباحاً اشتدت به الوعكة؛ فنقل إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف؛ ليفارق بعدها الحياة. وقبل وفاته كان يردد: سبحان الله؛ والحمدلله، والله أكبر.. كلمات لطالما ملأ بها ليله ونهاره.. ولطالما رطب بها لسانه.. لقد كان صباح الخميس صباحاً شديداً على المسلمين! وفي مكة تم غسله وتكفينه بمنزله في العزيزية، وشارك في غسله مجموعة من المشايخ والمحبين.. "ورؤي وجهه وقد اكتسى بعلامات من الضياء، والنور الساطع، فكان بياضه شديداً يأخذ بالأبصار، ويبهر الألباب!". وهنالك وفي الحرم الطاهر.. حيث بيت الله الحرام؛ توافد المسلمون من كل مكان.. ليشهدوا تشييع جنازة الإمام.. شيخ الإسلام.. الذي شهد له بالعلم الموافق والمخالف!. فيا لله! من يوم ما أشد الزحام فيه! امتلأ المسجد الحرام بالخلق! وضاقت ساحاته عن حمل الناس! وقد قدر عدد من شهده بمليونين! الكل يلهج بالدعاء والاستغفار لهذا الإمام.. يوم الجنائز أنت أكبر شاهدٍ للمفترى والعالم الرباني تروي جنازتكم جنازة أحمد أعني ابن حنبل أو فتى حرَّانِ وكانت الصلاة على الجنازة بعد صلاة الجمعة.. من يوم ثمان وعشرين من شهر الله المحرم من سنة ألف وأربعمائة وعشرين.. فرحم الله ابن باز في المرحومين.. وأنزله منازل الشهداء والصديقين.. وأعلى مقامه بمرافقة النبيين.. نكتة سخيفة؛ تلك التي أطلقها مخترع مادة الموت ـ قبل أكثر من مئة عام من اليوم ـ اليهودي "ألفريد نوبل" (1833ـ1896م)، والأسخف منها هؤلاء الذين ما زالوا يضحكون منها لليوم! فضيحة عالمية! ولو عدنا إلى وصية نوبل حول الجائزة لوجدناها مضحكة، إذ سيرة حياة الرجل تخالف وصيته، وتخالف منهج أتباعه الذين حملوا الوصية ليعملوا بعكس ما جاء بها، وهذا ما جعل الكاتب الإيرلندي المشهور "برناردشو" (1856ـ1950م) يقول ساخرا بعد ما رفض استلام هذه الجائزة المشبوهة: "إنني أغفر لنوبل أنَّه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنَّه أنشأ جائزة نوبل". ولعلَّ ما دفع برناردشو إلى رفض الجائزة والتعليق عليها بسخرية هو الانفصام الواضح في الشخصية اليهودية التي تدعو إلى شيء وتعمل شيئاً مخالفا تماماً، ويبدو هـذا أكثر وضوحاً في قـول الأديب اليوناني المعـروف "كازانـتزاكس" (1885ـ1957م) صاحب رواية "زوربا": لم أفهم كيف يتاجر رجل في الديناميت، ثم يدعو للسلام، وينشئ جائزة عالمية لمن يسهمون في خدمته! وقد دفعت شدة المفارقة ووضوح تباين أهداف الجائزة الكاتب الأمريكي "إرفنج ولاس" إلى تأليف رواية مثيرة عام 1965م أسماها "الجائزة" وهي رواية تقوم على كشف الخفايا والأسرار التي تقف وراءها جائزة نوبل وتتحكَّم فيها، كالرشوة، والجنس، والجاسوسية السياسية، والمصالح الاقتصادية، وفساد الضمير، وقد انتهى "ولاس" في روايته الضخمة إلى أنَّ جائزة نوبل هذه ما هي إلاّ فضيحة عالمية! وهكذا كانت نوبل وما زالت فضيحة حقيقية كما وصفها "ولاس" في "الجائزة"، لكنها برغم الحقائق الضخمة التي أوردها "ولاس" في روايته، إلاّ أنَّها تحظى بهالات من الضوء والنفوذ القوي، ومن مُنحها سمع به أهل الأرض، ولا يهم هنا أن يكون من مستحقيها عن جدارة أو من غير مستحقيها، المهم أن يرضي الغرور اليهودي المتغطرس. من هي؟ ولدت شيرين عبادي عام 1947م في مدينة "طهران" وهي متزوجة ولها ابنتان، وعينت كأول قاضية إيرانية عام 1974م، لكنها أقصيت مع قدوم الثورة، لتواصل حياتها الجامعية بانضمامها إلى طاقم التدريس في كلية الحقوق، ثم أنشأت مكتباً للمحاماة. ومن المواقف التي تتخذها شيرين عبادي حيال الشريعة الإسلامية: دعوتها إلى إلغاء إقامة حدي الرجم وقطع اليد في بلادها؛ ليكون ذلك أول مؤشر على إرساء ما تسميه الديموقراطية في بلادها، وذلك في مقابلة معها نشرتها صحيفة "لوموند" الفرنسية يوم السبت 11 أكتوبر. وطالبت بإلغاء الرجم وبتر الأعضاء، وتغيير سن الزواج للشباب المحدد حاليا بسن الثالثة عشر للإناث والخامسة عشر للذكور. وترى شيرين عبادي أن قرارا من هذا القبيل أساسي؛ لأن ذلك يمس حرية وحياة الشعب وأمنه! ودعت إلى الاستعاضة عن الحدود الإسلامية بعقوبات عصرية على غرار كافة البلدان التي تسميها ديموقراطية! وفي المقابلة نفسها تضيف شيرين عبادي أن إيران إذا لم تتطور لن تتمكن من البقاء. ودعت بالتالي إلى إصلاح القانون الانتخابي. وقالت: الأهم الآن هو أن تتم المصادقة على مشروع تعديل قانون الانتخابات الذي قدمته الحكومة؛ حتى يتمكن الناس من انتخاب ممثليهم في البرلمان بحرية. وحذرت من أنه إذا أقدم مجلس صيانة الدستور على عرقلة المشروع فإن الشعب الإيراني سيقاطع الانتخابات المقرر إجراؤها في مارس، كما قاطع السنة الماضية الانتخابات البلدية. وكررت دعوتها إلى فصل الدين عن الدولة. وادعت أن موقفها ليس مناهضا للإسلام، وأن هناك عددا من "آيات الله" يوافقون على فصل الدولة عن الدين. هي ونوبل اختارت لجنة نوبل النرويجية شيرين عبادي من بين 165 مرشحا، أبرزهم بابا الكنيسة الكاثوليكية "يوحنا بولص الثاني" ورئيس تشيكيا السابق "فاتسلاف هافل". سؤال يبحث عن إجابة: لماذا اختارت نوبل "شيرين عبادي" من بين هذه الشخصيات المعروفة التي كانت تعلقت الآمال بفوزها؟ كما يعبر الموسنيور تاديوز بيرونيك، وهو شخصية مرموقة في الكنيسة الكاثوليكية ببولندا، حيث قال: "إن الجمهور سيفاجأ لعدم الاعتراف بالجهود الكبرى التي بذلها البابا من أجل تحقيق السلم". كما قال سائحون زاروا الفاتيكان، في تصريحات للصحافيين، إنه كان يتعين تشريف البابا مكافأة له على معارضته للشيوعية، وأيضا وقوفه في الآونة الأخيرة ضد حرب الخليج. وقد فازت شيرين عبادي بجائزة نوبل لعام 2003 لجهودها في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل وللمناداة بالديمقراطية في إيران. وفي سبيل البحث عن إجابة أقرب للواقع يقول "أحمد الربعي" في زاويته بالشرق الأوسط: "واضح أن فوز شيرين عبادي بجائزة نوبل للسلام هي رسالة سياسية عميقة الدلالة تفتح ملف حقوق الإنسان في إيران على مصراعيه. الإعلان الرسمي للجائزة اختتم برسالة واضحة "نأمل أن تكون الجائزة مصدر الهام لكل المناضلين في إيران والعالم الإسلامي" وهي بالضبط تشبه تلك الرسالة التي قالتها اللجنة بعد تقديم جائزة نوبل لزعيم العمال البولندي ليش فاونسا "إن الكفاح من أجل الحرية يحتاج إلى جهد كبير"!! هل ما زلنا نتذكر أن جائزة نوبل للسلام قد أعطيت في عام 1975 لأندريه سخاروف، المنشق الروسي آنذاك وأحد مهندسي الترسانة النووية الروسية، وأنها كانت رسالة موجهة للاتحاد السوفيتي، وخاصة في ملف حقوق الإنسان، وهل ما زلنا نتذكر أن ياسر عرفات الذي أشاعت عنه الصحافة الغربية بأنه قاتل الأطفال ومختطف الطائرات المدنية قد حصل على جائزة نوبل للسلام؛ لأن تلك المرحلة كانت تتطلب انتقال عرفات من مرحلة المقاومة إلى مرحلة السلام؟!..". عيون تراقب إلى جانب هذا كانت هناك عيون تراقب هذا الفوز وتحلله في أوساط المثقفين والمهتمين من القراء والمتابعين في العالم العربي، استطلع بعض آراءهم موقع الـ " بي بي سي" العربي على الإنترنت فجاءت الآراء متباينة بين مؤيد ومعارض لحصول "شيرين عبادي" على الجائزة، وامتد الأمر إلى اتهامات وجهت للجائزة والقائمين عليها. يقول "كمال هشام" ـ من ليبيا ـ:"للأسف بعد تهميش الأمم المتحدة وتدجينها لصالح أمريكا، وكذلك بعد تسيير وكالة الطاقة الدولية لصالح السياسة الأمريكية يأتي الدور الآن على جائزة نوبل للسلام. للأسف، العناوين الدولية التي يتباهى بها الغرب، الذي يدعي أنه متحضر، أصبحت تسير لصالح رغبات السياسة الأمريكية وتوجهاتها في المنطقة. منح هذه الجائزة ما هو إلا حلقة ضمن سلسلة الحلقات السابقة والتي أدت إلى سقوط هيبة هذه المؤسسات التي تدعي العالمية". أما "أيمن الدالاتي" ـ من الكويت ـ فيقول:" إذا تم تفضيل شخصية غربية على شخصية شرقية في الحصول على جائزة دولية نسارع بالإشارة إلى الأصابع الخفية التي تحارب الشرق ومعتقداته. وإذا فازت الشخصية الشرقية، كحال سيدتنا شيرين، نسارع إلى التشكيك وإلصاق تهم موالاة الغرب على حساب الشرق. لقد أبدعت هذه السيدة واستحقت الجائزة, ولكل الإخوة المتشككين أسأل: ألم تسمعوا تعليقاتها الرائعة عن الإسلام وحقوق الإنسان, وعن رفضها للحلول الغربية لتطبيع حقوق الإنسان في بلدها؟ هذه سيدة عاقلة تعي ما تقول وتعرف ما تفعل. نحن بحاجة لأمثالها في عالمنا العربي. علينا أن نعي جيدا أن الحضارة الأوروبية ليست كالمدنية الأمريكية، وهي تسمح بنوع من العدالة الدولية وتبتعد نسبيا عن ازدواجية المعايير, وتبقي على مسافة بينها وبين الحركة الصهيونية. أوروبا ليست أمريكا دائما". لكن "رائد سليم" ـ من فلسطين ـ يتساءل:" من المعقول أن تعطى هذه الجائزة العالمية ذات الصدى العالمي الواسع على جميع المستويات لمن يستحقها ويعمل من أجلها، ولكن نحن نعرف أن شيرين عبادي عملت من أجل فضح المسلمين، وفضح سياسة بلدها (هي تعتبرها فضيحة) ولكن كل هذا يصب في مصلحة أمريكا وإسرائيل العدو الأول للمسلمين. ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ ماذا فعلت شيرين ل نيل هذا الجائزة؟!". يقول المثل الفلسطيني "الكف ما بتلاطم مخرز" وهو مثل واقعي إلى حد ما؛ لكن هبة دراغمة وأخواتها أثبتن عكس ذلك، فهاهي تنضم إلى قافلة أخذت تغذ السير نحو الشهادة بإرادة قوية وعزم لا يلين، لتسجل لنفسها الرقم 5 بين عذارى الأقصى المبارك اللواتي تخضبن بالدماء بدلاً من التخضب بالحناء وآثرنا الزفاف إلى الجنان على الزفاف إلى أعشاش الزوجية! كانت "وفاء إدريس" أولى من سارعن إلى تدشين هذا العرس البهي خلال غضبة الأقصى التي ثارت في سبتمبر 2000؛ حيث نفذت عمليتها في مدينة القدس يوم 28/1/2002؛ فقتلت أحد الجنود المغتصبين وجرحت مئة وأربعين آخرين. ثم أعقبتها "دارين أبو عيشة" التي نفذت عمليتها في حاجز عسكري إسرائيلي شمال الضفة الغربية في 27/2/2002؛ وهو ما أدى إلى إصابة 3 جنود إسرائيليين. وقامت "آيات الأخرس" من مدينة بيت لحم بعمليتها في 29/3/2002 بأحد أسواق القدس الغربية؛ وهو ما أدى إلى مقتل إسرائيليين وإصابة العشرات، ثم نفذت "عندليب طقاطقة" من مدينة بيت لحم أيضاً عمليتها يوم الجمعة 12/4/2002، وأسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين، وإصابة 85 وذلك في مدينة القدس. هبة العروس ولدت هبة عازم أبو خضير دراغمة عام 1982م "طوباس"، وهي طالبة بالفرقة الأولى جامعة القدس المفتوحة، قسم اللغة الإنجليزية، ببلدتها طوباس، التابعة إداريا لمدينة جنين. كان لديها من الشقيقات ثلاث كلهن متزوجات إلى جانب أربعة أشقاء أكبرهم بكر -20 عاما- وهو طالب في الثانوية الصناعية بـ"نابلس" ومعتقل حالياً في سجون الاحتلال بتهمة التخطيط لشن هجوم استشهادي على إسرائيل. كانت هبة التي التزمت بتعاليم الدين الإسلامي منذ فترة مبكرة من عمرها القصير(19 عاماً) وارتدت النقاب، قد تعرفت قبل فترة على حركة "الجهاد الإسلامي" التي بدأت تعدها لليوم الموعود. وقد جاءت عملية هبة مفاجأة للمحيطين بها وهم الذين عرفوها هادئة وداعة؛ حتى والديها لفتهم الدهشة والذهول من هول ما سمعوا فل يكن يتوقع أحدهما أن تكون هبة على هذا القدر من الجرأة والإصرار، بل لم يتوقعا أن تكون هموم فلسطين قد سيطرت على هذا القلب الأخضر الطري! فشل الأخ في تحقيق حلم الشهادة، لكن هبة استطاعت. هذا ما قالته "ميساء الطوباسي" جارة "هبة ". وتصف ميساء حالة أهالي طوباس بالضفة الغربية بعد وصول نبأ قيام هبة بعملية استشهادية إليهم، قائلة: "الذهول والاستغراب خيم على البلدة بأكملها عندما علموا بنبأ قيام هبة بعملية استشهادية، فلم يكن أحد من أهل البلدة يتوقع أن تنفذ هبة التي عرفها المقربون بالوداعة والهدوء". كما أشارت إلى أن أسرة هبة لم تصدق نبأ وقوفها خلف العملية الاستشهادية في "العفولة" لأنهم كانوا يعتقدون أن هبة غادرت المنزل في ساعات الظهر قاصدة جامعة القدس المفتوحة في طوباس حيث تدرس اللغة الإنجليزية. أما والد هبة فبعد أن سمع من الناس في الشارع عن تنفيذ ابنته لعملية استشهادية، ذهب مسرعاً لمنزله، فلم يجدها هناك، وبعدها ذهب لمنازل شقيقاتها الثلاث ، فلم تكن هناك أيضا، فأيقن صحة الأنباء التي يتناقلها أهالي البلدة. "ثأر العفولة" في نفس اليوم الذي كانت فيه وزارة "أبو مازن" تتلقى التهاني بعد تصديق المجلس التشريعي عليها، يوم الثلاث 29/4/2003م قام العدو الإسرائيلي باغتيال "محمود صلاح" قائد كتائب شهداء الأقصى في بيت لحم ومساعده "عدنان الجواريش". في اليوم التالي وفي الوقت الذي كان "أبو مازن" يتسلم نص خريطة الطريق ارتكب العدو الإسرائيلي مذبحة "حي الشجاعية" في مدينة غزة التي سقط فيها خمسة عشر شهيدًا من بينهم طفل رضيع، وثلاثة أشقاء هم القائد في كتائب القسام "يوسف خالد أبو هين" وشقيقاه محمود وأيمن، والشهيد الأديب الشاعر رامي سعد. ولم تمض أيام قليلة حتى قامت طائرات العدو الإسرائيلي باغتيال "إياد عيسى البيك" أحد كوادر القسام في غزة، واستمر مسلسل الاغتيالات الذي طال عشرات الكوادر الفلسطينية، واستمرت عمليات التوغل الإسرائيلية داخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وما يرافق هذا التوغل من قتل وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها وتجريف الأراضي . ورداً على مسلسل الإجرام الصهيوني، كان ثأرت هبة دراغمة لدماء أبناء فلسطين، فقامت بتفجير جسدها الطاهر في مدينة "العفولة" شمال فلسطين المحتلة يوم الاثنين 19/5/2003م، بعدما نسقت مع سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي وانطلقت ونفذت عمليتها وقد تبنت حركة الجهاد الإسلامي العملية في بيان رسمي. رحم الله "هبة دراغمة" وتقبلها في الشهداء برحيل الفنانين خليفة القَطان وعبد الله القَصَّار يغيب عن ساحة الفن التشكيلي الكويتي رائدان ساهما في غناها خلال القرن العشرين. من اليسير أن يحظى الفنان التشكيلي الراحل خليفة القطان (1934 ـ 2003) بلقب رائد الحركة الفنية التشكيلية في الكويت, ليس فقط لمحاولته ابتكار أسلوب خاص به في الرسم أسماه الدائرية (السيركليزم), معتمدًا الجذور الفلسفية في الصراع الإنساني في لوحته التي تمثل تعبيرية انطباعية خاصة, ولكنه ـ أيضا وبشكل أساسي ـ رائد في النهوض بالمرسم الحر للفنون الجميلة, أساس انطلاقة الفن التشكيلي بالكويت, وهو ثاني الفنانين الملتحقين به في العام 1964 بعد أن سبقه الفنان عيسى صقر بثلاث سنوات. ولا شك في أن الرحلة التي بدأت منذ مولده في يناير 1934 حتى التحاقه بالمرسم الحر, فإدارته له, ومساهمته الكبيرة في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية في العام 1968 شكلتها ميوله الفنية مثلما ساندتها روحه المناضلة التي حاول أن يظهر تمردها في الرسوم والمنحوتات معًا. وقد اختير خليفة القطان رئيسًا للجمعية, ليحقق أول أحلامه بتشجيع كل الفنانين للانضمام لها, وإقامة معرض سنوي خاص لهم. وتدشين بينالي الكويت عام 1969. وفي عام 1971 عندما أنشئ الاتحاد العام للفنانين في دمشق, كان القطان أحد أعضائه المؤسسين ممثلاً للجمعية الكويتية. وقد أسعفته الموهبة, وكونه مدرسًا في سن 17 لمواد دراسية عديدة بينها الفن, لينظم في عام 1953 أول معرض فني شخصي كويتي في المدرسة خلال مهرجان محلي, قبل أن ترعى إدارة التربية أول معرض فني جماعي في البلاد شارك هو أيضا فيه سنة 1958. وقد سافر القطان إلى بريطانيا للدراسة في معهد ليستر للفنون والتكنولوجيا, حيث أمضى وقته بين الهواية والعروض الفنية, حتى نال دبلومًا في الأعمال الخشبية سنة 1958. وبعدها عاد للكويت ليعلم في كلية التكنولوجيا. وللقطان مع الريادة موعد متجدد حين ينتقي بعض أعماله فيقيم بها معرضين آخرين خارج الكويت عام 1962, أحدهما في القاهرة والثاني بمدينة فيرارا الإيطالية, ليبدأ انطلاقة لم تتوقف, بين ألمانيا الشرقية والبحرين ومصر والمغرب ولبنان وتونس وقطر والعراق وفرنسا وبريطانيا والصين عام 1981, حيث حل معرضه ضيفا لمدة شهر بالعاصمة بكين في قاعة الفن الحديث. كما كان القطان أول فنان كويتي يتعاون مع إدارة الطوابع البريدية في الأمم المتحدة منذ منتصف الستينيات إلى جانب نشاطه داخل الكويت. تتذكر زوجته الفنانة ليديا القطان معرضين له: (في عام 1975 أثار القطان ضجة عندما أقام معرضا يضم 35 عملاً فنياً تحت اسم (التفاحة). وكانت مدته المقررة أسبوعا واحدًا لكنه استمر شهراً كاملاً. ورغم حساسية موضوع الجنس في المجتمع وجرأته, استقبلت أعمال القطان الفلسفية في الفن بنجاح من قبل الجمهور, ظهر في مقالات مطولة ورسوم كاريكاتورية في المجلات والصحف, وجمع القطان ذلك كله في كتاب اسماه (التفاحة), أما المعرض الآخر بعنوان (النساء اللواتي شاهدت) عام 1978, فكان يفتقد جرأة المعرض السابق ولم يثر أي جلبة. ومنذ منتصف الثمانينيات بدأ إنتاج القطان الفني يتراجع, وقل التزامه بالحركة الفنية التي قادها لعقدين من الزمن. إن تغير مزاجه أثر في فنه. وافتقد الحركة الدرامية والنقد الساخر اللذين لازما عمله خلال الستينيات والسبعينيات, عندما قدم نظريته الفنية (الدائرية). وصار يرسم لوحات من الطبيعة أقل هدوءاً وخاصة الأشجار التي يعشقها, ويجد فيها تعبيراً حقيقيا عن روحه). حين التقيتُ الفنان خليفة القطان هذا العام في أحد المعارض التشكيلية الكويتية التي ظل يحرص على متابعتها رغم الغياب عن المشاركة فيها, قرأتُ وراء الجسد النحيل, والعدسات السميكة, والكلمات الرقيقة ما فسر لي هذا العزوف الذي تحدثت عنه زوجته. وتساءلت آنذاك: هل أحس القطان أن دور الفنان في العصر الحديث, بكل تقلباته المادية العاصفة, لم يعد يستحق كل هذه المعاناة, وهو الذي طالما عانى في معالجته لآفات المجتمع, حين فجرها بشكل مأساوي, بحثا عن العلاج, باللون, والريشة? لكن القطان غاب دون أن يجيب! الفنان والبيئة وإذا كان الفنان خليفة القطان قد اتخذ من قضايا المجتمع (الذهنية) مادة لأعماله التشكيلية, فإن الفنان عبد الله القصار (1941 ـ 2003) كان يرى في أن البيئة (المادية) هي البطل, وأن الفنان منوط به إعادة تشكيل أدوار أبطاله في صياغة فنية جديدة. وربما تكون سنوات القصار في القاهرة التي بدأها بدراسة الفن في كلية الفنون الجميلة, واختتمها بانخراطه في مرسم الأقصر حتى نال جائزة الرسم الأولى فيه, لعل هذه السنوات هي التي رسمت طريق القصار الفني الذي تميز به. فخلال هذه الرحلة ينتقل الفنان عبد الله القصار من فطرية تناول المشاهد الكويتية للبحر والإنسان إلى رؤية خاصة, يغيب فيها التشخيص مع غياب ملامح الوجه, في الوقت نفسه تكتسب خطوط الجسد والأشياء حوله خصائص مشتركة. وكأنه يجد في لوحته ما يمكن أن نعتبره أصل الأشياء. في لوحته (وحش البحار) ـ على سبيل المثال ـ يتجلى منهج الفنان الرمزي حين يختزل الصراع بين الإنسان والمجهول, إلى معركة بين سمكة قرش وبحار. ورغم انشغال القصار بالبحث عن بيئة مشتركة تجمع قطبي المعركة, نجده يضعهما في فراغ يجمع بين لوني البحر والبر, سواء في دوائر الظلال الزرقاء المائية أو الرملية الصفراء, أو الخلفيتين أيضا. إن مشهد المعركة يبدو مثل رقصة, لكنها رقصة الموت ـ كما يبدو ـ حيث إن النهاية لن تكون إلا بغياب أحدهما, على الأقل. أليست لوحة تسجل سنوات صراع البحارة على متون السفن القديمة مع مياه أعالي البحار وأخطارها, أو سيرة هؤلاء الذين أمضوا العمر في الغوص بحثا عن اللؤلؤ? إن اختيار القصار إبراز العضلات الإنسانية لكسب المواجهة يبرر أحيانا استخدام القوة حين يغيب العقل. يتناول القصار الأدوات اليومية للإنسان الكويتي/الخليجي ليعيد صياغتها بشكل لا يمكن أن نسميه بالرمز المطلق, إنها تعبيرية اختزالية, تبحث عن التوازن في اللون, وتوزيع الخطوط, لتحقق فنها الخاص. في موكب العرس نتذكر العروس والهودج والناقة التي تحملهما, لكن القصار يضيف في لوحته (العروسة) السدو (السجاد البدوي) والغزال الذي لا شك يرمي بالمخيلة إلى الصحراء والرشاقة, ونباتات الصبار, التي قد تعبر عن الصحراء أيضا, وربما تختزل حكمة الاحتمال التي توصى بها العروس في رحلتها للبيت الجديد. إن لوحة القصار تأخذ من اليومي المعيش فتمرره في مصفاة تشكيلية مميزة, فيها من الجمالية ما يسهل قراءتها, حتى على هؤلاء الذين لا يعيشون طقوسه, وخاصة حين يبتعد عن التراث المحلي فيتناول سيرة آدم وحواء على سبيل المثال. وهكذا يضع عبد الله القصار لوحته في خدمة تراثه, ليس فقط التراث البحري, والعادات التقليدية, بل أيضا تلك الحكايات الشعبية التي تشغل حيزها الأثير في التراث المحكي لدى كل أفراد الأسرة بشخصياتها الخرافية المخيفة. ورغم ضيق الاختيارات, وانغماس الجميع في استلهام الموروث نفسه, يستطيع القصار أن يجد لنفسه تلك الريشة الخاصة. وقد منح القصار جائزة الدولة التشجيعية في الفنون للعام الماضي (2002م) عن عمله (الأطباق الطائرة), بعد فوزه بعدة جوائز منها ميداليتان ذهبيتان للمركز الأول في الرسم عامي 1972 و1973 بمعرضين للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية, كما ظل أمينا عاما للمرسم الحر بين عامي 1971 و1982م. لكن اسم الفنان يظل مرتبطا بواحدة من أكثر أحداث الفن التشكيلي فرادة في الكويت, وربما في العالم العربي كله, حين قرر ناقد فرنسي ومقتن وتاجر أعمال فنية هو هرفيه أدورمات أن يحتكر لوحة شهريا من إنتاج الفنان عبد الله القصار, مقابل راتب (فيما يشبه منحة تفرغ), ليروجها له في أوربا, مثل ما فعل مع كثيرين كالبلغاري كازاكوف الذي طافت أعماله العالم بين باريس وطوكيو. وإذا كنا نعرف تراث القصار في بلده, يبقى البحث عن مصير أكثر من 20 لوحة نفذها خلال عامين من هذا الاتفاق مجهولا. كان للأديب والفنان الفرنسي الشهير (أوجين فرومنتان) 1820 - 1876 دور بارز في حركة الفن الاستشراقي - في أوج مجدها - في منتصف القرن التاسع عشر. تميز فرومنتان بنظرة جمالية جمعت بين الرومانسية والفكر الواقعي.. كان جذابا (مفرط الحساسية) شديد التأثر والانفعال, وقد وصفته الكاتبة الفرنسية الشهيرة (جورج صاند) المعاصرة له, بقولها: (إن تكوينه غاية في الرقة) ووجهه يأسر الناظر إليه بكل ما يعكسه من تعبير, وحديثه مثل لوحاته وكتاباته: متألق, حيوي, خصب, بحيث يمكنني أن أنصت إليه طوال حياتي!.. إنه ينعم بتقدير يستحقه, فقد كانت حياته كروحه نموذجا للرقة والذوق الرفيع والتميز). تأثر فرومنتان بالمناخ الثقافي والفني الذي كان يسود باريس في ذلك العصر, وتغيرت معالم شخصيته تماماً, عندما أدرك عدم جدوى دراسته, وقد أنهى دراسة الحقوق بجامعة باريس عام 1843, فبدأ يعيد تكوينه الثقافي من جديد, بحضور محاضرات أعلام الفكر: أوجار كينيه, ميشليه, سانت بوف وغيرهم, وبدأ الدراسة الأكاديمية لفن التصوير في أتيليه الفنان (ريمون).. ثم في متحف الفنان (لويس كابيه) وتوطدت صداقته بالفنان المستشرق (شارل لابيه). كان فرومنتان دائم الإشادة بعالم الشرق, وبعظمة شعوبه التي استطاعت الحفاظ على جمال الحياة والعادات والتقاليد الموروثة, وتميزت إبداعات هذا الفنان برهافة الحس, والمعرفة الدقيقة للعنصر الإنساني وللطبيعة ومتغيراتها, وملاحظة أثر المناخ على السلوك ونمط الحياة خاصة في الصحراء, وقد سعى إلى تخليد مناظر الطبيعة الجزائرية, كما خلد ماريلا الطبيعية المصرية..! دومينيك..! بالرغم من أن (دومينيك) هي الرواية الوحيدة لفرومنتان, فإنها تبوأت مكانة خاصة في الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر, وعدها النقاد أحد معالم الرواية الرومانسية, فهي تعتمد على تحليل النفس البشرية وما يختلج بداخلها من مشاعر وانفعالات, وقد عبر فيها فرومنتان عن تجربته العاطفية التي عاشها وهو في الثانية عشرة من عمره, في إطار من التسامي والمثالية. وعن هذه الرواية يقول الناقد (إيميل فاجيه) في كتابه: تاريخ الأدب الفرنسي (.. إن دومينيك من الروائع النادرة في الرواية النفسية, والرواية النفسية تعتبر أسمى أشكال الأدب الروائي, مما يدل على مدى صعوبتها, وفي واقع الأمر, فإن أكبر الأدباء لا يمكنه كتابة أكثر من رواية نفسية واحدة - هي روايته التي عاشها - بشرط أن يكون موهوباً)! كان فرومنتان وهو في الثانية عشرة من عمره, قد وقع في غرام (جيني) ابنة الجيران التي تكبره بأربع سنوات, والتي لم تر في غرامه سوى طفولة طائشة! وعندما تزوجت جيني, كاد فرومنتان يفقد صوابه, فكان أن أرسلته أسرته إلى باريس ليدرس القانون, وفي كل إجازة يعود إلى مدينة (سان موريس) ليظل بجوار جيني فتاة أحلامه, التي بادلته الحب وتوثقت علاقتهما, حتى توفيت وهي في السابعة عشرة من عمرها أثر عملية جراحية عام 1844, ولحظة دفنها, أقسم فرومنتان أن يخلد ذكراها, فكانت رائعته (دومينيك) التي كتبها بعد وفاتها بخمسة عشر عاما. صيف في الصحراء..! وتلبية لدعوة الفنان (لابيه) قام فرومنتان بزيارة الجزائر سراً عام 1845 حيث كانت أسرة لابيه مستقرة بمدينة (البليدة) وكانت عائلة فرومنتان تعارض اتجاهه للفن, فسافر دون علمهم, واستمرت الرحلة لمدة شهر, أثمرت حصيلة إبداعية هائلة, وكتب لوالده رسالة, أوجز فيها انطباعاته الدافقة: (.. قد أكون مخطئاً, غير أن رحلتي هذه, وتوجه أفكاري الجديد, وذلك الدرس الرائع الذي تعلمته في بلاد الضوء الساطع, والألوان الصاخبة, والأشكال الغريبة, يعد تقدماً في عملي, سيغدو ملحوظاً يوماً بعد يوم, وكل هذه المعطيات, تمنحني زخماً جديداً, وتكسبني حماسة وقوة جديدين). في صالون باريس 1847, عرض فرومنتان ثلاث لوحات, تعرض مشاهد جزائرية, قدمته بنجاح إلى الجمهور الفرنسي. لقد بلورت أرض الجزائر العملية الإبداعية والروحية لهذا الفنان, ودفعته إلى معايشة الحالة الروحية للشرق, وتسجيل كل مظاهر السلوك والعادات والتقاليد, والطقوس الدينية, والحكمة, وحب الأرض وعشق الطبيعة, ووصف حياة القبائل العربية, في كتابيه: (صيف في الجزائر) و(سنة في الساحل), وقد أشار في هذين الكتابين, إلى سعيه الدائب لإكساب الصورة الشرقية: نبل وقدسية الكتاب المقدس وعظمة العصور القديمة, فعلى سبيل المثال, كان يقارن دائما بين نساء الجزائر وصورة (راحيل في الكتاب المقدس) ويقارن الراقصة العربية بالليدي ماكبث! إن تعطش الفنان للعثور على شيء ما جديد في الشرق الفني جعله يوغل في عمق الطبيعة الجزائرية ليزور المناطق التي لم يزها أحد من قبله, (الصحراء الجزائرية حيث درجة الحرارة في الظل صيفاً تبلغ 60 درجة مئوية), وبما أن الرومانسيين الأوائل, وفناني الاتجاهات الفنية الأخرى كانوا حتى هذا الوقت قد استنفدوا في أعمالهم الاستشراقية كل ما من شأنه أن يثير الدهشة من مواضيع, وصور وألوان, وأنماط, واستكملوا تقريباً الصورة الرومانسية الاستشراقية. وقاد ذلك فرومنتان إلى تركيز هدفه على الكشف عن (رؤية) جديدة للشرق مغايرة لكل ما سبقها. فقرر أن يعيش بنفسه عالم الشرق الأنقى في (الصحراء), وأن يجرب أثر المناخ على أحاسيسه من (الداخل). ولم تراود الرغبة فرومنتان وحده فقط, بل يكفي أن نتذكر ماريلا, الذي تأثر به فرومنتان من الناحيتين الإبداعية والمعيشية, وكذلك جيراروي نرفال (الذي عاش بين العرب ودرس لغتهم) فكتب يعبر عن رغبته هذه قائلاً: أريد أن أتغلغل عميقا في العالم الأليف لهذا الشعب لإدراك أصالته, وأعتقد بأن بلوغ هذا الهدف ممكن فقط عبر الاقتراب من هذا الشعب أكثر). لقد سعى فرومنتان لتخليد مناظر الطبيعة الجزائرية من المنطق نفسه للصبغة المحلية ولعبة الضوء واللون مثل لوحة ذكريات جزائرية, (متحف الفنون الجميلة في الجزائر). فتتراجع فيها أطلال الآثار المعمارية المحلية (بقايا أعمدة وقناطر), إلى خلفية اللوحة, التي تزين مقدمتها بألعاب الفرسان, دون المبالغة بتجسيد التفاصيل المعمارية. ويمكن تفسير هذا التوجه بسبب طبيعة الآثار الجزائرية التي وقعت تحت نظره والتي تخلو من المواصفات التعبيرية وحجم الموضوع المرئي الذي يتبدى في شكل الآثار المصرية. وفضلا عن ذلك فن العمارة لم يدخل في إطار اهتمامه, بقدر الطبيعة, فهو يسعى لرؤية المنظر الطبيعي الشرقي (بمنظار جديد)! مما لا شك فيه أن إقامة فرومنتان في الجزائر لفترة طويل مكنته لاحقاً, أي في الخمسينيات, من إيجاد ذاته في لوحات شرقية صميمة تصب في جوهرها في التوجه الرومانسي الغريب, غير أنها تنم عن فكر جمالي نظري منبعه الملاحظة الدقيقة لمتغيرات طبيعة الشرق, وأثر المناخ على السلوك ونمط الحياة وبخاصة في الصحراء. لقد أنجز فرومنتان عدداً من لوحات (الصيد), الفكرة التقليدية الاستشراقية التي تغلغلت في الفن الأوربي منذ القدم (مع تغلغل الموتيف الفرعوني والبابلي والآشوري والفارسي). لقد أعاد الفنانون الرومانسيون - من خلال مشاهد الصيد - للشرق ماهيته الفنية الحياتية التقليدية, لاسيما أنهم رأوا فيه تعبيراً عن تعطشهم للغريب والمدهش والغامض! أنجز فرومنتان العديد من مشاهد (الصيد) التي ميزته كفنان استشراقي يسعى دائما إلى (التفرد) في رؤيته للشرق التقليدي. إن (مشهد (صيد الصقور) يعتبر أحد مشاهد الصيد الشرقية التقليدية والمفضلة لدى العربي في الصحراء, ولدى بحث فرومنتان عن مشاهد معبرة عن (روح الشعب) الصحراوي, رأى في مشهد صيد الصقور, صورة شرقية بحتة لم يصورها قبله أحد من الرومانيين فالصقر طائر الصحراء الجارح, وعملية صيده مفعمة بالبطولة, ل أن المعركة بين الإنسان والحيوان لا تدور على الأرض (كما في لوحات سابقيه) بل بين مخلوق الأرض ومخلوق السماء. فتظهر في لوحته (صيد العرب للصقور) صورة الفرسان العرب على صهوات جيادهم الرشيقة يتابعون حركة الصقور في السماء على عدة فرق تتوزع على مساحة مجرى مائي (ساقية, أو نهير) بينما تلف فضاء اللوحة غلالة ضبابية شفافة من انعكاس ضوء المساء الأصفر الباهت على صفحة الماء الفضية, بحيث تشترك السماء والأرض في سيمفونية لونية متناغمة! عايش فرومنتان (الصحراء) سنوات طويلة, فأحسها بكل كيانه الروحي والجسدي, حتى ألهمته لوحات متميزة خالدة, ومثلت لوحته (العطش) قمة إبداعاته عن الصحراء, حيث تتجلى الصورة التراجيدية لحياة الإنسان في الصحراء القاسية! كذلك لوحته الشهيرة: (مشهد صحراوي) أو (لصوص الليل) التي جسدت روعة الليل في الصحراء, وصورت مظهراً من مظاهر الحياة البدوية! وعقب ثلاث رحلات طويلة إلى الجزائر, نشر فرومنتان كتابه (صيف في الصحراء) عام 1857, ثم كتاب (سنة في الساحل), عام 1859, وقد كتب عنهما الناقد الفرنسي (لويس جونس) في كتابه: (أوجين فرومنتان مصوراً وأديباً) قائلا: (إن كتاب الصحراء هو الصيف الإفريقي بعينه, بكل ما فيه من أضواء وألوان صاخبة عنيفة, وهدوء قاتل, وخشونة وشاعرية غريبة, أما كتاب الساحل, فهو الجزائر بذاتها.. الجزائر الضاحكة المخضرة بسمائها المتغيرة وسحبها وألوانها المختلفة وانعكاسات الأضواء, والجبال الشاهقة وآفاق بلا نهاية)! وبدعوة من الخديو إسماعيل, شارك فرومنتان في احتفالات افتتاح قناة السويس عام 1869, وقدم صورة صادقة متعددة الألوان عن مصر وكان في أعماقه شاعراً, أكثر منه مصوراً, حتى أنه عندما رحل إلى مصر لم يكن معه أدوات للرسم, وإنما اصطحب معه مفكرة لرصد انطباعاته والتي كانت وبحق أبدع مذكرات سجلها فنان, ومن أشهر لوحاته المصرية (لصوص الخيل في الصحراء) و(الغروب على شاطئ النيل) و(النوبيات على شاطئ النيل), التي أبرزت قدرته الخارقة على التلاعب بالدرجات اللونية, وهذه المقدرة الفنية أتاحت له وصف أدق الفروق اللونية التي تطرأ على مياه النيل, فهي تارة في لون الوحل, عسلية اللون, رمادية, فضية مخضرة أو زرقاء قاتمة. وتدل إبداعات فرومنتان على عمق ثقافته وسعة اطلاعه ونزوع إلى الابتكار والتميز, وكان يعشق العزلة ليعيش (خارج الزمان والمكان)..! ووصف نفسه بأنه: (ليس رحالة يصور كل ما تقع عليه عيناه, بل هو فنان يرتحل وراء ما ينبغي تصويره, محاولاً التمييز بين الجميل والغريب). ٿي السادس ٿالعشرين من يناير 2003 الماضي انطٿأت شمعة حياة أهم ٿأٿبر مستشرقة ٿي القرن العشرين, ٿانت من أٿبر عشاق الشرق ٿالإسلام. نعم هذا هٿ التعبير الصحيح, ٿهي بلا منازع الأٿبر ٿالأهم (ٿهذا ٿي الٿاقع لا يٿيها حقها أيضا).... ٿمن الطبيعي أنها ٿانت عالمة عظيمة, ٿمعرٿٿة على مستٿى العالم, إلا أن العالم مليء بالعلماء المشهٿرين ٿي ٿل الميادين ٿالاختصاصات, ٿما يميز آنا ماري شيمل, هٿ حبها للناس, ٿأمانيها أن ترى الخير ٿالإيجابيات ٿي ٿل مٿان, ٿأن يصبح التٿاهم بين البشر من أعماق أنٿسهم. ٿأشد ما ٿانت تبغض ٿي هذا العالم المحاٿلات المقصٿدة, (ٿعند الٿثيرين غير المقصٿدة), للتقليل من قيمة الناس الآخرين, ٿقلب الثقاٿات ٿالحضارات الأخرى رأساً على عقب, ٿالاستهزاء بطرق تٿٿير هؤلاء الناس, ٿاعتبار الرأي الذاتي هٿ المقياس ٿهٿ الحٿم. لقد أحبت آنا ماري شيمل الشرق بٿل أبعاده ٿمعانيه ٿسحره, ٿخاصة الناس ٿيه, ٿنذرت ٿل حياتها لبناء الجسٿر بين الشرق ٿالغرب, تماما ٿما ٿعل بعض المٿٿرين الألمان ٿقبل مائتي سنة. ٿأذٿر هنا خصٿصاً الشاعر جٿته ٿالشاعر رٿٿيرت اللذين ٿانا مقياسها ٿي رٿائع الشعر. ٿلم تٿن هذه الجسٿر مبنية على أسس علمية بحتة ٿقط, بل ٿانت مبنية على الحب ٿالتٿهم. ٿٿانت إنسانة من الطراز القديم عن قصد ٿعمد. ٿهي لم تٿتب ٿي حياتها ٿتابا عن الاجتماعيات, أٿ عن النظم السياسية. بل اقتصر عالمها على القصائد ٿالشعر, ٿعلى الأدب التقليدي الٿلاسيٿي, ٿٿانت ٿي أعماقها عاشقة ٿٿيّة لٿبار شعراء العصٿر الماضية ٿالحاضرة, ٿما ٿجدت الأجٿبة الحقيقية لقضية الإنسانية سابقا ٿلإنسان عصرنا هذا. نذرت آنا ماري حبها ٿتعاطٿها ٿاهتمامها لأٿٿار الصٿٿية بأشٿالها العربية, ٿالترٿية, ٿالٿارسية ٿالأٿردية. ٿأعادت مقارنتها دائما مع أٿٿار التصٿٿ الأٿربية ٿخصٿصا الألمانية ٿي القرٿن الٿسطى. ٿأعتقد جازما بٿجٿد استمرارية للٿٿر بين الماضي ٿالحاضر, ٿالتي تعطي لبعض الأماٿن خصٿصيتها, ٿلهذا لم تٿن مجرد مصادٿة أن تٿلد آنا ماري شيمل ٿي عام 1922 ٿي مدينة إرٿٿرت التي عاش ٿعلّم ٿيها المعلم الرئيس إيٿارت, ٿهٿ المٿٿر الأٿثر عمقا للصٿٿية الأٿربية قبل سبعمائة عام خلت. ٿٿي قلب ترٿيا ٿي قٿنيه مدينة مٿلانا الرٿمي, ٿانت آنا ماري تقضي دائماً ٿترات طٿيلة من التأمل, ليس ٿقط من أجل الدراسة بل أيضاً من أجل الٿهم ٿالتٿهم ٿتعيد. ٿتبت آنا ماري شيمل ٿي حياتها العلمية الحاٿلة 120 ٿتاباً, أٿ ما هٿ أٿثر من ذلٿ. إذ من الصعب حصرها بالتحديد, حيث ٿتبت العديد منها باللغة الألمانية, أٿ بالإنجليزية أصلا, ثم أصدرتها ٿي ترجمة منقحة جديدة إلى هاتين اللغتين... هل هما ٿتابان, هل هٿ ٿتاب ٿاحد, سؤال بسيط ٿي مسألة بسيطة, إذا ما قٿرنت بالسؤال الأساسي لٿبار مٿٿري التصٿّٿ عندما يتعلق المٿضٿع بماهية الرٿح أٿ الله. ٿقد لا تٿٿن أجمل أحجارها الٿريمة ٿي حياتها هي أبحاثها المهمة ذات الثقل العلمي ٿمجلديها حٿل الحضارة الإسلامية ٿي الهند, أٿ أعمالها المرجعية الأساسية ٿي ٿن الخط, أٿ (أبعاد التصٿٿ ٿي الإسلام), بل قد تٿٿن (الجنان الصغيرة) أٿ (زهٿر الحدائق ٿي الإسلام). ٿأخيرا ٿليس آخرا (القطة ٿي الأدب الإسلامي). أٿل مستشرقة ٿلدت آنا ماري شيمل ٿي ٿسط سنٿات صعبة من القرن العشرين, ٿٿي عام ٿلادتها 1922 ٿانت الحرب العالمية الأٿلى قد ٿضعت أٿزارها لبعض الٿقت بعد أن قضت على الملايين من الألمان, ثم تٿٿل المرض ٿالجٿع بالقضاء على ملايين أخرى ٿي أعقاب الحرب, ٿجاء التضخم المالي ٿنتيجة مباشرة للعقٿبات ٿالشرٿط التي ٿرضها المنتصرٿن ٿي الحرب, حيث قضى على ٿل الملٿيات الخاصة, ٿأصبحت حسابات التٿٿير ٿي البنٿٿ غير ذات قيمة, ٿٿي النهاية أصبح الدٿلار الٿاحد يعادل أٿثر من 4000 مليٿن مارٿ. عاشت آنا ماري شيمل ٿل هذه المصائب ٿالنٿبات ٿي عائلتها, ٿلم يٿن ٿالداها من أصحاب الثرٿة, بل ٿان مٿظٿاً ٿي دائرة البريد, ٿراتبه يضمن الخبز اليٿمي لأسرته. ٿٿانت التربية الألمانية الٿلاسيٿية, ٿالاجتهاد, ٿالتٿاضع, ٿالنظام هي السائدة ٿي ذلٿ البيت. ٿالتسلية ٿاللهٿ أٿ حتى تبديد الٿقت, ٿان يعتبر ٿي ذلٿ البيت خطيئة لا تغتٿر. آنا ماري شيمل لم تملٿ جهاز تلٿاز ٿي بيتها حتى مماتها, ٿبالمقابل ٿان منزلها مليئاً لا بل محشٿّاً بآلاٿ الٿتب. ٿي عام 1937 قررت آنا ماري شيمل تعلم اللغة العربية بٿل طاقتها, ٿٿان عمرها حينذاٿ خمسة عشر عاما ٿقط. ٿقد ٿسرت ذلٿ بتراث عائلتها, التي ٿانت تقطن ٿي منطقة ٿقيرة جدا على الشاطئ الألماني لبحر الشمال ٿحيث اعتاد الرجال الخرٿج بسٿنهم دائماً إلى البحار البعيدة, يمارسٿن التجارة مع القارات النائية. جد آنا ماري شيمل ٿان الأٿل ٿي العائلة الذي امتلٿ سٿينة شراعية ٿبيرة, ٿبعد سنٿات من التجارة الجيدة حدثت الٿارثة التي اعادت العائلة ٿلها إلى براثن الٿقر, حيث اصطدمت السٿينة بالقاع ٿي بٿرتٿ الليغرة ٿي جنٿب البرازيل ٿغرقت. لٿن ما بقي من تقاليد عائلة البحارة التجار هٿ الانٿتاح على العالم الخارجي البعيد, ٿٿي الٿاقع ٿإن التجارة تٿٿن ممٿنة ٿقط عندما يتقبل هؤلاء التجار الناس الآخرين ٿما هم. ٿطبعا يذٿرني هذا بتاريخ الٿٿيت البحري التجاري. ثم جاء الداٿع الآخر لها لتقرر طريق حياتها, متأثرة بأمها ٿهٿ الاهتمام بالعقل ٿالتٿٿير, ٿقد ٿانت أمها تٿره مشارٿة النساء الأخريات تمضية الٿقت ٿي احتساء القهٿة ٿالدردشة التي لا تٿيد بشيء. ٿهٿذا ٿان بيت عائلتها منٿحتاً على العالم, يدرٿ بأن ٿراء الحدٿد الذاتية يٿجد أناس آخرٿن, ٿحضارات أخرى, ٿهذا ما أرادت تلٿ الٿتاة الصغيرة أن تستٿعبه, ٿشعرت بلا ٿعي بأن ذلٿ لن يٿٿن سهلا أبدا, ٿأنها لن تتمٿن من إنجاز ذلٿ بصٿرة جانبية, ٿأن عليها أن تعمل بجد ٿحزم ٿنشاط, ٿما أن عليها أن تتنازل عن ٿل شيء حتى عن أن تٿٿن لها حياة خاصة بها, ٿعائلة لها ٿحدها. ٿبأن على المرء قبل أن يبالغ ٿي الادعاء, أن يتعلم بشٿل متقن ٿمحٿٿم. حصلت تلٿ الٿتاة النادرة على الثانٿية العامة عام 1939 ٿأرادت أن تلتحق بالجامعة. ٿبدءا من تلٿ السنة, حصر القبٿل ٿي الجامعات الألمانية على ٿليات العلٿم ٿالتٿنٿلٿجيا, ٿغيرها المهمة للجهٿد الحربية. ٿنتيجة لذلٿ قلص عدد المقبٿلين ٿي الدراسات الأدبية. ٿهٿذا سجلت آنا ماري شيمل ٿي ٿلية العلٿم ٿي جامعة برلين ٿسجلت إلى جانب ذلٿ اللغات العربية, ٿالترٿية, ٿالٿارسية ٿالأٿردية. هذه الدراسة التي يحتاج غيرها من الجامعيين إلى سنٿات عدة لإنهائها, أنجزتها هي ٿي عام 1941. ٿٿي العام نٿسه تقدمت للحصٿل على درجة الدٿتٿراه حٿل (الخليٿة ٿالقاضي ٿي مصر المملٿٿية), ٿحصلت على درجة الدٿتٿراه ٿهي ٿي سن التاسعة عشرة. الحرب / الدمار ثم قامت الحرب العالمية الثانية ٿأصبحت القنابل تتساقط يٿميا على ٿل المدن الألمانية. ٿانت البيٿت المحترقة ٿالقتلى ٿي ٿل مٿان. ٿي يٿنيٿ 1941 بدأت الحرب ضد رٿسيا, ٿشعر أغلب الناس, على أي حال أغلب المثقٿين, بأنها بداية النهاية. ٿي البداية ٿانت الانتصارات الألمانية السريعة ٿلٿن تبعتها معارٿ ستالينغراد ٿٿٿرسٿ ٿلينينغراد الحاسمة, حتى احتل الرٿس أخيرا نصٿ ألمانيا, ٿٿانت هذه أشد سنٿات الحرب ٿي القرن العشرين رعبا, لقد تم تقرير مصير الحرب العالمية الثانية ٿي رٿسيا ٿعلى أرضها, تماما ٿما ٿان الأمر مع نابليٿن قبل 150 عاما خلت, حيث بدأت هزيمة نابليٿن أيضا ٿي ساحات المعارٿ ٿي رٿسيا ٿعلى أرضها. ٿانت آنا ماري شيمل تعمل يٿميا تحت هذا الجحيم بقٿة ٿعزم ٿبيرين. ٿٿي عام 1945 ٿقبل أربعة أيام من انتهاء الحرب سقط أبٿها ٿغيره من ٿبار السن ٿالأٿلاد الياٿعين الذي ن جنّدٿا على ٿجه السرعة ٿٿان لٿل 26 ٿردا منهم ثلاث بنادق لا غير ٿبها ٿان عليهم الدٿاع عن ألمانيا. عندما أصبحت برلين خرابا, تٿجهت آنا ماري إلى مدينة ماربٿرج للاستمرار ٿي طريقها الجامعي. ٿٿانت هذه السنٿات سنٿات الجد ٿالنشاط, ٿٿي عام 1951 حصلت على الدٿتٿراه الثانية حٿل (مٿهٿم الحب ٿي التصٿّٿ الإسلامي). ٿلٿنها ٿي سنٿات ماربٿرج ٿجدت اختصاصها ٿي علم الاستشراق, حيث أعرضت عن اللغات الشرقية الأربعة التي ٿانت أدٿاتها الضرٿرية (بعد إتقانها بطلاقة) ٿتٿجهت لدراسة الدين الإسلامي ٿالعلٿم الدينية بحد ذاتها. ٿأصبحت اللغات الآن مجرد ٿسيلة ٿما أصبح الانشغال العلمي بالإسلام, ٿالاٿتشاٿ ٿالٿصٿ ٿإيصال ذلٿ ٿله إلى الناس (ليس للعلماء, لٿن لجمهٿر الناس العاديين). ٿأصبح من الآن ٿصاعداً نتاج عمل نصٿ قرن من الزمان, هٿ هدٿ ٿمحتٿى حياتها الٿحيد. لقد أرادت للناس أن يتذٿّقٿا الجمال ٿماٿي هذا الدين من ٿن ٿشاعرية ٿأدب, ٿتعمّقت ٿي الدراسة ٿالبحث ٿالمعرٿة, لتقدمه للناس ٿي (الغرب ٿالشرق). ٿٿانت ٿي عام 1950 شارٿت ٿمحاضرة بسيطة ٿي المؤتمر العالمي الأٿل للدراسات الدينية ٿي أمستردام. ٿبعد عشرين عاما من ذلٿ أصبحت آنا ماري شيمل رئيسة هذا الاتحاد العالمي. علاقة قٿية بالدين ٿلربما علي هنا أن أذٿر شيئا عن علاقة آنا ماري شيمل بالدين, أي علاقتها الشخصية بالمسيحية. ٿمن الطبيعي أنها ٿانت قد ٿلدت (نحن ٿي أٿربا عام 1922), ٿي مجتمع مسيحي ٿعائلة مسيحية. ٿأذٿر ٿي محاضرة آنا ماري شيمل ٿي الخرطٿم عاصمة السٿدان - ٿٿنت آنذاٿ سٿيرا لألمانيا هناٿ - ٿراٿقتها إلى المحاضرة.... ٿبعد انتهائها سألني أحد السٿدانيين الأذٿياء, إن ٿانت آنا ماري شيمل مسلمة...? ٿلا, أجبته, إنها مسيحية, ٿقال إنها تعلم الٿثير عن الإسلام, ٿتعرٿ القرآن, ٿالحديث ٿٿل التقاليد الإسلامية المٿرٿثة, ٿهي أذٿى ٿأعلم من بعض العلماء المسلمين, ٿتتٿلم العربية ٿالٿارسية ٿالترٿية ٿالأٿردية, ٿٿيٿ تم ذلٿ? إن سؤالا بسيطا ٿهذا يتطلب إجابة معقدة: ٿأٿلا هنالٿ ٿي المسيحية أيضا مذاهب متعددة, ٿٿانت آنا ماري شيمل تنتمي إلى الٿنيسة الإنجيلية, ٿهذه قسم مما يسمى البرٿتستانتية (تعٿد إلى مارتن لٿثر) الذي أسسها عام 1517. آنذاٿ لم يشأ مارتن لٿثر أن يؤسس ٿنيسة جديدة, ٿطبقا لمٿهٿمه, ٿقد ٿانت تعاليمه الرئيسية, العٿدة إلى أصٿل تعاليم سيدنا المسيح ٿما جاءت ٿي الإنجيل, ٿلهذا ٿإن للإنجيل, ٿللقراءة, ٿللعلم لدى البرٿتستانتية قيمة ٿمرتبة أعلى مما لها لدى الٿنيسة الٿاثٿليٿية, ٿٿلنا يعرٿ ما أدرٿه ماٿس ٿيبر بأن رٿح البرٿتستانتية ٿرٿح التعلم الٿردي الذاتي هي أساس المجتمع الحديث. لهذا ٿانت آنا ماري شيمل بٿل المٿاهيم طٿلة الثقاٿة البرٿتستانتية, ٿبالرغم من عدم ذهابها إلى الٿنيسة إلا نادراً, ٿقد ٿانت تؤمن بالقيم الرئيسية للدين, ٿلم يدر بخلدها أٿ يجٿل بخاطرها إطلاقا أن تبدل ذلٿ, لأنها تؤمن بأن المرء يستطيع أن يجد الله بطرق متعددة, ٿأن الطرق ٿالٿسائل لإيجاده ليست هي الٿصل ٿي المٿضٿع, بل الهدٿ هٿ الٿصل ٿالجدية التي يبحث ٿيها المرء عن هذا الهدٿ. ٿبالتحديد ٿقد ٿانت قادرة ٿبشٿل يثير الإعجاب على أن تبحث عن طرق أخرى ٿتتٿهمها ٿتقدّرها. تجربة ٿي ترٿيا أصبحت آنا ماري شيمل أستاذة ٿي أنقرة بترٿيا, من 1952 إلى 1959, ٿلقد قالت لي مرة بأن تلٿ الٿترة ٿانت أسعد سنٿات حياتها. ٿانت ترٿيا ٿي ذلٿ الٿقت بلادا ٿقيرة, ٿرغم ذلٿ ٿقد ٿان العلم يحتل مرتبة لابأس بها ٿي الحياة, ٿقد أراد العديد من الطلاب ٿالطالبات ٿقط أن يدرسٿا ٿيتعلمٿا من الصباح ٿحتى المساء. ٿي تلٿ الٿترة ٿانت قد مضت ثلاثٿن عاما ٿقط على تغييرات أتاتٿرٿ, إلا أن قيم العلم ٿالمعرٿة الترٿية الإسلامية التقليدية مازالت مٿجٿدة بالرغم من أن آنا ماري استشعرت ٿلتا حالتي التطرٿ لتحديث العالم الإسلامي, خاصة لدى النساء: أٿلاها ٿٿنهن يرغبن ٿي أن يظهرن بمظهر النساء الغربيات, ٿلا يلحظن أنهن يأخذن من الحضارة الغربية الشٿل الخارجي ٿقط, ٿالثانية ٿٿنهن لا يٿقهن من الحضارة ٿالثقاٿة الشرقية الغنية إلا النزر اليسير, ٿمن أجل هذا أخذن يعتنين ببعض الظٿاهر الخارجية للتقاليد ٿطريقة الحياة دٿن أن يلحظن أنه لا علاقة لهذا أيضا بالحضارة ٿالثقاٿة الإسلامية الشرقية لا من قريب ٿلا من بعيد. ٿٿر ٿٿن المصادٿة, ٿحسب, أعادت آنا ماري شيمل إلى ألمانيا, حيث أصبحت ٿي عام 1961 برٿٿيسٿرة لدى جامعة بٿن. ٿليس ٿي نيتي هنا أن أتحدث عن إنجازاتها العلمية الٿريدة ٿي بٿن. ٿلٿن عن تأسيسها للمجلة الدٿرية (ٿٿر ٿٿن), ٿالتي مازالت تصدر حتى الآن (باللغة العربية) ٿي ٿل سنة عددان, ٿيقيني أنها أجمل مجلة عربية على الإطلاق تصدر ٿي أٿربا. ٿالأجمل منها الأعداد الأٿلى التي أصدرتها آنا ماري شيمل شخصياً ٿي البداية: ٿعدد عام 1963 مثلا حٿل ٿن الخط, حيث لم يقتصر البحث على إظهار رٿعة ٿن الخط العربي, بل ٿضعته ٿي مصاٿ أعمال ٿن الخط الألماني ٿالأٿربي التي ظهرت ٿي الحقبة نٿسها. أٿ العدد حٿل (الحصان ذٿ القرن الٿحيد). أٿ العدد الذي احتٿى على قصائد نازٿ الملائٿة أٿ محمٿد درٿيش. ٿقد سعت هارٿارد بصبر ٿجد ٿأناة للحصٿل على آنا ماري شيمل, حيث ٿانت تبحث عن عالٿمْ متخصص ٿي الحضارة الهندية الإسلامية, قادرا ً على أن يحاضر عنها بالطريقة العلمية الغربية. ٿٿي عام 1965 تحدثت هارٿارد إلى آنا ماري شيمل تسألها إن ٿانت تستطيع أن ترشح أحداً لذلٿ الٿرسي التعليمي, ٿقد رشحت لهم آنا ماري أٿبر المتخصصين ٿلٿنهم أبٿا ٿأصرٿا على اختيارها هي لأنها ٿانت الأٿضل. ٿبهذا تم شغل الٿرسي التعليمي لدى جامعة هارٿارد بأٿضل عالم ٿي العالم, ٿٿان هذا العالم عالمة, ٿبذا درّست آنا ماري شيمل هناٿ من 1967 ٿحتى تقاعدها ٿي عام 1992 (ٿي هارٿارد تصل سن التقاعد إلى السبعين). إن من قضى شتاء ٿاحدا ٿي ٿامبريدج يعرٿ معنى الثلج, لقد ٿنا ٿي هارٿارد ٿبعد هارٿارد, نتحدث دائماً عن الثلج ٿي ٿامبريدج, حيث ٿان الثلج ٿي هارٿارد مٿضٿعاً نسجت منه آنا ماري شيمل حٿايا عدة ٿنٿادر شائقة ٿمرحا دائما, أما أنا ٿإنني أستطيع ٿقط أن أرٿي حٿله قصة مملة, ٿيٿ ٿسرت رجلي ٿي الثلج ٿي تلٿ الأيام البعيدة. ٿمهما ٿان جمال هارٿارد خاصة ٿي الربيع أٿ ٿي الخريٿ, ٿإن جمال نيٿيٿرٿ أرٿع ٿأبهى. لأن ٿي تلٿ المدينة الٿبيرة يٿجد متحٿ ميترٿبٿليتان... حيث ٿانت آنا ماري شيمل زائرة دائمة هناٿ, ٿما شارٿت ٿي المعرض الٿبير عن الهند), ٿٿانت تتمتع دائماً بتأمل سجادات حصان القرن الٿحيد ٿي جناح ٿلٿيسترز التابع للمتحٿ. ٿحيد القرن ٿهذه ذٿرى أخرى أشارٿها بها: حيث ٿنت مازلت أذهب إلى المدرسة ٿي الخمسينيات من القرن الماضي, التقيت بحصان ٿحيد القرن (ليس ٿي الغابة بل ٿي المتحٿ طبعاً). إحدى السيدات ٿٿانت صديقة لٿالديّ, ٿانت قد أنهت لتٿّها دراستها القياسية السارية المٿعٿل حتى اليٿم حٿل السجاد الذي يحمل رسٿم حصان ٿحيد القرن ٿي باريس. ٿقتها تعلمت أن الأعمال الٿنية الٿبيرة هي ليست ٿقط تلٿ التي تحمل أسماء ٿنانين معرٿٿين ٿبار, لقد التقيت أنا مع آنا ماري شيمل - إن صح التعبير - ٿي المتحٿ أيضا: ٿان ٿل منا يعرٿ الآخر منذ بضع سنٿات ٿلٿن بشٿل سطحي. ٿانت تحب مخاطبة جيل الشباب. لقد ٿان مثيراً ٿعجيباً جدا ٿيحتاج المرء إلى أن يعتاد عليه, أن تتحدث برٿٿيسٿرة جامعة هارٿارد المشهٿرة إلى أناس أصغر منها بٿثير على قدم المساٿاة, عن أٿٿارها ٿمشاريعها حٿل الشرق. ٿٿي عام 1987 تعرّٿ ٿل منا الآخر بشٿل صحيح, حيث ٿنت قد نظمت آنذاٿ معرضا ٿبيرا عن اليمن ٿي متحٿ حياة ٿعادات الشعٿب ٿي مٿنشن ٿي ألمانيا ٿأصدرت ٿتاب المعرض (ٿاتالٿج), ٿٿان أنجح معرض أقيم حٿل حضارة عربية قديمة. أعجبت آنا ماري شيمل بالمعرض ٿبالتحٿ الرائعة التي عرضت ٿيه, ٿما أعجبت بطريقتي الجديدة التي ابتدعتها للتعريٿ عن حضارة أخرى, ٿقدمت آنا ماري ٿقتها محاضرة ٿي المتحٿ لم أعد أذٿر مٿضٿعها, ٿلٿنها لم تٿن حٿل اليمن بالتأٿيد. ٿمنذ ذلٿ الٿقت ٿنا نلتقي بين الحين ٿالآخر بٿل رغبة ٿتقدير. ٿٿانت آنا ماري ٿاتبة نشيطة ٿمثابرة للرسائل, ٿما ٿانت تعتني ٿترعى صداقاتها مع الآخرين, ٿتسر ٿثيراً عندما نمر بها أنا ٿزٿجتي ٿي بٿن, ٿنذهب ثلاثتنا إلى مطعمنا المٿضل الجميل المطل على شاطئ نهر الراين العظيم حيث ٿنا نجلس دائما إلى الطاٿلة الأمامية من جهة اليسار, ٿٿانت آنا ماري شيمل تشارٿنا حب المطبخ الجيد ٿالنبيذ المعتق. إقبال ٿباٿستان من الطبيعي أن آنا ماري شيمل ٿانت تنطلق من هارٿارد ٿي سٿرات متعددة إلى الهند ٿباٿستان. ٿأصبحت باٿستان بالنسبة لها - ٿهي التي لم تتزٿج إلا لٿترة قصيرة ٿغير مٿٿقة - حب حياتها الٿبير. ٿان ذلٿ قد بدأ ٿي زمن مبٿر جدا ٿي 1951 حين أهداها أحد أصدقائها ٿتابين لمحمد إقبال الشاعر الٿيلسٿٿ ٿالسياسي ٿالأب الرٿحي لباٿستان, ٿقضت آنا ماري شيمل ٿل حياتها ٿهي تعجب بإقبال ٿتقدره, ٿترجمت أعماله إلى الألمانية ٿالإنجليزية, ٿٿتبت عنه أيضاً, حٿل ٿل مجالات الأدب الأٿردي الحديث, ٿما ٿتبت حٿل الشعر ٿالٿلسٿة الباٿستانية الحديثة. ٿي لاهٿر أطلقت المدينة على أحد شٿارعها اسم آنا ماري شيمل الخجٿلة المتٿاضعة جدا - بعٿس السياسيين الذين يذهبٿن حيث تٿٿن ٿاميرا التلٿزيٿن بانتظارهم - ٿٿان ذلٿ بالنسبة لها مدعاة متٿاضعة للٿخر ٿاعتبرت أن الشهرة التي تمتعت بها لدى العديد من الباٿستانيين اعتراٿاً ٿتقديراً لهدٿ حياتها. ٿما أعطاها احترام الناس ٿتبجيلهم لها القٿة دائماً ٿي تٿاٿح ٿي الغرب أشٿال التحيّز ضد الإسلام أٿ ضد الشعٿب الإسلامية. أحبت الٿٿيت ترتبط آنا ماري شيمل بالٿٿيت بمشاعر خاصة: إحدى طالباتها ٿالتي تقدمت لنيل درجة الدٿتٿراه تحت إشراٿها ٿي هارٿارد ال سيدة غادة القدٿمي ٿالتي شغلت منصباً مرمٿقاً لدى المؤسسة الٿريدة ٿي العالم العربي (المجلس الٿطني للثقاٿة ٿالٿنٿن ٿالآداب). ٿما أعجبت آنا ماري بالٿٿيت ٿبالعمل الجليل الذي حققه السيد طارق رجب ٿي متحٿه الخاص عن التاريخ العربي الإسلامي. ٿلٿن ٿقبل ٿل شيء, أعجبت آنا ماري بشخصية رقيقة مٿاٿحة, حققت بمبادراتها الخاصة ٿطاقتها الذاتية ٿمتابعاتها, ٿحٿظت ٿأحيت القيم العظيمة للحضارة العربية ٿالإسلامية. ٿٿما قال غٿته: ٿثير من رٿائع العالم تحطمها الحرٿب ٿالنزاعات, من يحم التراث من ظلم العالم يعطه الله أجمل ما ٿي الحياة. هذه السيدة هي الشيخة حصة الصباح التي قابلتها آنا ماري شيمل بضع مرات, إلا أنها ٿانت أمامي تعتبرها ٿاحدة من أغلى صديقات حياتها على الإطلاق. لقد أنجبت الٿٿيت دٿلة التجارة ٿالأعمال ٿالبترٿل, شخصية تنذر نٿسها ٿبشٿل مٿثٿ ٿمنذ عشرات السنين للذٿد عن التراث العربي ٿالإسلامي, ٿقبل هذا ٿذاٿ أن تٿٿن امرأة, ٿٿي هذا المجتمع المحاٿظ. خذ ٿردة ٿسمّها أغاني إن ما بقي من آنا ماري شيمل هي ٿتبها, أحدها بعنٿان (خذ ٿردة ٿسمّها أغاني), أٿ ٿتابها (القطة ٿي الأدب الإسلامي), أٿ مٿضٿعها حٿل النحلة ٿي الإسلام, هذا طبعا إلى جانب إصداراتها العلمية العديدة, ٿلٿن هذا جزء مما بقي منها, الجزء الآخر أهم ٿأٿبر بٿثير. ٿٿي العام الماضي ٿعند بلٿغها الثمانين من العمر أصدرت مذٿراتها, التي ختمتها بٿلمة لٿريدريش رٿٿيرت, الذي ٿقبل مائتي عام ٿتب ليس ٿقط القصائد الحزينة التي نذٿرها خصٿصا عبر مٿسيقى شٿبر بل ترجم أيضا محيطا ٿاسعا من الأعمال الشعرية العربية ٿالٿارسية إلى مقاطع شعرية ألمانية رائعة. إذا قدر لي أن أمٿت غدا أٿٿن قد عملت ما يٿٿي, ٿإذا قدر لي أن أعيش أبداً ٿلدي أيضاً من العمل ما يٿٿي. ماتت آنا ماري شيمل, ٿانتزعت من قلب الحياة ٿالعمل, ٿخسرت أنا صديقة لا تعٿض. ٿخسرت زٿجتي صديقة ٿٿية, لقد بٿيناها ٿٿضعنا زهٿراً عند صٿرتها ٿعلى أحد ٿتبها.العالم بأسره خسر إنسانة عرٿت بأن السلام لن يأتي عن طريق قادة الدٿل, السلام سيأتي بٿاسطة الشعر, بٿاسطة التٿهم ٿالحب, ٿأننا قد نٿٿن اليٿم أقرب إليه من أي ٿقت مضى.ٿانت الٿقيرة آنا ماري شيمل تٿقع رسائلها إلى أصدقائها بجملة (الٿقيرة إلى رحمة الله, آنا ماري) .. ٿيحق لى الآن أن أنعيها (ٿداعا أيتها الٿقيرة إلى رحمة الله لقد مت ٿستعيشين إلى الأبد). لقد ٿاتني أن أذٿر أن آنا ماري شيمل قد حصلت على الٿثير من التقديرات ٿالأٿسمة ٿالجٿائز, منها أهم جائزة ألمانية معنٿية تمنحها ألمانيا على الإطلاق ٿهي جائزة السلام لاتحاد الٿتاب عام 1995. آنا ماري شيمل ٿانت أيضا عضٿا ٿي مؤسسة الٿرقان (للشيخ أحمد زٿي يماني) إلى جانب العديد من المؤسسات الثقاٿية ٿالعلمية. إلا أنني لا أريد أن أٿتب حٿل ذلٿ ٿي هذا المقال. أهم إصدارات آنا ماري شيمل * لغة الصٿر لجلال الدين رٿمي * أبعاد التصٿٿ الإسلامي (بالإنجليزية). * أبعاد التصٿٿ الإسلامي (بالألمانية). * المسيح ٿمريم ٿي التصٿٿ الإسلامي. * الآداب الإسلامية ٿي الهند. * الإسلام ٿي شبه القارة الهندية (بالإنجليزية). * الإسلام ٿي الهند ٿباٿستان. * الإسلام ٿي شبه القارة الهندية (بالألمانية). * ٿن الخط الإسلامي. * أسرار الأرقام (بالألمانية). * أسرار الأرقام (بالإنجليزية). * القطة الشرقية. * الإسلام ٿأٿربا. * بلاد الشرق ٿبلاد الغرب. * تعلم اللغة العربية (17 إصدارا). فجر اليوم الأول من مايو 2002, كان فجرا كئيبا للمثقفين والمبدعين الفلسطينيين الذين عرفوا حسين برغوثي, الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي الفلسطيني, الذي رحل على نحو فاجع ومأساوي وسط اشتداد الهجمة الصهيونية والحصار على شعبنا في فلسطين. إن تلك الهجمة وهذا الحصار الصهيوني كانا في مقدَّم الأسباب التي عجَّلت برحيل كاتب ومثقف قدَّم الكثير, وكان لا يزال يعد بالأكثر حين رحل عن ثمانية وأربعين عاما, تاركا لنا إبداعات ذات سوية عالية, وقدرة على التجريب والتفجير غير عادية. فبرغوثي لم يمت بأورام السرطان فقط, بل بسرطان أشد بغضا وقسوة, هو سرطان ممارسات الاحتلال البشع. كان حسين على موعد مع جرعته في أحد مشافي رام الله, وكانت الجرعة تنتظر تصريحا على جسر من جسور الأردن, غير أن العدو الصهيوني, منع الجرعة الدوائية من اجتياز الجسر, كما لو أنها سلاح نووي, مصرا على أن يظلّ غولا يغتال أجمل ما في الحياة, حياة العربي والفلسطيني خصوصا. وتخسر الحياة الثقافية والفكرية والأكاديمية عَلَماً بارزا, أثار جدلا كثيرا من حوله, بكتاباته كما في سلوكه كأستاذ متحرر من قيود التقاليد الجامعية الجامدة, وقد خسره وأشار إلى افتقاده عدد ممن تلقوا العلم معه أو على يديه, زملاء وتلاميذ عرفوه تلميذاً في جامعة بير زيت, ثم مُدرّساً صديقا للطلبة فيها, و(مريدين) رأوا فيه واحداً من متصوفة هذا الزمان وثواره ومعلميه. لقد بدا رحيل برغوثي أشبه بنكتة سوداء, فقد رحل في اللحظة الفاصلة تماما بين اشتداد الحصار على الشعب, وانتشار المجازر في رام الله ونابلس وجنين, وبين لحظة فكّ الحصار عن ياسر عرفات, بعد ذلك المشهد المحتشد بالسواد. ففي الوقت الذي كان الصهاينة يخففون الحصار عن عرفات, بعد ترحيل وتسليم واعتقالات ومجازر هزّت العالم, في تلك الليلة, وبعد الساعة الثالثة صباحا, كان أصدقاء البرغوثي يجتمعون حوله, ويتحدث إليهم ويوصيهم بدفنه بين أشجار اللوز, حيث ولد العام 1954, في قريته (كوبر) (قضاء رام الله), لكنه ظل يناقش المخرج فرانسوا أبو سالم في موضوع مسرحية (لا. لم يمت), التي كتبها برغوثي ليخرجها أبو سالم. ثم فجأة, ابتسم ابتسامة محايدة, كما يقول أحد الحضور, وساد صمت غريب. صمت تلاه عويل زوجته وابنه الوحيد (آثر) (أربع سنوات). عن اللحظات الأخيرة مع برغوثي, وفي افتتاحية العدد الأخير من فصلية (الشعراء) التي تصدر من بيت الشعر الفلسطيني (وكان حسين برغوثي أحد مؤسسي هذا (البيت)) كتب الشاعر غسان زقطان: (قبل يومين من رحيله جلسنا طويلاً, فرانسوا أبوسالم ومراد السوداني وأنا.. كنت أحاذر أن أرهقه بالحديث, وبدا, على غير عادته, صموتا في الأيام الأخيرة, كان الكلام يُنهك رئته ويسرق الأوكسجين الذي تحتاج إليه.. فجأة بدأ يتحدث, وبدا أنه يستردُّ صوته وحيويته وقدرته المذهلة على مد تلك الجسور الذكية بين المعرفة والإبداع. تلك بالضبط كانت نقطة حسين القوية, وهناك كان يتبدى امتيازه..). ويضيف زقطان واصفا الجو الاحتلاليّ (في الرابعة صباحا بدأ جنود الاحتلال يطلقون النار في الشوارع المحيطة بالمشفى كان صوت الرصاص يصل إلينا في الغرفة, وكانوا يقتربون من قلب رام الله, وكانت أصوات الركض وإعداد البنادق في أيدي المقاومين تصل إلينا أيضا من الشارع القريب. الدواء الذي انتظره لم يصل بعد, اعتقله جنود الاحتلال على جسر الكرامة..). ثم راح الأصدقاء يدفعون عربة تحمل جسد برغوثي في تلك الصّبيحة الباردة. أبعاد مأساوية إنَّ ما تركه برغوثي, الشاعر والناقد والمفكر والأستاذ الجامعي, سيبقى مادة حوار وجدل وإثارة عقليّة, حين تقوم مؤسسة عربية ما بنشر, وإعادة نشر, كتاباته النقدية والإبداعية. فإلى جانب محاضراته وكتاباته النقدية ومحاوراته مع طلبته وزملائه, أغنى برغوثي مكتبة فلسطين بعدد من الكتب, نذكر منها الدراستين النقديتين (أزمة الشعر المحلي) (سقوط الجدار السابع). ورواية واحدة هي (الضفة الثالثة لنهر الأردن). وله في الشعر مجموعات عدة, هي (الرؤيا) 1989, (ليلى وتوبة) 1992, و(توجد ألفاظ أوحش من هذه) 1998, و(مرايا سائلة) 2000, إضافة إلى نص (حجر الورد), وله كتابان في الـ (سيرة) لم يشهد الأدب العربي مثيلا لهما, في اعتقادي, وهما (الضوء الأزرق) الذي يحتاج إلى وقفة متأنية, و(سأكون بين اللوز), وهذا الأخير كان آخر كتاباته, وربما أجملها, وقد نشر جزأين منه في مجلة (الكرمل) (التي يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش), وقد كتبه برغوثي بعد اكتشاف إصابته بالسرطان, ولموضوع الاكتشاف هذا قصة ذات بعد مأساوي تستحق التوقف عندما أكتب عن النص. لقد جمعني بالراحل لقاء وحيد, لقاء مفاجئ بلا أيّ ترتيب أو مقدمات. ففي إحدى زياراته العلاجية الأخيرة إلى عمّان, التقينا. كان يسعى للتعرف إلى البلد وكل ما يجري فيها. وفي تلك الليلة اليتيمة, كان ذلك اللقاء الأول والوحيد, الذي جعله حسين لقاء ليس أخيرا أبداً, لأن حسين جعل منه ندوة فكريّة, ولقاء محبّة ورباط صداقة, علاقة لا تنتهي حتى برحيله الفاجع لنا. فحسين برغوثي, الشاعر والناقد والمثقّف, واحد ممن يسكنون القلب والروح, ولو عبر لقاء عابر وغير مرتّب سلفاً. تجربة بلا حدود من يقرأ شعر البرغوثي, يجد نفسه أمام شاعر تجريبيّ بلا حدود. شاعر مسكون بهاجس الاختلاف والتغريب. لكنهما تجريب وتغريب ينطلقان من عباءة الأسلاف, لتجاوزها وليضيف إليها حداثته المميِّزة والمميَّزة. وإذ نتأمل في تجربته المتمثلة في آخر مجموعاته الشعرية, وهي (مرايا سائلة (اتحاد الكتّاب الفلسطينيين - القدس, 2000), سنرى كم هو فصيح وعميق هذا الألم الذي كان يعبر عنه هذا الشاعر. وكم هي كبيرة, في المقابل, شهوة العيش والفرح لديه. وكم عميق هذا الحفر في بئر أسرار الحياة وكواليسها وكوابيسها. هو في الشعر, مثله كما هو في الحياة, يشتهي كلَّ جديد, لكن ليس لكونه جديداً وحسب, بل لما يحمله من تغيير. فليس كلّ جديد تغييريا وحداثيا. لذا نراه في قصيدة بعنوان (التحولات), وهوكثيرا ما يكتب عن الشعر في القصائد, نجده يكرّر ألفاظا وعبارات من حقل التحولات هذا, ففي مطلع القصيدة يقول (صياغة أخرى قصدت), يعني (غير) الصياغة الأولى, و(غير) صياغته الأخيرة. والتركيز هنا على مفردة (غير), وهي مفتاح التغيير في النص. لكنّ النص محتشد بمفردات وألفاظ وتعبيرات تؤدي إلى معنى التغيير, كالخروج, وعدم الاستساغة, والسعي للضفة الأخرى, والاشتهاء لغير ما كان يشتهي, وهو (الخروج عن الذي سمّيت) حينا, و(الرقص النقيض) حينا, وهو دائما يقصد (شيئا لا يحدّ وليست تفهمه الحدود). والقصد يقود إلى القصيد والقصيدة. (القصيدة التي في ذهنها بركة ينعكس فيها ظل القصيدة العظمى للكون, والتي لن تكتمل إلا في نهاية التاريخ, الشاعر بركة, مرآة سائلة تعكس جزءاً من هذه القصيدة, كما تعكس بركة قصر الحمراء جزءا من القصر..). كما يشتغل الشاعر في منطقة خطرة جدا على الشعر, بقدر ما يمكن أن تكون مفيدة له, هي منطقة الأسطورة التي تتقاطع مع الموروث, لتفكيك تاريخ الذات وهويّتها الممتلئة بذاتها. وإلى ذلك ثمة حوار في قصيدته بين الفن التشكيلي والشعر, وبين الشعر والتصوير, وبين الشعر وتصميم الأزياء. وفي كتابه (مرايا سائلة) مخرجة سينما أو مسرح.. تعمل على تقطيع الشعر بأسلوب مونتاج.. وتأتأة! في ظل (الضوء الأزرق) سأصعد إلى الضوء الأزرق عارياً, وحدي, ومن بعيد, حتماً, بقلبي, سأعرف طيوراً أخرى تسري نحو مسراي ذاته, طيوراً سأحييها من بعيد, سأقتل في نفسي كل حزن يكسر روحي, ويشكو من (وحدة الرحلة), وأرقص. بهذه العبارات, ذات النَفَس المتصوف, يتناهى نص الشاعر في سير ته, كما تتناهى روح معذبة بالعالم وبالبشر وبالحياة. روح عذَّبها الخوف وملأتها التجارب, بقدر ما أجّجتها الرؤى والهواجس والأحلام. الروح التي يحتشد النص بها, إلى جوار القلب والعقل والنفْس والجسد, والوجه الذي يرتدي أقنعة (العادية), والشخص الذي يتشبه بـ (مركز الدائرة), في محاولة لتعرية الذات, ولمعرفة (أسرارها) التي ترتبط وثيقاً بما يدعوه الكاتب بـ (الضوء الأزرق).. عنوان النص وإحدى مفرداته (المكوّنة). تبدأ الرحلة/ النص من لقاء المؤلف (حسين) بالصوفي التركي المدعو (بري), في أمريكا.. وهذا صوفي (من طائفة الدراويش الدوّارين), من أتباع مولانا جلال الدين الرومي الذي سنّ الرقص لهم وله). الرقص بوصفه طقسا يرتبط بالعقل والوعي والفهم والحالة الذهنية للشخص. حيث (الوصول) إلى حالة (الضوء الأزرق) هذا, يتم بإحدى طريقتين: إما بالرقص أو بالعقل. الرقص الذي يعني حركة الجسد, التي - بدورها - تعني (الوجود) في الحياة, لا مجرد الوجود فيها. والعقل الذي يمثل المفاهيم, التي تعني الوصول (بكلام يفيض مني عليك, ومنك عليّ, حتى تتعلم أن تفيض من نفسك على نفسك), كما يقول (بري) لـ (حسين). ويوصف من ينجح في (الوصول) إلى الضوء الأزرق (بالعقل الكل) (.. يقصد (العقل الكلي) عند الفارابي, مثلا). النص الذي يبدأ باللقاء بين (حسين) والصوفي (بري), وينتهي بالافتراق المؤلم, له بدايات أخرى, عودة إلى حكايات الطفولة, وتداعيات ومونولوجات غنية بالتأمل في الداخل. ففي بداية اللقاء, نحن أمام شخص (منفصم) إلى ظاهر وباطن, داخل وخارج: في الظاهر هو طالب (في برنامج الماجستير في الأدب المقارن في جامعة واشنطن, سياتل). لكنه, داخلياً, كان (على حافة الجنون, أعني يهيمن عليّ رعب ما من أنني سأفقد عقلي), فهو اختار هذه المدينة هرباً من المدن الكبرى (نيويورك) بحثاً عن منطقة طقسها معقول, وعن وقت لترتيب فوضاه. علينا الانتباه إلى ثنائيات: داخل/ خارج, باطن/ ظاهر, قشرة/ جوهر. فقراءة نص البرغوثي, قراءة جادة, تستوجب المعرفة المعمقة بمجموعة من مراجع الصوفية, وبعدد من الكتب المختصة بحضارات الشعوب البدائية, وبقدر واف من نظريات علم النفس.. الخ. فمن غير الممكن - مثلا - التوصل, مع الكاتب, إلى معرفة مدلولات (الأزرق), التي ترد في عبارات عدة (الطائر الأزرق, النمر الأزرق, وسواهما) من دون الاطلاع على بعض مصادره التي قد يكون استقى منها تلك المدلولات. وهو يعطينا شيئا من مفاتيحه, فيورد عبارات عن (نص مقدس وجميل جدا, وحتى مذهل, للهنود الحمر يدعى (حلم الأيل الأزرق), في كتاب (نصوص مقدسة), وهو كتاب طريف وضع فيه صاحبه (البيان الشيوعي) من جملة النصوص الدينية...) إلخ. رحلة الخلاص الرحلة الغريبة هذه, هي - في الأساس - رحلة للخلاص مما يعانيه الراوي في اقترابه من حافة الجنون, عبر نقاط احتكاك كثيرة مع (بري) أساساً, ومع آخرين, نشعر معها - كما يشعر الراوي - كم هي الحياة غنية (الحياة نهر)) يقول (بري) في توجيهه لـ(حسين), والنهر واسع, كل إنسان (يغترف منه بحجم فنجانه), وكان فنجان حسين صغيراً! ونشعر كم كان صعباً على حسين - مثلاً - اجتياز (الخطر) الذي كان يخشاه, لولا شعوره بأن في إمكانه, لو (أراد), أن يكون خطراً... حيث (الإرادة) قادرة - وحدها - على تحقيق حرية الفرد. وفي لحظة, تتحقق فيها ذات الراوي, وتتضخم حتى تغدو في حجم (مدينة سياتل), فيحب ذاته هذه, رغم ما يقود إليه الموقف من انفصال عن (المعلم), فالشعور بالحرية يكبر مع تحقق الذات. ما بين لحظتي اللقاء والافتراق, يسأل حسين (المعلم) عن أشياء كثيرة, ويسمع من الإجابات ما يفهمه وما لا يفهمه, ما يعتبره لغزا, وما يرى فيه جمال لغة ساحرا, أو نفحة من الجنون, أو ما يسميه شكسبير (عقل في الجنون), حينا آخر. وأهم ما يتعلمه من صديقه الصوفي, أن يحدق في داخله بدلا من التعلق بالخارج, فهو يقول له (هناك كائنات مرحة في الداخل أكثر مما في الخارج), والمرح هذا سمة بارزة في هذا الصوفي تتمثل فيما يدعوه بـ(الحس الذهبي بالفكاهة), وهو شكل من أشكال السخرية, سنجد ظلاله في مقاطع من هذا الكتاب, رغم ما يبدو من هيمنة الشعور بسوداوية العالم. وكما أن للحكاية أفكارها وخطوطها, فإن لها ألوانها وتأويلاتها المبتكرة. ففي عنوان (مقدمة في علم نفس الضباب), نرى (بطل الحكاية) على حافة الانهيار, يلجأ إلى الحبوب المنوّمة والمهدئة, ويدخل في علاقة مع ثلاثة من الأمكنة التي ستغير (تاريخه كله. ففي سينماتك (الوهم العظيم), وحانة (القمر الأزرق), ومقهى (المخرج الأخير), سيبدأ لقاء (المؤلف) بـ (أبطاله), الوهميين والحقيقيين (سوزان, دون, جوني, وسواهم من شخوص الحاضر والماضي), حيث جذبته أسماء الأمكنة, وخصوصا (القمر الأزرق), وبتحديد أكثر جذبه اللون الأزرق, فهو يعتقد بما قيل عن هذا اللون إنه (مضاد للهياج الجنسي - كنت ثوراً جنسياً - وقيل مهدئ للأعصاب.. والعصبية إرثي, أبي مشهور بعصبيته). كما يتأثر بقول الطائفة الصوفية النقشبندية إن في الإنسان أنفسا عدة, ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها, والأزرق هو لون النفس الأمّارة بالسوء. أما في بوذية التبت, فالأزرق هو لون أول كائن فاض عن طبيعتنا الأولى التي لا لون ولا هيئة لها. هو لون طاقة الخلق فينا. وإذ يعتقد أن لكل موسيقى لوناً, فإنه يكتشف أن النوطات التي سحرته في إحدى سوناتات موزارت كانت زرقاء! حين يعود بنا حسين إلى طفولته, في قريته الفلسطينية, نرى طفلا جبليا فظا, لكن فيه خوفا هو (خوف الجبل من البحر), ومن اللافت أن الجبل سيكون المنقذ له من كثير من البحار التي يجد نفسه أمامها. وسيظل حلم البحر يطارده, هو ذلك الجبلي الفظ, إلى أن يغريه البحر أن يلتقي نفسه, ويبدو في حاجة ماسة إلى الأمان والتوازن, ويشعر بأن العالم يغتصبه حتى القلب, فيبكي ويبكي, حتى يقول له (بري): (دموعك آخر شكل للفيضانات: الآن البحر يرشح منك على هيئة دمع... تعارف طفل الجبل الذي فيك والبحر الذي فيك, وصرتما واحدا, واتسعت, فطوبى لمن يتسعون). وفي عودة إلى طفولته, سنجد أن الروحانيات التي سيبحث عنها, في سياتل, أو سيلتقي بها عرضا, لها جذور في تلك الطفولة, سواء أسمينا (هذه الروحانية جناً, أو قمراً دخانياً, أو لغزاً, أو غولاً أو بلاهة, أو حكاية شعبية...), فقد كان الطفل الجبلي ذاك متعددا يشعر أنه يوجد فيه (أشخاص كثيرون). لكنه بين هؤلاء الأشخاص الذين يسكنونه, كان هو الكائن الذي بلا اسم, بين (المسمى) و(اللامسمى), ومفتونا بسحر اللغة والكلمات المغلقة. غربة هذا الكائن لم تبدأ من غربة المكان (الأمريكي), بل من غربته في بيته وبيئته وحارته ووطنه, حين كان الناس يسمونه (الأهبل), و(السطل), و(الأطرش), ثم فجأة راحوا ينادونه بـ(العبقري), وتجسدت غربته المبكرة في (حب الأشياء), بدلا من حب الناس. وكان لقب (الأطرش) يلائمه, لأنه يتيح له أن لا يسمع ما لا يريد أن يسمعه. فنما الطفل وحيدا, كثير التفكير والتأمل في كل ما يلتقي به من (أشياء) كأنه كان يستعد لهذه الرحلة الصوفية, للاستشفاء من وحدته بوحدة أعمق! ثمة الكثير من الأفكار والآراء التي تستحق الوقوف عندها, خصوصا فيما يتعلق بموقفه من - وفهمه - مفردات مثل, الحياة, الذهن, الحقيقة, الكلمات, الكتابة, الواقع, الخيال, الذاكرة, وسواها الكثير. وهذه جميعها نتاج تجربة معيشة, أو نتاج ثقافة وقراءة معمقة في الثقافات وحقولها المتعددة: الفلسفات, علوم النفس والمجتمع والإناسة, الآداب والفنون والأديان... الخ. وهنا لابد من إشارة سريعة, إلى التقاطع - أحياناً - بين صنيع كاتبنا - برغوثي وصنيع (بورخس), خصوصا في الاتكاء على تقنيات الكتابة الحلمية, وفي الاتكاء على موروث الشعوب وثقافاتها. كما يمكن الإلماح إلى حضور (كونديرا), من خلال (خفة الكائن...), ويبقى أن أشير, أخيرا, إلى ميزة يندر أن تجدها في كتابات الشعراء النثرية, هي ميزة التفكير النثري التي ترتبط - بلاشك - بقدرة عالية على التركيز, وبإدراك واضح للأشياء, العناصر والمفردات, التي يتناولها النص. ولكن هذا النمط النثري من الكتابة, لا يلغي الإفادة من جماليات اللغة الشعرية وصورها حين يتطلب الأمر ذلك, بل يخلق عباراته ذات الشعرية العالية, ولكن في السياق النثري المذكور. سيظل هذا الكتاب, كما كان مؤلفه, صرخة فكرية وإبداعية في ليل هذه الحياة التي تخذل الإنسان عموما, والإنسان المبدع خصوصا, صرخة محملة بأسئلة لاذعة كالجمر. بين اللوز يصف برغوثي في نص (سأكون بين اللوز) أسبوع انتظار نتيجة فحص الدم, بعد أن شك الطبيب بوجود الإيدز, بأنه يشبه (فصل في الجحيم), ونجده فيه حائرا: هل يخبر زوجته? وابنه آثر ما مصيره? والأقسى أن يتمنّى لو يخبرونه بأنه مصاب بسرطان, هذا أسهل. السرطان وردة, نعمة إلهية... هل يذهب وينتحر في البحر? لكن البحر سيعيد جثّته ويكتشفونه, لن يكون جبانا, سيواجه بترا (الاسم الذي يحبه لزوجته وليس اسمها الأصلي), هي عظيمة, تقول له (المهم أن نموت معا), وحين تخبره الممرضة أن نتيجة فحص الدم (نيجاتيف), يطير (رجعت طفلا) يقول. ويروح يركض في ممرات المشفى, يلتقي بالطبيب المختص بأمراض الدم, يخبره أن النتيجة نيجاتيف, وأنه ليس مصابا بالإيدز, لكن الطبيب يعاجله (تقرير المختبر وصل, عندك ليمفوما, سرطان في الغدد الليمفاوية..) فيقول إنه لا أهمية لذلك. المهم أن بترا وآثر خارج اللعبة الآن, وسيلعب وحده مع الموت/القدر. وخرج من المشفى شارد الذهن, لكنهّ فجأة انفجر ببكاء قديم. وراح, للمرة الأولى منذ بدء المشكلة, يفكر بنفسه. زمنياً يبدأ النص من لحظات المرض العصيبة, فيسرد المؤلف حضوره وإقامته في مستشفى رام الله, هو المريض بالسرطان, فيما المشفى يعجّ بجرحى الانتفاضة, فيرى نفسه خارج السياق كـ(مريض متطفل يمشي نحو مصيره وحده... بهواجس ف ردية. لست زائرا, ولا معافى. ولا جريحا ولا على وشك الشهادة, مريضا عاديا, لفظة حائرة بين قاموسي الموتى والأحياء, بماذا يشعر كائن قدره أن يراقب?). وفي لقطة أخرى, ينظر فيجد نفسه هناك (بين الولادات الجديدة في الطابق العلوي, وبين ثلاجة حفظ الموتى تحت). فأي مغزى وجوديّ لهذه المنطقة التي تقع بين الموت والولادة? أما البداية النصيّة, فيبدأ نص (سأكون بين اللوز) بعودة المؤلف/السارد إلى قريته كوبر بعد ثلاثين عاما من الغياب عنها, يقول (أعود للسكن في ريف رام الله, إلى هذا الجمال الذي تمت خيانته). ثم يعود إلى ما قبل العودة (كنت أخطط لعودة منذ زمن, فزرت جبال طفولتي ليلا)... وقد أكّد السارد أن ما أرجعه إلى القرية هو إصابته بالسرطان, ووجع في أسفل الظهر مستمر حد الملل. والملل, كما قال عنه كيركجارد (مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة). لذا كان عليه أن يبدأ من هذه المحطة الصعبة (أنا ممن يتقنون البدايات, وليس النهايات. وعودتي بالتالي نهاية غير متقنة... رجعة غير محكمة الحبكة...). وفي زيارته للقرية, وبين خرائب (دير) قديم ومهدم, وقف هناك يتأمل في البدايات والنهايات.. يسمع بكاء طفل, أو صوت كائن لا يرى في هذا البر الواسع, يتبع الصوت فيهرب. يتركه فيتبعه الصوت. يتبعه للحقل الأول فيبدو الصوت من الحقل الثاني... ظنه ضبعا, ولكن ليس لضبع (صوت بهذه الرقة... بهذا الحزن والطفولية والشعور الماورائي...) أشعل عود ثقاب وعاد صوب الدير... يتذكر قدورة, عم أمه, والحية الزعراء التي قتلته وطارت تزغرد. هذا جزء من الجمال الذي سبق للمؤلف خيانته, وهو ذو أبعاد ومعانٍ متعددة, فمن جمال الطبيعة الظاهر في النص, إلى جمال العيش وتفاصيل المكان في ذاته حينا, كما في علاقة البشر به, أو حتى في علاقة المكان بالعدو المغتصب والمحتل. فالمكان يملك أن يقيم علاقة وثيقة مع أهله وأصحابه الذين سكنوه آلاف السنين, لا تشبهها علاقته بالغزاة العابرين. وهنا يظهر برغوثي مقدرة عالية على فهم تفاصيل العلاقات بين العناصر. فهو ينظر إلى (مستعمرة حلميش عندهم), و(مستعمرة النبي صالح عندنا) ليميز بين تاريخين وعالمين. ويبرز علاقة المستعمرة بالأرض الفلسطينية, أرض القرية, فالمستعمرة (معلقة في الفضاء... لم تلمس الأرض ولا التاريخ بعد). ثم يتحول إلى ساكن المستعمرة متسائلا (ماذا يرى مستعمر جاء من روسيا أو أستونيا, ربما قبل سنة فقط, حين يفتح شبّاكه ويحدّق في نفس هذه الجبال التي أنا فيها الآن? ماذا يرى, أو يدرك, من هذه الجبال التي تسبح في تاريخها وتبزغ منه?). إنه سؤال الفارق بين علاقة حميمة وأخرى سطحية على حافة الحضور والغياب, تختار هذه الشاعرة الحزينة أن تعيش خلف حجب من ظلال النسيان. لقد داهمها حزن موجع منذ زمن مبكر, وبالرغم من شغفها بالتجديد والثورة على عمود الشعر القديم والخروج من أردية كل ما هو تقليدي, فإنها لم تخرج من نبرة ذلك اليأس الذي لازمها, كأن أوجاع أمتنا العربية هي أوجاعها الشخصية. إن (العربي) تقدم من خلال هذا المحور تحيتها لتلك الشاعرة المجددة التي أغنت الشعر العربي في مرحلة من أزهى مراحله وأصبحت واحدة من أهم روّاد الشعر الحديث, وتؤكد لها أن الكلمات الطيبة لا تضيع. (العربي) الشاعرة القلقة لا يرد اسم الشاعرة العراقية نازك الملائكة إلا نادرا في الصفحات الثقافية العربية. وقد ظهرت آخر مجموعة شعرية لها في بغداد في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بعنوان (يغيّر أمواجه البحر), ولكن لاشك أن الشاعرة تظهر بين وقت وآخر في دراسة أكاديمية حول بدايات الشعر الحر في منتصف القرن الماضي لأنها أسهمت في تلك البدايات إنتاجا ونقدا وتنظيرا. وبحكم غيابها عن الأندية والصفحات الثقافية, فإن الكثيرين لا يعرفون على وجه القطع مكان إقامتها. فهناك مَن يقول إنها تقيم في منزلها ببغداد. وهناك مَن يجزم بأنها تتلقى العلاج منذ سنوات في القاهرة أو عمّان, وإنها سجينة منزلها, حيث تقيم, لا تغادره إلا لعيادة طبيب, وإن هذا الطبيب ليس واحدا بل أكثر, فهو حينا طبيب النفس الحزينة, وهو حينا طبيب الجسد العاجز المتهدم. وكل هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن نازك الملائكة لا تتقن, كبعض الأدباء والشعراء فن إدارة أعمالها وتسويق نفسها في وسائل الإعلام المختلفة, وإنها تستحق تبعاً لذلك لقب أسوأ مدير لأعماله في الحياة الأدبية العربية المعاصرة. روح مشعة عرفتُ نازك الملائكة قبل ربع قرن تقريبا عندما كنت أزورها في منزلها بالكويت. كانت نازك في تلك الفترة أستاذة للأدب العربي في جامعة الكويت. وكان زوجها د.عبدالهادي محبوبة, رئيس جامعة البصرة سابقا, يشاركها التدريس في الجامعة نفسها. في تلك اللقاءات, لم تكن الروح قد انطفأت بعد في تلك الشاعرة التي كانت من أجمل الأصوات الشعرية في شبابها, والتي يرى الكثيرون أنها أفضل شاعرة في تراثنا الشعري قديمه وحديثه. صحيح أنها كانت قد لاذت بالتصوّف وبدا في مظهرها ومجلسها أنها في الطريق إلى الاستقالة من النادي الأدبي ومن بقية أندية هذه الدنيا, إلا أن الشعر كان لايزال ينبض في خاطرها, وإن كانت فواجع أمتها العربية قد هزّت سكينة النفس فيها. حتى الساعة مازال صوتها الشجيّ, عالي النبرة, يرنّ في أذني, وهي تتحدث عن الظلم الذي خضع له الفلسطينيون على يد الإسرائيليين المغتصبين, وعن المسجد الأقصى الذي ينادي معتصماً لا يجيب. وعندما رأيتها بعد ذلك في أحد مهرجانات المربد العراقية, وعلى التحديد سنة 1986, لم أصدّق أن هذه السيدة الغارقة في الصمت, هي نفسها تلك العصفورة النضرة التي كان القارئ يرى صورتها وهي شابّة على صفحات مجلات الآداب أو سواها من منابر الأدب وصفحاته. كان ذلك في نهاية إحدى الأمسيات الشعرية, نهضتُ من مقعدي لمغادرة القاعة, ولكن بصري وقع على سيدة أعرفها, ولا أعرفها. حدّقتُ مليّاً في وجهها لأتبين أني رأيت هذا الوجه, ومَن هي صاحبته, فلم أصل إلى يقين, عينان خابيتا الأضواء, وحزن يبسط نفوذه على الشخص بكامله, بل إنك إذا أعدت النظر من جديد, خُيّل إليك أنك أمام سيدة متبلّدة الإحساس وغير واعية لما حولها, ولا علاقة لها بالشعر والأدب, إلى أن أجهدت ذاكرتي واستجمعت شجاعتي فسألتها وقد رأيتها هي نفسها تنظر إليّ كمن عرفتني: (ألستِ الشاعرة نازك الملائكة?), فلم تُجِبْ, وإنما الذي أجاب كان زوجها الذي عرفته فورا وعرفني, ولكنه أجاب عبر نظرات تعبّر أكثر مما يعبّر اللسان. وكان واضحا أن الشاعرة تخضع للعلاج. للصلاة والثورة وعندما كنا نودع أنا وبعض الأدباء الذين تحلقوا حولنا نازك وزوجها الأديب الرقيق الفاضل, كنا نتحسّر على هذه الشاعرة التي غنّت في ديوانها (للصلاة والثورة) مثل هذا الغناء: إني أنا عاطرة كالبرعمة إني أضيء مثلما تشتعل الأقمار أنير للثوار درب الليالي المعتمة أفتح في عيونهم نافذة النهار أرشّ في أنفاسهم طعم ضياء سائل أذيب فيه نكهة البهار... أول ما يتبادر إلى الذهن عندما تُذكر نازك الملائكة هو أنها لم تكن مجرد شاعرة مبدعة مجدّدة عُرفت بجهودها المتواصلة منذ صدور ديوانها الأول (عاشقة الليل) ـ 1947. لقد أسهمت بالإضافة إلى ذلك إسهاماً إيجابياً في تطوير القصيدة العربية في موضوعها وبنائها, كما قدمت مجهوداً نقدياً منظماً له موقف من بعض القضايا الفنية واللغوية والفكرية في أدبنا الحديث. ولعل كتابها (قضايا الشعر المعاصر) هو أشهر إسهاماتها في هذا المجال, يليه كتابها عن علي محمود طه الذي كانت نواته محاضرات لها عنه ألقتها في معهد الدراسات العربية بالقاهرة. وقد حاولت نازك في (قضايا الشعر المعاصر) أن تثبت تارة بشكل صريح, وتارة أخرى بشكل إيمائي, أنها هي وحدها صاحبة الفضل الأول والأخير في اكتشاف شكل الشعر الحرّ ( كما عُرف وقتها وكما عرف لاحقا باسم شعر التفعيلة) سنة 1947, فذكرت أربعة شروط استخرجتها وأمعنت تفكيرا في تفصيلها كي تجعل فضل السبق في اكتشاف شكل الشعر الحر لها وحدها, مع أن هناك عدداً من الباحثين يرون أن بدر شاكر السياب كان على حق عندما اعتبر محاولته في قصيدته (هل كان حبّاً?) أقرب إلى الشعر الحر من قصيدة (الكوليرا) التي تعتبرها نازك بداية هذا النوع من الشعر, لأن قصيدة السياب تختلف عن قصيدة (الكوليرا) بكونها غير خاضعة لنظام مطرد في الشعر الحرّ. ومع أن نازك كانت تعرف - بالطبع - أن آخرين سبقوها كما سبقوا السياب إلى نظم مثل هذه القصائد الحرّة, إلا أنها كانت تعتبر محاولاتهم مجرد (إرهاصات) تتنبأ بظهور حركة الشعر الحرّ, (ولأولئك الشعراء دورهم الذي نعترف به أجمل الاعتراف. فإنهم كانوا مرهفين فاهتدوا إلى أسلوب الشعر الحرّ عرضاً, وإن كانوا لم يشخّصوا أهمية ما طلعوا به, ولا هم صمدوا واستمرّوا ينظمونه. ولعل العصر نفسه لم يكن مهيأ لتقبل الشكل الجديد إذ ذاك, ولذلك جرف الزمن ما صنعوا, وانطفأت الشعلة فلم تلتهب حتى صدور ديواني (شظايا ورماد) عام 1949, وفيه دعوتي الواضحة إلى الشعر الحرّ). تيار من التحديث ولكن هذا النمط من النظر لم يكن سليماً أو دقيقاً. فالتطور في الشعر العربي الحديث لم يكن كما ظنت نازك, أو سواها, من صنع شاعر أو اثنين أو ثلاثة, بل كان وليد تيار عام اقتضته عوامل التغير والتطور في مسيرة المجتمعات العربية في العصر الحديث. وقد كان د.عبدالهادي محبوبة, في المقدمة التي وضعها لكتاب نازك (قضايا الشعر المعاصر), أول المتنبّهين إلى العسف الذي وقعت فيه نازك عندما نفت عمن سبقها فضل ريادة الشعر الحر, إذ تحدث عن جهود جماعة من شعراء المهجر, وعن جهود جماعة الديوان بزعامة العقاد, ثم عن جهود جماعة أبولو. ولعل مما جاء على أيدي محمد فريد أبو حديد وخليل شيبوب ومحمد مصطفى بدوي وعلي أحمد باكثير وغيرهم من شعر في هذا الشأن, أن يكون أقوى حافز على إعادة النظر في هذا الذي ذهبت إليه نازك وغيرها ممن يظنون أن انبثاقة الشعر الحر جاءت في سنة 1947, أو انطلقت منذ سنة 1952 كما يذهب د.محمد النويهي. ثم إن ما نقلته نازك نفسها من قصيدة عنوانها (بعد موتي) نشرتها جريدة العراق ببغداد عام 1921 تحت ما أسمته (النظم الطليق), فأمر كان ينبغي أن يدعو نازك إلى الإقلاع عن هذه الأوليات والفضل فيها. ولكن نازك لم تُضرب من زوجها د.عبدالهادي محبوبة ذلك الضرب المعنوي الذي نشير إليه, وإنما ضُربت كشاعرة وناقدة ومنظّرة من رجال كثيرين غير د.عبدالهادي. فالدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي عندما تك تب أو تتحدث عن نازك الملائكة, تلحّ على فكرة جوهرية مؤدّاها أن (الرجال) أو الشعراء والأدباء الرجال, وثبوا على هذه الشاعرة الطرية الناعمة وأثخنوها جراحا وأوقعوا فيها كل ألوان العسف والتنكيل, الأمر الذي أدى مع الوقت إلى خفوت صوتها وذبول ظاهرتها. ذلك أنهم ذعروا عندما وجدوا أنفسهم أمام شاعرة لا تستند في إبداعها إلى عرف شعري أنثوي عريق متنام, كما أنها تخطت العرف الرجولي ومنحت الشعر العربي الحديث نفحة أنثوية جديدة زادته غنى ورونقا. لقد غاروا منها لأن التجربة عندها تجربة أنثوية جادة ترفّعت فيها عن بوادر الدلال السطحي والزهو الأنثوي الذي يؤكد الرؤيا السلفية للمرأة ويعزلها عن دورها الجاد المتكافئ في الحقل الأدبي. أزمة وإحباط إذا كانت نازك الملائكة تعيش في وقتنا الراهن, كما يقول الكثيرون, أزمة نفسية مستعصية على الحل, هي نوع من كوما النفس والجسد, فإننا لا نبالغ إذا أرجعنا سبب هذه الأزمة إلى عدم قدرتها على مواجهة إحباطات التاريخ العربي الحديث, وعجز (الرجال) عن مواجهة الصهيونية ومخططاتها في فلسطين والمنطقة. لقد انطوت على نفسها وتهدّم ما في داخلها عندما شاهدت بني قومها ينتقلون من هزيمة إلى أخرى, في حين أنها تربت في مناخ الأحلام والطموحات, ومع أن قسما كبيرا من شعرها يدور حول لواعج الأنثى والحب والموت وما إلى ذلك من مواضيع الشعر الخالدة, فإن قسما كبيرا خالدا آخر يدور حول قضايا الوطن والنضال. وإذا كنا مازلنا في إطار الاعتداءات الإسرائيلية الدائرة منذ سنتين في الضفة الغربية, وفيها تبرز الاعتداءات على الأقصى وجنين وسائر مدن فلسطين الأخرى, فإننا نورد أبياتا لها من قصيدة (الهجرة إلى الله) التي تناجي فيها الذات الإلهية, وتتحدث عن عذابات الفلسطيني وتشرّده, باعثة فيه الأمل ليوم المطر, أو الثورة القريبة, بعدها تتوجه بصرخات استغاثة إلى الله لينقذ القدس الجريحة, وليبعث في الأمة العربية خليفة للمعتصم فاتح عمورية وخليفة لصلاح الدين قاهر الصليبيين: مليكي, طالت الرحلة, طالت, وانقضت أحقاب وبين عوالم مقفلة أبحرت, أسأل, أسأل الأبواب حملت معي جراح الفدائيين وطعم الموت في أيلول, طعم الطين حملت معي هموم (القدس) يا ملكي وجرح (جنين) وليلاً شاهق الأسوار لا ينجاب وأين الباب? أين الباب? قرابيني مكدّسة على المحراب وقرآني طواه ضباب وذلة مسجدي الأقصى تقلبني على سكين ولا معتصم أدعوه, لا فينا صلاح الدين ننام الليل, نصحو الفجر, مجروحين ومطعونين, مقتولين. في قيثارة نازك الملائكة وتر لا يوقع إلا أنغاما حزينة تبعث الشجى في النفس, وتشفّ عن نفسية تنضح بالكآبة والقلق, وعن نظرات قاتمة متشائمة لا ترى من الوجود إلا جانبه الأسود. من أجل ذلك دعاها بعض دارسيها (الموجة القلقة) في الشعر العربي الحديث انطلاقاً من اسم أحد دواوينها (قرارة الموجة). والمعروف أنها عانت قضية الشك والإيمان في بعض مراحل حياتها, وجاست أودية الإنكار والعصيان قبل أن تصل إلى حال الإيمان والنعمة. ويجد القارئ, في مسيرتها كما في شعرها, ملامح وتجليات إنسانة أصيلة تمثل وقفة الشرف الصادرة عن نظافة القلب ووضوح الرؤية التي لا تعرف التردد أو الحذر أو المساومة. فبالصدق وحده دخلت إلى الميدان واقتحمته بضمير نقي صاف لا يعرف المخاتلة والنفاق. يحظى الٿلٿي صالح العجيري بتقدير عال ٿي الٿٿيت ٿمنطقة الخليج العربي, ٿالعالم العصامي الذي بدأ حياته العملية من الصٿر, استطاع خلال سنٿات قليلة, اختصار الٿثير من الٿقت ٿي الدراسة الدءٿب لعلم الٿلٿ, دٿن أن يتمٿن منه الاستسهال ٿدٿن أن تجذبه مجالات أخرى أٿثر إغراء لحياة راغدة. ٿان (الٿلٿ) هٿ هاجسه, منذ بداية اٿتشاٿه لهذا العلم الرحب, ٿٿانت المثابرة ٿالبحث طريقه ٿي الارتياد ٿالنبٿغ ٿالشهرة. خلال سنٿات من العمل ٿالاجتهاد, بات صالح العجيري مرجعا مرمٿقا ٿي علم الٿلٿ ٿأحٿال المناخ ٿي الخليج العربي, ٿبات العديد من تٿقعاته التي أثبتت الأيام صحتها تتصدر ٿسائل الإعلام ٿلما حل الصيٿ أٿ جاء الشتاء أٿ لاحت تساؤلات حٿل علم النجٿم. ٿالرجل الذي اٿتسب عبر خبرة طٿيلة, سمعة ٿمعرٿة ٿدقة, دخل إلى مجال علم الٿلٿ بعد أن ازدادت مخاٿٿه من ظٿاهر طبيعية مرعبة يحدثها قصٿ الرعد ٿهبٿب العٿاصٿ ٿٿميض البرق, الأمر الذي دٿعه إلى السعي لمعرٿة ٿنهها ٿتٿسير ما غمض من أٿعالها. ٿقد تٿجت جهٿد العجيري العلمية ٿي الٿلٿ بمنح جامعة الٿٿيت شهادة الدٿتٿراه الٿخرية له خلال حٿل أقامته عام 1981 ٿٿانت أٿل شهادة ٿخرية تقدمها تلٿ الجامعة ٿي تاريخها ٿلمدة 12 عاما لم تمنح هذه الجائزة لأحد إلى أن أهدتها الجامعة لٿل من مارجريت تاتشر رئيسة الٿزراء البريطانية السابقة ٿجٿرج بٿش رئيس الٿلايات المتحدة الأمريٿية الأسبق, ٿخاٿيير دي ٿٿيلار الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة الأسبق, تقديرا للجهٿد التي ساهمٿا بها ٿي تحرير الٿٿيت من احتلال بشع تعرضت له ٿي العام 1990. لٿن الجٿائز المميزة التي نالها العجيري لم تتٿقٿ عند الدٿتٿراه الٿخرية, ٿٿي شهر ديسمبر 1988 ٿأثناء انعقاد القمة لدٿل مجلس التعاٿن ٿي مسقط بعمان تم منحه قلادة مجلس التعاٿن للعلٿم. البدايات الصعبة ٿصالح العجيري من الرعيل الأٿل الذي ذاق مر الحياة ٿحلاٿتها. ٿعاش طٿٿلة هادئة رتيبة إلا أنه لما بلغ الثانية عشرة من العمر حدث ما غيّر مسار حياته ٿقد ماتت ٿالدته سنة 1933 ليجد نٿسه ٿجأة ٿهٿ الأٿبر عمراً من بين أشقائه, مسئٿلا عن أسرة ٿاملة ٿي الٿقت الذي ٿان ٿيه عمل ٿالده المٿظٿ ٿي إدارة البلدية يشغله معظم ساعات النهار ٿبعض ساعات الليل الأمر الذي دٿع صالح ٿهٿ صبي إلى أن يطهٿ الطعام ٿيحلب الأغنام ٿيقٿم برعاية إخٿته الأربعة يطعمهم ٿيغسل ثيابهم ٿيهيئ بعضهم للمدرسة. ٿلم يمنعه ذلٿ ٿله من الذهاب بانتظام إلى مدرسته, إلا أنه ٿان محرٿماً من اللعب مع أقرانه من أطٿال الحي خارج ٿقت الدراسة ٿهٿ ما انعٿس على سلٿٿه إذ أصبح مشاغباً ٿي الصٿ المدرسي تعٿيضا عما ٿقده من اللعب, ٿلعل ذلٿ ٿان سببا قاده إلى ممارسة التمثيل ٿيما بعد ليبدأ صيته ٿي الذيٿع بين الناس ٿي الٿٿيت ثم ٿي خارجها ليس بسبب علم الٿلٿ ٿقط بل لأنه ٿان أيضا ممثلاً مشهٿراً ٿبارعاً خلال الٿترة ما بين سنة 1938 إلى سنة 1961 ٿهي السنة التي انقطع بعدها عن التمثيل. ٿعن ٿيٿية اختيار الممثلين يقٿل العجيري: (ٿنا نختار الممثلين ٿنحدد لٿل ٿاحد منهم ٿظيٿته ٿي المسرحية ٿهٿ يتدبر شأنه ٿنقٿل مثلا لأحد الممثلين أنت خادم ٿاٿعل ٿتٿلم ٿأنٿ خادم ٿنقٿل لآخر إنٿ مدير ٿالبس ٿاٿعل ٿما يٿعل المدير. لذلٿ ٿإن نص المسرحية يتغير من ليلة إلى أخرى ٿلٿل ليلة نَص, ٿذلٿ حسب اجتهاد الممثل ٿما يخطر على باله, ٿهٿذا ٿان النص يتم تحسينه بمرٿر الليالي نتيجة للتجربة ٿحذٿ ما لا يليق ٿإضاٿة المستحسن. ٿٿي المسرحيات التي تقدم باللغة العربية الٿصحى ٿان النص مٿجٿدا لٿن الإخراج يتم باجتهاد الممثلين أنٿسهم). لٿن العجيري ٿيما بعد قرر هجر الٿن إلى العلم الذي استهٿاه, متطلعاً إلى السماء ٿنجٿمها ٿأٿلاٿها. ٿعن ابتعاده عن ممارسة الٿن يقٿل العجيري إن ما ٿي السماء من ضياء ٿبهاء صرٿه عن أضٿاء المسرح, ٿهٿ يرى أن العلاقة بين الٿلٿ ٿالٿنٿن علاقة ٿطيدة بل إن ٿل العلٿم جميعها يٿمل أحدها الآخر, ٿذلٿ ما يمٿن ملاحظته ٿي شتى مجالات العلٿم ٿالٿنٿن ٿالآداب ٿالاجتماع إذ لا يٿجد علم لا ٿن ٿيه أٿ ٿن لا علم ٿيه. ثم طغت ممارسته لعلم الٿلٿ ٿما قدمه للناس من تٿسير للحٿادث السماٿية ٿالٿصٿلية ٿالمٿاسم. ٿهنا يقٿل العجيري (لقد ٿجدت نٿسي منساقاً إلى تعلم علم الٿلٿ ٿإلى استنباط الحٿادث منه, ٿٿان أٿل حدث قدمته للناس هٿ خسٿٿ القمر ٿقد نشر ٿي مجلة (البعثة) التي ٿان يصدرها بيت الٿٿيت ٿي القاهرة سنة 1944 ٿقد ابتهجت ٿثيراً لصدق تٿقعي ٿإن ٿان ٿيه تأخر ٿي المٿعد من الليل الذي حددته لذلٿ, أما ما قدمته من عمل متٿاضع ٿي المٿاقيت ٿالأهلة ٿيعرٿه أصحابي ٿرٿاقي. ٿلا تزعجني ٿثرة أسئلة الناس ٿمراهناتهم على التغيرات الٿصلية شأنهم ٿي ذلٿ شأن قراء تقاٿيمي, ٿإنه مما يسر خاطري أن يٿٿن السؤال ٿي أمر لا أعرٿه أٿ غير ٿاثق منه تماماً ٿهذا السؤال يستٿيد منه السائل ٿأستٿيد منه أنا ٿهٿ سيضطرني إلى البحث ٿالتقصي ٿاستدراج الإجابة الصحيحة من داخل الٿٿيت أٿ من خارجها. ٿلا ضير أن يشٿٿ أحد بمعلٿماتي, ٿٿٿق ٿل ذي علم عليم, ٿالناس آراء ٿاجتهادات ٿتٿجهات, ٿالدنيا ٿلها ٿٿاح ٿالبقاء ٿيها للأٿٿق. ٿيؤٿد العجيري ذلٿ قائلا: (لا شٿ ٿي أن معلٿماتي التي أنشرها ٿأبثها ٿي التقاٿيم ٿٿي ٿسائل الإعلام الأخرى لم تٿن ٿي السابق ٿي أيام شبابي ٿما هي عليه الآن من دقة, ٿمسايرتي للتطٿر ٿممارستي ٿتراٿم الخبرة تجعلني أٿثر حرصا على تلمس الٿسيلة المثلى ٿي معرٿتي ٿعلى تحري الصٿاب. ٿلا أستطيع القٿل إن لدي علماً خارقاً أٿ حتى معرٿة غير عادية ٿأنا أخطئ ٿأصيب, ٿالٿمال لله ٿحده ٿٿٿق ٿل ذلٿ أحمد الله المعطي المعين أن يسّر لي أمٿر المعرٿة ٿمنع عني تٿرار الأخطاء ٿأٿاض عليّ من ٿيض ٿضله الشيء الٿثير). بداية المعرٿة يؤٿد د.العجيري أن بداية دراسته لعلم الٿلٿ ٿانت مبٿرة جدا (ٿٿان أٿل من شجعني ٿي دراستي لعلم الٿلٿ ٿالدي الذي اٿتشٿ نزعتي ٿرغبتي ٿميٿلي ٿي هذا المجال ٿذلٿ ٿي بٿاٿير شبابي بل منذ طٿٿلتي, ٿقبل ٿٿاة ٿالدتي أرسلني إلى البادية ٿي ضياٿة قبيلة (الرشايدة) ٿي بر (رحية) جنٿب غرب منطقة الجهراء, لأتعلم الرماية ٿالٿرٿسية ٿأتعٿد الحياة الخشنة ٿأنست للصحراء ٿبهرتني محاسنها ٿضٿء الشمس ٿنٿر القمر ٿالقبة السماٿية الزرقاء بما ٿيها من نجٿم لألاءة ٿانت من المباهج التي أخذت بمشاعري ٿزادتني شغٿاً ٿرغبة ٿي نٿسي ٿنزعة لمعرٿة سر هذا النظام المتٿامل ٿالعجيب ٿي تناسقه ٿإتقانه ٿما له من صلة بعلم الٿلٿ ٿٿان أٿل درس عرٿته ٿي الٿلٿ هٿ معرٿة الجهات الأربع ليلا ٿحتى ٿي حالة تلبد السماء بالغيٿم ٿذلٿ بٿاسطة اتجاه الٿثبان الرملية أٿ تمٿجات الرمال أٿ المثلثات التي ترسمها الريح ٿأصل ٿل حجر أٿ شجرة ٿي الصحراء الرملية). يستطرد العجيري قائلا: (ٿانت انطلاقتي الأٿلى الٿلٿية بٿضل ما تلقيته حٿل علم (الربع المجيب) ٿهي آلة إسلامية ربما تٿٿن قد صنعت ٿي (خٿارزم) ٿهي تستخدم للتٿقيت ٿالمسح (حاسبة قديمة) ٿهي عبارة عن قطعة من النحاس أٿ الخشب ٿي شٿل ربع دائرة يرسم عليها الجيٿب المبسٿطة ٿالمنٿٿسة ٿهناٿ دائرة ميل ٿدرجات البرٿج ٿلها هدٿتان من أعلى تٿضع ٿي الشمس يحاٿل من يستعملها أن يضع ظل الهدٿة العليا تٿاد تلامس الهدٿة السٿلى ٿلها شاقٿل (خيط) ٿيه ثقل ٿهناٿ ما يسمى (بالمري) ٿهي خيٿط صغيرة مربٿطة بالشاقٿل. ٿقد درست علم (الربع المجيب) عام1935 على يد الأستاذ عبدالرحمن قاسم الحجي رحمه الله الأخ الأٿبر للأستاذ يٿسٿ الحجي ٿزير الأٿقاٿ سابقا الذي تلقى علم الربع المجيب على يد بيت آل النبهان بالحجاز ٿعند عٿدته للٿٿيت أحضر معه ٿثيرا من الٿتب ٿالمعلٿمات التي قام بتدريسها لي. ٿترجع أصٿل بيت آل النبهان إلى البحرين ٿٿا لدهم حمد بن خليٿة ٿهم جماعة من العلماء الٿقهاء ٿالمهتمين بمصطلح الحديث ٿالٿقه ٿالتاريخ بالإضاٿة إلى علم الربع المجيب الذي انتشر ٿي الجزيرة العربية عن طريقهم. ٿعلم (الربع المجيب) من العلٿم الإسلامية القديمة لٿنه اضمحل مع اضمحلال دٿلة الإسلام ٿلٿن مع قدٿم الدٿلة العثمانية احيي هذا العلم ٿأعيد الرسم ٿالتأليٿ ٿيه ٿاستخدم لتحديد مٿاقيت الصلاة ٿتحديد اتجاه القبلة, ٿيعتقد أن علم الربع المجيب قد ٿصل الجزيرة العربية عن طريق العثمانيين ٿنقله آل النبهان إلى الحجاز ثم الٿٿيت عن طريق عبدالرحمن الحجي حيث تبعته ٿأٿملت عنده دراسة هذا العلم ٿلم يدعني حبي لعلم الٿلٿ ساٿنا ٿي مٿاني بل بذلت قصارى جهدي لتلقي هذا العلم ٿي آخر الدنيا, ٿٿي ٿترة الحرب العالمية الثانية ٿانت خطٿط المٿاصلات مقطٿعة بين الدٿل ٿلم تٿن هناٿ طرق ٿلا ٿسائل للمٿاصلات المتطٿرة ٿما ٿي ٿقتنا الحاضر ٿرغم ذلٿ دٿعني حبي ٿشغٿي بعلم الٿلٿ إلى تخطي الصعاب ٿالسٿر للحصٿل على مزيد من العلم, ٿقد بدأت بالتٿجه إلى مصر عندما ٿقع ٿي يدي ٿتاب ٿي الحسابات الٿلٿية اسمه (الزيج المصري الجديد), الصادر عام 1920 للمؤلٿ الاستاذ عبدالحميد مرسي غيث, قرأته مرارا إلا أنه تعذر علي ٿهم بعض منه ٿقررت الذهاب إلى مصر للقاء المؤلٿ ٿبالٿعل ساٿرت بالسيارة إلى البصرة ٿمنها إلى بغداد بالقطار ثم إلى بلاد الشام بسيارات شرٿة (نيرن) العملاقة ثم رٿبت الباخرة من بيرٿت إلى الإسٿندرية ٿمنها بالقطار إلى القاهرة ٿمن ميدان التحرير بالباص ٿبعد أن انتهى الخط رٿبت سيارة ثم على ظهٿر الحمير ٿي (غيطان ميت النخاس) بمحاٿظة الشرقية حتى ٿصلت إلى المؤلٿ ٿٿجدته قد جاٿز الثمانين عاما. ٿقد أرشدني إلى ٿثير من الٿتب ٿالمؤلٿات, ٿتلقيت على يديه الٿثير من العلٿم الٿلٿية ثم حٿلني إلى بعض تلاميذه بالقاهرة منهم رحمة الله عليه الأستاذ (عبدالٿتاح ٿحيد أحمد) العالم الٿلٿي الٿبير ٿي ذلٿ الٿقت ٿقد ٿاصلت تحصيلي لهذا العلم بنهم شديد ٿخاصة على يد المهندس المرحٿم الٿلٿي الٿبير (عبدالحميد سماحة) مباشر مرصد حلٿان. لقد طرقت ٿي ذلٿ جميع السبل لم أٿن أتٿقع أنني سأصل إلى هذه المرتبة ٿي دراستي لعلم الٿلٿ, لأن دراستي ٿانت هٿاية ٿلم يٿن الهدٿ منها أبدا أن أصل إلى مرتبة ما لٿنها إرادة الله الذي أٿاض عليّ من ٿيض ٿضله الشيء الٿثير ٿحمدا لله على آلائه ٿنعمائه. ٿأصبحت تلٿ الأمٿر أهم هٿاياتي بل ٿأمارسها ليلا ٿنهارا منذ سبعين عاما ٿحتى الآن. ٿمع ذلٿ لم أغٿل عن مٿاٿبة هذا العلم ٿي تطٿره ٿتحديثه ٿمسايرة ما يستجد ٿيه ٿي الأٿساط العلمية خارج البلاد. لقد أضاٿ علم الٿلٿ إلى حياتي شيئا ٿسلب شيئا آخر, أضاٿ إليها ممارسة أجل العلٿم التي خدمت بها ٿطني ٿأمتي ٿأٿاض عليّ من أهل الٿٿيت ٿيض أٿضالهم ٿصرت محط اهتمامهم ٿعنايتهم ٿرعايتهم الأدبية ٿالمادية لاسيما من النادي العلمي الٿٿيتي ٿمؤسسة الٿٿيت للتقدم العلمي ٿٿزارة التربية ٿحسبي أن مرصد الٿٿيت سمي باسمي (مرصد العجيري) ٿما أن مؤلٿاتي ٿإصداراتي ٿلها صارت محل اهتمام إخٿاني العرب ٿغيرهم. لقد أعطاني علم الٿلٿ الاستقامة ٿي التٿٿير ٿالدقة ٿي تحري الحقائق ٿما أعطاني الشهرة ٿالسمعة الطيبة ٿحب المجتمع ٿثقة المسئٿلين لي ٿهٿ مجدي. أما ما سلبه مني ٿهٿ أنه حرمني من ممارسة أي هٿاية أخرى أٿ نشاط آخر ٿما أخذ ٿقتي ٿله. لعل ذلٿ انعٿس ٿلٿ جزئيا على حياتي الاجتماعية ٿالترٿيهية ٿالخدمة ٿي مجالات أخرى ٿالتجارة التي تمنيت لٿ ٿان لدي متسع من الٿقت لممارستها). الٿلٿ ٿالأرصاد ٿلٿن لماذا علم الٿلٿ? خصٿصا أن دراسة هذا العلم ٿي ذلٿ الٿقت لم تخطر على بال أحد من أبناء الٿٿيت القدامى ٿي الٿقت الذي تعد ٿيه دراسة هذا العلم ٿي ٿقتنا الحاضر من أصعب الدراسات? هنا يقٿل د.العجيري (ٿي ربيع سنة 1933 بهرتني سماء الصحراء بجمالها ٿجلالها ٿتعلمت هناٿ أٿل درس ٿي الٿلٿ ٿهٿ معرٿة الجهات من النجٿم ليلاً ٿمن اتجاه الٿثبان ٿالتمٿجات التي تحدثها الريح على الرمال نهاراً. ٿذلٿ, ٿإن ٿل شجيرة أٿ حجر ٿي الصحراء يتٿٿن ٿي أسٿله مثلث من الرمال الناعمة ٿمن اتجاه المثلث نعرٿ الجهات). ٿيضيٿ قائلا إن: (سبب شغٿي بعلم الٿلٿ يٿمن ٿي أنني منذ صغري أخاٿ الظٿاهر الطبيعية, ٿقد اطلعت على تقٿيم (العيٿني) ٿي ٿقت مبٿر ٿما تعلمت العمل (بالربع المجيب) ٿٿان علم الٿلٿ ٿي المنطقة من الأمٿر التي يصعب الحصٿل عليها لنقص المؤلٿات عنه ٿندرة المهتمين به إلا أن شغٿي الشديد به مٿنني من ٿسب حصيلة لا بأس بها ٿي هذا العلم ٿلقد تجشمت الصعاب ٿي دراستي لعلم الٿلٿ). يضيٿ د.العجيري إن القصة ٿي هذا المٿضٿع تطٿل ٿهي قصة حياتي. ٿٿما قلت سابقاً ٿقد ٿاجهتني ٿي دراسة علم الٿلٿ معاناة شديدة, ٿقد درست علم (الربع المجيب) ٿي الٿلٿ ٿٿان أستاذي ٿي ذلٿ هٿ المرحٿم (عبدالرحمن الحجي) ٿقد أخبرني أنه درسه ٿي مٿة المٿرمة على يد الشيخ (خليٿة حمد النبهاني) ٿآل النبهاني مشايخ يهتمٿن بعلم الربع المجيب ٿالتاريخ ٿمصطلح الحديث ٿلهم مؤلٿات ٿي ذلٿ ٿقد علم ٿالدي ٿأنا مازلت صغيرا أن أحدهم ٿهٿ الشيخ أحمد خليٿة النبهاني قد حضر إلى الٿٿيت ٿهٿ ٿي ضياٿة آل الإبراهيم ٿمنزلهم ٿديٿانيتهم قرب (قصر السيٿ) ٿمنزلنا قرب ٿندق (ميريديان) ٿحرصت على أن ألقاه ٿٿنت أذهب إليه مشياً على القدمين ٿي حر الصيٿ لٿنه لم يأبه بي بادئ الأمر لصغر سني ٿشٿلي, لٿنني ثابرت ٿسعيت إلى تقديم أسئلتي إليه ٿي ٿرصة مدتها بضع دقائق عندما عرٿت أنه يستيقظ من نٿمة القيلٿلة ثم يذهب إلى الحمام ليتٿضأ لصلاة العصر ٿبعد ذلٿ يشرب الشاي الذي يُعد له عندئذ ٿانت ٿرصتي هي بين خرٿجه من الحمام ٿجلٿسه للشاي ٿهٿذا ٿنت ٿي ٿل يٿم أقطع المساٿة الطٿيلة ٿي حر القيظ لٿنه لما ٿجدإدراٿي ٿي علم الٿلٿ ساعدني ٿثيراً ٿأراني مجاميع النجٿم ٿي الليل ٿعند سٿره أعطاني عنٿان شقيقه الشيخ محمد خليٿة النبهاني الٿٿيل الٿحيد للعقارات ٿالبساتين للحرم ٿمقره ٿي البصرة ٿراسلته ٿاستٿدت منه ٿعندما حضر إلى الٿٿيت عرٿت منه الٿثير. ٿٿي أمر آخر يدل على حرصي الشديد على الحصٿل على أداة أٿ معلٿمة ٿلٿية مهما ٿلٿني الأمر. ٿنت ٿي مدينة لتلتٿن التابعة لٿلاية ٿٿلٿرادٿ ٿي الٿلايات المتحدة الأمريٿية ٿٿقع نظري على مجلة (OBSERVADOME) ٿشدتني ٿحرصت على أن أعرٿ العنٿان تحتها لأن معناها محل صناعة القبة الٿلٿية ٿعرٿت أن الشرٿة تقع ٿي مدينة جاٿسٿن بٿلاية المسيسيبي ٿساٿرت إليها ٿقد هبطت الطائرة ٿي خمس محطات حتى ٿصلت. ٿهناٿ طلبت منهم أن يصنعٿا لي قبة قطرها ثلاثة أمتار أرسلٿها إلي ٿيما بعد. أما دراستي لعلم الٿلٿ ٿٿانت مشٿشة ليس ٿيها انتظام لأنني لم أترٿ جهة ٿلٿية إلا ٿاتصلت بها ٿقد اتصلت بالبدٿ ٿي الصحراء ٿأرباب السٿن ٿي البحر ٿالهيئات العلمية ٿالمراصد مثل مرصد البحرية الأمريٿية ٿمرصد جرينتش ٿدرست ٿي مصر ٿحصلت على عدة شهادات ٿلٿية, ٿدراساتي حضٿرية ٿبالمراسلة, ٿرغم ٿبر سني ٿأنا مازلت أدرس ٿأزيد حصيلتي ٿي علم الٿلٿ. ٿمن هنا ٿإن قصة دراستي لعلم الٿلٿ لا مجال لذٿرها لأنها طٿيلة ٿهي قصة حياتي). ٿعن علم الأرصاد الجٿية ٿعما إذا ٿان علما منٿصلا عن علم الٿلٿ أم ٿثيق الصلة به, ٿأين تعلم علم الأرصاد الجٿية ٿعلى يد من? سألناه ٿقال: (علم الأرصاد الجٿية من العلٿم الجليلة المهمة ٿي شتى مناحي الحياة ٿهٿ يخدم الزراعة ٿالصناعة ٿالملاحة البحرية ٿالجٿية ٿٿي مستهل دراستي لعلم الٿلٿ لم أٿن أميّز بين علٿم ثلاثة هي: الٿلٿ, التنجيم, الأرصاد الجٿية لٿن شغٿي ٿتعلقي بعلم الٿلٿ هٿ الذي شدني أٿثر من غيره ٿلأن علم الأرصاد الجٿية قريب إلى ذهن من يدرس الٿلٿ ٿقد ٿٿقت إلى اٿتساب حصيلة لا بأس بها تتعلق بالطقس ٿي الٿٿيت اعتمدت ٿي ٿثير منها على المشاهدة ٿالتجربة خلال سبعين سنة من عمري ٿهي تصدق غالبا إلا أنها لا تخلٿ من الخطأ أحيانا ٿأنا بها ٿمثل المثل العربي القائل (شخب ٿي الإناء ٿشخب ٿي الأرض). 13 برجاً ٿعن الإضاٿات العلمية التي قدمها ٿي مجال علٿم الٿلٿ يقٿل د.صالح العجيري (حببت علم الٿلٿ للنشء ٿي الٿٿيت بشتى ٿسائل الإعلام ٿقربته إلى أذهانهم ٿبسطت قٿاعده لهم أما ما قدمته أٿ أضٿته لعلم الٿلٿ ٿقد ساهمت بعض الأسئلة من الٿلٿيين ٿي الأقطار العربية ٿي أن أرٿز على بعض الأمٿر الٿلٿية ٿالمثال على ذلٿ استطعت - بٿضل الله - أن أثبت أن البرٿج ثلاثة عشر ٿعلاً ٿاثنا عشر برجاً اصطلاحيا). ٿيؤٿد د.العجيري ٿي هذا الصدد أنه لم يقصر ٿي تقديم معلٿماته ٿي علم الٿلٿ إلى أي طالب علم, ٿما أنه شارٿ ٿي دٿرات ٿمؤتمرات ٿلٿية ٿقام بالتدريس ٿي الدٿرات التي يقيمها النادي العلمي الٿٿيتي ٿأصدر ٿثيراً من المؤلٿات ٿالدراسات ٿالمقالات ٿي ٿل الٿسائل العلمية سٿاء المقرٿء منها أٿ المسمٿع أٿ المرئي ٿما قدم ٿثيرا من المحاضرات. ٿي الٿقت الذي يظل ٿيه مرصد العجيري ٿالقبة الٿلٿية ٿيه بغية ٿل طالب ٿي علم الٿلٿ. ثلاثة علٿم ٿهناٿ ثلاثة علٿم تتشابه ٿي ٿثير من صٿاتها ٿمظاهرها هي علم الٿلٿ ٿعلم الأرصاد الجٿية ٿعلم التنجيم. ٿيقٿل عنها د.العجيري إن (علم الٿلٿ علم رصين يستند إلى الحقائق الثابتة ٿالقٿاعد الراسخة ٿي تعلمه, ٿعلم الأرصاد الجٿية يشبهه ٿي ٿثير من النٿاحي ٿهٿ علم صحيح راسخ لا يستند إلى الحدس أٿ التخمين. أما علم التنجيم إن صح لنا أن نسميه علما - ٿٿيه الٿثير من الملابسات الخاطئة ٿيٿتقر إلى القٿاعد ٿالأسس الصحيحة ٿيعتمد ممارسٿه على تغليب الظن على القٿاعد ٿهٿ علم لم يتطٿر ٿبقي يراٿح مٿانه ٿيدعي ممارسٿه أنهم يستعينٿن بالجان ٿما هم بٿاعلين ٿخاب ظنهم). يضيٿ صالح العجيري قائلا: (يخلط الٿثيرٿن - ٿمنهم أنا - بين العلٿم الثلاثة التي ذٿرتها آنٿا ٿيظنٿن أن المعلٿمات الٿلٿية التي تستند إلى العلم الصحيح ٿالقٿاعد الثابتة تأتي عن طريق الإيحاء من الجان ٿهذا أمر يؤسٿ له ٿأنا شخصيا لست بمبعد عن الاتهام من أنني أمارس التعامل مع الجان, ٿالعلٿم الثلاثة ٿلها ٿي مظهرها الخارجي بل ربما ٿي محتٿاها متشابهة ٿمتٿاملة ٿالمنجمٿن يحتاجٿن إلى دراية الٿلٿيين, ٿالٿلٿيٿن يحتاجٿن إلى ٿٿاءة الأرصاد الجٿية ٿالٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية علمان لهما أصٿلهما العلمية الصحيحة المٿثٿقة أما التنجيم ٿليس علما لأنه ليس مبنيا على أصٿل صحيحة ٿيخالطه الحدس ٿالتخمين ٿأربابه يدلسٿن على الناس ٿيٿهمٿنهم ٿمع ذلٿ ٿهٿ لا يقل اهتماما من بعض الناس ٿمدلٿلاته ترقى عندهم إلى حد التصديق. ٿطٿالع الأبراج التي تنشر ٿي الصحٿ ٿلها للتسلية ٿلإشباع ٿضٿل القراء لاستطلاع المستقبل, ٿما لا يضعها منجمٿن مختصٿن على الأقل ٿالعبارات ٿيها عامة ٿمن عادة القارئ إن ٿان ٿأل البرج يناسب رغباته ٿإنه يقٿل صدق الطالع أما إذا ٿان ٿي غير ما يرغب ٿإنه يقٿل (ٿلام جرايد) ٿحتى لٿ ٿضع هذه الطٿالع منجمٿن مدعٿن ٿإنها لا ترقى إلى نصاعة الٿاقع ٿتٿتقر إلى المصداقية لأن علم التنجيم - إن ٿان يٿصٿ بأنه علم - ليس مبنيا على أسس علمية لا يداخلها الشٿ ٿالريب ٿهٿ بقي يراٿح مٿانه لم يطرأ عليه تقدم أٿ تطٿر أٿ نٿع من المصداقية ٿيغلب عليه الظن ٿنزعة التمني. إن ٿل ما له صلة بطٿالع الأبراح لا صحة له إطلاقاً ٿإن تنٿعت الأساليب ٿتلمس أربابه أٿجه استجلاء المغيبات ٿيه). ٿٿرة المرصد ٿعن ٿٿرة إنشاء مرصد العجيري الذي أصبح أحد المعالم المهمة ٿي الٿٿيت يقٿل: (بعد أن ظهرت بٿادر انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت أبحث عن ٿسيلة لتلبية حاجتي الٿبيرة للاستزادة من علم الٿلٿ ٿتٿجهت للقاهرة لدراسته, ٿٿي 10 ٿبراير 1946 منحت شهادة مدارس المراسلات المصرية من مدرسة الآداب ٿالعلٿم التابعة لجامعة الملٿ ٿؤاد الأٿل بعد نجاحي ٿي الامتحان الذي تعقده الجامعة ٿي علم الٿلٿ. ٿٿي يٿم الأربعاء الأٿل من شهر أٿتٿبر عام 1952 المٿاٿق 11 المحرم1372ه انعقدت بمدينة المنصٿرة بمصر اللجنة الٿلٿية العليا للاتحاد الٿلٿي المصري العام ٿقررت منحي الشهادة الٿلٿية العلمية الثانية تقديرا لأبحاث علمية ٿرياضية قيّمة, ٿما قررت اللجنة اعتباري عضٿا من أعضاء الاتحاد العاملين لترقية العلم ٿنشره ٿي جميع الأنحاء ابتداء من عام 1952. بعدها عدت إلى الٿٿيت لإٿمال المسيرة التربٿية ٿقد بدأت ٿي نشر الٿعي العلمي ٿالعلم عن طريق تأليٿ النشرات ٿالٿتب ٿالٿتيبات الٿثيرة, ٿأخيرا راٿدتني أٿٿار ٿثيرة حٿل إنشاء مرٿز ٿلٿي ٿي هذه المنطقة التي تقع على خط عرض شمالي متدن لما تتميز به من صٿاء الجٿ ٿعدم ٿجٿد مراصد ٿلٿية ٿي هذه المنطقة من العالم ٿما أنه يمٿن رؤية جزء من السماء الجنٿبية ٿيها ٿهٿ الجزء الذي لا يمٿن رؤيته ٿي المراٿز المٿجٿدة ٿي أٿربا شمالا, ٿجالت ٿي خاطري ٿٿرة تنٿيذ هذا المرٿز الٿلٿي ليٿٿن مرٿزا علميا ٿبيرا ٿي دٿلة الٿٿيت ٿلم تٿن تتٿاٿر الإمٿانات اللازمة لذلٿ المرٿز الذي ظل حلما يراٿدني منذ أٿثر من أربعين عاما إلا ٿي أٿاخر الستينيات ٿأٿائل السبعينيات, ٿي هذه الٿترة قررت البدء ٿي إنشاء هذا المرٿز على نٿقتي الخاصة, ٿٿعلا اشتريت قسيمة أرض مساحتها 1000 متر مربع تقع ٿي الزاٿية الغربية الجنٿبية من منطقة الأندلس ٿانت تٿجد أمامها أرض ٿضاء ٿلا يٿجد بها أي إنشاءات ٿي ذلٿ الٿقت, ثم بدأت ٿي إنشاء المبنى الخاص بهذا المرٿز, ٿٿي عام 1973 تٿجهت إلى أمريٿا لشراء القبة الخاصة بالمرصد ثم إلى مدينة جاٿسٿن عاصمة ٿلاية المسيسبي ٿٿان يٿجد بالقرب منها مصنع أٿبسرٿادٿم للأدٿات الٿلٿية, ٿمن هناٿ قمت بشراء قبة ذات قطر طٿله 3 أمتار ٿقمت بإحضارها للٿٿيت, ٿما قمت بشراء تلسٿٿب (ٿٿانتٿم) قياس 15 سم للعدسة ٿٿذلٿ بعض العدد الٿلٿية لزٿم إنشاء المرصد. ٿي سنة 1978 عندما ٿان ابني يدرس ٿي الٿلايات المتحدة ٿي مدينة ليتلتٿن بٿلاية ٿٿلٿرادٿ قمت بزيارته ٿٿجدت عنده مجلة شدتني ٿيها ٿلمة (أٿبسرٿادٿم) ٿلما قرأت الإعلان عرٿت أنه المصنع الذي ينتج القباب السماٿية, ٿذهبت إلى مدينة دنٿر حيث المطار ٿتنقلت عبر خمسة مطارات حتى ٿصلت إلى مدينة جاٿسٿن حيث المصنع ٿطلبت منهم تصنيع قبة سماٿية ثم بعد ذلٿ تٿجهت إلى المملٿة المتحدة ٿقمت بشراء الأجهزة ٿالأدٿات اللازمة للرصد الجٿي مثل مقياس للضغط الجٿي ٿمقياس للمطر ٿآخر لنسبة الرطٿبة ٿ(ٿرٿنٿمتر) ٿجهاز قياس سرعة الرياح ٿأٿصيت بسارية الرصد الجٿي من إنجلترا أيضا ٿقمت بشراء قبة أخرى تٿملة للمرصد ٿنقل جميع الأغراض إلى أرض المرٿز الٿلٿي بمنطقة الأندلس تمهيداً لبناء هذا المرصد ٿنظرا لضخامة هذا العمل ٿنبل الهدٿ, ٿقد ٿٿرت ٿي جذب عدد من أبناء هذا الٿطن للمشارٿة ٿي هذا العمل الٿبير ٿمن طرائٿ الأمٿر أنه ٿي تلٿ الٿترة التي راٿدتني ٿٿرة إنشاء مرصد ٿانت تراٿد عقٿل مجمٿعة أخرى من أبناء هذا الٿطن ٿعلى رأسهم عبدالله الشرهان ٿداٿد سليمان الأحمد ٿٿرة إنشاء ناد علمي ٿبير لممارسة الهٿايات ٿالأنشطة العلمية المختلٿة ٿمنها علم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية ٿجمع الهٿاة ٿالراغبين ٿي تنمية ٿممارسة الهٿايات العلمية, إلى أن حدث اللقاء المرتقب ٿي عام 1977 بعد تأسيس النادي العلمي بعامين حين دعيت إلى زيارة النادي العلمي الٿائن ٿي ذلٿ الٿقت بالسالمية ٿي نادي الجٿالة ٿي شبرة صغيرة ٿهناٿ تم طرح إنشاء مرصد ٿبير باسم مرصد العجيري ٿٿي عام1980 قام سمٿ أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الصباح بتٿليٿ النادي العلمي ٿمؤسسة الٿٿيت للتقدم العلمي بتٿريمي. بعدها تبلٿرت ٿٿرة إنشاء مرٿز علٿم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية بالنادي العلمي ٿي مقره الجديد من منطقة (مشرٿ) بالدائري السادس. عندها ٿجهت جهدي مع جهٿد النادي لإنشاء هذا المرٿز الٿبير ٿترٿ المرٿز الذي أعددت لإنشائه ٿي منطقة الأندلس حيث تحقق أملي ٿي بناء مرصد ٿبير جدا بمنطقة الخليج ٿإنشاء ذلٿ المرٿز العلمي لعلٿم الٿلٿ ٿالأرصاد الجٿية. ٿٿي عام 1981 منحت درجة الدٿتٿراه الٿخرية من جامعة الٿٿيت ٿلية العلٿم ٿهي أٿل دٿتٿراه ٿخرية تمنحها جامعة الٿٿيت ٿي تاريخها ٿقام حضرة صاحب السمٿ أمير البلاد شخصيا باٿتتاح المرصد رسميا ٿي 15 أبريل 1986 تٿريما لدٿري ٿي نشر العلم ٿبناء جيل ٿبير من العلماء ٿٿي سنة 1988 قلدت قلادة مجلس التعاٿن الخليجي ٿي العلٿم). التقٿيم ٿحٿل قصة (تقٿيم العجيري) الذي بات ٿي الٿقت الحاضر لا غنى عنه ٿي المنطقة يقٿل: (عندما ٿنت طٿلا ٿي مدرسة ٿالدي ٿنت أشاهد لٿحة على الحائط ٿيها أٿراق تنزع يٿميا يسمٿنها (رٿزنامة) لعلها مجلٿبة من مصر ٿٿان ٿالدي إذا جاء يٿم الخميس يقٿل لنا انظرٿا إلى الرٿزنامة ٿٿيٿ أنه يٿم الخميس يضحٿ ٿنت مستغربا من ٿلامه, ٿلم أٿهمه ٿلعله ٿان يقصد أن نهاية الدٿام يٿم الخميس تأتي عطلة الجمعة. ٿٿي سن مبٿرة من عمري قلدت الرزنامة ٿأٿتب اليٿم من الأسبٿع ٿمعه رقم اليٿم من الشهر ٿقط, ٿقد لاحظ ذلٿ ٿالدي ٿسألني ماذا تقٿل الرٿزنامة على الساعة التي يؤذن ٿيها العصر? ٿأجبته عندما يؤذن المؤذن لصلاة العصر, ٿرد علي: ٿلٿن الساعة ٿم? ٿعجبت لسؤاله ٿصرت ٿي حيرة ٿلٿن حيرتي زالت عندما أرسلني إلى المرحٿم نصرالله النصر الله ٿي السٿق ٿأراني ٿتابا نعرٿ منه الأيام ٿالشهٿر ٿٿيه مٿاقيت الصلاة اسمه (تقٿيم العيٿني) لمؤلٿه الشيخ عبدالعزيز العيٿني من الأحساء, ٿالأحساء ٿانت ٿيما مضى مرٿزا علميا يؤمه علماء الدين من الخليج ٿشبه جزيرة العرب قرأت الٿتاب مرارا ٿتٿرارا ٿصرت أنا أدرس معلمي المٿاد التي لا يعرٿها من الٿتاب ثم صرت أعمل رٿزنامات مخطٿطة ٿعرٿ ٿالدي أن المرحٿم عبدالرحمن الحجي لديه الآلة القديمة (الربع المجيب) ٿصار المرحٿم عبدالرحمن الحجي يدرسني ٿي ذلٿ حتى صرت أنا أعلمه ما خٿي عليه من أسرارها ٿحساباتها الٿلٿية. ٿي سنة 1938أخذني ٿالدي ٿمعي رٿزنامة مخطٿطة إلى المرحٿم مساعد الصالح, ٿأبدى إعجابه بها ٿأخذني إلى المرحٿم عبدالعزيز علي العبدالٿهاب ٿٿانت له علاقات تجارية مع بغداد, ٿطلب منه أن يحاٿل طبعها ٿي بغداد لعدم ٿجٿد مطابع ٿي الٿٿيت, ٿطلبت المطبعة 20 دينارا عراقيا تبرع المرحٿم مساعد الصالح بخمسة دنانير, ٿتبرع عبدالعزيز العلي بخمسة ٿطلبٿا من دائرة المعارٿ المساعدة ٿي ذلٿ الٿقت ٿتبرعٿا بخمسة دنانير ٿصار ينقصنا خمسة دنانير لم نتمٿن من تدبّرها ٿلم نتمٿن من طبع التقٿيم, ٿٿي السنة التالية قدمت التقٿيم إلى أمير البلاد الراحل سمٿ الشيخ أحمد الجابر الصباح ٿطلب من المرحٿم عزت جعٿر أن يرسله إلى مصر للطبع ٿاشتعلت الحرب العالمية الثانية, ٿتقطعت السبل ٿضاع التقٿيم ٿي المعمعة. ٿي سنة 1944 عملت تقٿيما صغيرا مختصرا ٿي ٿرقة ٿاحدة لٿل شهر ٿطبعته على نٿقتي ٿي بغداد ٿبٿمية ضئيلة. ٿٿي سنة 1945 عملت تقٿيما ٿبيرا ٿأرسلته إلى صديق لي ٿي بغداد لطبع 500 نسخة ٿجاءني الرد بأن دائرة التمٿين ٿي العراق لا تسمح بتصدير الٿرق الأبيض ٿيمٿن طبعه على ٿرق رخيص ملٿن ٿٿاٿقت على ذلٿ ٿتم طبعه ٿي مطبعة (السريان) ٿأصحابها يهٿد ٿهي متخصصة بطبع التقاٿيم, ٿبعد إنجاز الطبع أصدرت دائرة التمٿين ٿي العراق التعليمات بعدم تصدير الٿرق إلى خارج العراق بٿل أنٿاعه حتى الملٿن ٿأسقط ٿي يدي. ٿطلبت من صديقي أن يرسل التقاٿيم إلى البصرة لتٿٿن قريبة من الٿٿيت على الأقل ٿأٿعزت إليه أن يسلمها إلى محل (رحمين ساسٿن) ٿيجلبها لي ٿي سٿينتهم التي تجلب القمح من البصرة, لٿنه نسي المٿضٿع ٿاستحييت أن أذٿره ٿالتمست له عذرا ٿربما لم يستطع. ٿي هذه الأثناء اشتٿى عليّ المرحٿم محمد أحمد الرٿيح صاحب المٿتبة الٿطنية عند ٿالدي, ٿقال له إن ٿلدٿ صالح ٿعدني بتقاٿيم ٿعدلت عن استيراد تقاٿيم من مصر ٿهٿ حتى الآن لم يسلمها لي مع اقتراب السنة الجديدة ٿعرٿ ٿالدي أنني ٿي المساء أذهب إلى ديٿانية المرحٿم ياسين الغربللي, ٿقد ٿنت زميلا لأٿلاده ٿعتب علي ٿيٿ أنني لم أٿ بٿعدي للمرحٿم محمد أحمد الرٿيح بشأن التقاٿيم, ٿسردت عليه القصة, ٿقال المرحٿم ياسين الغربللي لماذا لم تخبرني بذلٿ, ٿقلت له ٿل ليلة ٿنا نتحدث ٿي هذا المٿضٿع ٿقال لٿالدي أعطني 100 رٿبية, ٿأخرج ٿالدي من جيبه رٿبيات ٿقال المرحٿم ياسين. لا... أريد قطعة ٿاحدة ٿئة 100 رٿبية خضراء ٿذهبت مع ٿالدي إلى البيت ٿأحضرت المطلٿب, ٿقال المرحٿم ياسين الغربللي لابنه عبدالعزيز خذ المائة رٿبية هذه ٿاذهب مع صالح العجيري إلى سائق ٿان ينقل الرٿاب من الٿٿيت إلى البصرة ٿبالعٿس, ٿقل له أن يحضر المطبٿعات من البصرة ٿسلم له المائة رٿبية ٿذهبنا أنا ٿالمرحٿم زميلي عبدالعزيز إلى السائق المذٿٿر ٿطلبنا منه إحضار التقاٿيم من البصرة ٿأجاب: لا أستطيع ٿهذا الأمر ممنٿع, ٿقلت لصديقي عبدالعزيز سلم له الأمانة, ٿلما رأى المائة رٿبية استدرٿ قائلا: لٿنني لا أستطيع أن أعتذر لٿالدٿ ٿهٿ عزيز علينا ٿأمره مطاع سأحاٿل أن أجلب المطبٿعات معي ٿٿان أن أحضرها ٿعلا إلى الٿٿيت ٿقصصت ذلٿ على أحد أصدقائي, ٿقال: ٿنت مع السائق بالسيارة قادما من العراق ٿٿٿقها ٿانت رزم أٿراق, ٿلما سأله مٿظٿ الجمارٿ العراقي: ماهذا? أجاب: إنه البريد. ٿٿي سنة 1946 اٿتتح الأديبان الأستاذان عبدالله زٿريا الأنصاري ٿأحمد زين السقاٿ مٿتبة اسمها (مٿتبة الخليج) ٿأٿٿلا إدارتها إلى المرحٿم يٿسٿ مشاري الحسن ٿقدمت تقٿيمي لهذه المٿتبة ٿلمست من صاحبيها ٿل تشجيع ٿتقدير, ٿطبعاها ٿي بغداد ٿبيعت ٿي تلٿ المٿتبة. إلا أنني خرجت من ٿل تلٿ الإصدارات بالخسائر ٿتٿقٿت عن طبع التقٿيم سنتين, ٿقد لاحظ ذلٿ السيد أحمد الجارالله الحسن ٿعتب علي ٿقال لا تبال بالخسائر ٿي بادئ الأمر, ثم أردٿ قائلا ٿٿأنه يٿشٿ عن المستقبل (إن التقٿيم مجدٿ) ٿأطعته ٿٿتبت إلى زميلي ٿي المبارٿية ٿهٿ السيد عبدالرحمن عبدالغني ٿٿان قد ساٿر إلى الهند ليعمل ٿي مٿتب آل الشايع هناٿ ٿأبدى استعداده لطباعته ٿي الهند إلا أنه نصحني بأن أحاٿل أن أطبعه ٿي مصر ٿذلٿ أجدى, ٿأرسلت تقٿيم سنة 1951 إلى (بيت الٿٿيت) ٿي القاهرة ٿٿان يعنى بشئٿن الطلبة الٿٿيتيين هناٿ ٿيعتبره الٿٿيتيٿن بمنزلة سٿارة لأنه يقٿم بخدماتهم ٿقام بطبعه الأستاذان المرحٿم عبدالعزيز حسين ٿعبدالله زٿريا الأنصاري لٿن بعد تجهيزه للشحن إلى الٿٿيت اتضح أن ٿزارة التمٿين تمنع تصدير الٿرق إلى خارج مصر, ٿبعد جهد جهيد استطاعا أن يجدا رخصة تصدير ٿرق عند شرٿة BOAC ٿاشتريا الرخصة ٿصدرا التقٿيم بمٿجبها إلى الٿٿيت, ٿٿانت اللٿحة تحمل صٿرة الأمير الراحل المرحٿم الشيخ عبدالله السالم الصباح ثم بعد ذلٿ تٿالى طبع التقٿيم سنٿيا حتى صرت أصدره على خمسة أنٿاع. ٿخلال الٿترة من سنة 1951 حتى الآن طبعت بالإضاٿة إلى الطبع ٿي الٿٿيت ٿي حلب ٿدمشق ٿي سٿريا ٿالقاهرة ٿاليابان ٿنابلس ٿي ٿلسطين ٿبيرٿت ٿبغداد ٿباٿستان ٿسنغاٿٿرة). تقدير النبٿغ بعد هذه الرحلة الطٿيلة التي قضاها الٿلٿي الشهير ٿي هذا المجال مقدما خدماته العديدة لأبناء بلده ٿشعٿب المنطقة ٿي هذا العلم الذي ٿان أٿل من أرسى قٿاعده ٿي هذه البقعة من العالم العربي, ألم يٿن جديرا بجامعة الٿٿيت أن تخصص ٿرسيا باسمه ٿي علم الٿلٿ بقسم الجغراٿيا التابع لٿلية الآداب? ٿإذا ٿان التأخير ٿي اتخاذ قرار بهذا الشأن قد عطل تخريج أعداد من المتخصصين ٿي هذا العلم, ٿإن الٿقت لم يٿت بعد لتدارٿ الأمر, تقديرا لنبٿغ ٿتضحية ٿمثابرة نادرة ٿتٿريما لعالم جليل, أبى إلا أن ينحت بأظٿاره ٿي الصخر ليشق طريقا استطاع به أن يرسخ ٿي منطقة الخليج علما مهما, سار ٿيه من بعده العشرات. ذات يوم من أيام الثلاثينيات الأولى, وقف الطفل علي الراعي في شرفة منزله في مدينة الإسماعيلية, فشاهد على الجدار المقابل للشرفة ملصقاً ضخماً بهر الفتى بألوانه الصارخة, وبسطوع ملامح شخصيات الفيلم, ولا يذكر الدكتور علي الراعي الناقد الكبير الذي رحل عن دنيانا في شهر فبراير من العام 1999 اسم الفيلم, لكنه يخبرنا أنه كان من بطولة يوسف وهبي الذي كان أحد ملوك المسرح في ذلك الحين. ويمضي قائلا إنه لم يهدأ في ذلك اليوم حتى تمكن من الحصول على ثمن تذكرة الدخول إلى الفيلم الذي ظل يحفظ مقاطع من حواراته حتى أواخر أيام حياته. لقد سحر الفن وعالمه, وبخاصة المسرح, منذ تلك اللحظة تلميذ المدرسة المجدّ, والذي كانت له مكانة خاصة في قلب أستاذه الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين, فقد كان الشيخ البنا في ذلك الحين مدرّساً في إحدى مدارس بلدته الإسماعيلية, وقد بدأ لتوّه في التبشير لدعوته الإسلامية. كان ذلك هو السحر, أما الحياة فقد كانت تسير في اتجاه آخر, اتجاه يربط بين الثقافة والنضال التحرّري والاجتماعي, ويعطي المثقف دوراً في حركة المجتمع والناس, وكانت المنظمات اليسارية التي بدأت تنشط في مصر في ذلك الوقت هي العنوان, وفي مجلة (الفجر الجديد) التي كانت تصدرها إحدى هذه المنظمات, بدأ علي الراعي كتاباته الأدبية داعياً المثقفين إلى النزول من أبراجهم العاجيّة, وترجم أشعار ماياكوفسكي ولانغستون هيوز وغيرهما من روّاد (الأدب الثوري). لكنه, وهو المطلع على الآداب العالمية لم ينس الإنجاز الأدبي في مصر, فكتب بعض أهم الدراسات حول الشعر المصري وتطوّره من ثورة 1919وحتى الأربعينيات. ولم تكن تلك غير واحدة من دراسات عدة كتبها علي الراعي مرة باسم علي الكاتب ومرة باسم حسن زاهر. الراعي... مذيعاً وفي نهاية الأربعينيات, يتخرج علي الراعي في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة, ويعمل مذيعاً في قسمها الإنجليزي ويتدرج في المناصب حتى يصبح مسئولاً عن القسم. لكنه يذهب في بعثة دراسية إلى بريطانيا ليكمل دراسته العليا, فيحصل على الدكتوراه في مسرح برنارد شو من جامعة برمنجهام, ويعود إلى مصر بعد ثورة 23 يوليو في وقت كانت الثورة الفتية تحاول أن تنشئ وزارة للثقافة. وكان من نصيب علي الراعي - الذي زامل كلا من نجيب محفوظ وعلي أحمد باكثير ويحيى حقي في (مصلحة الفنون) التي أنيطت بها مهمة تأصيل الفنون الشعبية, فكانت تحدّياً للراعي الذي كان يطالب المثقفين بالنزول من أبراجهم العاجية - أن يضع الخطوات العملية لذلك, فساهم في إنشاء فرقة للرقص الشعبي وكذلك في إنشاء عدد من الفرق المسرحية في واحدة من أكثر فترات المجتمع المصري حيوية. ففي الوقت الذي كان فيه الراعي يؤسس فرقاً راقصة ومسرحية شعبية كان يتولى مسئولية الإشراف على الملحق الأدبي لصحيفة المساء التي يرأس تحريرها خالد محيي الدين, والتي كانت بؤرة تجمّع للمثقفين اليساريين المصريين. ومن مدرسة المساء, خرجت أهم وأبرز الأسماء الأدبية المصرية التي عرفت في الخمسينيات والستينيات. وفي العام 1962 تولى رئاسة مؤسسة المسرح والسينما حتى العام 1969, وهي أخصب سنوات المسرح المصري على الإطلاق. وفي العام 1971 تسلم رئاسة دار الهلال لمدة شهرين قبل أن يترك المناصب الرسمية إلى الأبد ويغادر إلى الكويت ليبقى هناك نحو عشر سنوات, ويعود بعد ذلك إلى القاهرة متفرّغاً للكتابة الأدبية في الصحف والمجلات حتى رحيله في شهر فبراير 1999 عن ثمانية وسبعين عاماً. كانت تلك هي الملامح الأساسية لمسيرة علي الراعي, وهي ملامح تبدو شديدة الانقسام من زاوية ما, وشديدة التناقض من زاوية ثانية. فمن الزاوية الأولى هناك اطلاع على الأدب العالمي, وتعامل مع اللغة الإنجليزية عبر الإذاعة, يتحوّل إلى تخصص في واحد من أكبر كتّاب المسرح في العالم هو برنارد شو. وارتباط بحركة ثقافية ذات نزعات تقدمية في أول حياته تتحوّل إلى مساهمة حقيقية في تأسيس مسرح ذي اهتمامات اجتماعية وشعبية تعطي الفن المسرحي مضموناً تقدّمياً, وهذا عين ما كان يدعو له في مقالاته في مجلة الفجر الجديد في الأربعينيات. ومن زاوية ثانية هناك تناقض يعبر عنه ذلك التردد من جانب علي الراعي بين ثقافة عالمية رفيعة المستوى بدأ في مراكمتها منذ أيام الشباب الأول حتى غدت شامخة البنيان فيما بعد, وبين اهتمامات شعبية صرفة جعلته ينهمك في تأسيس فرقة للرقص الشعبي الفولكلوري في العام 1957 من دون ترفّع. كما أن هناك تناقضاً بين التحصيل الأكاديمي الرفيع, وحياة عملية خاض خلالها غمار العمل اليومي المباشر بين المسارح والفرق الشعبية ومؤسسة السينما التي بدأ فيها تجربة لم تكتمل مع المخرج السينمائي الراحل صلاح أبو سيف. وهناك تناقض آخر يمكن تتبعه بين ذلك التحصيل الأكاديمي العالي واشتغاله بالصحافة اليومية مشرفاً على الصفحة الثقافية في صحيفة المساء, كما أشرنا. كما أن هناك تناقضاً ظاهرياً آخر سيظل يحكم إنجازات علي الراعي حتى آخر حياته, فقد كان كتابه الأول عن مسرح برنارد شو, أما كتابه الثاني, وهو الذي ارتبطت حياته واهتمامه بالمسرح, فكان عن الرواية, وقد حمل عنوان (دراسات في الرواية المصرية). بحثاً عن الجمال غير أن ما قد يبدو تناقضاً في مسيرة علي الراعي, إنما هو مكوّن أساسي لتجربته الثرية, فقد كان لديه من الصفاء الذهني والتفتّح الفكري على الحياة وعلى الفن والأدب ما جعله قادراً على مصالحة هذه المتناقضات في ثنايا عقله المبدع وصهرها في بوتقة فكره المتوهّج, فقد كان على درجة من الانفتاح جعلته وهو المتأثر بالفلسفة الماركسية منفتحاً على التيارات الأخرى. وبالرغم من أنه تسلّم الصفحة الثقافية لصحيفة المساء اليسارية في الخمسينيات, وهي فترة علا فيها الصوت الأيديولوجي على ما عداه, وتقدم الاجتماعي والسياسي على الفني, بقي علي الراعي هادئاً صافياً سواء في لغته النقدية التي حملت نفساً إبداعياً ميّزه عن سواه من نقّاد تلك الفترة المضطربة من حياة مصر والعالم العربي السياسية, أو في مقارباته النقدية العميقة التي ابتعدت عن (الأحكام) التي كانت سمة الكتابات الأدبية في ذلك الوقت. وقد استمر على منواله هذا حتى النهاية, فقد كانت دراساته النقدية أقرب إلى محاولات للبحث عن مواطن الجمال في الأعمال الإبداعية من شعر ورواية ومسرح. وقد تطوّرت هذه الروح إلى نوع من التبني للأعمال الواعدة وتقديمها للقارئ الذي وثق بذوق الراعي الرفيع وفكره النيّر ونزاهته الأدبية. وربما عاب بعض النقاد على الراعي (مجاملته) بعض الأعمال التي كان ينقدها, لكن هؤلاء لم يدركوا أن الراعي لم يكن هاويا لإبراز (العضلات النقدية) كما يفعل نقّاد آخرون, بل إنه كان يبحث عن مواطن الجمال في المنتج الإبداعي العربي, وهذا ما جعله في السنوات الأخيرة من حياته يكرّس جهده للكتابة عن الأعمال التي يحبّها ويرى فيها ما يبرز تقديمها للقارئ العربي. ومثلما كانت حياة الراعي ثرية وخصبة ومتنوعة, كانت تجربته الأدبية على الدرجة نفسها من الثراء والخصب والتنوّع, فالراعي معروف للقرّاء بأنه أبرز نقّاد المسرح العربي ومؤرخيه, وذلك من خلال تلك الأعمال التأسيسية التي كتبها في مجال المسرح العربي وتأريخه, ففي الستينيات كتب الراعي (ثلاثيته) في التعريف بالمسرح والتأريخ له, والمكوّنة من كتبه (الكوميديا المرتجلة) و (فن الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحاني) و (مسرح الدم والدموع), وفي هذه الكتب الثلاثة المهمة لم يكن علي الراعي ناقداً للمسرح المصري الذي كان يعيش أزهى فتراته آنذاك, ولم يكن يؤرخ لأشكال الفرجة التي عرفها العرب قديماً بل كان يبدأ مشروعه الكبير في التنظير لشكل مسرحي عربي الملامح, منطلقاً من صلة وضع يده عليها بين فنون الفرجة القديمة التي عرفتها المجتمعات العربي ة في فترات متفرّقة من تاريخها مثل خيال الظل والأراجوز, أو القراقوز كما يسمى في بلاد الشام, وبين المسرح في شكله الجديد الذي أخذه العرب عن أوربا, فالمسرح هو في الأصل من فنون الفرجة, تماماً مثل فن السامر وفن خيال الظل والقراقوز, وهي أشكال يمكن استخدامها, في المسرح, تماماً كما أنه من الممكن استخدام السينما والفانوس السحري وغيرهما, وتطويعها للفن المسرحي. وبذلك اختلف مع الروائي والمسرحي يوسف إدريس الذي بحث عن شكل عربي للمسرح في فنون الفرجة الشعبية الأخرى مركّزاً على فن السامر الذي يتحوّل فيه الجميع مشاهدين وممثلين إلى مشاركين في العمل الفني. وهو ما حاول تطبيقه في مسرحيته الشهيرة الفرافير. مسرح ورواية عربيان وانطلاقاً من نظرته هذه إلى فن المسرح وأصوله, وقف علي الراعي مع المحاولات المسرحية التي انطلقت من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح, وليس مسرحاً عربياً على أي حال, أينما ظهرت مثل هذه المحاولات في لبنان أو في المغرب, في مصر أو في تونس, في فلسطين أو في الكويت أو في أي بلد عربي, فقد كان علي الراعي مهموماً بالمسرح العربي عموماً وليس بالمسرح المصري فقط. غير أنه بنزاهته وانفتاحه, لم يكن ينطلق من نظرة جامدة ومتعصّبة إلى هذه الفكرة, بل كانت, مثل كل شيء آخر في الوجود فكرة قابلة للنقاش وللمزيد من البحث لإغنائها وإثرائها, وكان يرى أن المحاولات المسرحية التي تنطلق من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح والتنظير والنقد المرافق لها محاولات تستحق التقدير والتشجيع, وحتى لو لم (تثبت) النظرية المذكورة, فإنها تضيف تجارب جديدة إلى التجارب المسرحية الأخرى فتعطي المسرح العربي تنوّعاً وثراء يحتاج إليه لينمو ويأخذ مكانته على خريطة المسرح العالمي. وفي الوقت نفسه الذي كان فيه علي الراعي يراقب المسرح وتطوّراته بعين نافذة ناقدة, كانت عينه الأخرى على الرواية, ذلك الفن الذي تابعه - كما رأينا - منذ بداياته الأولى. ومثلما قام علي الراعي بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للمسرح, فإنه قام أيضاً بدور الناقد والمؤرخ بالنسبة للرواية, وانطلاقاً من النظرة نفسها تقريباً التي نظر بها إلى المسرح, عاد الراعي إلى التاريخ العربي القديم ليكتشف بعض أشكال القص خارج قصص ألف ليلة وليلة, فقد وجدها في مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني والتي اعتبرها شكلاً قصصياً بدائياً, تماماً مثلما كانت الرواية التشرّدية التي تتحدث عن الأفّاقين والمحتالين, في بعض وجوهها إحدى البدايات المبكّرة للرواية الأوربية. ولكنه بالعقلية نفسها لم ينطلق من نظرة جامدة أو متعصّبة لهذا الأمر إذ كان يشجع المحاولات الروائية التي ابتعدت عن الشكل الأوربي للرواية, واستخدمت أسلوباً أقرب إلى أساليب القص والرواية العربية وبخاصة ما فعله الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي في روايته الشهيرة (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل). الحقبة الكويتية خلال إقامة علي الراعي في الكويت, استطاع أن يجد من الوقت ما يمكنه من إنجاز بعض أهم كتبه, فقد حضر إلى الكويت تاركاً المناصب الحكومية والأكاديمية ليرتاح من عناء العمل اليومي, وهناك تمكّن من تخصيص وقت كاف للمسرح, وفضلاً عن حالة الازدهار التي كان يعيشها المسرح الكويتي في تلك الفترة من السبعينيات, كانت الكويت بؤرة للنشاط المسرحي العربي, وهو ما مكّن الراعي من مشاهدة كمّ كبير من التجارب المسرحية العربية وغير العربية التي قدمت عروضها في الكويت في تلك الفترة. وقد كانت حصيلة هذه الفترة الغنية التي عاشها الراعي في الكويت كتابه الشامل عن المسرح, والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية تحت عنوان (المسرح في الوطن العربي). وفيه تتبع النشاط المسرحي في كل بلد عربي في نشأته ونموّه, وقدم أبرز إنجازاته وأهم ملامحه. والكتاب اليوم مرجع لا غنى عنه لكل مَن يود معرفة شيء عن المسرح العربي في أي من البلدان العربية. أما القسم الآخر من نشاطه, فقد كرّسه للقراءة وبخاصة في مجال الرواية العربية مستفيدا من وجود جاليات عربية عدة في الكويت. وقد منحه وجوده في الكويت التي كانت (معملاً للهجات العربية المختلفة) كما كان يقول, القدرة على قراءة أعمال روائية من بلدان عربية أخرى وفك رموز اللهجات المحلية المستخدمة فيها مهما بلغت من صعوبة. وهناك اكتشف الراعي مدى غنى وثراء الإبداع العربي في مجال الرواية فتعرف على الرواية العراقية والفلسطينية والمغربية والجزائرية والسورية وغيرها. وانطلاقاً من قراءاته تلك في مجال الرواية العربية, وضع الراعي كتابه المرجعي الآخر الذي منحه اسم (الرواية في الوطن العربي) الذي صدر في أعقاب عودته من الكويت إلى مصر. وفي هذا الكتاب, قدّم الراعي الرواية العربية إلى القرّاء المصريين الذين ربما لم يكونوا على اطلاع جيد على إنجازاتها في باقي أنحاء العالم العربي, وذلك من خلال إبداعات أكثر من سبعين روائياً ينتمون إلى جميع أقطار العالم العربي تقريبا. لكنه لدى عودته إلى مصر, اكتشف أن جيلاً جديداً من الروائيين المصريين قد ظهر في أثناء فترة غيابه, وأن هذا الجيل حقق إنجازات جديرة بالاحتفاء والتقديم, وهو ما لم يتردد في القيام به, فوضع كتابه (دراسات جديدة في الرواية المصرية) معرفاً بهذا الجيل الجديد من الكتّاب المصريين. المسرح وهمومه على الرغم من الاهتمام الكبير الذي أولاه الراعي للرواية, فإن المسرح كان في واقع الأمر عشقه وهمّه وعذابه الخاص, وعن هذا العشق الذي بدأ منذ رأى, وهو بعد فتى صغير, ذلك الإعلان الغريب من شرفة منزله, كتب علي الراعي آخر أعماله, وهو كتاب (هموم المسرح وهمومي) والذي يروي فيه قصة تلك العلاقة الفريدة مع هذا الفن الذي لم يرتبط اسم ناقد عربي آخر به مثل ارتباط اسم علي الراعي. وقد جاء هذا الكتاب ليكون أقرب إلى شهادة أخيرة من رجل عشق المسرح وتابعه منذ المسرحيات الصارخة في سذاجة مواضيعها وفي تعليميتها وإنشائية حواراتها, مروراً بازدهار المسرح وتألقه في الستينيات على أيدي نعمان عاشور وألفريد فرج ويوسف إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي, وحتى سقوطه أخيراً في أيدي مقاولي الفن وتجّار النكتة في الثمانينيات والتسعينيات. وبغياب علي الراعي عن الساحة الأدبية, انتهت قصة عشقه المعذب للفن والمسرح, وقصة بحثه المضني عن الجمال في المسرح, كما في الرواية, وفي مصر كما في أي بلد عربي آخر, فقد كان الجمال ضالة هذه القيمة الأدبية النادرة في نزاهتها وإخلاصها أحمد صدقي الدجاني (1936 - 2003) الذي توفي الإثنين في القاهرة، سيذكر بأنه أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وأحد العروبيين الذين لم يجدوا حرجا من التأكيد على هويتهم الإسلامية، فهو وإن بدأ حياته العلمية ونشاطه الفكري في منتصف القرن الماضي فإنه ينتمي إلى عروبيي المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية الذين لم يجدوا أي مشكلة مع هويتهم الإسلامية، فالعروبة كانت تعني بالضرورة الهوية الإسلامية. والعروبة في هذا السياق لم تكن أيديولوجيا منفصمة أو منفصلة عن الإسلام أو الهوية الإسلامية للعرب. كما يذكر الدجاني أنه أحد رواد حقل الدراسات الليبية، حيث كان أحد مؤرخي السنوسية، مع نقولا زيادة، ومحمد عزيز شكري، وكتابه "الحركة السنوسية" يعد من المراجع الهامة في تاريخ هذه الحركة الإصلاحية والثورية الليبية. وقد كرس الدجاني جانبا كبيرا من حياته الأكاديمية لدراسة ليبيا الحديثة، وألف فيها أكثر من كتاب، واهتم الراحل بقضايا الوحدة والديمقراطية والعولمة والمعرفة. واتفق جميع مع عرف الراحل الكبير على صلابة موقفه ودماثة أخلاقه وتمسكه بالرؤية المبدئية والثوابت القومية، ولهذا لقي الدجاني احتراما من مجايليه وزملائه، كما اتسم الدجاني، في محضره ومخبره بحفاظه على سلامة اللغة العربية، وكان المثال الذي يحتذى به. الأصول.. شجرة العروبة في الحوارات الليبية التي أعدها الباحث الليبي المقيم في لندن "فرج نجم" استعاد الدكتور الدجاني شيئا من تاريخ عائلته التي تعود في أصولها إلى الجزائر، والدجاني عائلة دينية صوفية مشهورة في يافا. يقول الدجاني: إن علاقة عائلته بليبيا تعود إلى بدايات القرن العشرين عندما عين جده الشيخ محمود الدجاني قاضياً في ليبيا في الفترة التي تلت عام 1900، فقد كانت ليبيا في ذلك الوقت جزءاً من الدولة العثمانية، وكان جده قاضيا في هذه الدولة قبل الانقلاب الحميدي الذي جاء ضد السلطان عبد الحميد الثاني 1908، وتنقل في هذه البلاد الواسعة، بلاد الإسلام التي تحكمها الدولة العثمانية، وفي فترة معينة استقر به المقام في الخمس وزليطن وطرابلس. ويقول الدجاني إنه لم ير جده، فقد توفي قبل ولادته بعامين، "وهو الذي قال لوالدتي: إذا جاءك ابنٌ سميه أحمد صدقي، فأنا أذكر هذه الصلة، وأذكر صورته التي كانت تبرز فيها عمامته، وثوب علماء الدين في وسط الديوان، وكنت أتأثر بما أسمعه من جدتي عنه، وعن الرحلة إلى طرابلس، كيف ذهبوا إلى إستانبول، ومنها كيف ركبوا الباخرة إلى مالطا، وكيف نزلت هي في شوارع مالطا بزيها الذي كان عبارة عن غطاء شديد السواد، وكيف كان هذا محل استغراب في مالطا، ثم كيف نزلوا في طرابلس، وكيف استضافهم أهل طرابلس الكرام. ثم كيف مارس مهمته في القضاء، وكنت أسمع عن عادات أهلنا في ليبيا من جدتي، فالذاكرة اختزنت الكثير، والحق أن من بين هذا الكثير أيضاً أن جدي أطلق اسم الطيب على والدي حين رزق بوالدي، والطيب اسم ليس شائعاً في المشرق، ولكنه كان شائعاً في تلك الفترة التي عاشوها في ليبيا. أمشي قدما بعد ذلك فأذكر أنني في المدرسة كنت أسمع عن ليبيا" . ونشأة كهذه لم تجعله بعيدا عن ليبيا وتراثها وجهاد أهلها، ففي المدرسة كان الدجاني يسمع عن جهاد الليبيين ويقول الدجاني لنجم: كان المثل الذي يحتذى هو استشهاد عمر المختار، البطل الذي أعطى مثلاً للعمل والمقاومة بكل أبعادها، وكنا نتأثر ونحن نقرأ شعراً لإبراهيم طوقان عن عمر المختار، رحمه الله، وكنا نتابع حين بدأت التفتح في فلسطين بعض الأخبار عن ليبيا من خلال ما أسمعه من الأسرة، وكانت مهتمة بتتبع الأخبار السياسية . التكوين العملي والثقافي الدجاني مع الأمير الحسن بعد النكبة انتقلت عائلة الدجاني لسورية، حيث وجد والده عملا في مجال الزراعة والمشاريع الزراعية، وسافر إلى ليبيا في عام 1953. ويعتقد الدجاني أن فترة إقامته في ليبيا ما بين 53 ـ 1956 كانت فترة مهمة بالنسبة له ولتكوينه الثقافي. ففي عام 1958 تعاقد وهو في دمشق التي كان عازفا عن تركها للعمل في وزارة التربية والتعليم، ويقول الراحل عن هذه المرحلة: إنها كانت من أغنى مراحل حياتي، بدأت منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1958 وانتهت في آخر كانون الثاني (يناير) 1965، هذه السنوات أعتبرها من أهم السنوات في تكويني العلمي. ففي هذه الفترة أنجز الكاتب دراسته عن السنوسية، ليؤكد نفسه كأحد رواد البحث العلمي والأكاديمي فيها، كما كانت فترة للتعريف بالقضية الفلسطينية، من خلال النادي الثقافي الليبي، والمركز الثقافي العربي، وجاء نشاطه الثقافي هذا متوافقا مع عمله كمدرس في مدرسة الزاوية وبعدها معهد محمد بن علي السنوسي. ويستعيد الدجاني فكرة اهتمامه بالدراسات الليبية قائلا إنها كانت من اقتراحات أستاذه المؤرخ محمد أنيس، حيث أراد أن يتقدم بأطروحة للماجستير، في مجال التاريخ الفلسطيني، إلا أن الدكتور أنيس قال له لا.. أنت في ليبيا، وأنت من أحاديثي معك رأيتك ملماً، ومهم جداً أن تعطي تاريخ ليبيا حقه، فوجد هذا صدى عظيماً في نفسي، فبدأنا نتداول واستقر الرأي بعد قراءات على اختيار الموضوع التالي: نشأة الحركة السنوسية ونموها خلال القرن التاسع عشر؛ لأني وفقاً لمنهجي التاريخي أردت أن أحصر المدى الزمني في قرن واحد، أي طيلة فترة السيدين المؤسس محمد بن علي السنوسي، وابنه محمد المهدي إلى وفاته، ثم تركت الفترة التالية لمرحلة ثانية وهي مرحلة السيد أحمد الشريف، ومن ثم مرحلة السيد إدريس الذي أصبح ملكًا. في تلك الفترة بدأت بقوة، والحق أنني عملت على أن أجمع كل ما وقع في اليد مما كتب عن السنوسية، وكان هناك بعض الكتابات العربية القليلة وذكرتها، وكانت هناك عناية من بعض الإنجليز تطرقوا إليها في رحلاتهم، ومنهم بريتشارد. وأنتج الدجاني بعد هذه الدراسة -التي اعتبرت مهمة وجامعة في تاريخ الحركة السنوسية- عددا آخر من الدراسات منها اليقظة العربية في ليبيا، أحاديث عن تاريخ ليبيا، وثائق ليبيا الحديثة. وبحسب الباحث فرج نجم فقد كان الدجاني يعد كتابا هو مذكراته عن حياته في ليبيا تحت عنوان لقاء الكهل بالشاب الذي كأنه هو. وحمل الدجاني توقا وألقا لليبيا، وارتبطت عائلته بالمصاهرة بعائلة ليبية كما أن نجله مهدي متزوج من ليبية. ومع أن الدجاني أنجز ما أنجزه في مجال الدراسات الليبية وابتعد في المراحل الأخيرة من حياته عن هذا المجال للكتابة في القضايا الحضارية والثقافية وقضايا العروبة والإسلام، فإنه كان يشارك في أي قضية لها علاقة بتاريخ ليبيا، فقد شارك قبل عامين في مهرجان عمر المختار الذي أقامه مركز ليبي في لندن لتخليد ذكرى الشهيد الليبي الكبير. ومن هنا فوفاة الدجاني تظل خسارة ليبية، وعربية وفلسطينية مجموعة. وعرف الدجاني بنشاطه في المؤتمرات والندوات العلمية، وحاضر في لندن كثيرا حيث دعته جمعيات ومؤسسات فلسطينية وعربية قومية لتقديم محاضرات. وعرف الدجاني بصوته المتميز وتأنقه باللغة، فكان صوته يخرج هادئا ببحة جميلة، ولم يؤثر عنه أنه تكلم العامية في أحاديثه العامة أو الخاصة. وعربيته السليمة لم تكن متقعرة بل عفوية. كان الدجاني مثال العالم العامل، وظل كما قالت كريمته بسمة، يكتب ويشارك في المقال للصحف والمجلات. عطاؤه الفكري الدجاني مع الملك الراحل حسين في المجال الحضاري أكد الدجاني على ضرورة اهتمام العرب بدائرتهم الإسلامية الأوسع التي تضمن الهامش الإسلامي البعيد عن المركز، وكان يشدد على فكرة الديمقراطية والشورى وحقوق الإنسان كأولويات لبناء المشروع الحضاري العربي. ولم تشغله اهتماماته الأكاديمية الليبية ونشاطاته العروبية عن الاهتمام بقضيته الفلسطينية، فقد ظل عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مدة عشرة أعوام. ومع مشا ركته الواسعة في النشاط الفلسطيني السياسي والثقافي، فإنه كان معارضا لنهج التسوية السياسة وإفرازات أوسلو، حيث كان من رافعي شعار "لا للحل العنصري الصهيوني في فلسطين"، وخلافه مع مهندسي أوسلو لم يلجئه ولو مرة إلى دعم أي حركة تدعو لشق الصف الفلسطيني، فقد كان الدجاني بطبعه وحدويا وداعيا للائتلاف الوطني والحوار مع كل فصائل المقاومة، وموقف كهذا جعله قريبا من كل فصائل العمل الفلسطيني، في الداخل والخارج. وأسس منذ عشرين عاما المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظمة التحرير الفلسطينية وظل رئيساً له حتى عام 2002 حيث استقال بسبب متاعبه الصحية. وانتخب الدجاني في عدد من المجالس والمؤسسات والأكاديميات العربية، فقد كان عضوا بالأكاديمية الملكية المغربية، ومؤسسة آل البيت، وكان أحد مؤسسي المؤتمر القومي الإسلامي والمؤتمر القومي العربي. وشغل منصب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان. ومثل الدجاني فلسطين في العديد من اجتماعات الحوار العربي الأوربي. وكرمه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بمنحه وسام فلسطين. وشارك في ندوات للدفاع عن الهوية الفلسطينية وحق اللاجئين الفلسطينيين، وعمل الدجاني في العديد من الجامعات العربية محاضرا في التاريخ الحديث، وتلامذته الذين أشرف على رسائلهم منتشرون في كل بقاع العالم العربي. وكان آخر حضور للراحل في ندوة شارك فيها في معرض القاهرة الدولي، دعا فيها يهود العالم لنبذ الصهيونية وأكد على أن الانتفاضة الفلسطينية وجدت لتبقى وتتصاعد حتى يسلم العدو ويضطر إلى إيقاف عدوانه الدموي ويجلس للتفاوض. آمن الدجاني بدور الشباب في مرحلة النهوض الحضاري العربي، ووجه الكثير من أعماله لهم، كما كان يخاطبهم في الندوات والمؤتمرات التي يشارك فيها. من آثاره وترك الراحل مكتبة كاملة من ستين مؤلفا، منها: المعرفة والتقنية والتنمية.. آفاق ومخاطر، ضوابط وأضواء على الصين اليوم، النظام العالمي الجديد.. وجهة نظر عربية، الطريق إلى حطين، القدس.. إحياء الذكرى بعد ثمانية قرون... وصدر له هذا العام عن دار المستقبل العربي بالقاهرة كتاب زلزلة في العولمة وسعي نحو العالمية . أحمد صدقي الدجاني مثقف فلسطيني، متميز في مجاله، كغيره من المثقفين الفلسطينيين، الذين برزوا في الخارج، وهو مثقف كان يترك دائما مع الذين يقابلهم حضوره الهادئ والرزين، ولغته الشفافة وكلماته المنتقاة. أذكر أن أول مرة استمعت فيها للراحل كانت محاضرة ألقاها في جمعية للتربية في القاهرة، لم يكن الحضور كبيرا، لكنه كان جميلا ودافئا، كان ذلك في عام 1988، واستمعت إليه مرة ثانية في عام 2000 في لندن، وقلت له إن اسمه ارتبط بذهني بكتاب الحركة السنوسية الذي قرأته منذ زمن بعيد، وهو الكتاب الذي شكل كثيرا من ذاكرتي عن هذه الحركة، ومؤسسها محمد بن علي السنوسي. برحيل الدجاني هذا العام يكتمل موكب الراحلين الفلسطينيين من المبدعين، فقبله رحل الناقد الكبير إحسان عباس الذي دفن في عمان، والشاعر محمد القيسي المدفون في عمان أيضا، والناقد الكبير إدوارد سعيد الذي توفي في نيويورك ونثر رماده في لبنان. والشاعرة المبدعة فدوى طوقان التي عاشت لحظاتها الأخيرة في نابلس، ودفنت فيها. وأخيرا الدجاني الذي توفي في القاهرة التي اختارها مقر إقامته منذ عام 1982 قبل أن نودع العام الميلادي 2003م ويودعنا، بما حملت أمواجه المتلاطمة من أهوال وكروب ومفاجآت لأمة العروبة والإسلام، أبى أن يختم أيامه إلا بتوديع رجل من رجالات الأمة المعدودين، ظل يحمل همومها، ويعاني آلامها، ويجسد آمالها: مجاهدا في سبيل الله، مناضلا عن حقوق الأمة، ذائدا عن حماها، يرفع اللواء، ويلبي النداء، ويقاوم الأعداء، بشجاعة الفارس النبيل، الذي لا يستسلم ولا يرفع الراية البيضاء، وإن رأى من حوله يستأسرون، ويسلمون مستمسكا بالحق، الذي آمن به، وإن رأى من حوله يتنازلون عنه واحدا بعد الآخر. إنه الأخ المفكر المناضل الدكتور أحمد صدقي الدجاني، الذي انتقل إلى رحمة الله مساء الإثنين السادس من ذي القعدة 1424هـ التاسع والعشرين من ديسمبر 2003م. ابن يافا وفلسطين البار إنه ابن فلسطين، ابن يافا، ولد في أرضها، ونشأ وترعرع بين ربوعها، واستنشق شذاها، وشاهد بياراتها، وأكل من برتقالها وفواكهها، وصلى في جوامعها، واستمع إلى الأذان والتكبير من مآذنها، وتعلم في مدرسة (النهضة الإسلامية) بها، ورآها تسقط أمام عينيه، وهو ابن الثانية عشرة. وتركها مجبورا مقهورا، وعينه تذرف العبرات، وصدره يصعّد الزفرات. رأى الفتى الصهيونية الغازية، تقتحم عليه مدينته، وتغتصب منه داره، وتسرق مرتع صباه، ومهوى فؤاده، وملتقى أحبائه، وتشرده وأهله في الآفاق من سنة 1948 إلى اليوم. ترك منزله في (يافا) الذي لا يزال يحتفظ بمفتاحه داخل منزله بالقاهرة حتى اليوم، ليذكر أبناءه وأحفاده بالوطن المسلوب، وكان حريصا على أن يبرزه أمام أعين الإعلاميين، والأصدقاء، كل حين، ليؤكد لهم بأن العودة قضية لا تموت. وعائلة الدجاني عائلة يافوية معروفة: دينية صوفية. فقد كان جد أحمد صدقي -الشيخ محمود- قاضيا شرعيا في الدولة العثمانية، وقد مات قبل ولادته بعامين، وهو الذي أوصى أمه إذا جاءها ابن أن تسميه أحمد صدقي. عيّن الشيخ محمود الدجاني قاضيا في ليبيا في أوائل القرن العشرين، قبل الانقلاب على السطان عبد الحميد (1908م) وكانت إقامته بين طرابلس وزليطن والخمس وقد كانت ليبيا كما كانت فلسطين: جزءا من دولة واحدة هي دولة الخلافة العثمانية. وقد غرس هذا في نفسية الطفل أحمد صدقي وحدة بلاد العروبة والإسلام، التي كانت تمثل دولة واحدة يحكمها الخليفة، وكان جده ينتقل بين ربوعها بحرية واطمئنان، وقد أورثه هذا النزعة العروبية الإسلامية، التي لا ترى تعارضا بين الإسلام والعروبة، على غرار ما سبقه به الإصلاحيون العرب في أواخر عهد الدولة العثمانية من أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ طاهر الجزائري، وأمثالهما من دعاة التجديد والإصلاح في ظل الدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية التي تجمع العرب والأتراك تحت راية القرآن. وهذا أيضا ما شده إلى الاهتمام بأمر ليبيا وتاريخها وجهادها، وخصوصا بعد أن تعاقد مع وزارة التربية والتعليم في ليبيا للعمل بها من سنة 1958 إلى سنة 1965، وهو يعتبر هذه السنوات من أغنى سنوات عمره وأهمها في تكوينه العلمي. وكان من رواد الدراسات الليبية، وتأليف عدة كتب عنها، منها: كتابه عن "الحركة السنوسية". كما تأثر باستشهاد البطل العربي المسلم عمر المختار الذي لم تلن قناته في جهاد الإيطاليين، حتى أسر وحكموا عليه بالإعدام. وسجل ذلك شعراء مرموقون مثل إبراهيم طوقان من فلسطين، وأحمد شوقي في مصر. في معمعة النضال الفلسطيني كان أحمد صدقي أحد المؤسسين لمنظمة التحرير منذ عهد رئيسها الأول أحمد الشقيري: وقد اتجهت الأنظار إليه -وهو في ريعان الشباب- لتحمله المسؤولية، وهي واثقة بأنه أهل لها، فلا غرو أن كان عضوا بالمجلس الوطني الفلسطيني، وعضوا بالمجلس المركزي، وعضوا باللجنة التنفيذية في منظمة التحرير، كما كان رئيسا للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم بها، ولم يتركه إلا منذ سنة 2002م بعد أن ازدادت متاعبه الصحية، رحمه الله. كما مثل فلسطين في مؤتمرات الحوار العربي الأوربي. وقد قدر الرئيس الفلسطيني عطاءه في مجال الفكر والثقافة والنضال، فمنحه وسام فلسطين. معارضته خط (أوسلو) ظل الدجاني يعمل في المجال النضالي الفلسطيني الرسمي بجهده وفكره وقلمه ولسانه، حتى تغير مسار القضية الفلسطينية من بعد نكبة حزيران 1967، شيئا فشيئا، حتى انتهت إلى مسيرة أوسلو وما تحمله من تنازلات أساسية لا يقبلها، فرأى أن الميدان لم يعد ميدانه، وأن لكل زمان دولة ورجالا، وهو ليس من رجال هذا الدور، والحمد لله الذي عافاه من ذلك، فقدم استقالته من اللجنة التنفيذية احتجاجا، ومعه اثنان من المناضلين المعروفين: شفيق الحوت، ومحمود درويش الشاعر المعروف. وظل يعمل وحده في معركة سلاحها القلم، وحلبتها الفكر، وجنودها الأحرار الذين يجمعون بين الصلابة والإخلاص والصبر وإن طال المدى. ومع معارضته لمهندسي أوسلو، ظل يدعو إلى وحدة الصف الفلسطيني، ويتعامل مع الفصائل الفلسطينية كلها بروح الأبوة والأخوة للجميع، ولا يرضى بأي شق للصف، فليس يؤذي العدو شيء مثل التوحد والتلاحم. لقد كسبه ميدان الفكر وأعتقد أن البعد عن مجال النضال الرسمي، كان من ناحية أخرى خيرا وبركة، فقد كسبه ميدان العلم والفكر الذي تفرغ له، فنما إنتاجه، وازداد عطاؤه، واتسعت دائرة اتصالاته على المستوى العربي، والمستوى الإسلامي، والمستوى العالمي، وأصبح عضوا في أكثر من مجمع لغوي، ومن مؤسسة علمية، ومن مركز ثقافي. وكان من ثمرات ذلك: خمسون كتابا في مختلف جوانب الثقافة، تلقاها أهل الفكر بالقبول والثناء. كان الدجاني فارسا من فرسان الكلمة، وعلما من أعلام الفكر، ورائدا من رواد النضال الفلسطيني، وبطلا من أبطال العروبة والإسلام، رحمه الله رحمة واسعة وتقبله في الصالحين من عباده الأبرار. كيف عرفت الدجاني؟ عرفت الدكتور الدجاني منذ أكثر من عشرين سنة قارئا لكتبه ومقالاته، فوجدته رجلا يجمع بين عقلانية العالم، وعاطفية الفنان، وشفافية الأديب، وروحانية المتصوف، وجندية المجاهد. ثم اقتربت منه أكثر، حين لقيته في المؤتمرات والندوات، فعرفت فيه العقل النافذ، والنفس الهادئ، والبصيرة النافذة، والرؤية المتوازنة والمتكاملة للأحداث والتاريخ والواقع، كما لمست فيه الخلق الكريم، والأدب العالي، والذوق الرفيع والحس الرهيف، والسلوك القويم، إنه -في كلمة واحدة- رجل مثقف مهذب. وإذا كان النابغة الذبياني يقول في شعره: ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟! فأنا أقول: أحمد صدقي الدجاني كان أنموذج (الرجل المهذب) الذي افتقده الذبياني وافتقده الكثيرون. وقد قال حافظ: فإذا رزقت خليقة محمودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق! فكيف بمن رزق جملة من الخلائق المحمودة، والفضائل المشهودة، قربته إلى الناس، وحببته إلى الناس، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. كان رجلا يتميز بالعذوبة في شخصيته: في لقائه، في حديثه، في خلقه، في علاقاته وكأنما خلق من نسمات الفجر، أو من نفحات الزهر، أو من رشحات العطر! رجل جدير بالحب والاحترام أجل إنه رجل يملك من المواهب والقدرات والفضائل ما يرغمك على أن تحترمه وأن تحبه معا، وقل من الناس من تجمع له بين الحب والاحترام. إنه رجل يحبه العلماء والباحثون؛ لأنه عالم بحاثة يحترم نفسه، وقراءه بفكر يجعله العالم الذي يعيش في عصره. ويحبه الأدباء؛ لأنه أديب، يكتب بأسلوب الأديب، وبيان الأديب، ولغة الأديب. ويحبه المناضلون؛ لأنه مناضل أصيل، لم يهن عزمه، ولم يستسلم كما استسلم غيره من المناضلين القدامى. ويحبه العروبيون؛ لأنه عربي مخلص، يعتز بعروبيته، وبقومه، وبلغته فلا يتكلم إلا بالعربية الفصحى، ولا تعرف العامية إلى لسانه سبيلا. ويحبه الإسلاميون؛ لأنه مسلم مستنير، يحسن الفهم للإسلام، كما يحسن الالتزام به، والدعوة إليه على بصيرة، والحماس لقضايا أمته. دوره في تلاقي العروبيين والإسلاميين وحين رأى القوميون المخلصون من دعاة العروبة، والإسلاميون المخلصون من دعاة الإسلام: أن لا معنى للقطيعة القائمة بينهما، وأن هناك قضايا مهمة تجمع بين التيارين، وتفرض عليهما التفاهم والتضامن لمواجهة الخطر الذي يهدد الأمة، وأنه لا بد من عقد مؤتمر يضم المعتدلين من الإسلاميين والقوميين الذين يرون التلاقي بينهم فريضة وضرورة: فريضة يوجبها الدين، وضرورة تحتمها مصلحة الأمة. وعندئذ تقرر عقد المؤتمر القومي الإسلامي الأول في بيروت، وكان المطلوب أن تعد ورقتان: ورقة تمثل القوميين وأهدافهم وتوجهاتهم وطموحاتهم، وأخرى تمثل الإسلاميين وأهدافهم وتوجهاتهم وطموحاتهم، وتجسد كلتاهما القاسم المشترك بين الفريقين: كان الدجاني عضوا في كل من اللجنتين التحضيريتين للإسلاميين والقوميين جميعا. وحين التقى الفريقان وبحثوا عن منسق عام يقوم على هذا المؤتمر يرضى عنه الطرفان ويصلح همزة وصل بينهما: لم يجدوا أفضل من الدكتور الدجاني الذي كان موضع إجماع من الحضور، لم يختلف عليه اثنان، ولم تنتطح فيه عنزان كما يقال. والحق أن الرجل بذل من جهده ووقته وفكره الكثير، في سبيل إنجاح هذه الفكرة واستمرارها وإمدادها بالزاد والوقود، حتى لا تتوقف مسيرتها أو تخمد جذوتها. وخصوصا في هذا الوقت الذي يسعى فيه أناس للتطبيع مع إسرائيل!! لقاءاتنا في الصيف وعلاقته الحميمة بعبد الرحمن وكنت حريصا على لقائه كل عام في إجازة الصيف حين أنزل إلى مصر، وكان هو أبدا صاحب الفضل، فهو الذي يسعى إلى زيارتي في منزلنا بمدينة مصر، باعتباري ضيفا على القاهرة، وهو مقيم بها: حاملا من ثمار قلمه آخر ما أنتجه حول قضيته الأولى (فلسطين) أو قضايا (العروبة والإسلام) ولا انفصال بينهما عنده، أو قضايا العالم الذي نحيا فيه. وكنت أهدي إليه من بضاعتي المزجاة آخر إنتاجي، وكله يدخل في أفق اهتمامه. ومن خلال زياراته ولقاءاته بي: تعرف عليه ابني الشاعر الأديب عبد الرحمن فأعجب به، ودعاه إلى زيارته، فانعقدت بينهما مودة وثيقة، وصلة عميقة، استمرت سنين، في لقاء وتفاهم وحوار، يسمعه عبد الرحمن من شعره ما لا يقوله للآخرين، من شعر السياسة، أو شعر الغزل، الذي عبر عنه عبد الرحمن بأن نصف شعره: يدخل السجن، والنصف الآخر يدخل النار!! ويحاوره في قضايا الدين وقضايا الثقافة، وقضايا السياسة، بحرية وصراحة. وقد قال لي الدكتور الدجاني في لقاء قريب: إن عبد الرحمن: كنز ثمين لم يستفد منه بعد! وقد أهدى عبد الرحمن إليه ديوانه الثاني (أمام المرآة) وقال في إهدائه: إلى أستاذي ووالدي وصديقي، الدكتور أحمد صدقي الدجاني أطال الله عمره، ثمرة سنوات من اللقاءات الطويلة. حوار بين جيلين! مناسبات فكرية ونضالية تجمعنا كانت هناك مناسبات مختلفة تجمعنا منها: المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، أو مؤسسة الفكر الإسلامي لآل البيت، وقد كان كلانا عضوا فيها. كما تضمنا جلسات المؤتمر القومي الإسلامي، الذي كان أحد مؤسسيه والداعين إليه. وكذلك مجلس (أمناء مؤسسة القدس) الذي التقى مؤسسوها في بيروت في نحو خمسمائة شخصية من العرب مسلمهم ومسيحيهم، ومن المسلمين عربهم وعجمهم، من كل من يهمه أمر القدس وأمر فلسطين، وما القدس إلا رمز لفلسطين، وقد اتجه جمع من صفوة المشاركين في المؤتمر إلى أن يرشحوني لرئاسة مجلس أمناء هذه المؤسسة الوليدة والمرجوة، وقد اعتذرت لهم أول الأمر لما أحمله من أعباء أنوء بها، فكيف أضيف إليها عبئا جديدا؟ وكان رأيه رحمه الله مع عدد من الأحبة: أنك الوحيد الذي يمكن أن يوافق عليه من المسلمين: العرب والعجم، ويوافق عليه من العرب: المسلمون والمسيحيون، ويوافق عليه من المسلمين: السنيون والشيعيون، ويوافق عليه من العرب: القوميون والإسلاميون. نرجوك أن تقبل هذه المهمة مستعينا بالله، لتجتمع عليك الكلمة! وقد سافرت قبل انفضاض المؤتمر، واختيار مجلس الأمناء ورئيسه، وقد اختاروني في غيابي، والخيرة فيما اختاره الله لنا. وقد التقينا بعد ذلك في مؤتمرات لمؤسسة القدس هذه، أولها كان في اليمن، وكان لقاء خصبا مباركا، والثاني كان في بيروت، وكان له أثره ودوره في مد المسيرة بالوفود، والدكتور الدجاني في كل ذلك يعطي بغير كلل ولا ملل، ولا مَنٍّ ولا أذى. وما من مرة ألقاه فيها في ندوة أو مؤتمر أو لقاء خاص إلا أجده متألقا لم ينطفئ له سنا، ومُسمعا لم يخفض له صوت. وآخر مرة سعدت بلقائه فيها كانت في مملكة البحرين، في مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية، وعلى العهد به كان معطاء كالنبع الدافق لا يملك إلا أن يسقي ويحيي، وإن كنت لحظت عليه شيئا من الجهد والتعب. كان يغذي الحوار بالجديد من الأفكار، وكان يسدد الحوار إذا شط عن سواء الصراط. ولقد قرأ بحثي عن "التقريب بين المذاهب" وأبدى إعجابه به؛ لأنه تعرض لنقاط حساسة، عالجها بصراحة واستنارة ورفق. وحين اختمرت عندي فكرة إنشاء اتحاد علماء المسلمين، كان هو في مقدمة الشخصيات التي دعوتها للانضمام إلى هذا الاتحاد، فقد رأيت أن أوسع مفهوم (العلماء) بحيث لا يقتصر على خريجي الكليات الشرعية، والجامعات الدينية، بل تشمل كل من له عطاء يتصل بالثقافة الإسلامية، وإن لم يكن من المشايخ، وقد استجاب بسرعة لندائي، وإن كان قد اقترح أن نعرف العالم المسلم: بأنه كل من يمارس اختصاصه برؤية مؤمنة مسلمة. خسارة الأمة بفقد الدجاني إن فقد الرجال خسارة كبيرة، ونكبة عظيمة، فإنما الأمة برجالها، والرجال قليل، فكيف إذا كان هذا الرجل عالما، وقد قال ابن مسعود: سيأتي على الناس زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه! فإذا كان الرجال قليلا، فالعلماء قليل من قليل. وكيف إذا كان هذا العالم مفكرا: له رؤيته الخاصة، ونظرته المستقلة، إلى العالم من حوله، وإلى قضايا الأمة، فليس هو مقلدا لأحد، ولا ذيلا لأحد، فإذا كان العالم قليلا من قليل، فالعالم المفكر قليل من قليل، من قليل. ثم كيف إذا كان هذا المفكر مناضلا، فهو لم يعش لفكره في برج عاجي، أو في صومعة منعزلة، مستغرقا في تأملاته الصوفية، محلقا في أحلامه الطوباوية، بل نزل إلى معترك الحياة كما هي، بوردها وشوكها، وحلوها ومرها، وبهذا يكون هذا النوع قليلا من قليل من قليل، من قليل. ولا عجب أن يختار هذا الرجل في كل منتدى للحوار الداخلي والخارجي، فهو يملك من المواهب والقدرات الفكرية والنفسية والخلقية ما حرم منه الأكثرون {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: 35). إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ومنذ أسابيع اتصل ابني عبد الرحمن -وهو حبيبه الأثير لديه- وطلب مني وأنا مسافر إلى مكة، أن أخص الدكتور الدجاني بالدعاء، فقد اشتد عليه المرض، وأدخل المستشفى، ويحتاج إلى دعاء المحبين: أن يمن الله عليه بالشفاء، ويتم عليه العافية، وكم والله دعوت له من أعماق قلبي، وتضرعت إلى ربي: أن يكشف عنه الضر كما كشفه عن أيوب، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، وإذا كان الداء من السماء، بطل الدواء، وعجز الأطباء، حتى ينفذ القضاء. إن الطبيب له علم يُدل به ما دام في أجل الإنسان تأخير حتى إذا ما انقضت أيام مهلته حار الطبيب وخانته العقاقير! وفي مساء الإثنين (29/12) اتصل ابني عبد الرحمن هاتفيا، وحين سمعت صوته يحمل رنة الحزن، عرفت أن قدر الله نفذ، وأخبرني وهو بجواره في المستشفى وهو يجهش بالبكاء: أن أستاذه الحبيب قد فارق الدنيا، وما أشد مرارة فراق الإنسان لمن يحب، وخصوصا إذا كان فراقا سيطول: وكما تقول الخنساء: نَأْي الحبيبين كون الأرض بينهما هذا عليها وهذا تحتها سكنا! رحمة الله عليك أبا الطيب، وطبت حيا وميتا، وغفر الله لك ورحمك ورفع درجاتك في الصالحين من عباده، وجزاك عن دينك ووطنك وأمتك خير ما يجزي به العاملين الصادقين الموفين بعهدهم إذا عاهدوا {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 23). القرضاوي ينعي الدجاني 14/01/2004 بقلم: أ.د. يوسف القرضاوي لكل دولة رجال، وللعمل الخيري والإنساني رجالاته ومؤسسوه، ولا يُذكر العمل الخيري في الكويت إلا ويتبادر للأذهان اسم الشيخ يوسف الحجي -رئيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية- فهو رجل صامت قليل الكلام حتى إذا وصلته رسالة تشكو سوء حال أو تحمل أخبارًا كارثية من أي بقعة إسلامية تنقلب الصور تمامًا فيهبّ داعيًا رموز الخير بالكويت إلى اجتماع عاجل عبر اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة التي يترأسها أيضًا؛ لينظموا حملة إعلامية واسعة؛ تمهيدًا لحملة واسعة أخرى لجمع التبرعات، ويخاطبوا مؤسسات الدولة ذات الصلة، ويسيّروا الوفود إلى التجار والأثرياء والمحسنين من أجل إغاثة إخوانهم المضارين والمنكوبين هنا وهناك.. الكويت المولد والنشأة ولد يوسف جاسم الحجي في الكويت عام 1341هـ – 1923م، لوالد كان مريدًا لعدد من علماء الكويت مثل الشيخ عبد الله خلف الديحان والشيخ محمد الفارسي والشيخ عبد الوهاب الفارس وغيرهم؛ فرافق والده إلى مجالس هؤلاء العلماء، ودروس العلم بالمساجد، وبعد وفاة والده استمر على هذا النهج، وحرص على حضور الدروس والمواعظ الدينية، كل هذا كان له أكبر الأثر في تكوين شخصيته وتحديد توجهه. درس في المدرسة المباركية، ثم مدرسة عثمان عبد اللطيف العثمان وإخوانه خلال الفترة من 1927 – 1933، وتعلم اللغة الإنجليزية بمدرسة هاشم البدر حتى نهاية عام 1938، وبعد تخرجه عمل فى المملكة العربية السعودية عام 1938 بوظيفة كاتب دوام، ثم تزوج عام 1941، وعاد إلى الكويت عام 1942 ليعمل بالأعمال الحرة لمدة سنة واحدة. العم يوسف ورحلة الخير عُيِّن في وزارة الصحة مسؤولا عن مخازن الأدوية فى عام 1944، وتدرج فيها حتى صار وكيلا لوزارة الصحة العامة. وفي عام 1976 اختير وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية وظل بها حتى عام 1981، ترأس جمعيتي الإصلاح الاجتماعي وجمعية عبد الله النوري الإسلامية، وعرف طيلة سنوات حياته بالقبول لدى كل التيارات الإسلامية في الكويت على مختلف فصائلها. رشحته سمعته الطيبة وجهوده الخيرية لأن يحظى بموقع المسؤولية وعضوية العديد من مجالس إدارات العديد من المنظمات الخيرية والجامعات الإسلامية والبنوك والهيئات الطوعية، مثل جمعية الهلال الأحمر الكويتية، وجامعات أوغندا والنيجر وإسلام آباد، وبنك دبي الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد فى رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها... وقد عرف عن الحجي أنه لا يتأخر عن دعوة يتلقاها من هذه المنظمات أو تلك للمشاركة في مناقشة هموم الأمة والتحديات التي تواجهها، كما أن بضاعته لا تقتصر على الكلام؛ فهو دائمًا يمتلك أجندة عملية، ربما مبعث ذلك طبيعته الخيرة وكونه يمتلك قرار مؤسستين خيريتين هما الهيئة واللجنة المشتركة أو لقبوله لدى الأوساط الرسمية والشعبية وسائر الجمعيات الخيرية في الكويت. ترأس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي أسست في الكويت عام 1404هـ – 1984م، واختير بالإجماع رئيسًا لمجلس إدارتها منذ التأسيس حتى الآن، وهي تُعَد من كبرى الهيئات الخيرية فى العالم الإسلامي، وأمام كثرة اللجان والمؤسسات الخيرية وتنوعها في الكويت دعت الحاجة إلى تأسيس لجنة للتنسيق بين جهود هذه اللجان في ظل نظام أساسي أعد لها؛ فكانت اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة التي أسست بتاريخ 19 سبتمبر 1987، واختير الحجي رئيسًا لها بإجماع رموز الكويت في الحقل الخيري. القرضاوي أول الداعين للهيئة الشيخ يوسف يتوسط اجتماع الجمعية العامة للهيئة الخيرية الاسلامية" وعَبْر جهود رئيسها احتلت الهيئة الخيرية مكانة متميزة في الكويت على المستويين الحكومي والشعبي، وهي عالمية التأسيس والإنفاق والتمويل؛ ولهذا تلقى الدعم المتواصل محليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وفي هذا الصدد يقول الحجي: لقد احتضنت نخبة من مفكري وعلماء الأمة فكرة إنشاء هيئة خيرية عالمية بعد أن نادى الدكتور يوسف القرضاوي في مؤتمر للمصارف الإسلامية عقد على أرض الكويت بضرورة جمع مبلغ مليار دولار لدعم المسلمين ضد ثالوث الخطر: الفقر والجهل والمرض، من خلال هذه الهيئة، ردًّا على جمع النصارى للمبلغ نفسه في مؤتمر كلورادو الشهير للإنفاق على الأنشطة التنصيرية، ومن خصوصيتها أنها المؤسسة الخيرية الوحيدة في الكويت التي صدر بشأن تأسيسها مرسوم أميري (حمل رقم 64 – 1986). وتقوم فكرة الهيئة على جمع التبرعات واستثمارها والإنفاق على المسلمين من عائد الاستثمار، ومنذ إنشائها بدأ نشاطها كما ينص نظامها الأساسي في مساعدة الفقراء ومحاربة الجهل المستشري بين كثير من أبناء المسلمين في العالم، والسعي إلى التخفيف عمن يتعرضون إلى النكبات الطارئة والكوارث المفاجئة، وتضم الهيئة عددًا من اللجان مثل لجنة "مسلمي آسيا" ولجنة "فلسطين الخيرية" ولجنة "ساعد أخاك المسلم" ذات النشاط النسائي، ولجنة "الشروق" التي تعنى بالشباب وطلاب العلم، وتلك اللجان تعمل في العديد من الدول الإسلامية مثل بنجلاديش والصومال والسودان ولبنان وفلسطين والهند ودول أفريقية وأوروبية كثيرة، ولها آلاف المشاريع الخيرية المتنوعة التي تديرها. واللافت للنظر أن الهيئة حققت طفرة نوعية في مجال العمل الخيري المؤسسي التنموي، مدركة لطبيعة الواقع والصعوبات التي تواجه الدول الإسلامية الفقيرة، وقد غطت مشاريعها في المسار التنموي العالم الإسلامي وأماكن تواجد الأقليات المسلمة؛ فقد دشنت مئات المساجد والمراكز الإسلامية والآبار والمدارس والمشاريع الصحية المتنوعة، والمراكز المهنية والتعليمية، ومراكز تحفيظ القرآن، ودور رعاية الأيتام، وكفالة المدرسين والدعاة وأساتذة الجامعات. واستطاع الشيخ الحجي ربط الهيئة مع عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية لقطاع المجتمع المدني واتحاد المنظمات الأهلية العربية والهلال الأحمر والصليب الأحمر والمفوضية العليا للشؤون اللاجئين، وحصلت الهيئة بفضل جهوده وسياسته المدروسة على عضوية في منظمة الأمم المتحدة، هذا فضلا عن تنسيقها مع العديد من المنظمات الإقليمية مثل الأسيسكو، والمجلس الإسلامي للدعوة والإغاثة، وهو مثال للرجل المتطور غير التقليدي؛ حيث يعشق روح الإبداع والتطوير، والحرص على متابعة العمل الخيري على المستوى العالمي؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن ينشأ بالهيئة مركزًا للدراسات والأبحاث الخيرية لرصد، ومتابعة كل جديد على ساحة العمل الخيري الذي أصبح له مدارسه وفنونه وأساليبه الخاصة. إغاثة المنكوبين وجاء تشكيل اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة برئاسة الحجي على إثر رغبة من بيت الزكاة الكويتي بعد الفيضانات العارمة التي ضربت بنجلاديش فى أواخر الثمانينيات، وأسفرت عن تشريد أكثر من 30 مليون مسلم، وتدمير محاصيلهم الزراعية ومئات الآلاف من المساكن، وانتشار الأمراض والأوبئة والمجاعات التي كان طبيعيًّا أن ينتج عنها آلاف الوفيات؛ ولهذا تنادت آنذاك الهيئات والجمعيات الخيرية فى الكويت بشقيها الرسمي والشعبي بما تضم في عضويتها من وزارة الأوقاف والأمانة العامة للأوقاف وبيت الزكاة لدراسة الأمر والتنسيق فيما بينها لمواجهة الخطب وتقديم العون اللازم للمنكوبين من خلال العمل الجماعي المنظم والمشترك، وانبثق عن هذه اللجنة فرق عمل ولجان متخصصة مثل اللجنة الإعلامية واللجنة الطبية ولجنة المهندسين المتخصصة في إقامة البيوت. وقد أدت اللجنة دورًا فاعلا في المناطق المنكوبة مثل البوسنة والهرسك والصومال ولبنان وبنجلاديش والسودان، وتجسد اللجنة نموذجًا متميزًا للعمل الخيري الإسلامي؛ حيث لا تتوانى عن نداء الأخوة الإسلامية والواجب الإنساني، وقد بدا ذ لك في المساعدات السخية التي قدمتها للشعب العراقي أثناء الحرب الأنجلو - أمريكية على العراق بالتنسيق مع مركز العمليات الإنسانية التي أنشأته الكويت، وما زالت قوافلها الإغاثية والطبية والحاملة للأدوات التعليمية والحقائب المدرسية تتوالى على العراق، كما شهدت حالة من الاستنفار للجانها حين وصلتها أنباء عن الفيضانات التي ضربت السودان مؤخرًا، فخصصت 100 ألف دولار دفعة مبدئية لإغاثة المنكوبين، وأوفدت مندوبًا عنها لتقدير حجم الأضرار والخسائر على أرض الواقع؛ لاستمرار دورها في تخفيف المعاناة التي لحقت بالسودانيين. معًا لا يعود السائل إلى السؤال ويؤكد يوسف الحجي لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الهيئة لا تنفق من أموال الصدقات، بل من عوائد استثماراتها، وبهذا يبقى التبرع للهيئة صدقة جارية أصلها ثابت ويبقى عائده كل عام موردًا جديدًا يخدم المسلمين في كل أنحاء العالم، وإضافة إلى ذلك نجحت الهيئة في جعل نظام الوقفيات معلمًا بارزًا في أنشطة كل اللجان الخيرية، ومن الوقفيات التي تطرحها الهيئة: وقفية أعطه فأسًا ليحتطب، وقفية اليتيم، وقفية وفاء لوالديك، وقفية الألف ألف وغيرها، كما تنفذ مشروع إفطار الصائم في العديد من الأقطار الإسلامية. وحول سياسة الهيئة في مجال جمع الزكوات قال: إنها تعتمد على رغبة المزكي في تحديد مكان إنفاق زكاته، سواء في داخل الكويت أو خارجها. وفي هذا الجانب تقدم الهيئة المساعدات للأسر المحتاجة للزكاة والحالات المرضية المستعصية وبعض الطلبة المحتاجين، وجميع الفئات التي يعوزها الدعم والغوث والإعانة، وبهذا تسعى الهيئة إلى تحقيق شعارها المتمثل في "معًا لا يعود السائل إلى السؤال"، وقد تحول هذا الشعار إلى مشاريع إنتاجية أطلقت الهيئة عليها مسمى التمكين، وهذه المشاريع في جلها ذات طابع تدريبي وتأهيلي، يعود بالفائدة على الفقير والمحتاج، ويحول السائل إلى عنصر منتج وفعّال في مجتمعه ووطنه من خلال تعليمه حرفة أو تدريبه على مهنة أو تمليكه مشروعًا إنتاجيًّا صغيرًا زراعيًّا أو حيوانيًّا أو مهنيًّا حتى يعول نفسه وأسرته دون الحاجة إلى ذل السؤال وما يتبعها من صد ونهر ورد، وبهذه المشاريع التمكينية الإنتاجية أسهمت الهيئة في حركة التنمية المجتمعية بالأقطار الإسلامية، وأعادت البسمة إلى وجوه آلاف اليتامى والأرامل والمعذبين، وساندت كثيرًا من الحكومات الإسلامية في إنشاء مثل هذه المشاريع الحرفية والتنموية.. وينفي أن تكون الهيئة قد تأثرت ماليًّا بفعل الحملة على المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مؤكدًا أن قناعات الناس بأهمية دعم العمل الخيري قد تنامت، وهذا مرده إلى أن المتبرع لم يلتفت إلى هذه الاتهامات، خاصة أننا نتواصل معه بتقارير دورية ومشاريع إعلامية تبين حجم المشاريع الخيرية التي تنتجها الهيئة في المجالات المختلفة، ولغة الأرقام التي نوافي بها المتبرعين تعطيه الدافعية والارتباط بالعمل الخيري وتعطينا الاستمرارية. ويرى الحجي أن خدمة الفئات الضعيفة في المجتمع الإسلامي ليست عملا كريمًا وحسب، بل هي عبادة إسلامية تصل إلى حد الفريضة على الإنسان القادر عليها؛ حتى يتم إغلاق كل ثغرات الضعف في الجسد الإسلامي، والارتقاء بالضعفاء والمتضررين من أبناء المسلمين إلى مستوى إنساني لائق وكريم. العم أبو يعقوب لقد حفلت حياة الحجي بكل أشكال العمل الخيري؛ حتى أسماه البعض "إمام العمل الخيري بالكويت وقدوة الخيرين"، ووسمه آخرون بأنه مجدد في مجال الدعوة في شقها الخيري، ويعرف بين موظفي الهيئة وأبناء المجتمع الكويتي بالعم يوسف الحجي أو العم "أبو يعقوب" تقديرًا واحترامًا لمكانته والدور الذي يؤديه في الحقل الخيري، وذلك لقب أو كنية تنادى به الشخصيات المرموقة مجتمعيًّا جريًا على عادة أهل الخليج، وفي حياته ومسيرته الكثير من المواقف المشهودة. قبل أن يصبح أحد فرسان العمل الخيري، كان طبيبا متخصصا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، لم يكن طبيبا عاديا، بل طبيبا فوق العادة، إذ بعد أن ينتهي من عمله المهني، كان يتفقد أحوال المرضى، في أجنحة مستشفى الصباح (أشهر مستشفيات الكويت)، ويسألهم عن ظروفهم وأحوالهم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية، ويسعى في قضاء حوائجهم، ويطمئنهم على حالاتهم الصحية. واستمرت معه عادته وحرصه على الوقوف إلى جانب المعوزين وأصحاب الحاجة، حينما شعر صاحبها بخطر المجاعة يهدد المسلمين في أفريقيا، وأدرك خطورة حملات التنصير التي تجتاح صفوف فقرائهم في أدغال القارة السوداء، وعلى إثر ذلك آثر أن يترك عمله الطبي طواعية، ليجسد مشروعا خيريا رائدا في مواجهة غول الفقر وخطر التنصير، واستقطب معه فريقا من المخلصين، الذين انخرطوا في تدشين هذا المشروع الإنساني، الذي تتمثل معالمه في مداواة المرضى، وتضميد جراح المنكوبين، ومواساة الفقراء والمحتاجين، والمسح على رأس اليتيم، وإطعام الجائعين، وإغاثة الملهوفين. مولده ونشأته ولد د. عبد الرحمن حمود السميط رئيس مجلس إدارة جمعية العون المباشر (مسلمي أفريقيا سابقا) في الكويت عام 1947م، ويحكي المقربون منه أن د. السميط بدأ العمل الخيري وأعمال البر منذ صغره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فقاموا بجمع مبلغ من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة، وكان يقوم أحد أفراد المجموعة بعد انتهاء دوامه بنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم دون مقابل. تخرج في جامعة بغداد بعد أن حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، وفي الجامعة كان يخصص الجزء الأكبر من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية قدرها 42 دينارًا كان لا يأكل إلا وجبة واحدة وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبرا ذلك نوعا من الرفاهية. حصل على دبلوم أمراض مناطق حارة من جامعة ليفربول عام 1974م، واستكمل دراساته العليا في جامعة ماكجل الكندية متخصصًا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، وأثناء دراساته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارًا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات ويقوم بتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا وغير ذلك من أعمال البر والتقوى. حياة حافلة بالإنجازات عمل إخصائيا في مستشفى الصباح في الفترة من 1980 – 1983م، ونشر العديد من الأبحاث العلمية والطبية في مجال القولون والفحص بالمنظار لأورام السرطان، كما أصدر أربعة كتب هي: لبيك أفريقيا، دمعة على أفريقيا، رسالة إلى ولدي، العرب والمسلمون في مدغشقر، بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة، تولى منصب أمين عام جمعية مسلمي أفريقيا عام 1981م، وما زال على رأس الجمعية بعد أن تغير اسمها إلى جمعية العون المباشر في 1999م. شارك في تأسيس ورئاسة جمعية الأطباء المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا 1976م. كما شارك في تأسيس فروع جمعية الطلبة المسلمين في مونتريال 1974- 1976، ولجنة مسلمي ملاوي في الكويت عام 1980م، واللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة 1987م، وهو عضو مؤسس في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، وعضو مؤسس في المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، وعضو في جمعية النجاة الخيرية الكويتية، وعضو جمعية الهلال الأحمر الكويتي، ورئيس تحرير مجلة الكوثر المتخصصة في الشأن الأفريقي، وعضو مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، وعضو مجلس أمناء جامعة العلوم والتكنولوجيا في اليمن، ورئيس مجلس إدارة كلية التربية في زنجبار ورئيس مجلس إدارة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في كينيا. نال السميط عددا من الأوسمة والجوائز والدروع والشهادات التقديرية، مكافأة له على جهوده في الأعمال الخيرية، ومن أرفع هذه الجوائز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، والتي تبرع بمكافأتها (750 ألف ريال سعودي) لتكون نواة للوقف التعليمي لأبناء أفريقيا، ومن عائد هذا الوقف تلقت أعداد كبيرة من أبناء أفريقيا تعليمها في الجامعات المختلفة. الخير في قارة تحتاج إليه تركز جل نشاط السميط من خلال لجنة مسلمي أفريقيا بعد أن وضعت أجندة خيرية تنطلق في مسارات عدة منها: من أجل أن تمسح دمعة يتيم مسلم، من أجل رعاية قرية مسلمة تعليميا أو صحيا أو اجتماعيا، من أجل حفر أو صيانة بئر مياه للشرب، من أجل بناء أو صيانة مدرسة، من أجل رعاية الآلاف من المتشردين، من أجل مواجهة الخطر التنصيري الزاحف، من أجل استمرارية العمل الخيري الإسلامي. وكان اهتمامه بأفريقيا بعد أن أكدت دراسات ميدانية للجنة أن ملايين المسلمين في القارة السوداء لا يعرفون عن الإسلام إلا خرافات وأساطير لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فغالبيتهم –خاصة أطفالهم في المدارس– عرضة لخطر التنصير، وقد نتج عن ذلك أن عشرات الآلاف في تنزانيا وملاوي ومدغشقر وجنوب السودان وكينيا والنيجر وغيرها من الدول الأفريقية صاروا ينتسبون إلى النصرانية، بينما آباؤهم وأمهاتهم من المسلمين. قصة دخوله أفريقيا والسميط من المؤمنين بأن الإسلام سبق جميع النظريات والحضارات والمدنيات في العمل التطوعي الاجتماعي والإنساني، وتعود قصة ولعه بالعمل في أفريقيا حين عاد إلى الكويت في أعقاب استكمال دراساته العليا، حيث كان مسكونا بطاقة خيرية هائلة أراد تفجيرها فذهب إلى وزارة الأوقاف وعرض على المسئولين رغبته في التطوع للمشاركة في الأعمال الخيرية، غير أن البيروقراطية الرسمية كادت أن تحبطه وتقتل حماسه، لكن الله شاء له أن يسافر إلى أفريقيا لبناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في ملاوي، فيرى ملايين البشر يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، ويشاهد وقوع المسلمين تحت وطأة المنصرين الذين يقدمون إليهم الفتات والتعليم لأبنائهم في مدارسهم التنصيرية، ومن ثم فقد وقع حب هذه البقعة في قلبه ووجدانه وسيطرت على تفكيره. وكان أكثر ما يؤثر في السميط إلى حد البكاء حينما يذهب إلى منطقة ويدخل بعض أبنائها في الإسلام ثم يصرخون ويبكون على آبائهم وأمهاتهم الذين ماتوا على غير الإسلام، وهم يسألون: أين أنتم يا مسلمون؟ ولماذا تأخرتم عنا كل هذه السنين؟ كانت هذه الكلمات تجعله يبكي بمرارة، ويشعر بجزء من المسئولية تجاه هؤلاء الذين ماتوا على الكفر. تعرض في أفريقيا للاغتيال مرات عديدة من قبل المليشيات المسلحة بسبب حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين، كما حاصرته أفعى الكوبرا في موزمبيق وكينيا وملاوي غير مرة لكن الله نجاه. التنصير أبرز التحديات وعن أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في أفريقيا يقول الدكتور عبد الرحمن: ما زال التنصير هو سيد الموقف، مشيرا إلى ما ذكره د. دافيد بارت خبير الإحصاء في العمل التنصيري بالولايات المتحدة من أن عدد المنصرين العاملين الآن في هيئات ولجان تنصيرية يزيدون على أكثر من 51 مليون منصر، ويبلغ عدد الطوائف النصرانية في العالم اليوم 35 ألف طائفة، ويملك العاملون في هذا المجال 365 ألف جهاز كمبيوتر لمتابعة الأعمال التي تقدمها الهيئات التنصيرية ولجانها العاملة، ويملكون أسطولا جويا لا يقل عن 360 طائرة تحمل المعونات والمواد التي يوزعونها والكتب التي تطير إلى مختلف أرجاء المعمورة بمعدل طائرة كل أربع دقائق على مدار الساعة، ويبلغ عدد الإذاعات التي يملكونها وتبث برامجها يوميا أكثر من 4050 إذاعة وتليفزيون، وأن حجم الأموال التي جمعت العام الماضي لأغراض الكنيسة تزيد على 300 مليار دولار، وحظ أفريقيا من النشاط التنصيري هو الأوفر... ومن أمثلة تبرعات غير المسلمين للنشاط التنصي ري كما يرصدها د. السميط أن تبرعات صاحب شركة مايكروسوفت بلغت في عام واحد تقريبا مليار دولار، ورجل أعمال هولندي تبرع بمبلغ 114 مليون دولار دفعة واحدة وقيل بأن هذا المبلغ كان كل ما يملكه، وفي أحد الاحتفالات التي أقامها أحد داعمي العمل التنصيري في نيويورك قرر أن يوزع نسخة من الإنجيل على كل بيت في العالم وكانت تكلفة فكرته 300 مليون دولار حتى ينفذها، ولم تمر ليلة واحدة حتى كان حصيلة ما جمعه أكثر من 41 مليون دولار. حصيلة مشاريع العون المباشر وكانت حصيلة المشاريع التي نفذت في أفريقيا -كما يذكر د. السميط- حتى أواخر عام 2002م: بناء 1200 مسجد، دفع رواتب 3288 داعية ومعلما شهريا، رعاية 9500 يتيم، حفر 2750 بئرا ارتوازية ومئات الآبار السطحية في مناطق الجفاف التي يسكنها المسلمون، بناء 124 مستشفى ومستوصفا، توزيع 160 ألف طن من الأغذية والأدوية والملابس، توزيع أكثر من 51 مليون نسخة من المصحف، طبع وتوزيع 605 ملايين كتيب إسلامي بلغات أفريقية مختلفة، بناء وتشغيل 102 مركز إسلامي متكامل، عقد 1450 دورة للمعلمين وأئمة المساجد، دفع رسوم الدراسة عن 95 ألف طالب مسلم فقير، تنفيذ وتسيير عدة مشاريع زراعية على مساحة 10 ملايين متر مربع، بناء وتشغيل 200 مركز لتدريب النساء، تنفيذ عدد من السدود المائية في مناطق الجفاف، إقامة عدد من المخيمات الطبية ومخيمات العيون للمحتاجين مجانا للتخفيف على الموارد الصحية القليلة في إطار برنامج مكافحة العمى، تقديم أكثر من 200 منحة دراسية للدراسات العليا في الدول الغربية (تخصصات طب، هندسة، تكنولوجيا). وما زالت الطموحات مستمرة وأشار إلى أن طموحات جمعية العون المباشر في أفريقيا لا تتوقف عند حد معين؛ فالجهود مستمرة لإعداد الدراسات اللازمة لإنشاء كلية لتدريب المعلمين في ملاوي؛ لأن الحاجة هناك ماسة جدا لتخريج معلمين مسلمين، فرغم أن المسلمين يشكلون 50% من عدد السكان فإن عدد المدرسين المسلمين المؤهلين لا يزيد على 40 مدرسا، فضلا عن أن الدولة تفقد سنويا ما بين 12% - 13% من العاملين في التدريس بسبب مرض الإيدز المنتشر، والاستقالات والموت الطبيعي، ويبلغ تعداد المدرسين المفقودين سنويا قرابة تسعة آلاف مدرس من أصل 90 ألفا هم مجموع المدرسين العاملين في ملاوي؛ وهو ما تسبب في خلق فجوة كبيرة وعجز واضح في المدرسين المسلمين، وبالتالي فهذا الظرف فرصة كبيرة في سد هذا الفراغ التربوي بالمعلمين المسلمين، هذا بالإضافة إلى إنشاء محطات إذاعية للقرآن الكريم، بدأت بإنشاء محطة في جمهورية توجو وهناك مائة محطة يجري العمل في مراحل تنفيذها المختلفة بمناطق مختلفة من أفريقيا، وتبلغ تكلفة المحطة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي، تتضمن المعدات اللازمة ومصاريف التشغيل عاما كاملا. ولم تؤثر حملة ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب -في تقدير د. السميط- على العمل الخيري في أفريقيا مقارنة بالضغوط التي مورست على الهيئات الخيرية العاملة في جنوب شرق آسيا خاصة في أفغانستان وباكستان والجمهوريات الإسلامية المستقلة، يقول: "الضغوط التي تمارس ضد العمل الخيري ومنظماته هي جزء من مخطط كبير ضد الإسلام والمسلمين، ويجب أن نعمل ولا نتأثر بهذه الحملات، المهم أن نعمل عملا مدروسا ومؤسسيا، له كوادره ومتخصصوه، وقد دعوت جامعة الكويت والجامعات الخليجية إلى تدريس مادة إدارة العمل الخيري إلى أبنائنا لسد العجز في الكوادر المتخصصة التي تحتاجها الجمعيات الخيرية، خاصة أنها في حاجة ماسة إلى أفراد مدربين ومعدين إعدادا جيدا، يمكنهم الولوج في العمل الإداري على أسسه العلمية الصحيحة". زكاة أثرياء المسلمين ويرى د. السميط أن زكاة أموال أثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم؛ إذ يبلغ حجم الأموال المستثمرة داخل وخارج البلاد العربية 2275 مليار دولار أمريكي، ولو أخرج هؤلاء الأغنياء الزكاة عن أموالهم لبلغت 56.875 مليار دولار، ولو افترضنا أن عدد فقراء المسلمين في العالم كله يبلغ 250 مليون فقير لكان نصيب كل فقير منهم 227 دولارا، وهو مبلغ كاف لبدء الفقير في عمل منتج يمكن أن يعيش على دخله. وبعد أن وضعت الحرب الأنجلو-أمريكية أوزارها ضد العراق قام السميط بمهمة خيرية لإعانة الشعب العراقي، وكانت جمعية العون المباشر قد خصصت مليوني دولار لدعم الطلاب العراقيين الفقراء وإغاثة الأسر المتعففة، وفي تلك الأثناء تعرض رئيس الجمعية إلى حادث مروري في منطقة الكوت (160 كيلومترًا غرب بغداد) بعد أن اصطدمت السيارة التي كانت تقله ومرافقيه بشاحنة، توقفت فجأة؛ وهو ما أسفر عن إصابته بكسور وجروح متفرقة عولج خلالها في أحد مستشفيات الكوت ثم نقل إلى مستشفى الرازي بالكويت لاستكمال علاجه. لابد أن أقدم فأقول أن ما أكتبه ليس سوى طرف من مسامرات وحكاوي جمعتني بهذا الرجل، وربما ساعدت في فك شفرة الغموض الذي اكتنف مواقف الرجل وآراءه التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. وإذا وصفت الشيخ أحمد الكبيسي فإنه طويل القامة خفيف الظل مبتسم ضاحك معظم الوقت، صموت إذا لزم الصمت، متكلم لبق ومحدث مفوه حين يحين وقت الكلام، تحب النظر إليه وإلى لحيته البيضاء وتحب أكثر الاستماع لحديثه الشجي ومسامراته الممتعة ومساجلاته القوية واجتهاداته الجديدة والمبتكرة القادرة دوما على إثارة دهشة متابعيه. هذا هو الشيخ الكبيسي ابن الأنبار الأزهري عاشق القاهرة وقاطن بغداد ومحاضر دبي، وهو عراقي الجنسية عربي اللسان عالمي الانتماء، وفي هذه الكلمات العينية الثلاث يمكن أن نجمل الرأي في هذا الرجل. هو عراقي، يفيض بالشعر وبالقدرة على المحاورة وبالعلم، فقد ولد بالكبيسة في العراق عام 1934 وهي قرية من قرى الأنبار تعد آخر قرى العراق قبل بادية الشام، ثم انتقل إلى الفلوجة بالعراق لتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي ثم رحل لمصر ليكمل تعليمه العالي بالأزهر الشريف الذي حصل منه بعد ذلك على الدكتوراه عام 1970 . وهو عربي، فقد عشق اللغة العربية منذ الصغر وحفظ القرآن وهو في العاشرة وقرأ أمهات كتب اللغة من ألفية ابن مالك إلى شرح السيوطي إلى المغني في صباه الباكر. وهو يقضي معظم وقت دراسته في قراءة القرآن وتدبر معانيه، والكثير من اجتهاداته الفقهية مبنية على التفسير اللغوي للقرآن متأسيًا في ذلك بالعلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعرواي والذي يقدره الكبيسي كثيرًا. وقد تولى الكبيسي عددا من المناصب العلمية في كثير من الجامعات والأكاديميات الإسلامية منها رئاسة قسم الشريعة في كلية الحقوق بجامعة بغداد، وقسم الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية ببغداد، وقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات (وهو أحد مؤسسيها)، كما اختير عضوا بالمجلس الأعلى في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وللشيخ الكبيسي ما يقارب الثلاثين إصدارًا من مؤلفات وأبحاث منشورة في شتى المجالات من أهمها: المرأة والسياسة في صدر الإسلام، وفلسفة نظام الأسرة في الإسلام، والأحوال الشخصية في الفقه والقضاء والقانون ( جزآن)، وأحكام جناية السرقة في الفقه والقانون، والفقه الجنائي الإسلامي، وأحسن القصص في القرآن الكريم، والقضاء في الإسلام، وفي رحاب القرآن، والغبن والتغرير في عقد البيع، والتركة: تكوينها ومدى تعلق الحقوق بها. وهو عالمي الرؤية، يعرف عصره جيدًا وتنقل بين أرجاء المعمورة فدرس في القاهرة، ودرًس في دبي، وحاضر في عمان، ومثله مثل الشيخ الشعراوي، يستفيد كثيرًا من ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، فهو وجه معروف لكل مشاهدي الفضائيات، وهو ضيف دائم على برامج قنوات فضائية كثيرة مثل: اقرأ (منبر الشباب، والمنبر الحر)، ودبي الفضائية (أحسن القصص، تفسير القرآن)، والجزيرة (الشريعة والحياة) وغيرها من برامج أخري مثل:نحو فهم جديد للقرآن الكريم، والكلمة وأخواتها،والمرأة في القرآن،وفيها كتب قيمة، وآية تبحث عن معنى،والنبأ العظيم، واتقوا النار..وعبر هذه القنوات ومن خلال هذه البرامج التقيت الشيخ الكبيسي وكان لقاؤنا حافلا بالقصص والمسامرات والنوادر والكثير منها مهم ومفيد ومن خلاله ربما نستطيع أن نسبر أكثر غور هذه الشخصية العميقة. اللقاء الأول..على الهواء والمقاهي! كان لقاؤنا الشخصي الأول في عمان عام 1998، وكنا في ضيافة الأصدقاء د. ماهر أبو الحمص، والأستاذ هاشم الكفاوين، والأستاذ عماد الدين الخطيب وباقي أسرة برنامج " منبر الشباب" ومقدمه د. محمود الرشدان، وبرنامج "المنبر الحر"، ومقدمه د. وليد سيف، كنا مجموعة من الضيوف من مختلف أرجاء الوطن العربي الكبير في ضيافة أسرة "سجى" ـ الشركة التي تنتج البرنامجين الناجحين ـ.وأذكر من الضيوف: خالد الحروب من فلسطين، وصلاح الدين الجورشي ود. أحمد النيفر من تونس، ومجموعة من الشباب الأردني الكريم منهم محمد عربيات وعلي كفاوين، وآخرين ربما نستهم الذاكرة وإن لم ينسهم القلب. كانت المجموعة تلتقي في الصباح حول إفطار عامر في الفندق وتبدأ المناقشات في شتى الموضوعات: سياسية، دينية، شعر، فن، ودائمًا كان الشيخ الكبيسي نجم هذه المسامرات. في سيارة علي كفاوين التي تنقلنا إلى الأستوديو، أدار علي شريط كاسيت، انساب صوت ماجدة الرومي يتغنى بكلمات نزار قباني، سألت الشيخ عن رأيه في نزار؟ قال: نزار شاعر كبير وعظيم وشعره جميل والمغنون يا أخي يفسدونه ولكن ليس ماجدة ولا أم كلثوم. أخبرني الشيخ أنه من عشاق أم كلثوم وعبد الوهاب، تدخل علي الكفاوين سائلا عن حكم الغناء، فضحك الشيخ وتعجب من السؤال ونحن نسمع ماجدة الرومي!! الشيخ الكبيسي يبحث دائمًا عن التيسير والتبشير، حكى لنا ذات مرة أنه كان يستمع لمحاضرة اكتظت بالوعيد والتهديد والويل والثبور والترهيب، وبعد انتهائها قال الشيخ للمحاضر: والله ذكرتنا يا أخي بالحديث القائل: "عسروا ولا تيسروا" فقاطعه المحاضر قائلا: لا.. الحديث يقول: "يسروا ولا تعسروا"، فضحك الشيخ فقال: إذن يا أخي، لماذا لا تعمل به؟!. المعركة مع سلطة.. الثقافة المهيمنة وسأله سائل في مداخلة تليفونية عندما استضافه ماهر عبد الله في برنامج الشريعة والحياة عن رغبته الدائمة في التيسير واستخدامه للمنطق والرأي للتعبير عن الدين واستنكر منطقه قائلا: "كأن هذا الدين ما فيه تشدد وإنما كله رخص!" فرد عليه الكبيسي: "يا أخي أنا أكفيك شر هذا.. والله ـ إن شاء الله ـ لن أموت وألقى الله وقد قلت في الإسلام رأيًا!!.. أنا أتحدى بكل إكرام وإعزاز وأجيب( أستحضر) لك خمسين نصا على ما قلت.. إنما أريد أن أقتحم هذه العقول التي أرهبت المسلمين!!" فالكبيسي يريد تحدي سلطة الثقافة المهيمنة والتي يعتقد الناس أنها مقدسة، لا تحدي سلطة النهي في النص، وما يفعله دائمًا هو إعادة الاحترام للنص المقدس ونزع القداسة عن صنم الثقافة المهيمنة وتحطيم هذا الصنم. إنه يريد كل واحد منا أن يقول: "هذا فهمي للقرآن والحديث ولا أجبر أحدًا على هذا الفهم". لا أن يقول عن رأيه: "هذا هو القرآن والشرع ومن خالفه فهو خارج عنه". إنه يؤكد دائمًا أن النصوص هي الأساس الملزم، ورأي الفقهاء من السلف الصالح أساس أيضًا ولكنه غير ملزم؛ لأنهم اختلفوا وفي خلافهم حياة ورحمة للبشر!! إعادة الاعتبار للـ"اختلاف"! الكبيسي يعيد للاختلاف وقبول الآخر أهميته الأساسية كحجر زاوية في الفهم الإسلامي. وهو يؤكد دائمًا في لقاءاته التليفزيونية ومحاضراته العلمية ومسامراته على المقهى مع الأصدقاء أن "الإجماع خرافة". يرفض أن تبدأ كلامك قائلاً: "اتفق العلماء"... يقول: "كيف يتفقون يا أخي، هل جمعتهم أو سمعت رأي كل واحد منهم؟" الإجماع مستحيل! والصواب في رأي الكبيسي أن نقول إن رأي الثلاثة أفضل من رأي الاثنين وهكذا، لكن دعونا دائمًا نترك مساحة للاختلاف وقبول الآخر!! وحين يختلف الكبيسي يدعم رأيه بنصوص القرآن والأحاديث الصحيحة ويبني عليها منطلقًا منها، مجتهدًا في ضوئها. مثلا يرى الكبيسي أن الأصل في الإسلام هو عدم الفصل بين الرجل والمرأة، وأن فكرة الفصل غير إسلامية، وإنما فرضت فرضًا بفعل التاريخ والمجتمع!! ويرى الكبيسي أن الحجاب هو الفصل بين الرجل والمرأة، وأن زي المرأة الذي نسميه "الحجاب" هو "زي شرعي" مثله مثل أي زي لا يبدي من المرأة مفاتنها ولا يظهر منها إلا الكفين والوجه، وأن الحجاب ـ أي الساتر الذي يفصل بين الرجل والمرأة ـ فرض على أمهات المؤمنين فقط. الكبيسي يرجع رأيه دائمًا للقرآن والسنة ويؤيده بال أحاديث والآيات البينات ويقبل الخلاف ورؤية العلماء الآخرين بوصفها رحمة ولكنه يطالبهم بقبول رأي الآخر كذلك. يرى الكبيسي أن كبت المرأة وقهرها وضربها باسم الدين هو "الوأد المعنوي" الذي ظهر عند المسلمين نتيجة لعهود من القهر والتراجع أثرت على تعامل الرجل "المقهور" مع المرأة "المقهورة" كذلك ويطالبنا الكبيسي بأن ننفض هذه العهود عن أكتافنا!! وهو يعتمد في رؤيته لفكرة الحجاب بوصفها الفصل بين الرجل والمرأة على التفسير اللغوي الذي يستخدمه كثيرًا في فهم القرآن. وهي جرأة محمودة واجتهاد مطلوب لكن تلك صفات غير مستغربة في شيخنا الجليل الذي سافر للقاهرة في الخمسينيات طالبًا العلم في الأزهر ولم يكن في جيبه- كما قال لي وسط مقاهي عمان التي كانت تجمع صحبة المسامرات- سوى " ثلاثة جنيهات فقط"!. استنساخ يأجوج ومأجوج في برنامج "نبوءات" الذي كان يقدمه في قناة أبو ظبي الفضائية صلاح الجورشي؛ قدم الكبيسي رؤية جديدة لموضوع "الاستنساخ" وتفسيرًا لغويًّا لقصة يأجوج ومأجوج في القرآن.فقد بين أن ذكر يأجوج ومأجوج جاء مرتين في القرآن، الأولى مع ذكر السد وذي القرنين، والثانية عند الحديث عن ظهورهم في آخر الزمان، ويرى الشيخ الكبيسي أن ما يربط المرتين هو صفة يأجوج ومأجوج أي الإفساد في الأرض ومن ثم ليس بالضرورة أنهما نفس القوم. وهو يرى أنه ربما كان الاستنساخ هو الوسيلة التي ستؤدي لظهور المفسدين الجدد في الأرض آخر الزمان!! تفسير جديد ورؤية جريئة تستحق منا التأمل والتدبر حيث يرى معظم المفسرين أن يأجوج ومأجوج هم قوم محددون بذاتهم؛ أي عرق مفسد في الأرض، بينما يقدم لنا الكبيسي صوتًا جديدًا يرى أن يأجوج ومأجوج الذين وضع لهم السد هم قوم مفسدون في الأرض وهم من الأمم الغابرة!! أما يأجوج ومأجوج الذين سيأتون مستقبلا فهم -في تفسيره- قوم مفسدون قد يظهرون نتيجة الاستنساخ. هي فكرة نجد مشابهًا لها في قصص الخيال العلمي وأفلام الخيال العلمي وأيضًا الكتابات المستقبلية للعديد من المفكرين والفلاسفة، فكرة نجدها عند "ألدوس هكسلي" في "عالم جديد جميل Brave new world"، وجورج "أورويل 1984" وقدمها "وودي الآن" سينمائيا في فيلم "النائم"!! إنها فكرة صناعة نموذج بشري (محدد سوي قويم) سواء كانت الصناعة تأتي عبر البيولوجيا (الاستنساخ) أو تأتي عبر الهندسة الاجتماعية (النظريات العرقية المتطرفة كالنازية وغيرها). فكرة إنهاء الاختلاف والقضاء على تدافع البشر. تلك الفكرة الكابوسية التي يرفضها الكبيسي ويراها "أم الكبائر". وأساس صناعة الخوف. مع أمريكا..هل ناقض الشيخ نفسه؟ وفي جرأة معروفة عنه قال الكبيسي في حديث له كان قد أجراه معه إمام الليثي مراسل إسلام أون لاين في بغداد: "نريد الآن حياة مدنية، لا تسألني عن الحل الإسلامي الآن" وقال "نعم سنتعامل مع أمريكا الآن" كان هذا بعد سقوط بغداد بينما كان الكبيسي نفسه قد قال في حوار حي معه قبل الغزو الأمريكي للعراق إن الجهاد ضد الغزو الأمريكي فرض، وحذر أي بلد إسلامي من الوقوف مع الغزو قائلاً: "لا شك أن كل من يقف مع أمريكا وإسرائيل ضد أي بلد أو شخص مسلم يعتبر مرتدًّا من وجهة النظر الإسلامية"!!. رأى البعض في هذا تناقضا؛ فكيف يقبل التعامل مع أمريكا وقد كان يعتبر التعامل معها ردة وخروجًا عن الدين؟!! المشكلة فيمن يقول هذا أنه لا يرى السياق التاريخي للرأيين، ويعتقد أن الفتوى ثابتة على مدار الزمان والمكان؛ بينما يري الكبيسي أن مقاومة الغزو الأمريكي فرض عين وأن التعاون مع الأمريكان ردة أما بعد الهزيمة ووجود أمر واقع جديد فيتعامل الكبيسي مع هذا الواقع من منطلق مصلحة الشعب العراقي!! وهو نفسه الذي يقول للشعب العراقي: "تظاهروا ليعرف الأمريكان أنكم موجودون".ذلك هو الواقع! الأمريكان موجودون، وعلينا أن ندخل بقوة في المعترك السياسي الآن لنبرهن أننا موجودون. في الموقفين ينطلق الكبيسي من أرضية ثابتة، هي رؤية مصلحة الشعب العراقي وقراءة الواقع في ضوء الشرع، ومن ثم يصل إلى رأيين يتميزان في كل الأحوال بالجرأة والمغايرة. نقبل أيهما أو نختلف معه!! تلك ليست هي القضية! عند الكبيسي القضية دائمًا هي أن "الاختلاف أساس" وأن "القبول أساس" .. الاختلاف أساس الرأي، والقبول أساس العلاقات الإنسانية. ولا تعارض!! رجل في كلمات الخروج على سلطان الثقافة المهيمنة، قبول الآخر والاختلاف كأساس شرعي ورحمة للبشر، الجرأة في الحق حتى لو صادم المألوف والمستقر، التأصيل اللغوي، التعامل المفتوح مع التطور العلمي والتاريخي، الرغبة في التيسير والتسامح تلك هي صفات الشيخ أحمد الكبيسي كما عرفناها عن قرب في مسامراتنا معه على مقاهي عمان التي ما زلنا نحتفظ منها بأفكار جديدة وذكرى جميلة وبقصيدة ساخرة أودعها أبيات وداع ومحبة وقفشات مداعبة !!. في منتصف التسعينيات كتبت الصحف الفرنسية تقول: إن الأدب الفرنسي كان في طريقه للموت لولا اثنان: "فرنسوا ميتران" و"أمين معلوف"! ورغم أن المبالغة واضحة فإن المقولة تكشف عن قيمة أدب أمين معلوف أحد أهم وأشهر الكتاب الفرانكفونيين، هذا هو الاسم الذي تطلقه الأوساط الأدبية والثقافية الفرنسية على مجموعة الكتاب ذوي الأصول العربية الذين يكتبون بالفرنسية. ومن هؤلاء المغربي "الطاهر بن جلون" والجزائريان "محمد ديب" و"مالك حداد" والموريتاني "محمد عبيد هوندو" والمصريون "أندريه شديد" و"ألبير قصير" و"أحمد راسم" و"جورج حنين". من الصحافة إلى الأدب ولد أمين معلوف في بيروت عام 1949، ودرس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بمدرسة الآداب العليا بالجامعة اليسوعية في بيروت، وامتهن الصحافة بعد تخرجه فعمل في الملحق الاقتصادي لجريدة "النهار" البيروتية الشهيرة التي تعتبر من أهم الصحف اللبنانية. عمل أيضا إلى جانب عمله كمحرر اقتصادي محررا للشئون الدولية بالجريدة، وهو ما أتاح له الاطلاع على الكثير من التطورات السياسية والدبلوماسية في العالم خاصة أن "غسان تويني" صاحب الجريدة ورئيس تحريرها كان من أهم رجال الدولة في لبنان في فترة الستينيات وأوائل السبعينيات إبان حكم الرئيسين "شارل حلو" و"سليمان فرنجية". وفي عام 1976 ومع بداية الحرب الأهلية اللبنانية ترك معلوف لبنان وانتقل إلى فرنسا حيث عمل في مجلة "إيكونوميا" الاقتصادية، واستمر في عمله الصحفي فرأس تحرير مجلة "إفريقيا الشابة" أو"جين أفريك"، وكذلك استمر في العمل مع جريدة "النهار" اللبنانية وفي ربيبتها المسماة "النهار العربي والدولي". ومنذ الثمانينيات تفرغ للأدب وأصدر أول رواياته "الحروب الصليبية كما رآها العرب" عام 1983 عن دار النشر "لاتيس" التي صارت دار النشر المتخصصة في أعماله. ترجمت أعماله إلى لغات عديدة ونال عدة جوائز أدبية فرنسية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته "ليون الإفريقي"، ورشح لجائزة "الجونكور" أكبر الجوائز الأدبية الفرنسية. ومن أهم أعماله بالإضافة لما ذكرنا "سمرقند" و"القرن الأول بعد بياتريس" و"حدائق النور" و"موانئ المشرق" "وصخرة طانيوس". لا يكفي أن نقول: إن أمين معلوف روائي كبير، أو أن نقول: إنه مرشح لنيل جائزة نوبل أو غير ذلك، فكل هذا مجرد أوصاف لا تضيف شيئا للرجل أو لأدبه، ما نريده حقا هو تحليل السمات العامة المميزة لأدب معلوف سواء أكانت تلك السمات تمثل أسلوبه في السرد، أو الخصائص الروائية المضمونية في هذا الأدب. التسامح أول سمات أدب معلوف والتي تمثل خاصية واضحة في كل أعماله وخيطا رابطا بين هذه الأعمال هي التسامح. التسامح الذي هو علاقة إيجابية بين الأنا بكل دوائرها والآخر بكل ألوان طيفه، وهذه السمة جزء من تكوين معلوف ذاته المسيحي العربي اللبناني، التسامح هنا صفة شخصية ولكنه يتحول إلى سمة أدبية في أعماله المختلفة، ففي أول أعماله: "الحروب الصليبية كما يراها العرب" يتحدث معلوف إلى المجتمعات الأوربية مناقشا المفاهيم الأساسية للحضارة ذاتها، فالحروب الصليبية في الذهنية الأوربية تعني فعلا إيجابيا، ولعلنا نتذكر كيف استخدم "بوش" هذا المفهوم في كلامه عن حملة أفغانستان وكيف أثار هذا الاستخدام ثائرة العرب والمسلمين، وربما كان ما يريده معلوف تحديدا هو تجنب مثل هذا الاستخدام وكأنه يقول للغرب: في الوقت الذي تتكلمون فيه عن إلغاء المركزية الأوربية لا بد من إعادة النظر في المفاهيم التي تعتبرونها بديهية وإعادة النظر هي بداية الطريق للتسامح. يقدم معلوف في روايته تلك الرؤية العربية للحروب الصليبية، ويوضح بأسلوب بسيط وسلس كيف أن العرب لا يرونها حروبا دينية من أجل الصليب وإنما حملات استعمارية، مشددا على المجازر التي ارتكبتها تلك الحملات في حق جميع الأديان بما فيها المسيحية. وفي رواية "ليون الإفريقي" يحكي لنا قصة الرحالة والعالم والدبلوماسي "الحسن بن محمد الوزان" النبيل الأندلسي الذي عاش الأعوام الأخيرة للمسلمين في الأندلس ثم هاجر مع أسرته إلى المغرب وقام برحلات إلى شمال إفريقيا ومصر ثم اختطفه القراصنة الإيطاليون وعاش في البلاط البابوي حيث تغير اسمه إلى "ليون دي مويتشي" وتزوج فتاة متنصرة من يهود الأندلس وأنجب منها ابنه "يوسف" أو "جوزيف" أو "جيوسبي" الذي يروي لنا قصة حياته. و"ليون" عند معلوف ليس عربيا مسلما متنصرا ثم عائدا إلى دينه الذي أقام عليه طوال فترة أَسره ولكنه شخصية أسطورية مثالية حالمة، شخصية تحلم بعالم فاضل بلا حرب تتدفق فيه المعرفة ويتبادل فيه البشر الخبرات، إنه تجسيد للتسامح. في "سمرقند" يقص علينا معلوف قصة "عمر الخيام" الشاعر العالم الأديب الفقيه، وعلاقته بالسلطة (ممثلة في نظام الملك) والمعارضة (ممثلة في الحسن بن الصباح)، الخيام مثل ليون الإفريقي، كان يصوره معلوف شخصية لا زمانية، متجردة تبحث عن عالم مثالي، ولا تحاول الاقتراب من الواقع المؤلم ولكنها تصنع لنفسها واقعها الخاص من خلال المراصد والبحث في عالم الفلك الرحيب، إنه -مرة أخرى- التسامح الفردي الإنساني الذي يتطلع إلى تسامح كوني. في "حدائق النور" يتكلم معلوف عن "ماني"، هذا الفارس الحالم بالمساواة بين البشر والطامح إلى عالم خال من الحقد والحرب والبغضاء، عالم يدعو إلى نبذ السلطة بكل أشكالها والانغماس في عالم الفن، الرسام الذي يكتب بريشته لوحات تدعو إلى الحب ويدعو أتباعه إلى التسامح بآلات الموسيقى بدلا من الحرب، يحاول التوفيق بين الإمبراطورية الساسانية الفارسية والإمبراطورية الرومانية فيكون مصيره الموت في النهاية. وفي "موانئ الشرق" يقدم البطل "عصيان كتبدار" المسلم العثماني ذو الجد الأرميني الذي ولد في تركيا وترعرع في لبنان ودرس بفرنسا، إنه المواطن العالمي الذي يجسد فكرة التسامح في أجمل وأكمل معانيها فيكون مصيره الجنون ومستشفى الأمراض العقلية الذي لا يخرج منه إلا مع الحرب في سخرية مرة ومؤلمة. وفي "القرن الأول بعد بياترس" يحكي لنا قصة عالِم الحشرات الذي يقع في غرام الصحفية ويواجهان معا نوعا من التعقيم الإجباري للشعوب؛ إنه الدواء العجيب الذي يتيح للمرأة إنجاب الذكور فقط، التسامح هنا ليس التسامح بين الشعوب ولكنه التسامح داخل النوع البشري، التسامح مع الذات عن طريق رفض أي أعراف أو تقاليد إذا كانت مدمرة للجنس البشري. المرأة رمز الخصوبة والنماء في مواجهة الرجل رمز الحرب والقوة. ومرة أخرى يطرح معلوف سؤالا: هل الحقد هو البنية الأساسية للجنس البشري؟ ويبدو التسامح عند معلوف مثل السعادة عند "ميترلنك" طائرا خرافيا، نظن أننا أمسكناه بين أصابعنا فلا يلبث أن يفر ضاحكا أو نكشف عن زيفه. هل العيب في طريقنا أم أن العيب فينا؟ هذا هو تساؤل معلوف المتكرر والذي يظل حائرا بلا إجابة يلح على الكاتب فيطرحه على القارئ دائما وأبدا. ثنائية الشرق والغرب السمة الثانية هي تلك العلاقة المراوغة بين الشرق والغرب، هل سيظل "الشرق شرقا والغرب غربا ولا يتلقيان" كما قال "كبلينج" الشاعر الإنجليزي الشهير. معلوف يحاول ردم هذا البرزخ وإقامة جسر حقيقي للتواصل بين الحضارات، إنه يرى العالم من خلال الأفراد وليس من خلال الكليات الفكرية. في "الحروب الصليبية" يكلمنا ويكلم الغرب بالأساس عن رموز المسلمين وسلوكياتهم، عن ابن منقذ الطبيب والشاعر والفقيه وعالم اللغة، وعن معين الدين أنر السياسي والدبلوماسي، وعن صلاح الدين القائد السياسي والمحارب والمفاوض والعالم.. إنه يقول لهم: لقد أقام الأجداد علاقات رغم الأحقاد فلماذا لا نفعل مثلهم؟ وفي "ليون الإفريقي" يحكي لنا عبر شخصيات مختلفة كيف يمكن لفرد أن يتنقل بين عالمين مختلفين تماما في الظاهر، ولكنه يظل هو ذاته بكل خصائصه يلعب نفس الدور المسالم الحالم في إطار الدسائس والحروب والمؤامرات والقتل والاغتصاب والاستباحة؛ استباحة القاهرة على أيدي جنود سليم خان المسلمين، واستباحة روما المسيحية على أيدي المرتزقة الألمان المسيحيين، وفي الحالتين يتأمل الحسن بن محمد الواقع من خلال موقع المشاهد الخارجي وينتهي به الحال إلى الخروج والهرب. الفرار من الواقع إلى العلم والكتب هو سبيل اللقاء بين هذين العالمين المختلفين المتشابهين. هنا يعيد معلوف في روايته التاريخية النظر في فكرة العولمة ويطرحها من خلال رؤية عالم بلا حدود به مواطن عالمي لا يتقيد ببلد ولا يستقر في وطن: "الخيّام" العالم الرحالة أو سميه الأمريكي "عمر" الذي ينتقل من أمريكا لفرنسا لتركيا لإيران بحثا عن المخطوط الحلم والحب الأسطورة. "ليون" الرحالة العالم الذي تأخذه الأقدار من الأندلس للمغرب لإفريقيا يتاجر ويحمل رسائل الملوك ثم مصر ثم إيطاليا، لا يستقر به المقام إلا عند الموت. "عصيان" المولود في إستانبول وأبوه الذي يريد له أن يكون ثوريا متمردا وأخوه المهرب الوزير وزوجته "كلارا" اليهودية الشيوعية الألمانية الفرنسية، شخصيات رحالة غير مستقرة ترفض الواقع المادي وتطلب المستحيل ولكنها عبر هذا الطلب تعيش وتترك لنا ثروة من الخبرات والتجارب الصغيرة والكبيرة ولا تكف عن الحلم. إنه المواطن العالمي غير المتكيف ولكن الباقي والمستمر الذي يحمل أملا بلا حدود في غد أفضل ربما لا يأتي أبدا. عادي ومألوف.. ومتمرد أيضا! شخصيات معلوف كلها قد تبدو شخصيات خارقة للعادة ولكنها عند التدقيق شخصيات عادية جدا؛ عمر الخيام يأكل ويحب ويبحث وينظم الشعر ويكتب الكتب ويصادق الفقهاء والأمراء والوزراء والعصاة ويحلم أبدا بعالم مثالي ويرفض كل سلطة ولكنه يعتمد على تلك السلطة كي يعيش، عصيان المجنون الذي يحتمل أن يكون جنونه وراثيا، الذي يذهب لفرنسا لدراسة الطب متمردا على رغبة والده في أن يكون قائدا ثوريا فلا يستطيع إلا أن يحقق تلك الرغبة بانخراطه في المقاومة الشعبية في النازي ليحقق في عصيانه رغبة والده. "ماني" المتمرد على أوامر الأسينيين أصحاب الملابس البيضاء الذكوريين التطهريين، الذي يدعو للحب والفن ويحاول تحقيق حلمه عبر السلطة فيكون مصيره الموت على يد تلك السلطة ذاتها. إنها شخصيات عادية مألوفة ولكنها من زاوية أخري خارقة وغير مألوفة ومتمردة تماما يتحقق تمردها عبر حياتها العادية التي تدهشنا كما تدهش الراوي، وما إن ندقق النظر فيها حتى نجد أنها كانت تحيا مثلنا. مزيج من الأدب والتاريخ هذا كله يطرحه معلوف على قارئه من خلال عدة سمات أسلوبية مميزة؛ أولها هو البحث التاريخي الدقيق. كل رواية من روايات معلوف تتضمن العديد من المعلومات الموثقة من مصادر أولية وأساسية، ففي الحروب الصليبية يعتمد معلوف على المؤرخين العرب المسلمين في عصر الحروب الصليبية كمصدر أساسي للمعلومات، ويضمن كتابه فقرات كبيرة من كتابات المؤرخين، في "سمرقند" يعتمد على الترجمات العديدة لرباعيات الخيام وعلى ترجمة حياته وعلى كتابات المؤرخين في عصره، بل ويقدم معلومات جديدة فيغير -مثلا- المعنى المتواتر لفرقة الحسن بن الصباح الحشاشين، تلك الفرقة الباطنية المجهولة في التراث الإسلامي والتي تتناثر حولها الأقاويل والأساطير الغامضة، فهو يخبرنا أن اسم Assassin الإنجليزي أو الإفرنجي بشكل عام لا يعود إطلاقًا للحشيش. فالحسن بن الصباح لم يكن يقدم لأتباعه ومريديه عقارًا مخدرا ليقتلوا أعداءهم وإنما كان يعبئهم بالإيمان الصلب والأساسي وأن الاسم الذي أطلقه عليه زعيمهم هو "الأساسيون" أي الذين يحافظون على الأساس، وأن هذا الاسم هو الذي وصل للغرب ومنه تحور وحمل الأسطورة التي عادت إلينا. في "ليون الإفريقي" يعتمد على كتابات الرجل وخاصة رحلته "وصف إفريقيا" لكنه يعتمد كذلك على كتب المؤرخين حول الأخوين "بارباروسا" و"طومانباي" و"جيوفاني دي موتشي" وغيرهم، وفي "موانئ الشرق" يعتمد على كتابات المؤرخين المعاصرين حول المقاومة السرية في فرنسا وكذلك على تطور الهجرة اليهودية لفلسطين بعد الحرب العالمية الثانية. البحث يحول الرواية الخيالية إلى عالم من الواقع عن طريق التناص الواقعي والتاريخي، إنه يضفي المصداقية على الرواية ويحولها إلى تاريخ، وربما لهذا نجد التنوع في أسلوبية السرد عند معلوف في مختلف الروايات. في "الحروب الصليبية" هناك صوت الراوي المحايد البعيد، المؤرخ الذي يحاول تقديم المعلومة بحياد ولكنه يعلن منذ البداية أنه متحيز. وفي "سمرقند" يتأرجح السرد ويلف حول المخطوط المفقود الموجود حتى ينتهي الأمر إلى فقدانه التام مع تعيين موضعه بدقة في "صندوق" في قاع المحيط في حطام "التيتانيك". لذا نجد أن صوت الراوي يتراوح بين الـ(أنا) المتداخلة في الحدث مثلما يحدث عندما يسرد البطل تاريخ ومغامرات الحصول على المخطوط وقصة حبه لشيرين الأميرة الإيرانية وتلميذة السيد جمال الدين الأفغاني، وبين الـ(هو) المبتعدة عن الحدث عندما يقص علينا قصة عمر الخيام وقصة الحشاشين وقصة صعود وانهيار إمبراطورية السلاجقة. إنه يقدم في هذه الرواية نصًا متداخلا يتأرجح بين الكتابة التاريخية والتسجيل اليومي في محاولة منه لرفع درجة مصداقية النص، فالراوي في كل الأحوال ليس راوية، إنه بطل الحدث الأساسي، ألا وهو البحث عن المخطوط. في "ليون الإفريقي" يعتمد معلوف على المؤلف البطل كراوٍ ويصبح السرد بمثابة تسجيل لحوليات؛ كل حولية هي رؤية لمكان عبر الزمان والشخصية التي يحدثنا عنها الراوي المؤرخ الرحالة (ليون الإفريقي). "عام سلمى" هو عام ولادته وسلمى هي أمه ومن خلالها يقص علينا قصة الصراع بين المسلمين في غرناطة وأيامهم الأخيرة وسقوط الأندلس. "عام طومان باي" هو عام آخر المماليك السلطان الشجاع الذي اعتمد على المصريين ليرد الزحف العثماني. الرحالة المؤرخ يقوم بدوره ويتركه معلوف ليقدم لقارئه يوميات أو حوليات، قصد الرحالة أن يتركها لابنه وقصد معلوف أن يقدمها للعالم. في "موانئ الشرق" تدور الرواية بين الراوي المعجب بالشخصية الرئيسية والذي عرفها من صورتها المنشورة في كتبه المدرسية كأنه يحكي عن نفسه أي عن معلوف كراوٍ وبين البطل رغم أنفه "عصيان كتبدار" الذي يحكي لمعلوف الراوي ليزجي وقته ويرفع عن نفسه عناء الانتظار المؤلم للأمل الأخير في حياته. في الأمسيات الأربعة التي يقضيانها معًا يقص علينا معلوف على لسان "عصيان كتبدار" تاريخ الرجل منذ ولادته في الآستانة إلى رحيله للبنان إلى أفراد أسرته، جدته المجنونة وأبوه المتمرد الأبدي وأخوه المتمرد الآني وأخته المحبة التي ستقوم بدور الأم وعائلة أمه الأرمينية ورحلته إلى فرنسا ودوره في المقاومة ولقاؤه بحبيبته اليهودية التي يتزوجها بعد انتهاء الحرب وبالذات بسبب هجرتها مع خالها إلى فلسطين، وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية لنعرف في النهاية قصة هروبه إلى فرنسا بعد الحرب الأهلية اللبنانية وأنه ينتظر لقاء زوجته بعد أن طلب منها في رسالة أن يلتقيا في نفس المكان الذي جمعهما بعد الحرب لأول مرة على جسر على نهر "السين" في باريس. في أربعة أيام، ومن خلال (أنا) قلقة حائرة و(أنا) مسائلة متطلعة تحاورها لا نسمع صوتها إلا في خفوت وفي مواضع قليلة، يقص علينا معلوف رؤية خاصة جدًا، لتاريخ خاص جدًا لمنطقة عامة جدًا هي الشرق الأدنى أو الأوسط كما يسميه الغربيون. تنوع أسلوبية السرد والانتقال من الـ(أنا) إلى الـ(هو) والاعتماد على فكرة التسجيل أو اليوميات أو الحوليات أو التاريخ نجده كذلك في روايته المستقبلية "القرن الأول بعد بياتريس"، وكأنه يقول لنا: "حتى المستقبل أنا أراه كتاريخ". وهكذا يصنع معلوف المرشح لنوبل عالمه الروائي من التاريخ الشخصي والعام لمنطقته ويقدمه للقارئ الفرنسي ثم يترجم لنا كعرب. لم يتعود المواطن التركي أن يرى سياسييه بهذه الطيبة.. يفطر في بيت فقير، ويطلب من الخدم مشاركته الطعام.. وتدمع عيناه إذا سمع بكاء طفل… في رمضان يقوم عبد الله جول يوميًّا باصطحاب زوجته إلى منزل إحدى العائلات الفقيرة بالعاصمة أنقرة، كي يتناول الإفطار بينهم؛ ليطالع أحوال الشعب، وليؤكد خروجه من بين هؤلاء الفقراء وانتماءه الحقيقي لهم، وكان من الطبيعي أن تنتشر في الأشهر الأخيرة صورة "جول" وهو يقوم بعمل السَّلطة في مطبخ إحدى هذه العائلات الفقيرة التي شاركها إفطارها. إن اهتمام جول بالود والتراحم في تعامله ليس مبعثه الدعاية الانتخابية، ولا هي مجرد صور تلتقط للشهرة، ولكنها خلق أصيل -على ما يبدو- من حديث محمد أردوغان وهو بستاني يعمل في فيلا لأحد أصدقاء جول بإستانبول الذي قال: "في الصيف الماضي جاء عبد الله جول لزيارة صاحب المنزل، وكان وقت الصباح فساعدت في إعداد مائدة الإفطار في الحديقة، وعندما بدأ الجميع في تناول الطعام، انصرفت ناحية الحديقة لأقوم بعملي الروتيني، فوجئت بعبد الله جول ينادي علي باسمي، هرعت عائدا للمكان معتقداً بأنه سيطلب مني القيام بعمل ما أو أن شيئا في الأكل لم يعجبه، ولكني فوجئت به يدعوني لتناول الطعام مع أهل المنزل، فاعتذرت قائلا: "لقد تناولت فطوري قبلكم.. شكرا لك" لكنه أصرّ، فقلت له سأشرب الشاي بعد انتهائكم من الطعام، ولكنه كان مصرا فاضطررت للمشاركة فلم يكن أمامي غير القبول بعدما وجدت جول مُصرًّا، لا أستطيع نسيان هذا الموقف، لقد كنت أعتقد بأنه من كبار القوم وعلى الأكثر سيقول لي تعال لتأخذ بعض الطعام وتنصرف.. ويضيف محمد: تعودنا من كبار القوم ألا يلتفت أحدهم لأمثالنا من طبقات الشعب، ولكنه أثبت بحق أنه ابن محافظة قيصري، كما أثبت أنه رجل مسلم بحق وجدير بالاحترام أيضًا". الأمير ينشق عن الملك يعد عبد الله جول واحداً من أبرز العناصر الشابة التي ظهرت في حزب الرفاة (المحظور) عام 1991 كعضو برلماني عن محافظة قيصري بوسط الأناضول التركي، لدرجة أن الإعلام التركي قد أطلق عليه تعبير "أمير" -على أساس أنه أحد الشباب المقربين من أربكان الملك- فقد عينه وزيرا للدولة للشؤون الخارجية وقضايا العالم الإسلامي، ومتحدثاً رسميا في الحكومة الائتلافية التي تشكلت بين عامي 96-1997م. ولم يمنع احترام جول لأستاذه قوطان وزعيمه أربكان من الاختلاف معهم في الرأي وأن يقوم هو والطيب أردوغان بقيادة حركة تجديدية داخل التيار الإسلامي في تركيا، وبالفعل ترشح جول في مايو 2000 لرئاسة الفضيلة ضد قوطان في سابقة تاريخية في الأحزاب الإسلامية أن يتنافس أكثر من مرشح، لكن تأييد أربكان الزعيم الإسلامي التاريخي لخليفته قوطان أفشل مساعي التجديديين في النجاح.. فأعلن جول عن قيام حزب العدالة والتنمية عام 2001م. أول خطوات المشوار ولد عبد الله جول بمحافظة قيصري في 26/10/ 1950م، لوالده أحمد حمدي جول الذي يعمل في مصنع الطائرات بقيصري، وهي من المحافظات الشهيرة بالتمسك بالإسلام والعادات والتقاليد الشرقية، حيث كانت قيصري أحد أهم مراكز الثقافة الإسلامية القديمة التي ذاع صيتها أيام الدولة السلجوقية (1071 – 1299م). بعد انتهائه من التعليم الابتدائي بمدرسة غازي باشا، والثانوي بمدرسة الأئمة والخطباء، تخرج في كلية الاقتصاد جامعة إستانبول عام 1972 ثم حصل على درجة الماجستير، وذهب بين 76-1978 لجامعة لندن لجمع المادة العلمية اللازمة لرسالة الدكتوراة؛ مما مكنه من إجادة الإنجليزية تماما. وفور عودته من إنجلترا وحصوله على درجة الدكتوراة في موضوع: تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي، عيّن مدرسا للاقتصاد بقسم الهندسة الصناعية بجامعة سقاريا بتركيا، لكنه ما لبث في 1980 أن ألقي القبض عليه من قبل الشرطة العسكرية، وفقا لتعليمات الجنرال كنعان إيفرن بتهمة الانتماء لمجموعة "السنجق"، وبينما كان في الأيام الأولى لزواجه من "خير النساء" فإنه كان يقضي عدة أشهر بسجن "متريس" الشهير في إستانبول. عمل من 83-1991 في بنك التنمية الإسلامي بجدة كخبير اقتصادي، مما مكنه من الإلمام بالعربية، وفي عام 1991 حصل على درجة أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي. سوابق سياسية أم هبوط بالمظلة؟ لم يهبط جول لرئاسة الوزارة بالمظلة.. لكنه رجل ذو تاريخ سياسي حافل.. ففي مرحلة مبكرة من شبابه انضم لمجموعة أطلق عليها "نادي فكر الشرق الكبير"، كما كان عضوا في "اتحاد الطلاب الأتراك"، وانتخب عضوا برلمانيا لحزب الرفاه عن محافظة قيصري 1991، ثم مسؤول العلاقات الدولية بحزب الرفاه 1993، ومن 1995- 2001 كان عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي. حصل على ميدالية شرفية كعضو دائم بالمجلس الأوروبي، كما مثل تركيا في برلمان الدول الأعضاء بحلف الأطلنطي، وطالما عبر عن دعمه في البرلمان لقضايا دول مسلمة مثل: الجزائر، والبوسنة، والشيشان، كما يصفه البعض بأنه أحد مهندسي مشروع حكومة حزب الرفاه "مجموعة الثمانية الاقتصادية الإسلامية". انضم لحزب العدالة والتنمية بعد إغلاق حزب الفضيلة أغسطس 2001 وهو نائب رئيس الحزب للشؤون القانونية والعلاقات الدولية. مؤثرات في حياته لقد شب عبد الله فرأى والده أحمد حمدي جول الأناضولي المتديّن، عضوا في حزب السلامة الوطنى بزعامة أربكان، وعضوا مرشحا للمجلس النيابي في 1973، كما يمكن أن نقول إنه تربى على أفكار الزعيم نجم الدين أربكان، فقد كان عبد الله شابا واعيا في التاسعة عشرة حين بدأ أربكان حملته عام 1969 للحفاظ على الهوية الشرقية الإسلامية لتركيا؛ ولذا فإنه انضم لحزب الرفاه عند ظهوره، لأنه وجد في أربكان الزعيم الذي يحلم به وفي الرفاه الحزب الذي يرضي حسه الإسلامي. واللافت للنظر أن ممن أثروا على جول كذلك عدد من الأدباء والشعراء مثل الشاعر جميل مَريتش، وكذلك الشاعر الراحل/ نجيب فاضل الذي تربى على يديه جيل مسلم بأكمله في تركيا، وقد كان أول تعرفه عليه حين ذهب نجيب فاضل لمحافظة قيصري في لقاء فكرى وثقافي مدعواً من قبل نادى فكر الشرق الكبير الذي كان جول أحد أعضائه، كما أثرت فيه عدة شخصيات أكاديمية مثل الدكتور/ نوزت يالجين طاش، الذي منحه درجة الدكتوراة في الاقتصاد، وكذا رجل الاقتصاد الدكتور/ صباح الدين زعيم. لا يحب الرئاسة لكنه جدير بها يبدو أن هاجس رئاسة الوزراء كان يدور في خلده، بل إن الجميع كان يتوقع وصوله لهذا المنصب فقبل أيام قليلة من الانتخابات تناول معه رجل الأعمال مصطفى قيلنش الإفطار وحكى عن هذا اللقاء قائلا: "دار حولنا حوار حول منصب رئيس الحكومة، فقال لي: لقد أعددت نفسي جيّدًا لهذا اليوم". يعد جول سياسيا مسالمًا لم يعرف عنه خلال تاريخه الطويل في العمل السياسي والطلابي أنه شارك في أي أعمال عنف على الرغم من تورط كثيرين في مثل هذه الأعمال ومن أشهرها أعمال العنف بين الفصائل السياسية التي اجتاحت تركيا بين سنوات 68-1971 وكذلك الصراع السياسي الذي اندلع بين التيارات السياسية داخل الجامعات بين حقبتي الستينيات والسبعينيات. إن عدم الميل للشدة هو الذي جعل عبد الله جول، يتصرف بهدوء أمام منع زوجته من القيد بالجامعة بحجة ارتدائها الحجاب.. ويوّجه انتقادات للحكومة والنظام من مدخل الحريات الشخصية حتى لا يصطدم بالدستور العلماني إذا انتقد من مدخل فرضية الحجاب. حرص جول على إحياء المناسبات القومية التركية ولم ير في الاهتمام بها ما يتنافى مع أفكاره الإسلامية، فقد ظل ينظم الرحلات الجامعية لطلابه لمضيق "شناق قلعة" في ذكرى انتصار القوات التركية على الاعتداء اليوناني الغربي في الحرب العالمية الأولى، بهدف احتلال إستانب ول. أفضل صورة لرئيس وزراء تركي لم يتعود المواطن التركي البسيط أن يرى سياسييه بهذا التواضع وهذه الطيبة؛ ولذا فإن أكثر الصور انتشارًا في الأيام الأخيرة بين الشباب التركي كانت لجول حين كان يمر بقرب مدرسة ابتدائية، وما إن رآه الصغار حتى اندفعوا إلى أحضانه في مظاهرة حب.. واستفتاء بريء على شعبية الرجل ورصيده في القلوب. هو صنف من الناس نحّى رغباته ومطالبه الذاتية وصعد ربوة عالية لينظر إلى حاجات مجتمعه ومتطلبات أمته.. رسم طريقه ليكون جهادًا في خدمة هذا المجتمع ورفعة هذه الأمة، ودفاعًا عن هذه الأرض.. حول سنوات عمره إلى وقود يضيء للعوام من البشر طريقهم ويمنحهم جزءًا من عزتهم المفقودة. المجاهد حافظ سلامة رجل من هذا الطراز؛ فها هو يبلغ من العمر 78 عامًا وما زالت قضايا الأمة وخدمة المجتمع هي هاجسه الأول والأخير، فلم يكتف بذكريات نصر حققه ورجال المقاومة في السويس حين تصدوا لمحاولات إسرائيل احتلال المدينة في حرب أكتوبر 1973 بل كانت حياته عطاء دائمًا ومتجددًا دون كلل أو ملل من أجل إضاءة شمعة في تلك الأيام والليالي من تاريخ الأمة التي اعتراها سواد كاحل. وفي هذا الملف تلتقي والمناضل المصري حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية في مدينة السويس الباسلة إبان حرب أكتوبر؛ لنتعرف على جانب من حياته الثرية بالأحداث والمواقف الملتهبة.. ونشاهد فصول ملحمة المقاومة في السويس ( 28 رمضان). كان المتوقع أن يدّعي البطولة ويقول إنه عرض نفسه للاغتيال، وإنه تصدى لفوهة مسدس رجل الأمن الذي طلب منه أن يترك آله التصوير الخاصة به، ولكنه أخبرني أنه أصيب بإغماءة من هول المفاجأة، وأنه لم يدر أنه سيكون المصور الوحيد الذي يلتقط صورتين بالألوان لحادثة اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في العرض العسكري الشهير. إنه محمد رشاد القوصي المصور العالمي الشامل الذي نقلت عنه كل وكالات الأنباء صورتيه الملونتين لحادثة اغتيال السادات، سوف يحيرك صدقه وإيمانه المطلق بأن التوفيق والحظ حالفاه كثيرا، خاصة في ذلك اليوم الذي غير تاريخه الصحفي، وساقه للعالمية بعدما ظن أنه لم يلتقط أي صورة لحادثة الاغتيال، وأرسل صور العرض العسكري لوكالة الأنباء التي كان يعمل لديها؛ ليفاجأ بجواب تهنئة يخبره بأن له صورتين لحادثة الاغتيال التقطتهما يداه المحترفة في غياب عقله. مصور منذ الصغر بدأ محمد القوصي التصوير وهو في العاشرة من عمره عندما كان في منزل جده لأمه الشيخ محمود القوصي رئيس المحكمة العليا الشرعية في منطقة الحلمية الجديدة بالقاهرة، وكان يستعير كاميرا التصوير الخاصة بخاله أو أبيه، وكان يستخدمها لتصوير عائلته أو إخوته الذين يكبرهم ليلتقط لهم الصور أعلى سطح منزلهم أو في حديقة جامع الرفاعي الذي يقع بالقرب من منزله، وكان يشتري الفيلم بثلاثة قروش ويطبعه بأربعة قروش من مصروفه الخاص، وكان يطبع أفلامه عند المصورين الأرمن في ميدان العتبة وشارع عبد العزيز، وكان يراقبهم ويعجب بعملهم. وقد ارتبط القوصي بالتصوير منذ طفولته، وفي المدرسة الثانوية انضم إلى جماعة التصوير التي أنشاها مدرس التربية الفنية بمدرسته، والتي كانت أولى خطواته لاحتراف التصوير، وقد تتلمذ فيها أيضا اللواء عبد الفتاح رياض، وهو أول مؤلف لكتاب في التصوير الفوتوغرافي في مصر وهو كتاب "آلة التصوير"، ولكن القوصي حرص على أن تكون دراسته فنية، بينما انضم زميله في الجماعة عبد الفتاح رياض لكلية البوليس، وفي بداية حياته التقط صورة جميلة للملك فاروق وهو يضع الورد على قبر والده الملك فؤاد بمسجد الرفاعي بعدما تسلل من حرسه وهرب من الرقابة المشددة عليه. الصدفة مدخله لعالم الصحافة عقب تخرجه في الجامعة عمل القوصي مدرسا بمدرسة ملحقة بدار للأيتام في منطقة العباسية واستمر بها سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة الدرب الأحمر الابتدائية في منطقة باب الخلق القديمة بالقاهرة. وفي عام 1946 نشرت له أول صورة صحفية وكانت لوزير المعارف الإيراني ووزير المعارف المصري، وكانا في زيارة لقبر الملك فؤاد بالقرب من منزله، وعندما رأى الشاب رشاد الموكب توجه إليه والتقط لهما صورتين وطبعهما في معمله المتواضع بمنزله، ثم توجه بهما إلى جريدة الأهرام وعرضهما على المسئول آنذاك "نجيب كنعان" وسلمه الصورتين بعد أن كتب عليهما "تصوير القوصي"، ونشرت إحداهما في اليوم التالي لتكون أول اتصال له بعالم الصحافة. وبعدها بعامين عرض عليه الشيخ حسن البنا الذي كان يسكن نفس شارعه العمل معه في جريدة "الإخوان المسلمين" التي كان يعتزم إصدارها، فقبل القوصي عرضه على أن يعمل بها بعد الظهر، وبالفعل استمر القوصي مصورا للإخوان حتى اغتيال حسن البنا وإغلاق الجريدة، ولكنه سرعان ما استأنف عمله كمصور صحفي بعدما طلبه صديقه "أرشاك مصرف" وهو مصور أجنبي مشهور للعمل بجريدة "الزمان" و"جورنال دي إيجيبت" اللتين تصدران عن مؤسسة صحفية واحدة، ويملكهما "إدجار جلاد" أحد رجال الملك، وذلك مقابل 25 جنيها، بينما كان يتقاضى من التدريس 10 جنيهات فقدم استقالته من المدرسة فورا. أول مصور عسكري كان القوصي ينتظر مجده في حرب 1948؛ فحين اندلعت الحرب انتدب القوصي بأمر من رئيس الوزراء النقراشي باشا ووزير الحربية محمد حيدر؛ للعمل على الجبهة بعد رفض كل المصورين الأجانب الذين كانوا يحتكرون مجال التصوير آنذاك، وكان القوصي هو أول مصور عسكري عربي يذهب إلى الحرب ممثلا لوزارة الدفاع التي كانت تتولى توزيع الصور على الجرائد والوكالات؛ لتنشر صوره في كل أنحاء العالم، وكان معه مصور مصري واحد هو حسن مراد من جريدة "مصر الناطقة"، وعاد القوصي من الجبهة بعد الهدنة المصرية إلى جريدته "جورنال دي إيجيبت" بعدما تألق نجمه وعلا صيته، وارتفع راتبه المصري كذلك إلى 40 جنيها، واستمر بها حتى مارس 1952 عندما فوجئ بقرار إنهاء خدمته ومعه شيك بـ 500 جنيه دون سبب يذكر!! ولكن رشاد المصور اللامع لم يحزن لهذا القرار لثقته الكبيرة في إمكاناته وقدراته التي ستفرض نفسها في أي مكان، وبالفعل ترك جريدته التي تبعد حوالي 100 متر عن أخبار اليوم، ودخل لصديقه الصحفي والشاعر الموهوب كامل الشناوي بأخبار اليوم، وأطلعه على خطاب إنهاء خدمته، وطلب منه العمل لديه؛ فتحدث الشناوي إلى رئيس التحرير مصطفى أمين بشأنه فوافق عليه لشهرته، وطلب منه الرجوع لمحمد يوسف رئيس قسم التصوير في أخبار اليوم، ويستعيد القوصي ذكرياته قائلا: "عندما دخلت ليوسف وجدت عنده رجلا لا أعرفه، ودون أن يكلمني يوسف أعطاني كاميرا وفلاش وأفلاما، وطلب مني الخروج مع هذا الرجل -وكان محمد الليثي- وفي اليوم التالي كانت صوري تتصدر الصفحة الأولى لأخبار اليوم". ومكث القوصي بأخبار اليوم حتى 1960 عندما وشى به زملاؤه لرئيسه محمد يوسف، وقالوا: إنه مقصر في عمله لانشغاله بالتصوير التليفزيوني، ولكنه كان دائما يشعر بأن الله لن يضيعه، ويعلق قائلا: "سبق أن فصلت من جريدتي، وبعد ساعة وجدت مكاني في واحدة من كبريات المؤسسات الصحفية"! كان القوصي قد تعلم التصوير التليفزيوني على يد مصرف عام 1957 الذي كان يعمل لمحطات أجنبية عديدة -وكان التصوير التليفزيوني مقتصرا على المصورين الأجانب في ذلك الوقت- وبدأ القوصي العمل في التليفزيون وهو لا يزال في أخبار اليوم، عندما تعاقد مع محطة تليفزيون لندنية تجارية هي "Independent Television News"، وكان يتقاضى منها 100 إسترليني في الشهر، هذا بالإضافة لعمله لدى العديد من المحطات الأجنبية ووكالات الأنباء. وقدم القوصي استقالته من أخبار اليوم بعدما وصله خطاب من مدير عام مؤسسة أخبار اليوم يطالبه بالتفرغ لأخبار اليوم مقابل علاوة 10 جنيهات، فوجدها القوصي صفقة خاسرة: أن يترك محطة التليفزيون اللندنية التي يتقاضى منها 100 جنيه إسترليني مقابل 60 جنيها مصريا، وحتى لا يخسر العمل في كل هذه الأماكن التي كان يجمع بينها في ذات الوقت. مصور الرؤساء وكأن القوصي كان -كحظه دائما- على موعد مع النجاح؛ فقد استدعاه سعد لبيب في التليفزيون، وطلب منه العمل معه في التليفزيون المصري، وبالفعل دخل القوصي التليفزيون منذ افتتاحه في يوليو 1960، وفي التليفزيون بدأ نجم القوصي يصعد بسرعة؛ فقد ارتبط القوصي بالرئيس الراحل عبد الناصر، وكان مصوره التليفزيوني الذي رافقه في كل رحلاته، وزاول العمل بالتليفزيون إلى جانب العمل في الوكالات التي كانت مصدر دخله الرئيسي، وفي 1975 ترك التليفزيون للتفرغ لوكالة الأخبار التليفزيونية "ديزني نيوز" بعدما عرضت عليه الوكالة مرتبا مغريا جدا وطلبت منه التفرغ، فطلب إجازة بدون مرتب من التليفزيون. وكانت حادثة اغتيال السادات نقطة التحول في حياته بصورتيه اللتين دخل بهما زمرة المصورين العالميين بعدما نشرت هذه الصور في معظم الجرائد والمجلات العالمية، وتناقلتها شاشات التليفزيون ووكالات الأنباء وذاع صيته، وبعد هذه الحادثة فضل القوصي التفرغ للعمل لوكالات الأنباء الفرنسية جاما وسيجما كمصور فوتوغرافي، وفي 1983 أحيل للمعاش ليعود هاويا كما بدأ حياته مع عشيقته الكاميرا. صداقة الكامي را ويحكي لنا الفنان بعضا من المواقف الطريفة التي جمعته بأصدقاء المهنة الواحدة؛ فيقول: كنت في القصر الجمهوري لتغطية زيارة وزير إسرائيلي، فطلب مني زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية تصوير الضيف لعدم وصول مصور الرئاسة "فاروق إبراهيم"، وقبلت، ولكن فاروق حضر في اللحظة الأخيرة فحمدت الله، وبالفعل أنهيت التصوير أنا وفاروق، ولكنه اكتشف عدم وجود فيلم في الكاميرا الخاصة به، فطلب مني أن أعيره فيلمي الذي التقطته، وفي اليوم التالي ظهرت صوري في كل الصحف تحت اسم "فاروق إبراهيم"، ولم أحزن؛ لأنني أعلم أنه سوف يحفظ لي معروفي، وحدث بالفعل. ويستطرد:" كان لنا زميل إسكندراني (من الإسكندرية) كان يغطي مباراة لفريق الاتحاد السكندري في القاهرة، وبمجرد إحراز فريقه هدفا رمى بالكاميرا وأخذ يصفق، وبعد انتهاء المباراة طلب مني صور الأهداف فأعطيتها له". والقوصي في صوره فنان أصيل يرى بعينه الثاقبة ما يخفى على كثيرين، وهو يتحاور بذكاء مع عدسته؛ يديرها في كل اتجاه ليقتفي بها أثر الحدث سعيا للانفراد؛ ففي أحد الأيام طلب منه الصحفي الكبير مصطفى أمين تصوير الملكة زين زوجة الملك طلال وأم الملك حسين ملك الأردن في المطار، وكانت قادمة في زيارة سرية لزوجها في مستشفى بهمان للأمراض النفسية في المعادي، وكان التصوير ممنوعا، وفي المطار استطاع أن يلتقط لها صورتين نادرتين، لكن حرس المطار أوقفه وأخذ منه الفيلم، لكنه عاد مطمئنا لجريدته بعدما أحرز سبقا صحفيا؛ لأنه قام بتغيير الفيلم قبل أن يلقي حرس المطار القبض عليه، وفي اليوم التالي تصدرت صورة الملكة الصفحة الأولى. والقوصي حتى الآن -وبالرغم من إتمامه الثمانين في أول ديسمبر الجاري- يمتلك تركيزا عاليا وذهنا حاضرا، وكانت آخر انفراداته في يوليو 2003 وهي صورة لـباب زويلة وهو مغلق نشرت بجريدة الأهالي. وقد تأثر القوصي بأرشاك مصرف الذي كان أباه الروحي في عالم التصوير الفوتوغرافي ومعلمه فن التصوير التليفزيوني، ومحمد يوسف أستاذه في أخبار اليوم. وعشق القوصي الفنان التصوير أيا كان نوعه وأيا كان مكانه؛ فكان يسعى للتعلم والاحترافية في عمله، كما أنشأ الجمعية المصرية للتصوير الفوتوغرافي لتكون مدرسة تجمع كل محبي التصوير، وتولى رئاستها أكثر من 5 مرات، وهو حاليا مستشار بها. ظاهرة فريدة في الأدب والثقافة العربية الحديثة، فهو كاتب له طريقته الخاصة لا تبارى أو تحاكى، وشاعر مبدع حقق في الإبداع الشعري ما بلغ ذروته في قصيدته "القوس العذراء"، ومحقق بارع لكتب التراث، قادر على فك رموزها وقراءة طلاسمها، ومفكر متوهج العقل ينقض أعتى المسلمات، ومثقف واسع الاطلاع في صدره أطراف الثقافة العربية كلها فكانت عنده كتابا واحدا. غير أن العلامة الشيخ محمود محمد شاكر ظل سنوات طويلة في عزلة اختارها لنفسه، يقرأ ويدرس ويصدح في واحته الظليلة، لا يسمع غناءه إلا المقربون منه من تلامذته ومحبيه تاركا الدنيا ببريقها وأضوائها وراء ظهره، ولم يخرج من واحته إلا شاكي السلاح مستجيبا لدعوة الحق حين يشعر بأن ثقافة أمته يتهددها الخطر، فيقصم بقلمه الباتر زيف الباطل، ويكشف عورات الجهلاء المستترين وراء الألقاب الخادعة؛ ولذلك جاءت معظم مؤلفاته استجابة لتحديات شكلت خطرا على الثقافة العربية. البداية والتكوين ينتمي محمود شاكر إلى أسرة أبي علياء من أشراف جرجا بصعيد مصر، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنه، وقد نشأ في بيت علم، فأبوه كان شيخا لعلماء الإسكندرية وتولى منصب وكيل الأزهر لمدة خمس سنوات (1909-1913م)، واشتغل بالعمل الوطني وكان من خطباء ثورة 1919م، وأخوه العلامة أحمد شاكر واحد من كبار محدثي العصر، وله مؤلفات وتحقيقات مشهورة ومتداولة. انصرف محمود شاكر -وهو أصغر إخوته- إلى التعليم المدني، فالتحق بالمدارس الابتدائية والثانوية، وكان شغوفا بتعلم الإنجليزية والرياضيات، ثم تعلق بدراسة الأدب وقراءة عيونه، وحفظ وهو فتى صغير ديوان المتنبي كاملا، وحضر دروس الأدب التي كان يلقيها الشيخ المرصفي في جامع السلطان برقوق، وقرأ عليه في بيته: الكامل للمبرد، والحماسة لأبي تمام. المواجهة الخافتة وربما كان في وسع شاكر أن يكون أحد علماء الرياضيات أو فروع الطبيعة بعد حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من القسم العلمي سنة 1925 لكنه فضل أن يدرس العربية في كلية الآداب، وكاد قانون الجامعة أن يحول بينه وبين الالتحاق بقسم اللغة العربية، لولا تدخل طه حسين لدى أحمد لطفي السيد مدير الجامعة وإقناعه بأن يلتحق شاكر بكلية الآداب فأصدر قرارا بذلك. وفي الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلي وهى التي عرفت بكتاب "في الشعر الجاهلي"، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلي منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن قرأه بحذافيره في مجلة استشراقية بقلم المستشرق الإنجليزي مرجليوث. وتتابعت المحاضرات حول هذا الموضوع، ومحمود شاكر عاجز عن مواجهة طه حسين بما في صدره، وتمنعه الهيبة والأدب أن يقف مناقشا أستاذه، وظل على ذلك زمنا لا يستطع أن يتكلم حتى إذا لم يعد في الصبر والتحمل بقية، وقف يرد على طه حسين في صراحة وبغير مداراة، لكنه لم يستطع أن يواجهه بأن ما يقوله إنما هو سطو على أفكار مرجليوث بلا حياء أو اكتراث. وتولد عن شعوره بالعجز عن مواجهة التحدي خيبة أمل كبيرة فترك الجامعة غير آسف عليها وهو في السنة الثانية، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وسافر إلى الحجاز سنة 1928 مهاجرا، وأنشأ هناك مدرسة ابتدائية عمل مديرا لها، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة. اكتشاف المتنبي وبعد عودته سنة 1929 انصرف إلى قراءة الأدب ومطالعة دواوين شعراء العربية على اختلاف عصورهم حتى صارت له ملكة في تذوق الشعر والتفرقة بين نظمه وأساليبه، وبدأ ينشر بعض قصائده الرومانسية في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" لمحب الدين الخطيب، واتصل بأعلام عصره من أمثال أحمد تيمور وأحمد زكي باشا والخضر حسين ومصطفى صادق الرافعي الذي ارتبط بصداقة خاصة معه. ولم يكن شاكر معروفا بين الناس قبل تأليفه كتابه "المتنبي" الذي أثار ضجة كبيرة بمنهجه المبتكر وأسلوبه الجديد في البحث، وهو يعد علامة فارقة في الدرس الأدبي نقلته من الثرثرة المسترخية إلى البحث الجاد. والعجيب أن شاكر الذي ألف هذا الكتاب سنة 1936 ولم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره لم يكن يقصد تأليف كتاب عن المتنبي، إنما كان مكلفا من قبل فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة المقتطف بأن يكتب دراسة عن المتنبي مسهبة بعض الإسهاب ما بين عشرين إلى ثلاثين صفحة، ولكن هذا التكليف تحول على يد شاكر كتابا مستقلا عن المتنبي أنجزه في فترة زمنية قصيرة على نحو غير مسبوق ونشرته مجلة المقتطف في عددها الصادر في السادس من شوال 1354هـ الأول من يناير 1936م، وصدر فؤاد صروف مجلته بقوله: هذا العدد من المقتطف يختلف عن كل عدد صادر منذ سنتين إلى يومنا هذا، فهو في موضوع واحد ولكاتب واحد. وقد اهتدى شاكر في كتابه إلى أشياء كثيرة لم يكتبها أحد من قبله استنتجها من خلال تذوقه لشعر المتنبي، فقال بعلوية المتبني وأنه ليس ولد أحد السقائين بالكوفة كما قيل، بل كان علويا نشأ بالكوفة وتعلم مع الأشراف في مكاتب العلم، وقال بأن المتنبي كان يحب خولة أخت سيف الدين الحمداني واستشهد على ذلك من شعر المتنبي نفسه، وتم استقبال الكتاب بترحاب شديد وكتب عنه الرافعي مقالة رائعة أثنى عليه وعلى مؤلفه. وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في الدرس الأدبي وتحديا لأدباء العصر، فكتب بعده عبد الوهاب عزام كتابه "المتنبي في ألف عام"، وطه حسين "مع المتنبي"، واتهمهما شاكر بأنهما احتذيا منهجه، وسطيا على بعض آرائه، وهاجم شاكر ما كتبه طه حسين في سلسلة مقالات بلغت 12 مقالا في جريدة البلاغ تحت عنوان "بيني وبين طه حسين". مع سيد قطب والإخوان وبعد وفاة مصطفي صادق الرافعي بعام أشعل سيد قطب معركة أدبية على صفحات الرسالة سنة 1938م، اندفع إليها بحماس الشباب دون روية، ومتأثرا بحبه الشديد وإعجابه الجامح بالعقاد، فهاجم أدب الرافعي وجرده من الإنسانية، والشاعرية واتهمه بالجمود والانغلاق، فثار محبو الرافعي على هذا الهجوم الصارخ، وقاد شاكر الدفاع عن شيخه وفند ما يزعمه سيد قطب، ودخل معه في معركة حامية لم يستطع الشهيد سيد قطب أن يصمد فيها. ثم تجددت المعركة بينهما بعد سنوات طويلة حين كتب سيد قطب مؤلفه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، وكان سيد قطب قد بدأ مرحلة التحول إلى الفكر الإسلامي، وحمل الكتاب ما اعتبر نقدا وتجريحا لبعض الصحابة، فانتفض شاكر وكتب مقالة شهيرة في مجلة "المسلمون" تحت عنوان " لا تسبوا أصحابي" سنة 1952م. وهذا يجرنا إلى محاولة معرفة الموقف السلبي الذي اتخذه شاكر من جماعة الإخوان المسلمين، وكان شديد الهجوم عليهم، ولا يعرف حتى الآن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ هذا الموقف، فهل كانت المعركة بينه وبين سيد قطب من أسباب ذلك؟! وهل الذين اتصلوا به من جماعة الإخوان كان لهم دور في توسيع الخلاف بينه وبينهم؟! ويجدر بالذكر أنه حين أنشئت داخل جماعة الإخوان المسلمين لجنة الشباب المسلم للتفرغ للدرس والبحث وبعيدا عن الانشغال بالنشاط الحركي، اتصلت بمحمود شاكر، وكان في برنامجها أن يقوم بتدريس السيرة النبوية لها بناء على اقتراح من المرشد العام حسن البنا، وعقدت عدة لقاءات، وعلى الرغم من هجوم شاكر على حسن البنا، فإن الأخير كان يصر على إتمام هذه اللقاءات للاستفادة من علم الأديب الكبير دون أن يتأثر بما يقوله عنه. العالم الإسلامي في بيت شاكر كانت فترة الخمسينيات فترة مشهودة في حياة شاكر، فقد ترسخت مكانته العلمية وعرف الناس قدره، وبدأت أجيال من الدارسين للأدب من أماكن مختلفة من العالم الإسلامي يفدون إلى بيته، يأخذون عنه ويفيدون من علمه ومكتبته الحافلة، من أمثال: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، وشاكر الفحام، وإبراهيم شبوح، فضلا عن كثير من أعلام الفكر الذي كانوا يحرصون على حضور ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة عقب صلاة المغرب، مثل فتحي رضوان ويحيى حقي، ومحمود حسن إسماعيل، ومالك بن نبي، وأحمد حسن الباقوري، وعلال الفاسي، وعبد الرحمن بدوي، وعبد الله الطيب. وشهدت هذه الندوة الدروس الأسبوعية التي كان يلقيها شاكر على الحاضرين في شرح القصائد الشعرية التي تضمنها كتاب الأصمعيات، وقد انتفع بهذه الدروس كثيرون، وكان الأديب الكبير يحيى حقي يعلن في كل مناسبة أن شاكر هو أستاذه الذي علمه العربية وأوقفه على بلاغتها، وأن ترجمات كتب مالك بن نبي خرجت من بيت شاكر، فقد قام أحد أفراد ندوته وترجمها إلى العربية وهو الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، وكان آنذاك شابا صغيرا في بداية مشواره العلمي. وفي ندواته الفكرية في بيته كان يعارض عبد الناصر علانية ويسخر من رجالات الثورة، ويستنكر ما يحدث للأبرياء في السجون من تعذيب وإيذاء وكان يفعل ذلك أمام زواره ومن بينهم من يشغل منصب الوزارة، كالشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك، ونتيجة لذلك لم يسلم شاكر من بطش السلطة، فألقت القبض عليه سنة 1959م، وبقي رهن السجن 9 أشهر حتى تدخلت شخصيات عربية، فأفرج عنه وعاد لمواصلة نشاطه في تحقيق كتاب تفسير الطبري الذي بدأ في نشره من قبل، وانتظمت ندوته مرة أخرى. أباطيل وأسمار وظل شاكر في عزلته الاختيارية بين كتبه وتلاميذه ومحبيه، لا يشارك في الساحة الفكرية بمقالاته وآرائه حتى بدأ لويس عوض في نشر سلسلة مقالات له في جريدة الأهرام سنة 1964م، تحت عنوان "على هامش الغفران" وكان الكاتب قد لمع نجمه بعد تعيينه مستشارا ثقافيا لجريدة الأهرام، وأصبح مهيمنا على أمور الثقافة في مصر وصار له حواريون وسدنة يبشرون بآرائه. وقد أثارت مقالات لويس عوض موجة من الشغب بين أوساط كثير من المثقفين لما فيها من تحامل على الشيخ المعري، ولم يجرؤ أحد على الرد سوى محمود شاكر الذي خرج من عزلته، وانبرى للويس عوض في سلسلة من المقالات المبهرة في مجلة الرسالة، كشفت عما في مقالات لويس عوض من الوهم والخلط التاريخي والتحريف في الاستشهاد بشعر أبي العلاء المعري، وعدم تمحيص الروايات التاريخية، والادعاء بتلقي المعري علوم اليونان على يد أحد الرهبان. وكانت مقالات شاكر التي ظهرت تباعا حدثا ثقافيا مدويا كشفت عن علم غزير ومعرفة واسعة بالشعر وغيره من الثقافة العربية، وقدرة باهرة على المحاجاة والبرهان، ولم تقف هذه المقالات التي بلغت ثلاثا وعشرين مقالة عند حدود الرد على كلام لويس عوض، بل انتقلت إلى الحديث عن الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي، وما طرأ عليها من غزو فكري ولا سيما حركة التبشير التي غزت العالم الإسلامي. وتدخل الناقد الكبير محمد مندور عند شاكر ليوقف مقالاته دون جدوى، وأصاب لويس عوض الذعر والهلع من مقالات شاكر التي فضحته بين أوساط المثقفين، وكشفت عن ضعف ثقافته حتى في تخصصه في الأدب الإنجليزي حين كشف شاكر عن فساد ترجمته العربية لمسرحية الضفادع لأرسطوفان، وراح لويس عوض يطوف على المجلات والصحف يستنصرهم ضد شاكر ويزعم أن المعركة بينهما معركة دينية، ولم يتوقف شاكر عند كتابة مقالاته حتى أغلقت مجلة الرسالة نفسها، وألقي به في غياهب السجن سنتين وأربعة أشهر من آخر شهر أغسطس سنة 1965م، حتى آخر شهر ديسمبر سنة 1967م، وقد جمعت هذه المقالات في كتابه "أباطيل وأسمار" الذي يعد من أهم الكتب التي ظهرت في المكتبة العربية في النصف الأخير من القرن العشرين. معارك فكرية أخرى وبعد خروجه من السجن هذه المرة عاد إلى ما كان عليه من قبل، فكتب في مجلة "المجلة" 7 مقالات إضافية تحت عنوان "نمط صعب، نمط مخيف" استجابة لصديقه الأديب يحيى حقي، حين أشاد بترجمة الشاعر الألماني "جوته" لقصيدة من قصائد الشاعر الجاهلي "تأبط شرا" وتساءل حول الترتيب الذي اقترحه الشاعر الألماني حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وحول الشعر القديم وروايته وافتقاد القصيدة العربية إلى الوحدة، وقد اقتضت الإجابة حول هذه الأسئلة تشعبا في الكلام، وامتدادا في أطرافه بلغ 400 صفحة حين جمع المقالات في كتاب، وقد تخلل ذلك نقد محكم للدكتور عبد الغفار مكاوي حين أعاد ترجمة قصيدة جوته إلى العربية، ودارت بينهما معركة قصيرة حول هذه الترجمة التي اتهمها شاكر بالركاكة والسقم. ثم دارت معركة أخرى بينه وبين الباحث العراقي الدكتور علي جواد الطاهر حول تحقيقه كتاب "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، وتولد عن ذلك كتابه "برنامج طبقات فحول الشعراء". تحقيق كتب التراث يعد شاكر على رأس قائمة محققي التراث العربي، وأطلق عليه العقاد المحقق الفنان، وإنجازاته في هذا المجال كثيرة، وهي عنوان على الدقة والإتقان، ومن أشهر الكتب التي حققها: تفسير الطبري (16 جزءا)، طبقات فحول الشعراء (مجلدان)، تهذيب الآثار للطبري (6 مجلدات).. وشاكر لا يحب أن يوصف بأنه محقق لنصوص التراث العربي، وإنما يحب أن يوصف بأنه قارئ وشارح لها، وهو يكتب على أغلفة الكتب التي يقوم بتحقيقها عبارة: "قرأه وشرحه" وهذه العبارة كما يقول الدكتور محمود الربيعي "هي الحد الفاصل بين طبيعة عمله وطبيعة عمل غيره من شيوخ المحققين، إنه يوجه النص ويبين معناه بنوع من التوجيه أو القراءة التي تجعله محررا؛ لأنها قراءة ترفدها خبرة نوعية عميقة بطريقة الكتابة العربية، وهو إذا مال بالقراءة ناحية معينة أتى شرحه مقاربا، وضبطه مقنعا، وأفق فهمه واسعا، فخلع على النص بعض نفسه وأصبح كأنه صاحبه ومبدعه". صاحب رسالة لم يكن شاكر في يوم من الأيام موظفا يمد يده نهاية كل شهر إلى مرتب ينتظره فتكون للحكومة كلمة نافذة في رزقه ومكانته، بل انقطع لعلمه وفكره ومكتبته وبحثه ودرسه وزملائه وتلاميذه كالراهب الذي انقطع للعبادة في صومعته. وعاش على أقل القليل يكفيه ويسد حاجته، ومرت عليه سنوات عجاف لكنه لم ينحن أو يميل على الرغم من أن بيته كان مفتوحا لتلاميذه وأصدقائه وعارفي فضله. ولم يكن له من مورد سوى عائده من كتبه التي كان يقوم بتحقيقها، وكان اسمه على صدرها يضمن لها النجاح والرواج، ولم يكن يأخذ شيئا على مقالاته التي يكتبها، فأعاد لمجلة العربي الكويتية سنة 1982م مائة وخمسين دولارا نظير مقالة كتبها ردا على الكاتب اليمني عبد العزيز المقالح حول طه حسين، ورفض أن يتسلم من دار الهلال مكافأته عن تأليفه كتابه المهم "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا". ولأنه كان يشعر أنه صاحب رسالة فإنه كان ينتفض حين يرى انتهاك حرمة من حرمات اللغة العربية فيقف مدافعا عنها بكل ما يملك من أدوات علمية وفكرية، تجعل الخصم يسلم بما يقول أو يلوي هاربا. ومعاركه كلها جمعت في كتب وصارت وثائق في تاريخنا الفكري الحديث، كتبها هو من موقع المدافع والحارس لثقافة الأمة، ولولا خصومه لما ظهرت معظم مؤلفاته؛ لأنها كانت استجابة لتحديات عظيمة، وهي تظهر عظمة شاكر؛ لأنه لم يحتشد لها مثلما يحتشد المؤلفون عند تأليف كتبهم وإنما دخلها كارها مستندا إلى ثقافة واسعة وعلم غزير، وفكر ثاقب وروح وثابة، فأتى بالعجب العجاب. وفي أخريات عمره رد له بعض الاعتبار، فنال جائزة الدولة التقديرية في الأدب سنة 1981م، ثم جائزة الملك فيصل في الأدب العربي عام 1984م، وفي أثناء ذلك اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ثم بالقاهرة. وبعد رحلة حياة عريضة رحل أبو فهر شيخ العربية وإمام المحققين في الساعة الخامسة من عصر الخميس الموافق 3 من ربيع الآخر 1418هـ= 6 من أغسطس 1997م) ولبى نداء ربه.. فسلام عليك أبا فهر. أحمد حسن الزيات واحد من الكوكبة العظيمة التي تبوأت مكان الصدارة في تاريخ الثقافة العربية، وَلَج هذه الكوكبة ببيانه الصافي، وأسلوبه الرائق، ولغته السمحة، وبإصداره مجلة "الرسالة" ذات الأثر العظيم في الثقافية العربية. ولد الزيات بقرية "كفر دميرة القديم" التابعة لمركز "طلخا" بمحافظة "الدقهلية" بمصر في (16 من جمادى الآخرة 1303 هـ= 2 من إبريل 1885م)، لأسرة متوسطة الحال، تعمل بالزراعة، وكان لوالده نزوع أدبي، وتمتّعت أمه بلباقة الحديث وبراعة الحكي والمسامرة، وتلقى تعليمه الأوّلي في كُتّاب القرية، وهو في الخامسة من عمره، فتعلم القراءة والكتابة، وأتمّ حفظ القرآن الكريم وتجويده، ثم أرسله أبوه إلى أحد العلماء في قرية مجاورة، فتلقى على يديه القراءات السبع وأتقنها في سنة واحدة. الزيات في الأزهر التحق الزيات بالجامع الأزهر وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكانت الدراسة فيه مفتوحة لا تتقيد بسن معينة، ولا تلزم التلاميذ بشيخ محدد، وإنما كان الطلاب يتنقلون بين الأساتذة، حتى إذا آنس أحدهم ميلاً إلى شيخ بعينه؛ لزمه وانصرف إليه. وظل الزيات بالأزهر عشر سنوات، تلقى أثناءها علوم الشريعة والعربية، غير أن نفسه كانت تميل إلى الأدب، بسبب النشأة والتكوين، فانصرف إليه كليةً، وتعلق بدروس الشيخ "سيد علي المرصفي" الذي كان يدرّس الأدب في الأزهر، ويشرح لتلاميذه "حماسة" أبى تمام، وكتاب "الكامل" للمبرّد، كما حضر شرح المعلقات للشيخ محمد محمود الشنقيطي، أحد أعلام اللغة البارزين. وفي تلك الأيام اتصل بطه حسين، ومحمود حسن الزناتي، وربطهم حب الأدب برباط المودة والصداقة، فكانوا يترددون على دروس المرصفي الذي فتح لهم آفاقًا واسعة في الأدب والنقد، وأثّر فيهم جميعًا تأثيرًا قويًا، وكانوا يقضون أوقاتًا طويلة في "دار الكتب المصرية" لمطالعة عيون الأدب العربي، ودواوين فحول الشعراء. الزيات معلمًا لم يستكمل الثلاثة دراستهم بالجامع الأزهر، والتحقوا بالجامعة الأهلية التي فتحت أبوابها للدراسة في سنة (1329 هـ= 1908م) وكانت الدراسة بها مساء، وتتلمذوا على نفر من كبار المستشرقين الذين استعانت بهم الجامعة للتدريس بها، من أمثال: نللينو، وجويدي، وليتمان. وكان الزيات أثناء دراسته بالجامعة، يعمل مدرسًا بالمدارس الأهلية، وفي ذات الوقت يدرس اللغة الفرنسية التي أعانته كثيرًا في دراسته الجامعية حتى تمكن من نيل إجازة الليسانس سنة (1331هـ= 1912م). التقى الزيات وهو يعمل بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية في سنة (1333هـ= 1914م) بعدد من زملائه، كانوا بعد ذلك قادة الفكر والرأي في مصر، مثل: العقاد، والمازني، وأحمد زكي، ومحمد فريد أبو حديد، وقد أتيح له في هذه المدرسة أن يسهم في العمل الوطني ومقاومة المحتل الغاصب، فكان يكتب المنشورات السرية التي كانت تصدرها الجمعية التنفيذية للطلبة في أثناء ثورة 1919م، وكانت تلك المدارس من طلائع المدارس التي أشعلت الثورة وقادت المظاهرات. وظل الزيات يعمل بالمدارس الأهلية حتى اختارته الجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيسًا للقسم العربي بها في سنة ( 1341 هـ= 1922م)، وفي أثناء ذلك التحق بكلية الحقوق الفرنسية، وكانت الدراسة بها ليلاً، ومدتها ثلاث سنوات، أمضى منها سنتين في مصر، وقضى الثالثة في فرنسا حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس في سنة (1344هـ= 1925). وظل بالجامعة الأمريكية حتى اختير أستاذًا في دار المعلمين العالية ببغداد (1348 هـ= 1929م) ومكث هناك ثلاث سنوات، حفلت بالعمل الجاد، والاختلاط بالأدباء والشعراء العراقيين، وإلقاء المحاضرات. مجلة الرسالة بعد عودة الزيات من بغداد سنة (1351هـ= 1933م) هجر التدريس، وتفرغ للصحافة والتأليف، وفكّر في إنشاء مجلة للأدب الراقي والفن الرفيع، بعد أن وجد أن الساحة قد خلت باختفاء "السياسة" الأسبوعية التي كانت ملتقى كبار الأدباء والمفكرين، وذات أثر واضح في الحياة الثقافية بمصر، وسانده في عزمه أصدقاؤه من لجنة التأليف والترجمة والنشر. وفي (18 من رمضان 1351 هـ= 15 من يناير 1933) ولدت مجلة الرسالة، قشيبة الثياب، قسيمة الوجه، عربية الملامح، تحمل زادًا صالحًا، وفكرًا غنيًا، واستقبل الناس الوليد الجديد كما يستقبلون أولادهم بلهفة وشوق؛ حيث كانت أعدادها تنفد على الفور. وكانت المجلة ذات ثقافة أدبية خاصة، تعتمد على وصل الشرق بالغرب، وربط القديم بالحديث، وبعث الروح الإسلامية، والدعوة إلى وحدة الأمة، وإحياء التراث، ومحاربة الخرافات، والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة، والجملة البليغة. وقد نجحت الرسالة في فترة صدورها، فيما أعلنت عنه من أهداف وغايات، فكانت سفيرًا للكلمة الطيبة في العالم العربي، الذي تنافس أدباؤه وكُتّابه في الكتابة لها، وصار أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها، فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة؛ فقد أصبح من كُتّاب الرسالة. وأفسحت المجلة صفحاتها لأعلام الفكر والثقافة والأدب من أمثال العقاد، وأحمد أمين، ومحمد فريد أبو حديد، وأحمد زكي، ومصطفي عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي الذي أظلت المجلة مقالته الخالدة التي جُمعت وصارت "وحي القلم". وربت الرسالة جيلا من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي، فتخرج فيها: محمود محمد شاكر، ومحمد عبد الله عنان، وعلي الطنطاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في (29 من جمادى الآخرة 1372هـ= 15 من فبراير 1953م). الزيات أديبًا يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة، وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير، والثلاثة الآخرون هم: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، والعقاد، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين، فيقول: "والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندسة، والجملة المزدوجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتاب عصرنا". وعالج الزيات في أدبه كثيرًا من الموضوعات السياسية والاجتماعية، فهاجم الإقطاع في مصر، ونقد الحكام والوزراء، وربط بين الدين والتضامن الاجتماعي، وحارب المجالس الوطنية المزيّفة، وقاوم المحتل، وعبّأ الشعب لمقاومته، ورسم سبل الخلاص منه.. يقول الزيات: "إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد، وكلماتها من نار، فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة، وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل، أو تضعوا القيود في رِجل الأسد، أو تلقوا الماء في فم البركان، فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة، إذا هاج لا يُقْدَع، وإذا وقع لا يُدْفَع، لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل، وصبرنا حتى مللنا الصبر، والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب، ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار". وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددًا من الكتب، أقدمها: كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وصدر سنة (1335 هـ= 1916م)، ثم أصدر "في أصول الأدب" سنة (1352هـ= 1934م)، و"دفاع عن البلاعة" سنة (1364 هـ= 1945م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي، قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي. ثم جمع الزيات مقالاته وأبحاثه التي نشرها في مجلته، وأصدرها في كتابه "وحي الرسالة" في أربعة مجلدات، أودعها تجاربه ومشاهداته وانفعالاته وآراءه في الأدب والحياة والاجتماع والسياسة، بالإضافة إلى ما صوّره بقلمه من تراجم لشخصيات سياسية وأدبية. ولم يكن التأليف وكتابة المقالة الأدبية هما ميدانه، بل كان له دور في الترجمة الراقية، ذات البيان البديع، فترجم من الفرنس ية "آلام فرتر" لجوته سنة ( 1339هـ= 1920م) ورواية "روفائيل" للأديب الفرنسي لامرتين، وذلك في أثناء إقامته بفرنسا سنة (1344هـ= 1925م). وقد لقي الزيات تقدير المجامِع والهيئات العربية، فاختير عضوًا في المجامع اللغوية في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وكرّمته مصر بجائزتها التقديرية في الأدب سنة (1382هـ= 1962م). وعاش الزيات بعيدًا عن الانتماءات الحزبية، فلم ينضم إلى حزب سياسي يدافع عنه، مثل العقاد وهيكل وطه حسين، ولم يدخل في خصومه مع أحد، ولم يشترك في المعارك الأدبية التي حفلت بها الحياة الثقافية في مصر؛ فقد كان هادئ النفس، وديع الخلق، ليّن الجانب، سليم الصدر. وظل الزيات محل تقدير وموضع اهتمام حتى لقي ربه بالقاهرة في صباح الأربعاء الموافق (16 من ربيع الأول 1388 هـ= 12 من مايو 1968م) عن ثلاثة وثمانين عامًا. ازدهر تحقيق التراث العربي في مصر في مطلع القرن العشرين منذ أن حمل رايته شيخ العروبة أحمد زكي باشا، فأضاء طريقًا وعبّد نهجًا سلكه مِن بعده نفر كرام من حملة العلم وأئمته، فأخرجوا للناس كنوز أمتهم المخبوءة، ويسروا لهم الوقوف على التراث، حتى يتصل الحاضر بالماضي، وينتقل علم السلف إلى الخلف في سلامة وأمان، بعيدًا عن التصحيف والتحريف. وحمل هذه الأمانة أعلام بررة من أمثال أحمد محمد شاكر ومحمود محمد شاكر ومحيي الدين عبد الحميد، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر ومحمد أبو الفضل إبراهيم... وهؤلاء الأفذاذ كانوا أشبه الناس بعلمائنا القدامى في سعة العلم ورحابة الأفق ورجاحة العقل، وعت صدورهم علوم العربية، فهي تنثال على أقلامهم دون كدّ أو تعب، وكتبوا صفحات مشرقة في صحائف الثقافة العربية. وتتلمذ على هذا الجيل عدد من أبناء العربية النابهين من أمثال عبد الفتاح محمد الحلو ومحمود علي مكي، وإحسان عباس، ومحمد يوسف نجم ومهدي المخزومي.. وغيرهم. وكان محمود محمد الطناحي واحدًا من أبرز هذا الجيل، اتصل بالتراث العربي مبكرًا.. ناسخًا ومحققًا، حتى صار من خبرائه المعدودين في العالم، ولازم شيخ العربية محمود محمد شاكر وتوثقت صلته به، فأفاد منه علمًا غزيرًا، وهو إلى جانب ذلك حجة في فنون العربية وآدابها، بصير بعلومها، متقن للقرآن وقراءاته، كثير الرواية، حلو الحديث لا يمل جليسه. المولد والنشأة في إحدى قرى محافظة المنوفية، ولد محمود محمد الطناحي في (23 من ذي الحجة 1353هـ = 29 من مارس 1935م)، وانتقل إلى القاهرة مع أسرته وهو في الثامنة من عمره إلى حي الدرب الأحمر بوسط القاهرة التاريخية، وبعد أن حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة التحق بمعهد القاهرة الديني التابع للأزهر، وحصل منه على الشهادة الابتدائية ثم الثانوية في سنة (1378هـ = 1958م)، والتحق بكلية دار العلوم ولم يواصل طريقه في الجامعة الأزهرية. وفي ذلك الوقت اتصل بفؤاد السيد أمين المخطوطات في دار الكتب الذي أعجب بذكائه وشغفه بالمعرفة، فعهد إليه بنسخ بعض المخطوطات لحساب بعض المستشرقين الذين كانوا يترددون على دار الكتب، فنسخ أجزاءً من كتاب الوافي بالوفيات للصفدي وكنز الدرر لابن أيبك الداوردي، والمغازي للواقدي.. وفي أثناء تردده على دار الكتب اتصل بعدد من العلماء والباحثين العرب الذين كانوا يقصدون قائمة المخطوطات بدار الكتب من أمثال إسماعيل الأكوع من اليمن، وشاكر الفحام من سوريا، ومحمد بن شريفة من المغرب.. وفي الوقت نفسه عمل مصححًا في مطبعة عيسى البابي الحلبي، وهي من أعرق المطابع ودور النشر في مصر والعالم الإسلامي، أخرجت كنوزًا كثيرة من التراث، وقد أوقفه عمله بالتصحيح على أشياء كثيرة، وحصَّل معارف واسعة. في معهد المخطوطات العربية وبعد تخرجه في كلية دار العلوم سنة (1382هـ = 1962م) عمل معيدًا بمعهد الدراسات العربية التابع للجامعة الأمريكية، ولم يستمر في هذا العمل طويلاً، فانتقل سنة 1965م إلى معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، الذي بدأ الاستعانة بعدد من شباب الباحثين في مجال المخطوطات كان من بينهم الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو.. وأكسبه العمل في المعهد خبرات واسعة بكنوز التراث العربي بفضل تلمذته على عالِمي المخطوطات الكبيرين محمد رشاد عبد المطلب وفؤاد السيد.. وكان رشاد عبد المطلب كما يقول الطناحي: "من العلماء بالمخطوطات وأماكن وجودها، وكان لا يجارى في معرفة المطبوعات وأماكن طبعها شرقًا وغربًا، والفرق بين الطبعات، وعدد طبعات الكتاب المختلفة، ومن وراء ذلك كانت له صلات وثيقة بعلماء الدنيا من عرب وعجم، كنت لصيقًا به ملازمًا له عشر سنوات في معهد المخطوطات.. وتعلمت منه الكثير". وقد اشترك الطناحي في البعثات التي كان يوجهها المعهد إلى البلاد التي احتوت خزائن كتبها على نوادر المخطوطات، لتصويرها وحفظها في المعهد لتكون تحت تصرف المحققين والباحثين، فسافر إلى تركيا مع بعثة المعهد سنة (1390هـ = 1970م)، والمملكة المغربية عامي (1392هـ = 1972م) و (1395هـ = 1975م)، والسعودية سنة (1393هـ = 1973م) واليمن سنة (1394هـ = 1974م). رحلة كفاح وجهاد واصل الطناحي في أثناء عمله بالمعهد دراساته العليا، فحصل على الماجستير في النحو العربي من كلية دار العلوم سنة (1392هـ = 1972م) بتحقيق كتاب "الفصول الخمسون" لابن معط ودراسة آرائه النحوية، ونال درجة الدكتوراه من الكلية نفسها سنة (1398هـ = 1978م) برسالة موضوعها "ابن الشجري وآراؤه النحوية". إلى جانب ذلك فقد كان يشتغل بإخراج عدد من كنوز التراث محققة تحقيقًا علميًّا، فأخرج في سنة (1383هـ = 1963م) بالاشتراك مع الطاهر أحمد الزوي ثلاثة أجزاء من كتاب "النهاية في غريب الحديث والأثر" ثم انفرد بتحقيق الجزأين الأخيرين من هذا الكتاب. ثم اشترك مع زميله عبد الفتاح محمد الحلو في إخراج واحد من أهم كتب التراجم، فبدأ في سنة (1394هـ = 1964م) نشر كتاب "طبقات الشافعية الكبرى"، في عشرة أجزاء، ثم أعاد نشره مرة ثانية مع مزيد من العناية والتدقيق سنة (1413هـ = 1992م). وتوالت بعد ذلك أعماله في تحقيق نصوص تراثية بالغة القيمة، فنشر الجزء الثامن من كتاب "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" لتقي الدين الفاسي سنة (1389هـ = 1969م)، والجزء الأول من كتاب الغريبين – غريبي القرآن والحديث – للهروي سنة (1390هـ = 1970م) والجزأين السادس عشر والثامن والعشرين من كتاب تاج العروس للزبيدي في سنتي (1396هـ = 1976م) و (1414هـ = 1993م). وهذا النشاط الوافر في إخراج كتب التراث لم يشغله عن مجالسة أئمة العلم وشيوخ المحققين والتلمذة على أيديهم، من أمثال محمود محمد شاكر وعبد السلام هارون ومحمد أبو الفضل إبراهيم، وأتاح له تردده عليهم وحضوره مجالسهم أن يقف على أبواب واسعة من العلم، وأن يستفيد بخبراتهم الواسعة في فن التحقيق. وظل الطناحي وفيًا لهم دائم الذكر والدعاء فيما يكتب، عارفًا بفضلهم عليه.. ومن بين المشايخ الذين تردد عليهم وحضر مجالسهم: شيخ الإقراء في مصر عامر السيد عثمان، وكانت له مقرأة حافلة في مسجد الإمام الشافعي في يوم الجمعة، يؤمها القراء والدارسون، والفقيه الأصولي عبد الغني عبد الخالق الأستاذ في كلية الشريعة. العمل بالجامعات العربية وبعد حصوله على الدكتوراه انتقل الطناحي للعمل باحثًا في مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ثم أستاذًا بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعات نفسها. وقد عرف القائمون على الجامعة قدر الرجل وخبرته النادرة في تحقيق التراث، فلم يعامل مثل غيره من أساتذة الجامعة، وإنما وضعوه بإزاء الأساتذة: محمد متولي الشعراوي، ومحمد الغزالي، والسيد أحمد صقر، والسيد سابق، ومحمد قطب… وهذه الأسماء اللامعة لعلماء العصر تنبئك بحق مكانة الطناحي وقدره. وفي فترة إقامته هناك التي امتدت لأكثر من عشر سنوات نجح في تكوين مدرسة من تلامذته الذين أشرف على رسائلهم أو شارك في مناقشتها، كما نشر هناك تحقيقه لكتاب "منال الطالب في شرح طوال الغرائب" لمجد الدين بن الأثير سنة (1403هـ = 1983م)، وكتاب "الشعر" لأبي على الفارسي في مجلدين سنة (1409هـ = 1988م). العودة إلى القاهرة وبعد عودته إلى القاهرة عمل أستاذًا بجامعة القاهرة في كلية الدراسات العربية والإسلامية، ثم انتقل سنة (1417هـ = 1996م) أستاذًا بكلية الآداب جامعة حلوان، وظل الطناحي على صلة بالجامعات العربية.. فعمل أستاذًا زائرًا في كل من جامعة محمد بن سعود بالرياض سنة (1412هـ = 1991م)، وجامعة الكويت سنة (1415هـ = 1994م)، وجامعة العين بالإمارات المتحدة سنة (14 18هـ = 1997م). وخلال هذه السنوات اختاره مجمع اللغة العربية سنة (1410هـ = 1989م) خبيرًا في لجنة المعجم الكبير، وكان عمله في هذه اللجنة مثريًا لها بما كان يقدمه من تحقيقات ومراجعات تشهد بعلمه الواسع بالتراث، ومعرفته العميقة بمظانه، والتمرس بتحقيق مخطوطاته. كما اختير خبيرًا بمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، وانتخب عضوًا بالهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي في معهد إحياء المخطوطات العربية. وأخرج في هذه الفترة عددًا من عيون كتب التراث، فأخرج كتاب أمالي ابن الشجري في ثلاثة أجزاء سنة (1413هـ = 1992م)، وذكر النسوة المتعبدات لأبي عبد الرحمن السلمي، سنة (1414هـ = 1993م)، وأعمار الأعيان لأبي الفرج بن الجوزي سنة (1415هـ = 1994م) وجهود الطناحي في الكتب التي حققها وأخرجها تضعه في مصاف كبار العلماء الذين نهضوا بهذه الرسالة الجليلة من أمثال عبد العزيز الميمني وعبد السلام هارون ومحمود محمد شاكر. مؤلفات الطناحي ومقالاته للطناحي مؤلفات أصيلة دار أكثرها حول نشر التراث، وهو العلم الذي قضى حياته خادمًا له، من ذلك كتابه النفيس "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" تعرض فيه لبواكير نشر التراث العربي، وتتبع مداخله في مصر وغيرها، وعرض لمراحل تطوره والأدوار التي مر بها، ومدارس التحقيق وأعلامه في مصر والعالم العربي، وتطرق لجهود دور النشر الأهلية والرسمية في نشر التراث. وله أيضًا: الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم. وتعد المقدمات التي كان يكتبها الطناحي للكتب التي قام بتحقيقها كتبًا أصيلة، تحدد أصول المنهج الذي ينبغي أن يلتزم به من يقوم بالتحقيق. ووضع فهارس علمية لبعض كتب التراث، وهي تعد نماذج لما يجب أن تكون عليه الفهرسة للكتب التراثية، وهو عمل يحتاج إلى دقة ودأب وصبر، فوضع فهرسًا لكتاب "الأصول في النحو" لابن السراج ونشره في القاهرة سنة (1407هـ = 1986م)، وفهرس الأشعار لكتاب "ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري، ونشره في العدد السابع والثلاثين من مجلة معهد المخطوطات العربية. وله بحوث علمية دقيقة نشرها في المجلات العلمية المتخصصة. وفي العشر السنوات الأخيرة من حياته طلع على الناس بمقالاته البديعة التي كان يكتبها بانتظام في مجلة الهلال فكشفت عن جوانب جديدة، وأبانت عن تمكنه الشديد من الثقافة العربية، مع قدرة على الإبانة في أسلوب طلي جذاب، ومن يطالع هذه المقالات يعرف أن الرجل قد احتشد لها واستعد فهي ليست مما يقرؤه الناس من بعض الأقلام تحمل خواطر وآراء، وإنما هي تحمل علمًا وأدبًا، يدهشك ما ينثره بين ثنايا مقالاته من فوائد لغوية وتاريخية، هي خلاصة خبرته وملازمته للكتب ومشافهته أهل العلم. شخصية الطناحي جمع الطناحي إلى علمه الواسع صفات وخلالا أسرت كل من التقى به وخالطه وجالسه فهو كريم الخلق، نقي النفس، خفيف الروح، عذب الحديث، فإذا تكلم وحكى بهر جلساءه بظرفه وفصاحته ونوادره التي لا يمل حديثها، فكان زينة المجالس والمحافل مع هيبة واعتداد بالنفس. وهو وفي لشيوخه ومعلميه كثير الدعاء لهم إذا استشهد بواحد منهم أو عرض لذكراه، فإذا كانوا من الأحياء دعا لهم بمثل قوله: أطال الله في الخير بقاءهم" ، وإذا كان أحدهم من الأموات قال: "برَّد الله مضجعه" أو "طيَّب الله ثراه". وعلاقته بشيخه محمود محمد شاكر مثال نادر للوفاء يقدمه تلميذ لشيخه، فكان دائم الثناء عليه، ذاكرًا له في كل موضع، معترفًا بفضله، حريصًا على حضور مجلسه الأسبوعي في منزله في يوم الجمعة مهما كانت الشواغل، وكان الطناحي لا يترك مناسبة إلا ذكر الناس بفضل شيخه وقيمته في الثقافة العربية، يقول عنه في أحد المواضع من كتابه "مدخل إلى تاريخ نشر التراث": "كيف أكتب عنك أيها الشيخ الجليل، ومن أين أبدأ، وكيف أمضي وإلى أين أنتهي؟ فالحديث عنك إنما هو عن تاريخ هذه الأمة العربية: عقيدة ولغة وفكرًا ورجالاً.. ومعذرة ثم معذرة شيخي أبا فهر إذ أكتب عنك بهذه الوجازة التي تراها.. ثم معذرة من بابة أخرى، وهو أن كثيرًا مما ستقرؤه إن شاء الله منتزع من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك، وأتقدم إليك بسابق فضلك وموصول علمك...". وهو مع تلاميذه كأحدهم ولكن في وقار، يأنس بهم ويعاونهم ويشجعهم على طلب العلم، ويفتح لهم مغاليق العلم، وكانت روحه دائمة الشباب، لا تستشعر إذا جالسته أنك أمام عالم تخطى الستين من عمره. وبعد وفاة محمود محمد شاكر تطلع الناس إلى تلميذه الوفي ليكون خليفته ويواصل مسيرته في خدمة التراث العربي، لكن الموت لم يمهله فاختطفه فجأة وهو في أتم صحة وعافية في (6 من ذي الحجة 1419هـ = 23 من مارس 1999م). يعتبر اسم ألفريد نوبل أحد أشهر الأسماء في العالم، كما تُعَدُّ الجائزة المعروفة باسمه من أقدم الجوائز العالمية وأكثرها شهرة وأكبرها قيمة؛ سواء من حيث قيمتها المادية، أو من حيث قيمتها الأدبية والمعنوية.. وُلد ألفريد نوبل يوم 21 من أكتوبر عام 1833 في مدينة "أستوكهولم" عاصمة السويد، وكان أبوه "عمانوئيل نوبل" مهندسًا مدنيًّا مختصًا بإنشاء الطرق والكباري، كما كان مبتكرًا ومخترعًا، خاصة فيما يمس طرق تدمير الصخور. وعلى العكس من مسار الأحداث بعد ذلك كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته، فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما التهمت النار مسكن العائلة؛ وهو ما دفع الأب إلى السفر وحده إلى فنلندا عام 1837م بحثًا عن فرصة أفضل للحياة، ثم ارتحل سريعًا إلى "بطرسبرج" عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيًّا من أستوكهولم، وأنشأ في مدينة بطرسبرج ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات مع الجيش الروسي فتحسنت أحواله المادية وأرسل لعائلته عام 1842م لتلحق به في بطرسبرج. وكان نجاح عمانوئيل الأساسي يتمثل في اختراع الألغام البحرية المستخدمة في الحروب، والتي استخدمها الجيش الروسي في إقامة شبكة من الألغام البحرية في مياه بحر البلطيق وحول مدينة بطرسبرج، وهو ما وفَّر الحماية للمدينة من البحر أثناء حرب القرم (عام 1853- 1856) بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، ولم تستطع السفن الحربية البريطانية اختراق شبكة الألغام أو الاقتراب من المدينة. وتقديرًا لمجهوداته واختراعه حصل عمانوئيل على وسام الإمبراطور الذهبي من قيصر روسيا. مع والده على طريق الديناميت بعد نجاح عمانوئيل نوبل في حياته العملية في مدينة بطرسبرج، وتكوينه لثروة كبيرة من اختراعه للألغام البحرية، أراد أن يعوِّض أولاده الأربعة: روبرت، ولودفيح، وإميل، وألفريد عن سنوات الضنك السابقة فأتاح لهم مستوى رفيعًا من التعليم الخاص؛ حيث وفَّر لهم مدرسين قاموا بتعليمهم علوم الطبيعة والكيمياء واللغات والآداب، وبلغ نبوغ ألفريد حدًّا مذهلاً، فلم يكد يتم السابعة عشرة من عمره حتى أتقن خمس لغات، وهي: السويدية، والروسية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية. واتجه اهتمام ألفريد إلى الأدب، خاصة الأدب الإنجليزي، وتأليف الشعر، غير أن أباه لم يكن راضيًا عن اهتمام ابنه بالآداب ومحاولات تأليفه الشعر، وكان يريد إلحاقه بمشاريعه في الهندسة المدنية، فأرسله للخارج في سلسلة رحلات لعدة دول؛ ليواصل تعليمه في علم الكيمياء، فزار ألفريد السويد وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وفي باريس وجد ألفريد نفسه منخرطًا في الكيمياء فالتحق بمعمل البروفيسور بيلوز، وتوجه اهتمامه نحو نفس اهتمامات والده في التفجير والديناميت؛ حيث زامل عالمًا شابًّا من علماء الكيمياء له نفس اهتماماته، وهو الإيطالي "أسانوي سوبر يرو" الذي توصَّل إلى تحضير سائل النيتروجليسرين شديد الانفجار. وفي الولايات المتحدة التقى بالمخترع السويدي الأصل الأمريكي الجنسية "جوذا أريكسون".. وكان لهذه اللقاءات أثرها في أن يقتنع ألفريد بوجهة نظر أبيه في العمل في مجالي الطبيعة والكيمياء وتطبيقاتها في مجال المفرقعات. وفي غضون عام 1862م، ومع انتهاء حرب القرم وتوقف صفقات الجيش الروسي، تدهورت الأحوال المادية لعمانوئيل نوبل، فقرر العودة للسويد والإقامة في مدينة أستوكهولم هو وولداه إميل وألفريد، في حين بقي روبرت ولودفيح في بطرسبرج. وبالعودة لمدينة أستوكهولم حمل ألفريد في أمتعته مذكراته عن سائل النيتروجليسرين، وقام هو ووالده ببناء مصنع بالقرب من المدينة لتصنيع هذه المادة شديدة الانفجار، وقام بتصنيع نحو 140 كيلو جرامًا من هذه المادة، ولكن المصنع انفجر عام 1864م، وتسبب الانفجار في مقتل الأخ الأصغر لألفريد (إميل)، وأربعة من الكيميائيين والعمال. وقد ترك هذا الحادث جرحًا عميقًا في نفسه، وفكر ألفريد فصار همه الأول هو كيف يستأنس هذه المادة شديدة الانفجار ويُخضعها لرغبات الإنسان وإرادته، ونجح بالفعل عام 1866 في اختراع الديناميت، وحصل على براءة اختراعه فتهافتت على شرائه شركات البناء والمناجم والقوات المسلحة، وانتشر استخدام الديناميت في جميع أنحاء العالم، وقام ألفريد بإنشاء عشرات المصانع والمعامل في عشرين دولة، وجنى من وراء ذلك ثروة كبيرة جدًّا حتى أصبح من أغنى أغنياء العالم، وأُطلِقَ عليه "ملك المفرقعات في العالم". ألفريد.. جانٍ أم مجني عليه؟ هاجمت الصحافة ألفريد في أوروبا وحملت عليه بشدة، وأطلق عليه بعض الصحفيين لقب "صانع الموت"؛ لأنه صنع شهرته وثروته من صناعة المفرقعات التي استخدمت في الحروب على نطاق واسع. وواجه ألفريد هذه الحملات بأن رسم لنفسه صورة ذهنية معاكسة تمامًا للسائد عنه، فقد صور أنه كان يحلم دائمًا أن يرى نهاية للحروب، وأن يعم السلام بين الأمم، وزعم أنه كان يرى في الديناميت أملاً في رخاء وسعادة البشرية(!!) من خلال استخدام الديناميت في حفر المناجم واستخراج الخيرات والثروات الطبيعية من باطن الأرض، إلى جانب حفر الأنفاق وشق القنوات وشق الطرق لتسهيل التجارة والاتصالات بين البشر. وفي إطار حملته هذه تعلل بأن الشر الكامن في النفس البشرية هو الذي أدى لاستخدام الديناميت كوسيلة مدمرة من وسائل الحروب. واستمر هذا الاتجاه يؤكد أن ألفريد نوبل قد حزن لذلك حزنًا شديدًا، وقرر في أواخر حياته أن يهب بعض ثروته لكل من يُسهم في إسعاد ورخاء البشرية. ورغم انتشار هذا التفسير ونجاح أصحابه في جعله قاعدة ومُسلَّمة، فإن ذلك لا يمنعنا من التساؤل حول بدايات ألفريد وتوجهه الدائم نحو التخصص في المفرقعات، وكذلك كمُّ المصانع التي أنشأها هو ووالده، والتي تخصصت في عقد صفقات مع الجيوش في المقام الأول، واكتسابهم القوة والشهرة من خلال استمرار هذه الحروب، بل وانتشارها. ولا يمنع هذا الأمر من أن يكون قد ندم بعد ذلك، ولكن هل ينفع الندم بعد أن خرج مارد الموت من القمقم؟ وهل تكفي الدولارات لإقناعه بالعودة؟ الوصية.. الجائزة مات ألفريد نوبل يوم العاشر من ديسمبر سنة 1896م في مدينة "سان ريمو" الإيطالية وحيدًا، لا يجد حوله إلا خدمه؛ حيث إنه لم يتزوج، وقد خلّف وراءه ثروة طائلة قُدِّرت بحوالي 30 مليون كورونا سويدية، تقدر بنحو 150 مليون دولار. ولم يوجه نوبل كل ثروته للجائزة كما يُشاع، ولكن وصيته تضمنت مبالغ معقولة لأقاربه وأصدقائه. أما الجانب الأكبر من ثروته فقد أوصى باستثمارها في مشروعات ربحية، ويتم من ريعها منح خمس جوائز سنوية لأكثر مَنْ أفاد البشرية في خمس مجالات حددها: في مجال الكيمياء، والفيزياء، والطب أو الفيسيولوجيا، والأدب، والسلام العالمي. وأوصى بأن تقوم الأكاديمية السويدية للعلوم باختيار الفائز في مجال الكيمياء والفيزياء (الطبيعة)، وأن يقوم معهد كارولينسكا بأستوكهولم باختيار الفائز في مجال الطب والفسيولوجيا، ويقوم البرلمان النرويجي بانتخاب خمسة أشخاص ليختاروا الفائز بجائزة السلام العالمي، وقد أوصى نوبل برغبته في أن يكون الاختيار للجوائز نزيهًا، وأن تُمنَح الجوائز لمن هو أكثر استحقاقًا بها بغض النظر عن جنسية المرشح؛ سواء كان سويديًا أو لم يكن.. وقد حدث خلاف وجدل سياسي ومجتمعي وقانوني حول تفسير نصوص وصية ألفريد نوبل، واستمر هذا الجدل لمدة خمس سنوات، فقد أرادت الحكومة السويدية الضغط على لجنة نوبل المخول لها تنفيذ الوصية لتُغيِّر الوصية وقصرها على السويديين فقط، ولكن اللجنة قررت أن تنفذ الوصية بالحرف دون أي تغيير. الجائزة ومراسم الاحتفال بها بدأ تقديم جوا ئز نوبل لأول مرة عام 1901م في يوم ذكرى وفاة ألفريد نوبل العاشر من ديسمبر، وحسب الوصية التي تركها. وحفل تسليم الجوائز يقام في صالة الاحتفالات الموسيقية أستوكهولم، والصالة تتسع لألف وثلاثمائة ضيف، والضيوف هم عائلات الحاصلين على الجائزة وأفراد العائلة المالكة السويدية والسياسيون والدبلوماسيون وممثلو الحكومة السويدية وأعضاء البرلمان. ويتم توزيع الجوائز في السويد، ويُشْرِف ملك السويد بنفسه على تسليمها لأصحابها، وذلك في جوائز نوبل في الكيمياء والطبيعة والأدب والطب. أما جائزة السلام فيتم تسليمها في قاعة مجلس مدينة أوسلو بالنرويج وفقًا لبنود الوصية. وجائزة نوبل عبارة عن مبلغ مالي كبير تضاعفت قيمته من ثلاثين ألف دولار في السنوات الأولى للجائزة، ووصلت إلى 700 ألف دولار في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، في حين بلغت قيمة الجائزة المادية حاليًا نحو مليون دولار، ويقوم الفائز؛ سواء كان شخصًا فرديًّا (أي فردًا واحدًا) أو مجموعة أفراد، باستلام قيمة الجائزة من خلال شيك بقيمة الجائزة، ويُمنح معه ميدالية ذهبية مرسوم عليها صورة ألفريد نوبل، وشهادة تقدير. وقد أضيفت جائزة سادسة في الاقتصاد عام 1969م، يقوم البنك المركزي السويدي بمنحها، ويسدد قيمتها بنفسه بمناسبة مرور 300 عام على تأسيس وإنشاء البنك، وتحظى عملية تسليم جائزة نوبل في الاقتصاد لصاحبها بمراسم الاحتفال والتكريم التي يحظى بها مَنْ ينال جوائز نوبل في الكيمياء والطب والطبيعة والأدب. ومنذ بداية توزيع الجائزة عام 1901 وحتى عام 2001، أي طوال مدة قرن من الزمان، لم يفز بالجائزة مرتين سوى أربعة علماء هم: 1- العالمة الفرنسية "ماري كوري"، أو مدام كوري عام "1903" في الفيزياء، مقاسمة مع زوجها "بيير كوري"، وعام 1911 في الكيمياء منفردة. 2- عالم الكيمياء الأمريكي "ليناس باولنج" في عامي 1954، 1962. 3- عالم الفيزياء الأمريكي "جون باردين" في عامي 1956، 1972. 4- عالم الكيمياء الإنجليزي "فريدريك سانجر" في عامي 1958، 1980. وخلال مائة عام هي عمر جائزة نوبل من 1901 : 2001 فاز العرب بالجائزة ثلاث مرات، وكانوا جميعًا مصريين. المرة الأولى في عام 1978م، حيث حصل الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس وزراء إسرائيل السابق مناحيم بيجن(!!)، بعد التوصل إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد عام 1978م. والمرة الثانية في عام 1988م، عندما حصل الأديب المصري "نجيب محفوظ" على جائزة نوبل للأدب عن مجمل أعماله الأدبية التي تُصوِّر واقع الحارة المصرية في القاهرة في فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وما بعدها. أما المرة الثالثة فكانت في عام 1999م عندما حصل العالم المصري الأصل الأمريكي الجنسية د. "أحمد زويل" على جائزة نوبل في الكيمياء بعد توصله لاختراع كاميرا أطلق عليها "الفيمتوثانية"، والتي تقوم بتصوير عملية التفاعل الكيميائي في أكثر وحدة زمنية، وهي جزء واحد على ألف مليون مليون من الثانية الواحدة. فتح "مشرفة" عينيه فوجد داره منزلاً كريمًا، يُعرف عنه العلم، يجتمع عنده الناس يسألون عن أمور دينهم، ويحتكمون إلى والده في قضاياهم اليومية.. ورغم مشاغل الوالد الكثيرة فإنه كان حريصًا على توفير جزء كبير من وقته في تعليم ابنه الأكبر"عليّ" العلوم المختلفة، فغرس فيه منذ الصغر الدين والخلق الكريم، وحبب إليه العلم والاطلاع في شتى المجالات المختلفة. ولد الدكتور علي مشرفة في دمياط في 22 صفر 1316 الموافق 11 يوليه 1898، والده هو السيد "مصطفى عطية مشرفة" من مشايخ الدين ومن مدرسة الإمام جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. كان لأبويه اليسر المادي والجاه الاجتماعي.. فنشأ "علي" على الشعور المرهف بالجمال الذي لم يفقده حبه للخير.. ومصادقة الضعفاء والمساكين. في عام 1907 حصل "علي" على الشهادة الابتدائية، وكان ترتيبه الأول على القطر.. إلا أن والده توفي في نفس العام تاركًا عليًّا الذي لم يتجاوز الاثنى عشر ربيعًا ربًّا لأسرته المكونة من أمه وإخوته الأربعة.. ولعل هذا هو السر فيما يُعرف عن شخصية الدكتور "علي مشرفة" بالجلد والصبر.. وحب الكفاح. وارتفاع الحس التربوي في شخصيته. حفظ عليٌّ القرآن الكريم منذ الصغر، كما كان يحفظ الصحيح من الأحاديث النبوية.. كان محافظًا على صلاته مقيمًا لشعائر دينه كما علمه والده، وقد ظلت هذه المرجعية الدينية ملازمة له طوال حياته.. يوصي إخوته وجميع من حوله بالمحافظة على الصلاة وشعائر الدين كلما سنحت له الفرصة.. وقد بدا ذلك جليًّا في خطاباته التي كان يبعثها إلى إخوته وأصدقائه أثناء سفره للخارج.. والتي طالما ختمها بمقولة: (اعمل وإخوانك للإسلام.. لله). وقد عاش ملازمًا له في جيبه مصحف صغير رافقه في السفر والحضر.. مشواره إلى الأستاذية في عام 1914 التحق الدكتور علي مشرفة بمدرسة المعلمين العليا، التي اختارها حسب رغبته رغم مجموعه العالي في البكالوريا. وفي عام 1917 اختير لبعثة علمية لأول مرة إلى إنجلترا بعد تخرجه.. فقرر "علي" السفر بعدما اطمأن على إخوته بزواج شقيقته وبالتحاق أشقائه بالمدارس الداخلية.. التحق "علي" بكلية نوتنجهام Nottingham ثم بكلية "الملك" بلندن؛ حيث حصل منها على بكالوريوس علوم مع مرتبة الشرف في عام 1923. ثم حصل على شهادة Ph.D (دكتوراة الفلسفة) من جامعة لندن في أقصر مدة تسمح بها قوانين الجامعة. وقد رجع إلى مصر بأمر من الوزارة، وعين مدرسًا بمدرسة المعلمين العليا.. إلا أنه وفي أول فرصة سنحت له، سافر ثانية إلى إنجلترا، وحصل على درجة دكتوراة العلوم D.Sc فكان بذلك أول مصري يحصل عليها. في عام 1925 رجع إلى مصر، وعين أستاذًا للرياضة التطبيقية بكلية العلوم بجامعة القاهرة، ثم مُنح درجة "أستاذ" في عام 1926 رغم اعتراض قانون الجامعة على منح اللقب لمن هو أدنى من الثلاثين. اعتمد الدكتور "علي" عميدًا للكلية في عام 1936 وانتخب للعمادة أربع مرات متتاليات، كما انتخب في ديسمبر 1945 وكيلاً للجامعة. نبذة عن حياته العلمية بدأت أبحاث الدكتور "علي مشرفة" تأخذ مكانها في الدوريات العلمية وعمره لم يتجاوز خمسة عشر عامًا. في الجامعة الملكية بلندن King’s College، نشر له أول خمسة أبحاث حول النظرية الكمية التي نال من أجلها درجتي Ph.D ( دكتوراه الفلسفة) و Dsc.(دكتوراة العلوم). دارت أبحاث الدكتور مشرفة حول تطبيقه الشروط الكمية بصورة معدلة تسمح بإيجاد تفسير لظاهرتي شتارك وزيمان. كذلك.. كان الدكتور مشرفة أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس للفراغ؛ حيث كانت هندسة الفراغ المبنية على نظرية "أينشين" تتعرض فقط لحركة الجسيم المتحرك في مجال الجاذبية. ولقد أضاف نظريات جديدة في تفسير الإشعاع الصادر من الشمس؛ إلا أن نظرية الدكتور مشرفة في الإشعاع والسرعة عدت من أهم نظرياته وسببًا في شهرته وعالميته؛ حيث أثبت الدكتور مشرفة أن المادة إشعاع في أصلها، ويمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد يتحول إحداهما للآخر.. ولقد مهدت هذه النظرية العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات. كان الدكتور "علي" أحد القلائل الذين عرفوا سر تفتت الذرة وأحد العلماء الذين حاربوا استخدامها في الحرب.. بل كان أول من أضاف فكرة جديدة وهي أن الأيدروجين يمكن أن تصنع منه مثل هذه القنبلة.. إلا أنه لم يكن يتمنى أن تصنع القنبلة الأيدروجينية ، وهو ما حدث بعد وفاته بسنوات في الولايات المتحدة وروسيا.. تقدر أبحاث الدكتور "علي مشرفة" المتميزة في نظريات الكم، الذرة والإشعاع، الميكانيكا والديناميكا بنحو خمسة عشر بحثًا.. وقد بلغت مسودات أبحاثه العلمية قبل وفاته إلى حوالي مائتين.. ولعل الدكتور كان ينوي جمعها ليحصل بها على جائزة نوبل في العلوم الرياضية. "العلم والحياة" في رؤية الدكتور مصطفى "خير للكلية أن تخرج عالمًا واحدًا كاملاً.. من أن تخرج كثيرين أنصاف علماء" هكذا كان يؤمن الدكتور مشرفة، وكان كفاحه المتواصل من أجل خلق روح علمية خيرة.. يقول في سلسلة محاضراته الإذاعية(أحاديث العلماء): "هذه العقلية العلمية تعوزنا اليوم في معالجة كثير من أمورنا، وإنما تكمن الصعوبة في اكتسابها والدرج عليها.. فالعقلية العلمية تتميز بشيئين أساسيين: الخبرة المباشرة، والتفكير المنطقي الصحيح" ولقد نادى بأفكاره هذه في كثير من مقالاته ومحاضراته في الإذاعة: مثل: كيف يحل العالم مشكلة الفقر؟ – العلم والأخلاق – العلم والمال – العلم والاقتصاد - العلم والاجتماع.. وغيرها. كان ينادي دائمًا أن على العلماء تبسيط كل جديد للمواطن العادي حتى يكون على إحاطة كاملة بما يحدث من تطور علمي.. يوجه كلامه إلى العلماء قائلاً: "ومن الأمور التي تؤخذ على العلماء أنهم لا يحسنون صناعة الكلام؛ ذلك أنهم يتوخون عادة الدقة في التعبير ويفضلون أن يبتعدوا عن طرائق البديع والبيان، إلا أن العلوم إذا فهمت على حقيقتها ليست في حاجة إلى ثوب من زخرف القول ليكسبها رونقًا؛ فالعلوم لها سحرها، وقصة العلم قصة رائعة تأخذ بمجامع القلوب؛ لأنها قصة واقعية حوادثها ليست من نسج الخيال". فبسط الدكتور مشرفة كتبًا عديدة منها: النظرية النسبية - الذرة والقنابل - نحن والعلم - العلم والحياة. واهتم خاصة بمجال الذرة والإشعاع وكان يقول: "إن الحكومة التي تهمل دراسة الذرة إنما تهمل الدفاع عن وطنها". ثقافتنا في نظر الدكتور مشرفة هي الثقافة الأصلية التي لا بد أن نقف عندها طويلاً. ويرى أنه لا يزدهر حاضر أمة تهمل دراسة ماضيها، وأنه لا بد من الوقوف عند نوابغ الإسلام والعرب، ونكون أدرى الناس بها.. فساهم بذلك في إحياء الكتب القديمة وإظهارها للقارئ العربي مثل: كتاب الخوارزمي في الجبر والفارابي في الطب والحسن ابن الهيثم في الرياضة.. وغيرها. وكان الدكتور مشرفة ينظر إلى الأستاذية على أنها لا تقتصر على العلم فقط، وإنما توجب الاتصال بالحياة.. وأن الأستاذ يجب أن يكون ذا أثر فعال في توجيه الرأي العام في الأحداث الكبرى التي تمر بالبلاد، وأن يحافظ على حرية الرأي عند المواطنين، وآمن الدكتور مشرفة بأن "العلم في خدمة الإنسان دائمًا وأن خير وسيلة لاتقاء العدو أن تكون قادرًا على رده بمثله.. فالمقدرة العلمية والفنية قد صارتا كل شيء.. ولو أن الألمان توصلوا إلى صنع القنبلة الذرية قبل الحلفاء لتغيرت نتيجة الحرب.. وهو تنوير علمي للأمة يعتمد عليه المواطن المدني والحربي معًا". "إسهاماته" مشرفة جامعيًّا: تمتعت كلية العلوم في عصره بشهرة عالمية واسعة؛ حيث عني عناية تامة بالبحث العلمي وإمكاناته، فوفر كل الفرص المتاحة للباحثين الشباب لإتمام بحوثهم.. ووصل به الاهتمام إلى مراسلة أعضاء البعثات الخارجية.. سمح لأول مرة بدخول الطلبة العرب الكلية؛ حيث كان يرى أن: "القيود القومية والفواصل الجنسية ما هي إلا حبال الشيطان يبث بها العداوة والبغضاء بين القلوب المتآلفة". أنشأ قسمًا للغة الإنجليزية والترجمة بالكلية.. كما حول الدراسة في الرياضة البحتية باللغة العربية.. صنف قاموسًا لمفردات الكلمات العلمية من الإنجليزية إلى العربية. يقول المؤرخون: إن الدكتور مشرفة أرسى قواعد جامعية راقية.. حافظ فيها على استقلالها وأعطى للدرس حصانته وألغى الاستثناءات بكل صورها، وكان يقول: "إن مبدأ تكافؤ الفرص هو المقياس الدقيق الذي يرتضيه ضميري". مشرفة أدبيًا: كان مشرفة حافظًا للشعر.. ملمًّا بقواعد اللغة العربية.. عضوًا بالمجمع المصري للثقافة العلمية باللغة العربية؛ حيث ترجم مباحث كثيرة إلى اللغة العربية. كان يحرص على حضور المناقشات والمؤتمرات والمناظرات، وله مناظرة شهيرة مع د/ طه حسين حول: أيهما أنفع للمجتمع الآداب أم العلوم". نشر للدكتور مشرفة ما يقرب من ثلاثين مقالاً منها: سياحة في فضاء العالمين - العلم والصوفية - اللغة العربية كأداة علمية - اصطدام حضارتين- مقام الإنسان في الكون.. مشرفة اجتماعيًّا: شارك الدكتور علي في مشاريع مصرية عديدة تشجيعًا للصناعات الوطنية.. كما شارك في إنشاء جماعة الطفولة المشردة.. كان أول من لقن من حوله دروسًا في آداب الحديث وإدارة الجلسات. مشرفة موسيقيًّا: كان الدكتور مشرفة عازفًا بارعًا على الكمان والبيانو مغرمًا بموسيقى جلبرت وسلفن، ألف الجمعية المصرية لهواة الموسيقى في سنة 1945؛ وكان من أغراضها العمل على تذليل الصعوبات التي تحول دون استخدام النغمات العربية في التأليف الحديث. كوّن لجنة لترجمة "الأوبرتات الأجنبية" إلى اللغة العربية.. وكتب كتابًا في الموسيقى المصرية توصل فيه إلى أن جميع النغمات الأخرى في السلم الموسيقي غير السيكا والعراق يمكن إلغاؤها أو الاستغناء عنها. "في بلدي جيل يحتاج إلي" دُعيَ من قبل العالم الألماني الأصل ألبرت أينشتين للاشتراك في إلقاء أبحاث تتعلق بالذرة عام 1945 كأستاذ زائر لمدة عام، ولكنه اعتذر بقوله: "في بلدي جيل يحتاج إلي" وفاته: توفى الدكتور "علي مصطفى مشرفة" عن عمر يناهز 52 عامًا.. يوم الإثنين الموافق 15 يناير 1950. شاب أسمر يحمل على وجهه كل الملامح المصرية الأصيلة، بعد 41 عامًا قضاها مهاجرًا في أمريكا، تلمح بعضًا من اللهجة المصرية الصميمة بين حروفه.. يسمونه "الملك" رغم ما تشعر به في روحه من البساطة.. إنه د. فاروق الباز.. مدير معهد أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن الأمريكية.. أبلغ ما قيل عنه كان على لسان "ألفريد وردن" أحد رواد الفضاء في رحلة أبولّلو حينما وصل إلى القمر: "بعد تدريبات الملك.. أشعر أنني جئت هنا من قبل". كيف كانت البداية؟.. وما هي قفزة التحول؟.. وماذا يحمل د. فاروق في أحلامه؟ البداية وُلِد د. فاروق في الأول من يناير عام 1938م من أسرة بسيطة الحال في قرية طوخ الأقلام من قرى السنبلاوين في محافظة الدقهلية، شجَّعه الوالدان على التدرج في مراحل التعليم المختلفة، حيث كانا يؤمنان دائمًا بقدراته ونبوغه.. كان والده أول من حصل على التعليم الأزهري في قريته.. وكانت أمه رغم بساطتها عونًا له في اتخاذ قراراته المصيرية؛ حيث كانت تمتلك ذكاء فطريًّا على حد وصف د. فاروق. كانت أمنيته أن يكون طبيبًا جراحًا للمخ.. ولكن آماله باءت بالفشل حينما لم يسمح له مجموعه الكلِّي بالالتحاق بكلية الطب؛ فاضطر بروح أقل حماسة إلى الالتحاق بكلية العلوم – جامعة عين شمس – واختارها دون كلية طب الأسنان؛ لأنها كانت أقرب إلى مسكنه، ويستغرق المشي إليها ساعة ونصف، وهو ما يساعده على عدم إهدار القروش في الذهاب إليها بالمواصلات العامة.. رغم أنه كان يهوى منذ الصغر الذهاب إلى الرحلات الكشفية وجمع العيِّنات الصخرية، فلم يسمع عن علم الجيولوجيا - منبع نبوغه - إلا حينما التحق بكلية العلوم. حصل على شهادة البكالوريوس (كيمياء - جيولوجيا) في عام 1958م، وقام بتدريس مادة الجيولوجيا بجامعة أسيوط حتى عام 1960م، حينما حصل على منحة لاستكمال دراسته بالولايات المتحدة. نال شهادة الماجستير في الجيولوجيا عام 1961م من معهد علم المعادن بميسوري الأمريكية.. وحصل على عضوية فخرية في إحدى الجمعيات الهامة (Sigma Xi) تقديرًا لجهوده في رسالة الماجستير، نال شهادة الدكتوراة في عام 1964م وتخصَّص في التكنولوجيا الاقتصادية.. واستطاع خلال هذه الفترة زيارة المناجم الهامة، وجمع آلاف العيِّنات من بلاد العالم التي زارها. عودة إلى مصر كانت عيون د. فاروق متجهة دائمًا إلى مصر طوال فترة إقامته بأمريكا. جمع عيِّناته وأبحاثه ورجع إلى بلاده، وكلُّه أمل في إنشاء معهد عالٍ للجيولوجيا في بلده الحبيب.. إلا أن المفاجأة كانت في انتظاره.. "عليك استلام عمل كمدرس للكيمياء في المعهد العالي بالسويس"، هكذا بكل بساطة بعد ثمانية أعوام في دراسة الجيولوجيا يدرِّس الكيمياء في معهد لم يسمع عنه من قبل. رغم صدمته واندهاشه، لم يفقد الأمل.. وانطلق إلى المسؤولين بالوزارة لكي يسمعه أحد، ولكن جهوده باءت بالفشل بعد ثلاثة أشهر من المثابرة.. واضطر إلى الذهاب لاستلام عمله في هذا المعهد الغامض؛ أملاً منه في أن يسمعه أحد بعد استلام وظيفته الجديدة. ولكنه تقابل هناك قَدَرًا بصديق جعله الله سببًا لتغيير مسار حياته، التقى بأحد زملائه الفيزيائيين، وكان حاصلاً على الهندسة النووية من روسيا، واضطر إلى تدريس مادة الصوت والضوء، حيث نصحه بعدم استلام عمله حتى لا يفقد كل شيء.. فاحتال د. فاروق وسحب أوراقه بعد دقائق من تقديمها إلى إدارة المعهد. في طريقه إلى الهجرة "لم أتخيل يومًا أن أهاجر بعيدًا عن بلدي".. قالها د. الباز وهو يحكي قصة هجرته؛ ففي ديسمبر من عام 1966م وبعد سنة من المعاناة، قرَّر أن يسافر سرًّا إلى أمريكا؛ خوفًا من الظروف السياسية الشائكة التي كانت في مصر آنذاك. وهناك بدأ في رحلة شاقة للبحث عن عمل، ونظرًا لوصوله بعد بدء العام الدراسي، فلم تقبله أي جامعة من الجامعات؛ فأخذ يبعث طلبات التحاق إلى الشركات جاوزت المائة في عددها، إلى أن بعثت له "ناسا" التي كانت تطلب جيولوجيين متخصصين في القمر الموافقة وسط دهشة د. فاروق. والعجيب أنه لم يكن يعلم شيئًا عن جيولوجيا القمر، ودخل ناسا وهو لا يعلم أنه سيكون له فيها شأن. وقد وفَّقه الله إلى أحد المؤتمرات الجيولوجية والتي تحدَّث فيها علماء القمر عن فوَّهاته ومنخفضاته وجباله. لم يفهم شيئًا، وهو ما قيل طيلة ثلاثة أيام متواصلة، وحينما سأل أحد الجالسين عن كتاب يجمع هذه التضاريس، أجابه قائلاً: "لا حاجة لنا إلى أي كتاب فنحن نعرف كل شيء عنه".. حرَّكته الإجابة إلى البحث والمعرفة، ودخل المكتبة التي ضجَّت بالصور القمرية التي يعلوها التراب، وعكف على دراسة 4322 صورة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، وتوصل إلى معلومات متميزة. قفزة التحول اكتشف د. الباز أن هناك ما يقرب من 16 مكانًا يصلح للهبوط فوق القمر، وفي المؤتمر الثاني الذي حضره. كان د. الباز على المنصَّة يعرض ما توصَّل إليه وسط تساؤل الحاضرين عن ماهيته، حتى إن العالِم الذي قال له من قبل نحن نعرف كل شيء عن القمر قام وقال: "اكتشفت الآن أننا كنا لا نعرف شيئًا عن القمر". دخل الباز تاريخ ناسا، وأوكلت له مهمتين رئيسيتين في أول رحلة لهبوط الإنسان على سطح القمر: الأولى هي اختيار مواقع الهبوط على سطح القمر، والثانية تدريب طاقم روَّاد الفضاء على وصف القمر بطريقة جيولوجية علمية، وجمع العيِّنات المطلوبة، وتصويره بالأجهزة الحديثة المصاحبة. تقديرًا لأستاذه؛ بعث "نيل آرمسترونج" برسالة إلى الأرض باللغة العربية، واصطحب معه ورقة مكتوب عليها سورة الفاتحة ودعاء من د. فاروق تيمنًا منه بالنجاح والتوفيق. انطلاقة د. الباز بانطلاق أبوللو ونجاح مهمته سطع نجم د. فاروق الباز، بعد مشاركته فيه من عام 1967م إلى 1972م، وبدأ اسمه يأخذ مكانًا في الصحافة العلمية والتلفزيون الأمريكي. بعد انتهاء مهمة أبولُّلو، شارك مع معهد Smithsonian بواشنطن في إقامة وإدارة مركز أبحاث الكون في المتحف الدولي للفضاء. وفي عام 1973م عمل كرئيس الملاحظة الكونية والتصوير في مشروعApollo- soyuz الذي قام بأول مهمة أمريكية سوفييتية في يوليو 1975م. وفي عام 1986م انضم إلى جامعة بوسطن، مركز الاستشعار عن بُعد باستخدام تكنولوجيا الفضاء في مجالات الجيولوجيا، الجغرافيا، وقد طوَّر نظام الاستشعار عن بُعْد في اكتشاف بعض الآثار المصرية. الباز.. رائد الصحراء توجَّه د. الباز بعد ذلك إلى دراسة الصحراء.. وخلال 25 عامًا قضاها في هذا المجال حتى الآن، اهتم بتصوير المناطق الجافة خاصة في صحراء شمال أفريقيا، وجمع معلوماته من خلال زياراته لكل الصحراء الأساسية حول العالم.. كان أكثرها تميزًا زيارته للصحراء الشمالية الغربية في الصين، بعد تطبيع العلاقات مع أمريكا عام 1979م.. وبسبب أبحاثه انتخب زميلاً للمعهد الأمريكي لتقدم العلوم AAAS. كان مما يميز د. الباز استخدامه التقنيات الحديثة في دراسة الصحراء؛ حيث استخدمها أولاً في الصحراء الغربية بمصر، ثم صحراء الكويت، قطر، الإمارات، وغيرها. وقد فنَّدت أبحاثه المعلومات السابقة أن الصحراء كانت من نتائج فعل الإنسان، وأثبت أنها تطور طبيعي للتغيرات المناخية للأرض. اختاره الرئيس المصري أنور السادات مستشارًا علميًّا لحكومته عام 1978م –1981م، وكلَّفه بمهمة اختيار أماكن صحراوية تصلح لإقامة مشروعات عمرانية جديدة. وقد شرح بطريقة علمية دقيقة كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية لبلده مصر. دعا إلى أهمية دراسة المياه الجوفية، والتي يهدر منها الكثير في البحار والمحيطات دون استخدام، وطبَّق التكنولوجيا الفضائية لدراستها ودراسة مسارات البحيرات الناضبة. نادى - وما زال ينادي - "بقمر خاص متخصص للصحراء"؛ لأ ن كل الصور الفضائية المعمول بها إنما تكون لدراسة الغطاء النباتي، ولكوننا أولى الناس بدراسة أراضينا الصحراوية من الغرب الذي لا يمتلك شيئًا منها، وقد عمل على إنشاء مراكز تدرس التصوير الفضائي والاستشعار عن بُعْد في كل من قطر، مصر، السعودية، الإمارات. حشد الشهادات والميداليات انتخب د. الباز كعضو، أو مبعوث أو رئيس لما يقرب من 40 من المعاهد والمجالس واللجان.. منها انتخابه مبعوثًا لأكاديمية العالم الثالث للعلوم TWAS في 1985م، وأصبح من مجلسها الاستشاري في 1997م، وعضوًا في مجلس العلوم والتكنولوجيا الفضائية، ورئيسًا لمؤسسة الحفاظ على الآثار المصرية، وعضوًا في المركز الدولي للفيزياء الأكاديمية في اليونسكو، مبعوث الأكاديمية الأفريقية للعلوم، زميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم بباكستان، وعضوًا مؤسسًا في الأكاديمية العربية للعلوم بلبنان.. ورئيسًا للجمعية العربية لأبحاث الصحراء. كتب د. الباز 12 كتابًا، منها أبوللو فوق القمر، الصحراء والأراضي الجافة، حرب الخليج والبيئة، أطلس لصور الأقمار الصناعية للكويت.. ويشارك في المجلس الاستشاري لعدة مجلات علمية عالمية. كتب مقالات عديدة، وتمت لقاءات كثيرة عن قصة حياته وصلت إلى الأربعين.. منها "النجوم المصرية في السماء"، "من الأهرام إلى القمر"، "الفتى الفلاح فوق القمر".. وغيرها. حصل د. الباز على ما يقرب من 31 جائزة، نذكر منها على سبيل المثال: جائزة إنجاز أبوللو، الميدالية المميزة للعلوم، جائزة تدريب فريق العمل من ناسا، جائزة فريق علم القمريات، جائزة فريق العمل في مشروع أبوللو الأمريكي السوفييتي، جائزة ميريت من الدرجة الأولى من الرئيس أنور السادات، جائزة الباب الذهبي من المعهد الدولي في بوسطن، الابن المميز من محافظة الدقهلية، وقد سمِّيت مدرسته الابتدائية باسمه.. وهو ضمن مجلس إمناء الجمعية الجيولوجية في أمريكا، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مجلس العلاقات المصرية الأمريكية. وقد أنشأت الجمعية الجيولوجية في أمريكا جائزة سنوية باسمه أطلق عليها "جائزة فاروق الباز لأبحاث الصحراء". تبلغ أوراق د. الباز العلمية المنشورة إلى ما يقرب من 540 ورقة علمية، سواء قام بها وحيدًا أو بمشاركة آخرين.. ويشرف على العديد من رسائل الدكتوراة. الرؤية العلمية والحياة الاجتماعية يتألم د. فاروق حينما يرى أن الحكومات العربية في ذيل البلاد النامية، ويرجع ذلك إلى عدم تقدير العلم في بلادنا العربية، وعدم إفساح المجال للإبداع الإنساني. ويقول: إن الدول المتقدمة تنفق ما لا يقل عن 2% من دخلها القومي على البحث العلمي، ونحن ننفق أقل من ½%، وننفق 98% من هذه الأموال على المرتبات والإداريات.. يتعجب د. الباز من الدول العربية التي لا تعلم إلى أي مدى قد يفيدها العلم في كل النواحي والمجالات الأخرى. جال د. فاروق العالم شرقًا وغربًا، وحاضر في العديد من المراكز البحثية والجامعات.. أحبَّ الرحلات الكشفية، وجمع العيِّنات الصخرية منذ الصغر.. وهو يجيد العربية والإنجليزية بطلاقة، كما يتحدث بعضًا من الألمانية والفرنسية والأسبانية.. يتَّهمه البعض بأنه شديد الثقة بنفسه، ولكنه دائمًا يقول: "المعرفة تولِّد الثقة، أنا لا أقول شيئًا إلا بعد دراسته جيدًا".. و د. الباز متزوج من أمريكية، وهو أب لبنات أربعة هن: منيرة، ثريا، كريمة، وفيروز.. وجد لثلاثة من الأحفاد. يقول د. الباز: "أحمد الله سبحانه وتعالى أنني رأيت أشياء لم يرها عشرون مثلي"، هذا هو د. فاروق الباز ببداياته وقفزاته وأحلامه.. وكم من أمثاله الذين نبغوا وأبدعوا ولكن.. خارج ديارهم. مِن "حسن كامل الصباح" إلى "أحمد زويل" مسار قافلة طويلة كُتِبَ فيها على أرحام الشرق أن تقذف؛ لتُقطف الثمار هناك في الغرب، ونكتفي نحن هنا بالفخر والاحتفاء!! وإذا كنا جميعًا نعرف من هو "أحمد زويل"، فالكثيرون منا لا يعرفون العالم اللبناني "حسن كامل الصباح" (1894-1935) الذي قدم للبشرية حوالي 176 اختراعاً رغم عمره القصير 41 عامًا، بالإضافة إلى العديد من النظريات الرياضية في مجال الهندسة الكهربائية حتى أطلقت عليه الصحف الأمريكية لقب خليفة أديسون أو "أديسون الشرق"، وكان العربي الوحيد الذي منحه معهد المهندسين الكهربائيين الأمريكيين لقب فتى العلم الكهربائي. بيت علم ولد الصبّاح في 16 أغسطس عام 1894 في بلدة النبطية بجنوب لبنان، ونشأ في بيت علم وفكر، فتوجهت اهتماماته نحو الاطلاع والثقافة والتعرف على ما في الطبيعة من قوى، وشجعه على ذلك خاله الشيخ أحمد رضا الذي كان شغوفًا بالبحث والتعرف على الحقائق الطبيعية والاجتماعية والروحية. وقد ظهرت علامات الذكاء والنبوغ على "حسن كامل الصباح" وهو في السابعة من عمره عندما ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية فنال إعجاب معلميه، ثم التحق بالمدرسة السلطانية في بيروت سنة 1908 فظهر نبوغه في الرياضيات والطبيعيات، وفى نهاية السنة الأولى له فيها أدرك الصباح عدم صلاحية الكتب الدراسية المقررة عليه مع طموحاته العلمية؛ فبدأ في دراسة اللغة الفرنسية للاطلاع على العلوم التي لم يكن يجدها في الكتب العربية آنذاك. ثم التحق الصبّاح بالجامعة الأمريكية في بيروت، وأتقن اللغة الإنجليزية في مدة قصيرة، واستطاع حل مسائل رياضية وفيزيائية معقدة ببراعة وهو في السنة الجامعية الأولى، وشهد له أساتذته بقدراته، وتردد اسمه بين طلاب الجامعات اللبنانية، ووصفه الدكتور فؤاد صروف - أحد أساتذته - في مجلة المقتطف بأنه شيطان من شياطين الرياضيات. مدرس للرياضيات والتحق الصباح بقسم الهندسة في الجامعة الأمريكية، وأبدى اهتمامًا خاصًّا نحو الهندسة الكهربائية ونتيجة لما ظهر عليه من نبوغ في استيعاب نظرياتها وتطبيقاتها تبرع له أحد الأساتذة الأمريكيين البارزين بتسديد أقساط المصروفات الجامعية تقديراً منه لهذا التفوق حين عرف أن ظروف أسرة الصباح المادية لا تسمح له بمواصلة الدراسة الجامعية. وعندما بلغ سن تأدية الخدمة العسكرية اضطر "حسن كامل الصباح" إلى التوقف عن الدراسة عام 1916 والتحق بسرية التلغراف اللاسلكي وفى عام 1918 توجه إلى العاصمة السورية دمشق؛ حيث عمل مدرساً للرياضيات بالإضافة إلى متابعته دراسة الهندسة الكهربائية والميكانيكا والرياضيات، كما وجه اهتمامًا للاطلاع على نظريات العلماء في مجال الذرة والنسبية، وكان من القلائل الذين استوعبوا هذه النظرية الشديدة التعقيد، وكتب حولها المقالات فشرح موضوع الزمان النسبي والمكان النسبي والأبعاد الزمانية والمكانية والكتلة والطاقة وقال عنه العالم إستون فيما بعد: كان الوحيد الذي تجرأ على مناقشة أراء أينشتاين الرياضية وانتقادها والتحدث عن النسبية كأينشتاين نفسه. وفى 1921 غادر دمشق وعاد إلى الجامعة الأمريكية مرة أخرى؛ لتدريس الرياضيات، وكان حريصاً على شراء المؤلفات الألمانية الحديثة في هذا المجال، ولكن في الوقت نفسه كان الصباح تواقاً إلى التخصص في مجال الهندسة الكهربائية. إلى أمريكا وفى عام 1927 توجه "حسن كامل الصباح" إلى أمريكا، والتحق بمدرسة الهندسة الكبرى المسماة مؤسسة ماسانشوستش الفنية، لكنه لم يتواءم مع التعليم الميكانيكي في هذه المؤسسة، كما عجز عن دفع رسومها فتركها بعد عام، وانتقل إلى جامعة إلينوي ولمع نبوغ الصباح قبل نهاية العام الدراسي الأول في هذه الجامعة، فقدم أستاذ الفلسفة الطبيعية بها اقتراحًا للعميد بمنح الصباح شهادة معلم علوم (M.A) إلا أن العميد لم يوافق على الاقتراح؛ حيث كان يجب على الطالب أن يقضي عامين على الأقل في الجامعة قبل منحه أي شهادة. وفكر الصباح في بدء حياته العملية؛ فالتحق بشركة الكهرباء العامة في ولاية نيويورك، وكانت تعتبر أعظم شركات الكهرباء في العالم، وفيها ظهرت عبقريته وتفوقه على المئات من المهندسين العاملين بالشركة، ولم تمضِ سنة واحدة على عمله بها حتى بدأت سلسلة اختراعاته التي نالت إعجاب رؤسائه؛ فخصصوا له مختبراً ومكتبًا وعينوا عددًا من المهندسين الذين يعملون تحت إدارته. ووضع الصباح نظريات وأصولا جديدة لهندسة الكهرباء؛ فشهد له العلماء بالعبقرية ومن بينهم العالم الفرنسي الشهير موريس لوبلان، وبعث إليه الرئيس الأمريكي آنذاك بخطاب يؤكد فيه إعجابه بنبوغه واختراعاته، وأرسلت إليه شركات الكهرباء الكبرى شهادات تعترف بصحة اختراعاته، ومنها شركة وستنجهاوس في شيكاغو وثلاث شركات ألمانية أخرى. وفى عام 1932 منحه مجمع مؤسسة الكهرباء الأمريكي لقب "فتى مؤسسة مهندسي الكهرباء الأمريكية"، وهو لقب علمي لا يُعطى إلا إلى من اخترع وابتكر في الكهرباء، ولم ينل هذا اللقب إلا عشرة مهندسين في الشركة. "فتى العلم الكهربائي" وفي مطلع عام 1933 تمت ترقيته في الشركة، ومنح لقب "فتى العلم الكهربائي" وذلك بعد انتخابه من جمعية المهندسين الكهربائيين الأمريكيين في نيويورك. واستطاع الصباح اكتشاف طرائق الانشطار والدمج النووي المستخدمة في صنع القنابل الهيدروجينية والنووية والنيترونية. وقد شملت علوم الصباح نواحي معرفية عديدة في مجالات الرياضيات البحتة والإحصائيات والمنطق والفيزياء وهندسة الطيران والكهرباء والإلكترونيات والتلفزة، وتحدث عن مادة "الهيدرولية" وما ينتج عنها من مصادر للطاقة، واستشهد بشلالات نبع الصفا في جنوب لبنان ونهر الليطاني، كما كانت له آراؤه في المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية والحرية والاستعمار والمرأة والوطنية والقومية العربية، وكان ذواقًا للأدب ويجيد أربع لغات هي: التركية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. اختراعات الصباح ويصل عدد ما اخترعه حسن كامل الصباح من أجهزة وآلات في مجالات الهندسة الكهربائية والتلفزة وهندسة الطيران والطاقة إلى أكثر من 76 اختراعًا سجلت في 13 دولة منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وبلجيكا، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأستراليا، والهند، واليابان، وأسبانيا، واتحاد دول أفريقيا الجنوبية. وبدأ اختراعاته عام 1927 بجهاز ضبط الضغط الذي يعين مقدار القوة الكهربائية اللازمة لتشغيل مختلف الآلات ومقدار الضغط الكهربائي الواقع عليها. وفي عام 1928 اخترع جهازًا للتلفزة يستخدم تأثير انعكاس الإلكترونيات من فيلم مشع رقيق في أنبوب الأشعة المهبطية الكاثودية، وهو جهاز إلكتروني يمكن من سماع الصوت في الراديو والتليفزيون ورؤية صاحبه في آن واحد. كما اخترع جهازًا لنقل الصورة عام 1930، ويستخدم اليوم في التصوير الكهروضوئي، وهو الأساس الذي ترتكز عليه السينما الحديثة، وخاصة السينما سكوب بالإضافة إلى التليفزيون. وفي العام نفسه اخترع جهازًا لتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية مستمرة، وهو عبارة عن بطارية ثانوية يتولد بها حمل كهربائي بمجرد تعرضها لأشعة الشمس، وإذا وُضع عدد منها يغطي مساحة ميل مربع في الصحراء؛ فإن القوة الكهربائية التي يمكن استصدارها من الشمس عندئذ تكون 200 مليون كيلو وات، وقد عرض الصباح اختراعه هذا على الملك فيصل الأول ملك العراق ليتبناه، ولكنه مات ثم عرضه على الملك عبد العزيز بن سعود لاستخدامه في صحراء الربع الخالي، ولكن الصباح مات بعد فترة وجيزة. وكان قد شرع قبيل وفاته في تصميم محرك طائرة إضافي يسمح بالطيران في الطبقات العليا من الجو، وهو شبيه بتوربينات الطائرة النفاثة. الموت المفاجئ وقد حدثت الوفاة المفاجئة مساء يوم الأحد 31 مارس 1935 وكان حسن كامل الصباح عائدًا إلى منزله فسقطت سيارته في منخفض عميق ونقل إلى المستشفى، ولكنه فارق الحياة وعجز الأطباء عن تحديد سبب الوفاة خاصة وأن الصباح وجد على مقعد السيارة دون أن يصاب بأية جروح مما يرجح وجود شبهة جنائية خاصة وأنه كان يعاني من حقد زملائه الأمريكيين في الشركة، وذكر ذلك في خطاباته لوالديه. وحمل جثمان العالم اللبناني والمخترع البارع حسن كامل الصباح في باخرة من نيويورك إلى لبنان، وشيع في جنازة مهيبة إلى مثواه الأخير في مسقط رأسه ببلدة النبطية بجنوب لبنان، ورثاه رئيس شركة جنرال إلكتريك قائلا: إنه أعظم المفكرين الرياضيين في البلاد الأمريكية، وإن وفاته تعد خسارة لعالم الاختراع. علماؤنا دائماً من النابغين.. يحصلون على أعلى الدرجات، ويحصدون المراكز الأولـى طوال حياتهم. أما اليوم.. فنحن أمام عالم لا ينتمي لهذا النوع من العلماء.. وجه أسمر مرسوم عليه بسمة ساخرة، لم يعرف التفوق يوماً في دراسته، ولم يكمل تعليمه الجامعي، يبغض الجبر واللوغاريتمات، ويحصل على الوظائف بصعوبة بالغة. يوجد في حياته قصتان للحب: واحدة منهما كانت سبباً في شهرته العالمية، وجعلته دائماً محلقاً ببصره في السماء، ألا وهي قصة حبه للطير.. عالمنا هو د. سليم علي.. واحد من أعظم علماء القرن العشرين في علم الطيور الملقب بـ "رجل الطير الهندي". هكـذا كانت البداية دخل طفل في العاشرة من عمره على سكرتير جمعية التاريخ الطبيعي ببومباي B.N.H.S وفى يده عصفور دوري صغير Sparrowبرقعة صفراء على رقبته.. يسأل عن نوع هذا العصفور. هذا الطفل كان "سليم علي"، وكان د. ملرد Millard هو سكرتير جمعية (BNHS) Bombay natural history society الإنجليزي الجنسية، والذي لفت نظره حرص الفتى الصغير على معرفة نوع الطائر الذي اصطاده في رحلة مع خاله. بعد الإجابة على سؤاله، اصطحبه في جولة بالجمعية، وأطلعه على المجموعة الفريدة التي تضمها من الطيور.. بهر الفتى الصغير، وكان لهذا الموقف أثره في اكتشاف حبه الفطري للطيور، وليكتب اسمه عالماً مرموقاً في علم الطيرOrnithology . ولد د. سليم معز الدين عبد الله علي في 12 من نوفمبر في عام 1896، كانت أسرته عائلة ثرية مترابطة، وكان سليم معز أصغر إخوته العشرة.. إلا أنه تيتم في صغره وتربى على يد خاله عمر الدين تايبجي الذي كان يهوى الصيد ورحلاته. حينما أتم سليم العاشرة، عرفه خاله على بندقية الصيد التي اصطاد بها سليم هذا العصفور، والذي لم يكن خاله على دراية بنوعه فأشار عليه أن يذهب به إلى جمعية التاريخ الطبيعي. تنقل سليم بصعوبة في مراحل التعليم المختلفة.. التحق بجامعة St. Xavier ولكنه لم يكمل تعليمه بها وتركها هارباً من فروع الرياضة الثقيلة على نفسه. إلى التجارة ترك سليم تعليمه الرسمي وسافر إلى "بورما" في عام 1919 لمساعدة أخيه في أعمال التعدين، ولكنه بدلا من أن يصب وقته كله في خدمة عمله، أخذ يبحث عن طيوره في غابات بورما الرائعة؛ فقضى معظم وقته في مراقبة الطيور والحياة البرية. وكما كان متوقعاً فإن العمل الذي جاء من أجله سليم لم يكتب له النجاح.. واضطر إلى العودة إلى بومباي بالديون التي أثقلته، بصحبة زوجته تهمينا Tehmina رفيقة السنين الست الماضية. عاد سليم إلى بومباي، وحاول أن يحصل على وظيفة كعالم للطير إلا أن عدم حصوله على درجات علمية حالت دون ذلك، ولكنه استطاع بعد فترة من الوقت في عام 1926 أن يعمل كمرشد لأنواع الطير لزوار قسم التاريخ الطبيعي، والذي كان قد افتتح حديثاً في متحف "أمير ويلز" في مومبايMumbai . وقد أدرك سليم علي خطأه بالابتعاد عن التعليم الجامعي والحصول على درجاته. وكان هذا هو سر ندائه الدائم للشباب بالاهتمام بالدرجات العلمية المرموقة لتحقيق أحلامهم وأهدافهم بنجاح. حاول د. سليم علي في أثناء عمله كمرشد أن يحصل على شهادة البكالوريوس، لكن لم يكن الأمر متاحاً في ذلك الوقت.. فحصل على برنامج مكثف في علم الحيوان لمدة عام، وحرص فيه على الاستفادة الكاملة من الأسس العلمية لعلم الحيوان. وبعد عامين من عمله، قرر أن يتوجه إلى ألمانيا؛ حيث تدرب هناك على يد واحد من أكبر علماء الطيور هناك، والذي كان له أكبر الأثر في إعطاء د. سليم فرصة حقيقية للتعلم. وحينما عاد بعد 15 شهراً، وجد أن منصبه في المتحف قد فقد لوجود مشاكل اقتصادية في الحكومة.. حاول الاتجاه من جديد إلى التجارة، لكن الأمر لم يرق له، فقرر مصيراً هو وزوجته، اعترفا فيه سويا أن سليم عاش للطيور. القرار المصيري في عام 1930 عرض د. سليم على جمعية BNHS أن يقوم بدراسات ميدانية على أماكن كثيرة لم تكتشف بعد، ولم يطلب سليم أكثر من ثمن التنقلات والمعيشة في الغابات.. لاقت هذه الفكرة قبولاً عند مسئولي المقاطعات الملكية، وبدأ حياته كرحالة. كانت الأموال غير كافية على الإطلاق؛ فاعتمد على بعض أموال زوجته وبعض من أمواله القليلة.. قد تبدو هذه الفترة لأي شاب في مقتبل حياته فترة قاسية لا يراها مرضية لطموحه، ولكنها كانت لسليم وزوجته أحلى سنين العمر. عشرون عاما قضاها يدرس فيها كل شبر في بلاده من قريب أو من بعيد، حتى أصبح من نوادر العلماء الذين يعرفون كل شبر في بلادهم. ولم يهتم د. سليم بنوع الطائر فقط، بل ببيئته، وتاريخه، وظروف معيشته وتوزيعه الجغرافي.. كان وصفه مميزاً؛ حيث كان يقول: "بسفري إلى المناطق النائية، أستطيع أن أدرس كيف تعيش وتتصرف الطيور في بيئتها الطبيعية، وليس في المعمل تحت الميكروسكوب". هذه العشرون عاماً لم تكن مليئة بالإنجازات فقط، ولكن أيضا بالأحزان؛ فقد توفيت زوجته "تهمينا" في عام 1939 من جراء جراحة صغيرة.. بقى بعدها فترة وحدة وحزن قضاها عند أخته في بومباي.. لم تكن تهمينا زوجة عادية لسليم.. بل كانت وراءها قصة. وراء كل رجل عظيم امرأة "لقد أنهيت دراستي لكنني لم أَنهِ بعد اكتشافي لشخصية زوجتي، لقد كانت السبب الرئيسي وراء اختيار مستقبلي كعالم للطير".. كان هذا هو تعليق سليم يوماً على رفيقة عمره ورحلاته. انحدرت تهمينا من عائلة ثرية، ونالت تعليمها في مدارس إنجلترا العريقة، لكنها مع ذلك كانت تتمتع بقلب الفتاة الريفية البسيطة. أحبت الشعر والقراءة واللغة الأردية، وولعت بالطير مع سليم. كانت محررة كتاباته، ومساعده المخلص في مراقبة الطير. وقد حاولت أن تجعل من هذه الحياة القاسية حياة مريحة وهادئة قدر المستطاع.. وقفت بجانبه حينما اتهمه آخرون بالجنون، وقالت له يوما: "لا تلتحق بأي عمل، لو أنك لا تستطيع ذلك فلا تفعل". ولم يفعل سليم. ومن الطريف أن بعض الطيور مسماة على اسمها مثل طائر Dinopium tehmini. الإنجازات بعد فترة من العزوف عن العمل، عاود سليم دراسته للطير، وربما كان لموت زوجته دفعة له للانغماس فيه وإكمال مشوار رحلاته.. وفى عام 1960 أصبح الشاب- الذي رُفض من قبل بسبب نقص مؤهلاته العلمية- يشرف على العديد من رسائل الدكتوراة، ويصنع من علم الطير علماً مرموقاً يسعى الكثير لدراسته، بعدما كان لا يتعدى تسلية للرجل الإنجليزي. زيادة على تقاريره العديدة، نشر د. سليم علي "كتاب الطير الهندي "Book of Indian birds في عام 1941، والذي يعتبر دليلاً في علم الطير، ويستطيع أي إنسان عادي أن يعرف من خلاله كيف يتعرف على الطير، ويلاحظه، ويعرف كيف تعيش الطيور في بيئتها، وتهاجر وتتزواج... إلخ. ولقد أهدى "نهرو" هذا الكتاب إلى ابنته التي علقت عليه قائلة: "لقد فتح الكتاب عيني على عالم جديد". كتب 10 مجلدات عن طيور الهند وباكستان مشاركة مع عالم شاب أمريكي اسمه "S.Dillor"، وقد أعاد د. سليم اكتشاف الكثير من الطيور مثل "البايا"Finn Baya والذي لم يره أحد منذ مائة عام. وله عدة مؤلفات عن طيور بعض المناطق بعينها. وكتب أيضا "طيور التلال الهندية" وسيرة ذاتية له. كان يقضي وقتاً طويلاً في دراسة الطائر الواحد دون كلل أو ملل.. ويذكر أنه درس طائر "الحباكweaverbird قرابة أربعة أشهر، والذي ساقه القدر ليقف على شجرة بجانب شباكه، ولم يكن يعرف الكثير عنه قبل ذلك. بعد استقلال الهند عن إنجلترا، أصبح د. سليم علي أول هندي يعمل سكرتيراً للجمعيةBNMS ، وجعل منها مكاناً مميزاً، وأصبحت قبلة لعلماء العالم حتى يومنا هذا http://www.bnhs.org/index.htm توسعت الجمعية في أبحاثها لتشمل علوم الطير والحي اة البرية، النبات والحيوان، بعدما عانت سنوات طويلة من قلة التمويل؛ حيث كتب د. سليم إلى رئيس الوزراء "نهرو" يحثه فيها على تقديم الدعم المادي الكافي لازدهار هذه الجمعية، الذي استجاب بدوره لنداء د. سليم. الميداليات حصل على عدة جوائز من أهمها جائزةPadma Vibhushan من الحكومة الهندية، وجائزة Paul getty الدولية في عام 1976 والتي قدرت بـ 50 ألف دولار جعلها كلها في شكل منح وجوائز تمنحها الجمعية للطلبة المحتاجين. كما حصل أيضا على جائزة Golden ark من الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة والميدالية الذهبية من الاتحاد الإنجليزي لعلم الطير، والتي نادرا ما يحصل عليها غير الإنجليزي. وفى عام1985 عين نائبا في البرلمان، وحصل على ثلاث دكتوراة شرفية. "سقوط العصفور" الساخر كان د. سليم علي في عيون تلاميذه أبًا لكل من عرفه، ذا علاقة حميمة بأبنائه، وكان الرجل العجوز الذي تلجأ إليه دائماً.. بعيونه اللامعة وشكله القريب من العصفور. مع هذا كله، عرف عنه صرامته الشديدة في تأديبه.. عصبي المزاج، يهتم بالتفاصيل لدرجة الوسوسة، ولا يجرؤ أحد أن يدخن أو يغط في نومه أثناء رحلاته معه. خفة ظله لم تمنع من روحه الساخرة.. كان يبعث برسائل إلى تلامذته الرحالة دون إبطاء ويعلق على كل صغيرة وكبيرة، بداية من المادة العلمية إلى دقة اللغة الإنجليزية. أحب الأدب والآيس كريم.. وهوى كتابة الخطابات؛ حيث كان ينفق مبالغ كبيرة على الطوابع ليكون على اتصال بأصدقائه من الطلبة والعلماء أو حتى فقراء القرى الذين قابلهم في رحلاته. يومه شديد الروتين، يستيقظ في الخامسة صباحا، يمشي في جولة خفيفة، يعمل بعض الوقت، ثم يذهب إلى الجمعية في تمام العاشرة إلا الربع.. لا يسهر بعد العاشرة مساء؛ حيث كان يقول عن نفسه: "مثل الطيور، أحب العمل في الصباح".. كانت روحه مليئة بالحيوية حتى في كبر سنه، وكانت آخر رحلاته إلى جبال الهمالايا للبحث عن السمان الجبلي Quail الذي لم يلمحه أحد منذ قرن. ولكن المرض داهمه فجأة وأصيب بسرطان البروستاتة.. وكانت آخر أمنياته إنشاء معهد لعلم الطير في بومباي؛ حيث تحامل على نفسه وذهب لمقابلة رئيس الوزراء "راجيف غاندي" الذي وعده بتحقيق ذلك قبل وفاته بشهرين. سقط العصفور صريع المرض؛ فلم يجد بُدًّا من إكمال سيرته الذاتية قبل وفاته في يوليو 1987، والتي اختار لها اسم "سقوط العصفور" Fall of a sparrow. ليس حل مشكلات العالم الإسلامي قنبلة نووية ، ولكن ماداموا يفعلون فعلينا أن نمتلك مصادر القوة ، هذه وجهة النظر الباكستانية في مشروعها النووى ، قد يوافق عليها البعض وقد يرفضها آخرون ، لكن هذا ما صار فعلاً وتطور علي يد العالم الباكستاني عبد القدير خان . ولد الدكتور عبد القدير خان في ولاية بوبال الهندية عام 1936 لا يصغره سوى أخت واحدة من بين خمسة من الإخوة واثنتين من الأخوات. كان والده عبد الغفور خان مدرسًا تقاعد عام 1935، أي قبل ولادة ابنه عبد القدير بعام واحد؛ ولذا نشأ الابن عبد القدير تحت جناح أبيه المتفرغ لتربيته ورعايته. كان لوالد عبد القدير خان تأثير كبير في حياة ابنه؛ حيث كان الوالد إنسانًا عطوفًا ورقيقًا؛ فعلّم ابنه تقدير الحياة وحب الحيوانات، حتى إن القردة القاطنة بتلال مارجالا التي تحيط بمنزل الدكتور عبد القدير قد علمت عنه ذلك، فتأتي إليه في كل مساء بعد رجوع الدكتور عبد القدير من يوم عمل شاق لتأكل من يديه!! كانت زليخة بيجوم والدة الدكتور عبد القدير خان سيدة تقية تلتزم بالصلوات الخمس ومتقنة للغة الأوردية والفارسية؛ ولذلك نشأ الدكتور عبد القدير خان متدينًا ملتزمًا بصلواته. تخرج عبد القدير خان من مدرسة الحامدية الثانوية ببوبال؛ ليستجيب لنداء إخوته بالهجرة إلى الباكستان أملاً في حياة أفضل وفرص أكبر؛ حيث كان يرى أن الفرص المتاحة له ببوبال محدودة، وربما لم يكن لينجز أكثر من كونه مدرسًا مثل أبيه وعيشه حياة خالية تمامًا من الأحداث المثيرة. لم يكن عبد القدير خان طالبًا متميزًا؛ حيث أراد أبواه له أن يحيا طفولة عادية، فلم يمارسا عليه أية ضغوط من حيث درجاته؛ ولذا كانت حياته الأكاديمية في المدرسة والكلية خالية تماما من الضغوط النفسية. توفي والد الدكتور عبد القدير خان رحمه الله، والذي لم يهاجر مع أبنائه إلى الباكستان في بوبال عام 1957. تخرج عبد القدير في كلية العلوم بجامعة كاراتشي عام 1960، وتقدم لوظيفة مفتش للأوزان والقياسات، وهي وظيفة حكومية من الدرجة الثانية. كان عبد القدير أحد اثنين من بين 200 متقدم قُبِلوا بالوظيفة، وكان راتبه 200 روبية في الشهر. ربما لو استمر الدكتور عبد القدير خان في هذه الوظيفة لتدرج في مناصبها؛ لولا رئيسه المباشر في العمل؛ والذي كان يفرض على عملائه أن يدعوه على الغداء لإتمام أوراقهم، فلم يتقبل عبد القدير الشاب هذه التصرفات التي اعتبرها نوعًا من الرشاوى؛ فاستقال من وظيفته. قرر عبد القدير خان السفر إلى الخارج لاستكمال دراسته وتقدم لعدة جامعات أوروبية؛ حيث انتهى به الأمر في جامعة برلين التقنية؛ حيث أتم دورة تدريبية لمدة عامين في علوم المعادن. كما نال الماجستير عام 1967 من جامعة دلفت التكنولوجية بهولندا ودرجة الدكتوراة من جامعة لوفين البلجيكية عام 1972. لم يكن ترك الدكتور عبد القدير خان لألمانيا وسفره إلى هولندا سعيًا وراء العلم.. بل كان ليتزوج من الآنسة هني الهولندية التي قابلها بمحض الصدفة في ألمانيا. فتمت مراسم الزواج في أوائل الستينيات بالسفارة الباكستانية بهولندا. حاول الدكتور عبد القدير مرارًا الرجوع إلى الباكستان ولكن دون جدوى. حيث تقدم لوظيفة لمصانع الحديد بكراتشي بعد نيله لدرجة الماجستير؛ ولكن رفض طلبه بسبب قلة خبرته العملية، وبسبب ذلك الرفض أكمل دراسة الدكتوراة في بلجيكا؛ ليتقدم مرة أخرى لعدة وظائف بالباكستان، ولكن دون تسلم أية ردود لطلباته. في حين تقدمت إليه شركة FDO الهندسية الهولندية ليشغل لديهم وظيفة كبير خبراء المعادن فوافق على عرضهم. كانت شركة FDO الهندسية أيامها على صلة وثيقة بمنظمة اليورنكو- أكبر منظمة بحثية أوروبية والمدعمة من أمريكا وألمانيا وهولندا. كانت المنظمة مهتمة أيامها بتخصيب اليورانيوم من خلال نظام آلات النابذة Centrifuge system. تعرض البرنامج لعدة مشاكل تتصل بسلوك المعدن استطاع الدكتور عبد القدير خان بجهده وعلمه التغلب عليها. ومنحته هذه التجربة مع نظام آلات النابذة خبرة قيمة كانت هي الأساس الذي بنى عليه برنامج الباكستان النووي فيما بعد. حين فجرت الهند القنبلة النووية عام 1974 كتب الدكتور عبد القدير خان رسالة إلى رئيس وزراء الباكستان في حينها "ذو الفقار علي بوتو" قائلا فيها: إنه حتى يتسنى للباكستان البقاء كدولة مستقلة فإن عليها إنشاء برنامج نوويّ". لم يستغرق الرد على هذه الرسالة سوى عشرة أيام، والذي تضمن دعوة للدكتور عبد القدير خان لزيارة رئيس الوزراء بالباكستان، والتي تمت بالفعل في ديسمبر عام 1974. قام رئيس الوزراء بعدها بالتأكد من أوراق اعتماده عن طريق السفارة الباكستانية بهولندا، وفي لقائهما الثاني عام 1975 طلب منه رئيس الوزراء عدم الرجوع إلى هولندا ليرأس برنامج الباكستان النووي. حين أبلغ الدكتور عبد القدير خان زوجته بالعرض -والذي كان سيعني تركها لهولندا إلى الأبد- مساء نفس اليوم سألته إن كان يعتقد أنه يستطيع إنجاز شيء لبلده.. فحين رد بالإيجاب ردت على الفور: ابق هنا إذن حتى ألمّ أغراضنا في هولندا وأرجع إليك. ومنذ ذلك الحين وآل خان في الباكستان. توصل الدكتور عبد القدير خان بعد فترة قصيرة من رجوعه إلى الباكستان إلى أنه لن يستطيع إنجاز شيء من خلال مفوضية الطاقة الذرية الباكستانية، والتي كانت مثقلة ببيروقراطية مملة. فطلب من بوتو إعطاءه حرية كاملة للتصرف من خلال هيئة مستقلة خاصة ببرنامجه النووي. وافق بوتو على طلبه في خلال يوم واحد وتم إنشاء المعامل الهندسية للبحوث في مدينة كاهوتا القريبة من مدينة روالبندي عام 1976 ليبدأ العمل في البرنامج. وفي عام 1981 وتقديرًا لجهوده في مجال الأمن القومي الباكستاني غيّر الرئيس الأسبق ضياء الحق اسم المعامل إلى معامل الدكتور عبد القدير خان للبحوث. بدأ الدكتور عبد القدير خان بشراء كل ما يستطيع من إمكانات من الأسواق العالمية، وفي خلال ثلاث سنوات تمكن من بناء آلات النابذة وتشغيلها بفضل صِلاته بشركات الإنتاج الغربية المختلفة وسنوات خبرته الطويلة. يقول الدكتور عبد القدير خان في إحدى مقالاته: أحد أهم عوامل نجاح البرنامج في زمن قياسي كان درجة السرية العالية التي تم الحفاظ عليها، وكان لاختيار موقع المشروع في مكان ناءٍ كمدينة كاهوتا أثر بالغ في ذلك. كان الحفاظ على أمن الموقع سهلا بسبب انعدام جاذبية المكان للزوار من العالم الخارجي، كما أن موقعه القريب نسبيًا من العاصمة يسّر لنا اتخاذ القرارات السريعة، وتنفيذها دون عطلة. وما كان المشروع ليختفي عن عيون العالم الغربي لولا عناية الله تعالى، ثم إصرار الدولة كلها على إتقان هذه التقنية المتقدمة التي لا يتقنها سوى أربع أو خمس دول في العالم. ما كان لأحد أن يصدق أن دولة غير قادرة على صناعة إبر الخياطة ستتقن هذه التقنية المتقدمة". حين علم العالم بعدها بتمكن الباكستان من صناعة القنبلة النووية هاج وماج؛ إذ بدأت الضغوط على الحكومة الباكستانية من جميع الجهات ما بين عقوبات اقتصادية وحظر على التعامل التجاري وهجوم وسائل الإعلام الشرس على الشخصيات الباكستانية. كما تم رفع قضية ظالمة على الدكتور عبد القدير خان في هولندا تتهمه بسرقة وثائق نووية سرية. ولكن تم تقديم وثائق من قبل ستة أساتذة عالميين أثبتوا فيها أن المعلومات التي كانت مع الدكتور عبد القدير خان من النوع العادي، وأنها منشورة في المجلات العلمية منذ سنين. تم بعدها إسقاط التهمة من قبل محكمة أمستردام العليا. يقول الدكتور عبد القدير خان: إنه حصل على تلك المعلومات بشكل عادي من أحد أصدقائه؛ إذ لم يكن لديهم بعد مكتبة علمية مناسبة أو المادة العلمية المطلوبة. يتلخص إنجاز الدكتور عبد القد ير خان العظيم في تمكنه من إنشاء مفاعل كاهوتا النووي (والذي يستغرق عادة عقدين من الزمان في أكثر دول العالم تقدمًا- في ستة أعوام) وكان ذلك بعمل ثورة إدارية على الأسلوب المتبع عادة من فكرة ثم قرار ثم دراسة جدوى ثم بحوث أساسية ثم بحوث تطبيقية ثم عمل نموذج مصغر ثم إنشاء المفاعل الأولي، والذي يليه هندسة المفاعل الحقيقي، وبناؤه وافتتاحه. قام فريق الدكتور خان بعمل كل هذه الخطوات دفعة واحدة. استخدم فريق الدكتور خان تقنية تخصيب اليورانيوم لصناعة أسلحتهم النووية. هناك نوعان من اليورانيوم يوليهما العالم الاهتمام: يورانيوم-235 ويورانيوم 238. ويعتبر اليورانيوم235 أهمهما؛ حيث هو القادر على الانشطار النووي وبالتالي إنشاء الطاقة. يستخدم هذا النوع من اليورانيوم في المفاعلات الذرية لتصنيع القنبلة الذرية. ولكن نسب اليورانيوم 235 في اليورانيوم الخام المستخرج من الأرض ضئيلة جدا تصل إلى 0.7 % وبالتالي لا بد من تخصيب اليورانيوم لزيادة نسبة اليورانيوم 235؛ إذ لا بد من وجود نسبة يورانيوم 235 بنسبة 3-4% لتشغيل مفاعل ذري وبنسبة 90 % لصناعة قنبلة ذرية. يتم تخصيب اليورانيوم باستخدام أساليب غاية في الدقة والتعقيد وتمكنت معامل كاهوتا من ابتكار تقنية باستخدام آلات النابذة، والتي تستهلك عُشْر الطاقة المستخدمة في الأساليب القديمة. تدور نابذات كاهوتا بسرعات تصل إلى 100ألف دورة في الدقيقة الواحدة. يقول الدكتور خان: في حين كان العالم المتقدم يهاجم برنامج الباكستان النووي بشراسة كان أيضًا يغض الطرف عن محاولات شركاته المستميتة لبيع الأجهزة المختلفة لنا! بل كانت هذه الشركات تترجّانا لشراء أجهزتها. كان لديهم الاستعداد لعمل أي شيء من أجل المال ما دام المال وفيرًا! قام الفريق الباكستاني بتصميم النابذات وتنظيم خطوط الأنابيب الرئيسية وحساب الضغوط وتصميم البرامج والأجهزة اللازمة للتشغيل. وحين اشتد الهجوم الغربي على البرنامج وطبق الحظر والعقوبات الاقتصادية بحيث لم يتمكن الفريق من شراء ما يلزمهم من مواد.. بدأ المشروع في إنتاج جميع حاجياته بحيث أصبح مستقلا تماما عن العالم الخارجي في صناعة جميع ما يلزم المفاعل النووي. امتدت أنشطة معامل خان البحثية لتشمل بعد ذلك برامج دفاعية مختلفة؛ حيث تصنع صواريخ وأجهزة عسكرية أخرى كثيرة وأنشطة صناعية وبرامج وبحوث تنمية، وأنشأت معهدا للعلوم الهندسية والتكنولوجية ومصنعًا للحديد والصلب، كما أنها تدعم المؤسسات العلمية والتعليمية. نال الدكتور خان 13 ميدالية ذهبية من معاهد ومؤسسات قومية مختلفة ونشر حوالي 150 بحثًا علميًا في مجلات علمية عالمية. كما مُنح وسام هلال الامتياز عام 1989 وبعده في عام 1996 نال أعلى وسام مدني تمنحه دولة الباكستان تقديرًا لإسهاماته الهامة في العلوم والهندسة: نيشان الامتياز. النبتة الطيبة: ولد الدكتور زغلول راغب محمد النجار في قرية مشاري، مركز بسيون بمحافظة الغربية في 17 نوفمبر عام 1933م. حفظ القرآن الكريم منذ الصغر على يد والده الذي كان يعمل مدرسًا بإحدى مدارس المركز. وقد حرص الوالد دائمًا على غرس القيم الدينية والأخلاقية في حياة أبنائه.. حتى إنه كان يعطي للأسرة درسًا في السيرة أو الفقه أو الحديث على كل وجبة طعام.. يذكر الدكتور عن والده عادة غريبة أثناء تسميعه القرآن لأبنائه؛ حيث كان يرد الخطأ حتى ولو كان في نعاس تام.. فلم يكن غريبًا إذًا أن ينشأ الدكتور زغلول النجار بقلب متعلق بالإيمان بالله والدعوة في سبيله. تدرج الفتى زغلول في مراحل التعليم حتى التحق بكليته، كلية العلوم بجامعة القاهرة في عام 1951م، ثم تخرج في قسم الجيولوجيا بالكلية في عام 1955م حاصلاً على درجة بكالوريوس العلوم بمرتبة الشرف وكان أول دفعته. في شبابه.. تأثر الشاب زغلول النجار بالفكرة الإسلامية التي تواجدت بقوة على الساحة في ذلك الوقت.. وهي الفكرة التي قامت على يد "الشيخ حسن البنا" الذي أسس جماعة "الإخوان المسلمون" في عام 1928م.. إلا أن انتمائه لهذه الفكرة أثَّر على مسيرة حياته؛ فلم يُعَيَّن الدكتور زغلول – الحاصل على مرتبة الشرف وأول دفعته – معيدًا بجامعة القاهرة، ومن ثَمَّ التحق بعدة وظائف في الفترة ما بين 1955م إلى 1963م؛ حيث التحق بشركة صحارى للبترول لمدة 5 أشهر، ثم بالمركز القومي للبحوث 5 أشهر أخرى.. حتى انضم إلى مناجم الفوسفات في وادي النيل (من إسنا إلى إدفو) لمدة 5 أعوام؛ حيث أثبت الدكتور تفوقًا ملحوظًا، وتمَّ إنتاج الفوسفات في مناجم "أبو طرطور" في خلال 6 أشهر فقط، وخرجت شحنات تجارية تقدر بمليارات الجنيهات.. ولم تنتج هذه المناجم مثل هذه الكمية بعد ذلك حتى هذا الوقت. وفي احتفالية فريق العمل بمناجم الفوسفات بهذا الإنجاز، كانت الإشادة بتفوق الشاب زغلول النجار ودوره في هذا النجاح، وعرفه رئيس اتحاد العمال في كلمته قائلاً "عندنا شخصية جيدة تجمع العمال على قلب رجل واحد…"، ولكنه بدلاً من أن يلقى التكريم اللائق كشاب وطني نابغ في مهنته، "فصل" من وظيفته.. لنفس الأسباب السياسية الفكرية.. وهكذا.. لم يثبت الدكتور زغلول في وظيفة من أي من هذه الوظائف فترات طويلة.. وإنما الثبات كله كان في قلبه المتعلق بالإيمان المضحي في سبيل فكرته.. والتحق الدكتور زغلول بمناجم الذهب بالبرامية.. حتى لاحت له الفرصة للالتحاق بجامعة عين شمس معيدًا بقسم الجيولوجيا بشرط عدم تلاحمه مع الطلاب أو التقصير في أي من محاضراته.. وبالفعل التزم الدكتور زغلول بهذه الشروط.. حتى كان يوم زيارة رئيس الحكومة في ذلك الوقت للجامعة.. وحيث إن الدكتور زغلول لم يُبَلَّغ ولم يعلم من قبل بهذه الزيارة.. حافظ على محاضرته والتزم بتدريسها.. ففصل بعد سنة واحدة من تعيينه في الجامعة، فانتقل للعمل بمشروع للفحم بشبه جزيرة سيناء. وفي عام 1959م لاحت أول انطلاقة حقيقية للدكتور زغلول النجار في إثبات ذاته، حيث دعي من جامعة آل سعود بالرياض إلى المشاركة في تأسيس قسم الجيولوجيا هناك. ومن المملكة السعودية استطاع السفر إلى إنجلترا.. وحصل هناك على درجة "الدكتوراه في الفلسفة" في الجيولوجيا من جامعة ويلز ببريطانيا عام 1963م، ثم رشحته الجامعة.. لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه من خلال منحة علمية من جامعته.. Robertson, Post-Doctoral Research fellows. ويذكر الدكتور زغلول أنه حينما حاولت إدارة البعثات المصرية الرفض، بعث أستاذه الإنجليزي الذي كان نسيبًا لملكة بريطانيا بخطاب شديد اللهجة إلى البعثات قال فيه: إنه لا يوجد من يختلف على أن الدكتور زغلول هو أحق الدارسين بهذه المنحة التي تمنح لفرد واحد فقط، وهدَّد أن بريطانيا لن تقبل أي طالب مصري بعد ذلك إذا لم يقبل الدكتور زغلول في هذه المنحة.. فبالطبع كانت الموافقة. "موقف لا يُنسى في رحلته" في أكتوبر من عام 1961م، كانت الباخرة التي ستقل الدكتور زغلول إلى إنجلترا راسية على ميناء بور سعيد.. وفي أثناء إنهاء إجراءات السفر فوجئ الدكتور بأنه ممنوع من السفر، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع إلغاء هذا القرار هو مدير جوازات بور سعيد.. والذي لم يكن موجودًا في ذلك الوقت.. فكان الدكتور زغلول النجار وأخوه محمد النجار في سباق مع الزمن الذي لم يبق منه إلا القليل.. ذهبا إلى البيت فلم يجداه.. ثم توجها إلى مستشفى الولادة ببور سعيد حين علما بأنه هناك مع زوجته وهي في حالة وضع.. "كان ضابطًا شهمًا" كما يصفه الدكتور زغلول وقال لهما: "إن زوجتي اليوم كتبت لها حياة جديدة؛ ولذلك ستسافر، وليكن ما يكون".. أصدر الضابط أوامره إلى السفينة التي كانت تحركت بالفعل للوقوف في عرض البحر.. واستقل الثلاثة قاربًا صغيرًا في جنح الظلام.. وأنزلت السلالم من السفينة في مشهد من جميع ركابها.. يقول د. زغلول "لم أتخيل ارتفاعًا أكبر من ذلك في حياتي"، وهكذا كتب للدكتور زغلول السفر إلى إنجلترا. أبحاثه العلمية في إنجلترا قدم الدكتور زغلول في فترة تواجده بإنجلترا أربعة عشر بحثًا في مجال تخصصه الجيولوجي، ثم منحته الجامعة درجة الزمالة لأبحاث ما بعد الدكتوراة (1963م - 1967م).. حيث أوصت لجنة الممتحنين بنشر أبحاثه كاملة.. وهناك عدد تذكاري مكون من 600 صفحة يجمع أبحاث الدكتور النجار بالمتحف البريطاني الملكي.. طبع حتى الآن سبع عشرة مرة.. عودة إلى البلاد العربية انتقل الدكتور زغلول بعد ذلك إلى "الكويت"؛ حيث شارك في تأسيس قسم الجيولوجيا هناك عام 1967م، وتدرج في وظائف سلك التدريس حتى حصل على الأستاذية عام 1972م، وعُيِّن رئيسًا لقسم الجيولوجيا هناك في نفس العام.. ثم توجه إلى قطر عام 1978م إلى عام 1979م، وشغل فيها نفس المنصب السابق. وقد عمل قبلها أستاذًا زائرًا بجامعة كاليفورنيا لمدة عام واحد في سنة 1977م. نشر للدكتور زغلول ما يقرب من خمسة وثمانين بحثًا علميًّا في مجال الجيولوجيا، يدور الكثير منها حول جيولوجية الأراضي العربية كمصر والكويت والسعودية.. من هذه البحوث: تحليل طبقات الأرض المختلفة في مصر – فوسفات أبو طرطور بمصر - البترول في الطبيعة – احتياطي البترول – المياه الجوفية في السعودية – فوسفات شمال غرب السعودية – الطاقة المخزونة في الأراضي السعودية – الكويت منذ 600 مليون عام مضت. ومنها أيضًا: مجهودات البشر في تقدير عمر الأرض، الإنسان والكون – علم التنجيم أسطورة الكون الممتد – منذ متى كانت الأرض؟ – زيادة على أبحاثه العديدة في أحقاب ما قبل التاريخ (العصور الأولى) كما نشر للدكتور زغلول ما يقرب من أربعين بحثًا علميًّا إسلاميًّا، منها: التطور من منظور إسلامي – ضرورة كتابة العلوم من منظور إسلامي – العلوم والتكنولوجيا في المجتمع الإسلامي – مفهوم علم الجيولوجيا في القرآن – قصة الحجر الأسود في الكعبة – حل الإسلام لكارثة التعليم – تدريس الجيولوجيا بالمستوى الجامعي اللائق.. وله عشرة كتب: منها الجبال في القرآن، إسهام المسلمين الأوائل في علوم الأرض، أزمة التعليم المعاصر، قضية التخلف العلمي في العالم الإسلامي المعاصر، صور من حياة ما قبل التاريخ.. وغيرها. كما كان له بحثان عن النشاط الإسلامي في أمريكا والمسلمون في جنوب إفريقيا.. هذا بالطبع بجانب أبحاثه المتميزة في الإعجاز العلمي في القرآن، والذي يميز حياة د. زغلول النجار. بلغت تقاريره الاستشارية والأبحاث غير المنشورة ما يقرب من أربعين بحثًا. وأشرف حتى الآن على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراة في جيولوجية كل من مصر والجزيرة العربية والخليج العربي. * رسم د. النجار أول خريطة جيولوجية لقاع بحر الشمال.. وحصل على عدة جوائز منها "جائزة أحسن بحوث مقدمة لمؤتمر البترول العربي عام 1975م، وجائزة مصطفى بركة للجيولوجيا". * تزوج الدكتور زغلول في عام 1968م ورُزِقَ منها بولدين توفاهما الله سبحانه وتعالى. * الآن، يشرف الدكتور زغلول على معهد للدراسات العليا بإنجلترا تحت اسم: Markfield Institute of Higher Education وهو معهد تحت التأسيس يمنح درجة الماجستير أو الدكتوراة في مجالات إسلامية كثيرة مثل الاقتصاد، والمال والبنوك، والتاريخ الإسلامي، والفكر الإسلامي المعاصر، والحركات المعاصرة، والمرأة وحركات تحررها.. إلخ. * د. زغلول عضو في العديد من الجمعيات العلمية المحلية والعالمية منها: لجنة تحكيم جائزة اليابان الدولية للعلوم، وهي تفوق في قدرها جائزة نوبل للعلوم.. واختير عضوًا في تحرير بعض المجلات في نيويورك وباريس.. ومستشارًا علميًّا لمجلة العلوم الإسلامية Islamic science التي تصدر بالهند.. وغيرها.. وقد عُيِّن مستشارًا علميًّا لعدة مؤسسات وشركات مثل مؤسسة روبرستون للأبحاث البريطانية، شركة ندا الدولية بسويسرا وبنك دبي الإسلامي بالإمارات.. وقد شارك في تأسيس كل من بنك دبي وبنك فيصل المصري وبنك التقوى وهو عضو مؤسس بالهيئة الخيرية الإسلامية بالكويت.. الدكتور زغلول عالمًا داعيًا للدكتور زغلول النجار اهتمامات واسعة متميزة ومعروفة في مجال "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم"، حيث يرى أنه وسيلة هامة وفعالة في الدعوة إلى الله عز وجل، ويقول عن تقصير علماء المسلمين تجاه هذه الرسالة: "لو اهتم علماء المسلمين بقضية الإعجاز العلمي وعرضوها بالأدلة العلمية الواضحة لأصبحت من أهم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل"، ويرى أنهم هم القادرون وحدهم بما لهم من دراسة علمية ودينية على الدمج بين هاتين الرسالتين وتوضيحهما إلى العالم أجمع.. لذلك اهتم الدكتور زغلول بهذه الرسالة النابعة من مرجعيته العلمية والدينية في فكره، منذ شبابه. جاب د. زغلول البلاد طولاً وعرضًا داعيًا إلى الله عز وجل.. ولا يذكر أن هناك بلدًا لم يتحدث فيه عن الإسلام من خلال الندوات والمؤتمرات أو عبر شاشات التلفزة، أو حتى من خلال المناظرات التي اشتهرت عنه في مجال مقارنة الأديان. يوجه د. زغلول حديثه إلى كل شاب وفتاة بأن عليهم فَهْم هذا الدين، وحمل تعاليمه إلى الناس جميعًا؛ فيقول في إحدى محاضراته: "نحن المسلمون بأيدينا الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بحفظ الله كلمة كلمة وحرفًا حرفًا قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وأنا أؤكد على هذا المعنى؛ لأني أريد لكل شاب وكل شابة مسلمة أن يخرج به مسجلاً في قلبه وفي عقله؛ ليشعر بمدى الأمانة التي يحملها على كتفيه". كما يؤمن د. زغلول بأن علينا تسخير العلم النافع بجميع إمكاناته، وأن أحق من يقوم بهذا هو العالم المسلم: "فنحن نحيا في عصر العلم، عصر وصل الإنسان فيه إلى قدر من المعرفة بالكون ومكوناته لم تتوفر في زمن من الأزمنة السابقة؛ لأن العلم له طبيعة تراكمية، وربنا سبحانه وتعالى أعطى الإنسان من وسائل الحس والعقل ما يعينه على النظر في الكون واستنتاج سنن الله"، ويقول في موضع آخر: (ولما كانت المعارف الكونية في تطور مستمر، وجب على أمة الإسلام أن ينفر في كل جيل نفر من علماء المسلمين الذين يتزودون بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كتاب الله). إلا أن د. زغلول وبرغم اهتمامه الشديد بما في القرآن من إعجاز علمي، يؤكد أنه كتاب هداية للبشر وليس كتابًا للعلم والمعرفة موضحًا ذلك في قوله: (أشار القرآن في محكم آياته إلى هذا الكون ومكوناته التي تحصى بما يقارب ألف آية صريحة، بالإضافة إلى آيات تقترب دلالتها من الصراحة.. وردت هذه الآيات من قبيل الاستشهاد على بديع صنع الله سبحانه وتعالى، ولم ترد بمعنى أنها معلومة علمية مباشرة تعطى للإنسان لتثقيفه علميًّا)، ويدعو د. زغلول دائمًا إلى أن يهتم كل متخصص بجزئيته في الإعجاز العلمي ولا يخوض فيما لا يعلم (أما الإعجاز العلمي للآيات الكونية فلا يجوز أن يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية، ولا بد للتعرض لقضايا الإعجاز من قبل المتخصصين كلٌّ في حقل تخصصه). تحية من الجيل.. تحية من كل شاب مسلم وفتاة مسلمة.. عمَّا قدمه عالمنا للعلم والحياة والإنسان.. ويقف إعجازه العلمي إعجازًا لا يُنْكَر من أي عالم يقدر العلم والعلماء.. ندعو جيل علمائنا إلى أن يقتدي به.. وهذا أفضل طريقة لتقديم الشكر للدكتور زغلول على ما قدمه.. وهو أن يكون منا زغلول.. آخر.. في عام 1906 وصلت الأنباء إلى معظم حواضر العالم الإسلامي بأن الشعب الياباني بعد انتصاره على روسيا سيعقد مؤتمرًا كبيرا للمقارنة بين الأديان المختلفة من أجل اختيار أفضلها وأصلحها، حتى يصبح الدين الرسمي للإمبراطورية. اهتمت عدد من الصحف في أنحاء العالم الإسلامي بهذا الخبر الطريف، وكان ممن سمع به وجذب اهتمامه صحفي مصري أزهري هو السيد "علي أحمد الجرجاوي"؛ فكتب في صحيفة "الإرشاد" يدعو شيخ الأزهر وعلماء الإسلام لتشكيل وفد للمشاركة في هذا المؤتمر الذي يمكنهم من خلاله إقناع الشعب الياباني وإمبراطوره بالإسلام؛ وهو ما من شأنه إذا حدث قيام حلف إسلامي قوي يجمع اليابان وربما الصين أيضا مع السلطنة العثمانية؛ فيعود للإسلام مجده القديم. بُح صوت الجرجاوي في دعوته للاهتمام بهذا المؤتمر، ولما لم يجد استجابة أعلن عزمه على السفر بنفسه لأداء هذا المهمة، وبالفعل كتب ذلك في آخر عدد من صحيفته بتاريخ 26 يونيو 1906؛ حيث قام بإغلاقها بعد ذلك، وبدأ في إعداد نفسه للسفر، فعاد إلى بلدته "أم القرعان" في مركز "جرجا" بصعيد مصر، وباع خمسة أفدنة من أرضه لينفق منها على رحلته، واستقل الباخرة من ميناء الإسكندرية قاصدًا اليابان، وغاب أكثر من شهرين، ثم عاد بأخبار وقصص أغرب من الخيال نشرها في كتاب مثير بعنوان "الرحلة اليابانية"، الذي يمكن اعتباره من دون مبالغة من أطرف كتب الرحلات في القرن العشرين. وكتاب "الرحلة اليابانية" الذي نشره "الجرجاوي" عقب عودته من اليابان، وصدرت طبعته الأولى سنة 1907 على نفقته الخاصة، هو أول كتاب في العالم العربي يكتبه صاحبه عن اليابان التي تصاعد اهتمام العالم الإسلامي بها عقب انتصارها في حربها مع روسيا، ولكن من خلال زيارة واقعية لها، فقد سبق ونشر الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل كتابا بعنوان "الشمس المشرقة" سنة 1905 يشيد فيه بانتصار اليابان كأمل لكل الشعوب المستضعفة للتخلص من نير الاستعمار، لكنه لم يكن قد زارها من قبل. وإذا كانت المصادر التاريخية لا تذكر قبل "الجرجاوي" رحالة مصريا آخر زار اليابان، بما يؤكد صحة ادعائه في مقدمة كتابه عن الرحلة بأنها رحلة أول مصري وطئت قدمه اليابان منذ قديم الزمان، فإن بداية العلاقات بين العالم العربي واليابان ما زالت غير معروفة على وجه التحديد إلى الآن، وإن كانت المصادر التاريخية تؤكد أن رحلة "الجرجاوي" من أوائل الرحلات التي دشنت تلك العلاقات. والشيخ علي الجرجاوي من خريجي الأزهر الشريف، لكنه عمل بالصحافة طوال عمره؛ إذ أصدر في الإسكندرية صحيفته "الإرشاد" سنة 1899، ثم نقل إصدارها للقاهرة حتى أغلقها عندما بدأ رحلته لليابان، وعقب عودته عاد للعمل بالصحافة، فأصدر جريدة "الأزهر المعمور" في 20 إبريل سنة 1907، واستمر في العمل بالصحافة حتى وفاته سنة 1961. ورغم أنه -كما يبدو من كتابه- كان من أنصار السلطان عبد الحميد الثاني، ومن الداعين لفكرة "الجامعة الإسلامية"، فإنه يمكن اعتباره من الأزهريين الإصلاحيين الذين حملوا همَّ النهضة، وإصلاح التعليم، وإشاعة أجواء الحرية، وخاصة حرية الصحافة، يظهر ذلك بوضوح من تفاصيل رحلته؛ فلم يدخل بلدًا إلا وقد تحدث عن أوضاع التعليم فيه، وأجرى مسحا عن الصحافة الصادرة به، وما تمتع به من حرية، أو يواجهها من قهر ومصادرة، وكان يبدو ناقما على جمود علماء الأزهر، وتقاعسهم عن أداء وظيفتهم الاجتماعية. والجرجاوي "صعيدي" يمتلك روح المغامرة ولديه حس الرحالة، إن اقتنع بالفكرة حتى سخّر جريدته للدعوة إليها، ولما لم يجد من يستمع إليه قرر أن يخوض التجربة بنفسه وعلى نفقته، فلم يتردد في بيع جزء من أرضه للإنفاق على الرحلة، ويبدو من تعليقاته وإلحاحه الدائم على الإشارة إلى أنه تكفل بكل مصروفات رحلته. وفي كتابه يتوقف أمام كل بلد ينزل بها؛ فيذكر طرفًا من تاريخها وأخبار أهلها وأحوال المسلمين بها، كما يذكر بعضًا من طرائفها أو عاداتها، ويجذبه دائمًا ملابس أهل البلاد، وأحوال الصحف فيها، والمؤسسات التعليمية، وهو مغرم بذكر تاريخ كل مدينة، وخاصة ما يتعلق بدخول الإسلام وتعداد المسلمين بها. ويذكر "الجرجاوي" أنه ما إن وصل إلى "يوكوهاما" حتى وجد بانتظاره عالميْن مسلميْن هما: الحاج "مخلص محمود الروسي"، و"السيد سليمان الصيني"، اللذين اصطحباه في رحلته في اليابان، والتي استمرت -كما يذكر- اثنين وثلاثين يومًا كاملا، ويشير إلى أنه مكث في "يوكوهاما" يومين للاستراحة من عناء الرحلة، قضاهما في فندق بجوار الإدارة البحرية، ثم انطلق منها بعد ذلك إلى العاصمة اليابانية (طوكيو) للدعوة إلى الدين الإسلامي، والمشاركة في مؤتمر الأديان الذي حضر إليه خصيصًا. والمثير أن الجرجاوي يقدم في كتابه وصفًا دقيقًا وتفصيليًا لطوكيو بما يوحي -لمن لم يزرها- بأنه نزل بها وعاش بها فترة لا بأس بها من الزمن، فهو يصف مبانيها وشوارعها وإنارتها والعائلات الكبيرة بها ومكتبتها الوحيدة التي لا تتجاوز محتوياتها مائتي ألف مجلد فقط، كما يقدم نبذة تاريخية عنها، ويغوص الجرجاوي في تاريخ اليابان؛ فيعرج على الأساطير التي يتداولونها حول أصول شعبهم والتي تجعلهم يعتقدون أنهم ليسوا من الجنس البشري، كما يستعرض علاقة الشعب الياباني بإمبراطوره الذي يطلق عليه لقب "الميكادو".. ويصوره في طابع أقرب إلى الأسطورة. وما إن استقر "الجرجاوي" وصاحباه حتى بحثوا عن دار تؤويهم؛ فتكون مكانًا للسكن ومركزًا للدعوة إلى الإسلام، فاستأجروا -كما يذكر في رحلته- منزلا من تاجر ياباني، وبمجرد أن أسس "الجرجاوي" وزميلاه الجمعية بدأ الدعوة إلى الإسلام من مقر الجمعية؛ حيث كتبوا خطبة فيها تعريف وافٍ بالإسلام باللغة الإنجليزية، ودعوا الناس إلى مقر الجمعية، حيث كان "جازييف" -أول ياباني أسلم على يده- يتولى أمر ترجمة الخطبة إلى اليابانية. وكان رد الفعل -كما يذكر الجرجاوي- ممتازًا؛ فقد أقبل المئات على الإسلام، وكان عدد المترددين على الجمعية يتضاعف يومًا بعد يوم، وخلال ثمانية عشر لقاءً نظمها الجرجاوي للدعوة إلى الإسلام في مقر جمعيته أسلم على يديه (والعهدة عليه) اثنا عشر ألفا من اليابانيين في مدة 32 يومًا هي عمر وجوده في اليابان، ويذكر منهم أسماء ثلاثة -غير جازييف"- هم: "أترالكييو"، و"إنساكيويو"، و"كوفاري"، ويقول: إن ذكر جميعهم يحتاج لمجلد ضخم. ويذكر "الجرجاوي" أن سبب المؤتمر -كما تأكد منه بنفسه- هو أن اليابانيين بعد أن انتصروا على روسيا في الحرب رأوا أن معتقداتهم الأصلية لا تتفق مع عقلهم الباهر ورقيهم المادي والأدبي، فاقترح عليهم الكونت "كاتسورة" رئيس الوزراء إرسال خطابات رسمية إلى الدولة المتدينة ليرسلوا إليهم العلماء والفلاسفة والمشرعين وكل أصحاب الديانات؛ ليجتمعوا في مؤتمر ديني يتحدث فيه أهل كل دين عن قواعد دينهم وفلسفته، ثم يختار اليابانيون بعد ذلك ما يناسبهم من هذه الأديان، فوافقهم "ألميكادو" على ذلك، فأرسلوا إلى الدولة العلية العثمانية وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا وأمريكا، فأرسلت إليهم هذه الدول بمندوبين عنها؛ حيث أرسلت الدول العثمانية وفدًا إسلاميًا، في حين أرسلت بقية الدول وفودًا مسيحية من كل المذاهب المسيحية. ويشير إلى أن أولى جلسات المؤتمر بدأت في الأول من مارس 1906 بحضور كل قيادات الإمبراطورية اليابانية، وينقل إعجاب اليابانيين بالإسلام، لكنه يؤكد أن الجلسة الثانية والختامية للمؤتمر لم تستقر على نتيجة؛ إذ أعلن رئيس الوزراء ختام المؤتمر دون الاستقرار على دين بعينه؛ إذ إن كل مجموعة من اليابانيين استحسنت دينًا دون الاتفاق على واحد منها. ورغم ذلك فهو يؤكد أن غالبية من حضروا المؤتمر من اليابانيين وجدوا في أنفسهم ميلا للإسلام الذي أحسن علماؤه ومندوبو الدولة "العلية" عرضه وبيان ما فيه من قواعد ومبادئ يتفق معها العقل والمنطق. وفي وصفه للرحلة اليابانية يسهب في الحديث عن الشعب الياباني وشجاعته في الحرب الروسية وعلو همته، ويشيد بوطنيته وتضحياته من أجل حرية وطنه، كما يمتدح المرأة اليابانية والبوليس الياباني والصحافة والتعليم والخطباء والقصاصين وكل شيء في اليابان حتى أعيادهم وعوائدهم في الجنازات والمناسبات المختلفة. وبعد، هل سافر الجرجاوي حقًا إلى اليابان كما يذكر في كتابه، أم أنها كانت رحلة نسجها خيال أديب وصحفي مغامر عُرف بافتتانه بكتب الرحالة والمستكشفين؟! من يقرأ تفاصيل الرحلة لا بد أن يثور في ذهنه هذا التساؤل، فضلا عن أن فكرة المؤتمر الذي سافر لحضوره نفسها أشبه بالخيال! الرحلة مليئة بالمبالغات الواضحة التي تقترب من الأساطير الشائعة في القصص الشعبي، ربما كان أكثرها وضوحًا ما يذكره من أنه قد أسلم على يديه اثنا عشر ألفًا من اليابانيين في اثنين وثلاثين يومًا فقط قضاها في بلادهم، في حين أن بعض التقديرات الحالية لمسلمي اليابان لا تزيد عن نفس الرقم بعد ما يقرب من قرن، ولا يقل عنها مبالغة وربما أسطورية فكرة أن الإمبراطور اقتنع بالإسلام ولم يمنعه من إعلان إسلامه سوى خوفه من تأثير ذلك على شعبه، وهي قصة أشبه بحواديت ألف ليلة وليلة، كما أن من يقرأ تفاصيل المؤتمر يتيقن له أنه لم يحضر، وإنما ينقل عن أوراقه وأعماله على أحسن الأحوال. د. صالح السامرائي رئيس المركز الإسلامي بطوكيو وقد عاش في اليابان أكثر من ربع قرن، يؤكد في كتابه عن تاريخ الدعوة الإسلامية في اليابان أن وصف "الجرجاوي" لليابان وذكره لأسماء الناس والمدن بها كالذي لم تطأ قدماه أرضها!! ولكن كل المصادر التاريخية تؤكد أن "الجرجاوي" أقلع فعلا من مصر في رحلة إلى اليابان؛ وهو ما يعني أنه سافر فعلا، ولكن ربما إلى بلد آخر غير اليابان!.. ويعزز هذا الرأي ما نسب للشيخ "مولوي بركة الله" الداعية الهندي في مجلة "الأخوة الإسلامية" 1910؛ حيث ذكر أن عربيًا وصل "هونج كونج"، ومنها ذهب إلى "تايوان"، فظن أنه في اليابان، ورأى أعدادًا كثيرة من المسلمين الصينييين فظن أنهم يابانيون تحولوا للإسلام، لكنه لم يذكر "الجرجاوي" بالاسم، وقريب من هذا المعنى يذكره "عبد الرشيد إبراهيم" في كتابه "عالم إسلام" دون أن يذكر "الجرجاوي" صراحة؛ وهو ما يرجح احتمال أن "الجرجاوي" لم يذهب لليابان أصلا. لكن قراءة دقيقة في المصادر التاريخية تكشف عن أن ما ذكره "الجرجاوي" والملابسات المحيطة برحلته ربما يعتريها بعض الشكوك، لكنه لا يخلو من الحقيقة؛ فخبر المؤتمر الذي ذكر الجرجاوي أنه سافر إلى اليابان لحضوره ذكرته صحيفة Chugai koho اليابانية في عدد 12 مايو 1906، وصحيفة Japan times في عدد 8 مايو من نفس العام، كما أشارت إليه أيضًا جريدة "إقدام" الصادرة في إستانبول بتاريخ 17 مايو 1906 عن مراسل جريدة Rappel الفرنسية بطوكيو، لكنه -كما تشير هذه الصحف- كان مؤتمرًا للحوار والتعاون بين الأديان، لا كما ذكر "الجرجاوي" من أنه أقيم بطلب من الإمبراطور لبحث أنسب الأديان وأفضلها للشعب الياباني!! أما بالنسبة لوصول "الجرجاوي" إلى اليابان، فإن الباحث الياباني "عبد الرحمن سوزوكي" أكد أنه زار 1982 فندق "جراند هوتيل" الذي قال "الجرجاوي": إنه نزل به في رحلته إلى يوكوهاها أمام إدارة الميناء، فوجد اسم "الجرجاوي" فعلا في سجلات الفندق القديمة، ورأى ختمه، وإن كان بعض الباحثين زار الفندق بعد ذلك (1993)، فلم يتأكد من صحة هذا القول؛ نظرًا لأن ملكية الفندق تغيرت، وضاعت معها السجلات القديمة. ويذكر السيد "عبد الرشيد إبراهيم" في كتابه (عالم إسلام) أنه قابل الكونت (okuma) وزير خارجية اليابان الأسبق ومؤسس جامعة "واسيدا"، فذكر أنه جاءه مصري يريد أن يجعل الإمبراطور مسلمًا، ولا يدري هل وُفِّق في مقابلة الإمبراطور أم لا؟ ويبدو أن "الجرجاوي" هو هذا المصري على أغلب الظن؛ لأنه لم يُعرف مصري آخر سافر لليابان في هذه الفترة، كما ليس هناك -بتعبير صالح السامرائي- عربي له طموح في إقناع إمبراطور اليابان بالإسلام سوى "الصعيدي" السيد "علي أحمد الجرجاوي". كثيرة هي المآسي التي عاناها الشعب الكوبي: البؤس، والفاقة، والجوع، والتي نتجت عن الجهل والملاحقات والتعذيب والاعتقال، وقد امتدَّ الذل إلى تطبيق نظام الرق على الكوبيين السود.. وفي خضم هذه المظالم كلها، وبعد 30 عامًا من الممارسات الوحشية من جانب المستعمر، وُلِد "خوسيه مارتي" وحيدا بين سبع شقيقات.. والده "ماريانو مارتي نافارو" رقيب أول في المدفعية الملكية، ووالدته "ليونور كابريرا" من إحدى جزر الكناري. كان خوسيه بالنسبة للجميع بمثابة الصديق دائمًا، وقد التحق بالثانوية بعد نجاح فائق، ولكن لم يُغْرِه نجاحه بالركون إلى جانب المستعمر، أو الطمع في مناصب أو مظاهر زائفة يلقيها المحتل لأعوانه من أهل البلد الذي تمثل فيه الشهادة الثانوية بالنسبة لمواطنيه قيمة كبرى آنذاك، لكن خوسيه لا يرضيه- وقد كان بوسعه- أن يكون شيئًا ضخمًا في وطن مصفد ذليل. "الحب بالحب يكافأ" شارك في أول نواة لحركة تحريرية في كوبا، وكان ذلك عام 1868م، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة بعد.. ودخل الحركة من باب الصحافة والأدب، فقد أصدر في هذه السن المبكرة جريدة سمَّاها "الشيطان الأعرج"، ولم يُكْتب للعدد الثاني منها أن يظهر للنور، فأصدر نشرة "الوطن الحر"، ولم يلبث أن أدين مع صديق له بتهمة إهانة "المتطوعة"، وهذا المصطلح كان يطلق على الكوبيين المتعاملين مع الاستعمار.. وكان خوسيه قد أرسل رسالة لأحد أصدقائه "جاني فالديس" يشكو له فيها من هؤلاء الخونة والعملاء. وفي ساحة المحكمة أبَى إلا أن يتحمل المسؤولية كاملة، وتم إخلاء ساحة صديقه تمامًا، وبدلاً من أن ينفي التهمة عن نفسه، أو يعمد إلى المداراة، وجَّه سبابته نحو القضاة العسكريين، يتهمهم بإهدار قيمة العدالة والحرية، غير عابئ بنظرات الحنق والغضب؛ لذا حكموا عليه بست سنوات مع الأشغال الشاقة، وفي أثناء قضائها صدر قرار بنفيه إلى إسبانيا حتى عام 1874م، ومن هنا أفاد خوسيه من أسفاره المتعددة، فاكتسب خبرات السفر، كما أنه امتلأ حماسًا من أجل نهضة بلاده وحريتها.. قضى سنواته في مدن أسبانيا، لكنه أفاد من خبرات الترحال مقاتلاً كما أراد دومًا، فلم يهدأ في هذه الفترة؛ حيث أنهى المرحلة الثانوية، وتخرج في كلية الحقوق في شهادة القانون المدني والكنسي، ثم في ذات العام حاز شهادة الفلسفة والآداب، ثم غادر إلى فرنسا فالمكسيك، عارضًا مسرحيته التي استحال عنوانها قولاً مأثورًا في العالم كله "الحب بالحب يُكافَأ"، ثم غادر إلى "جواتيمالا"، وهناك وجد بعضًا من الراحة حين عمل مدرسًا في دار المعلمين، ولكن روح الثورة داخله لم تهدأ، فحين أقيل أحد المدرسين بأمر من رئيس جواتيمالا "هومستوباريوس" استقال معه مارتي تضامنًا؛ رافضًا كل أشكال القهر السياسي.. الحرب السخية بالدماء.. بلا كراهية!! في اللحظة التي صدر فيها القرار من الحكومة الإسبانية بالعفو عن كل من اشترك في الحركة التحررية، وصل خوسيه إلى هافانا بصحبة زوجته الوفية وولده الوحيد الذي ولد عام 1878. ومنذ أن وطئت قدماه أرض الوطن وزع اهتماماته إلى محاور ثلاثة: الإنتاج الأدبي، وإلقاء المحاضرات في المعاهد العليا، والاتصال بالوطنين والثوار. وبالتالي ما لبث أن نفي من جديد عام 1879 بسبب ما أشاعه في خطبه الحماسية ومقالاته الثورية من أفكار تحررية. ظل خوسيه يدفع ثمن مواقفه من صحته ومن ضيق يده دومًا؛ فقد اضطر للعمل في مهن كثيرة أقل مما يناسبه ليتحمل مسؤولية أسرته التي دفعت معه ثمن نضاله، ولكن النفوس القوية هي التي تجعل من الألم والعذاب قناديل مضيئة.. وفي هذا العمر اليافع المندفع عرف خوسيه طريقة، وحدد هدفه في دعوته للشعب الكوبي، رافضا أي كراهية أو غل مما يلوث النفوس ويجعل القلوب مخازن للحقد.. ولقد عرف نضاله ودوره بأنه: "التبشير بالحرب السخية المنزهة عن كل عمل عنيف خالية من كراهية الإسبان"! القلم والحبر.. بندقية ورصاصة غادر مارتي إسبانيا إلى الولايات المتحدة مدة أحد عشر عاما تنتهي في عام 1892، وقد قضاها متفرغًا لمشروعه الثوري، منظمًا له بعيدًا عن وطنه، وأكمل مسيرته الأدبية؛ حيث أسس مجلة شهرية سماها "السن الذهبية" عام 1889، وجهت للأطفال الذين كان يطلق عليهم دومًا "أمل العالم". والطريف أن هذه المجلة قدمت للأطفال موادَّ ترفيهية مسلية ضاحكة، وهو ما يؤكد أن خوسيه المقاتل والسياسي والمحارب لم يفقد في حربه تلك حُبَّه للحياة، وأمله في الغد وإحساسه بالبراءة والطهر. واهتمامه الكبير بالأدب أمر يدعو للدهشة في ظل ظروفه المضطربة؛ حيث كان يراسل صحفًا عديدة.. وفي ذات الوقت اتخذ مكانته اللائقة؛ حيث عدّه النقاد من مؤسسي الأدب اللاتيني الحديث مع ثلاثة آخرين، هم: روبيرون داريو، وهوليان دلكاسال، وجوتيريزناصيرا.. لم تكن كوبا فقط تملك عليه حبه، ولكن كان مارتي يعشق أمريكا الجنوبية وشعوبها، وكان يسمي قارته "أمي أمريكا"، وكان يردد دائمًا قوله: "إن شغفي بالعدالة ومقتي للرذيلة مهما كانت بسيطة هما رسالتي في الحياة". وقد جاء أدبه متعانقًا مع فكره وحبه الأول "أمريكا الجنوبية"، فهو حين يقول: "لم يعد ممكنًا أن نظل شعبًا شبيهًا بأوراق حياتها في الهواء، فيما الأفنان مكللة بالزهور، أوراق تتطاير أو تتهادى كما تريد لها الريح، وتتهشم أو تبلل كما تشاء لها العواصف، لا بد للأشجار من الاصطفاف لتحول دون مرور المارد.. لقد آن أوان الجد"- كان لا بد لهذه الرؤى والأفكار أن تتبلور. وبالفعل تم ذلك في 1892 حين أسس الحزب الثوري الكوبي، الذي جعل فلسفته أن التحرير سيأتي حين نتنازل جميعًا عن مصالحنا الشخصية؛ حتى إنه رفض أن يسمى رئيسًا أو زعيما للحزب، واختار تسمية مندوب، وأصدر جريدة "باتريا" (الوطن)؛ لتكون لسان حال الحزب، وبدأ في جمع التبرعات لشراء السلاح. وفي أول إبريل 1895 أرسل "مارتي" إلى تلميذه المخلص "كيسادا" خطابا رقيقا حول الثورة القادمة يقول فيه: "وفيما يختص بكوبا؛ ما الذي يمكن أن أكتبه عنها؟ أراني لا أجد صفحة واحدة جديرة بها، إنما العمل الذي سنقوم به هو ما تستحقه".. حين شعر بعودته للوطن، وتنسم أنفاس أهله وذويه، ولسعته حرارة شمسها، أحس بالروح تسري في جسده، وحين استنهضه الحنين صاح قائلا: "لَمْ أحس بأني رجل إلى أن جاء هذا اليوم! لقد عشت حياتي خجلاً من نفسي، أجر الأغلال التي تكبل وطني، استعدادي للتضحية خفّف عني عبء الجسد، أحس بروحي وقد غدت نقية غير مثقلة، وأشعر بشيء أشبه ما يكون براحة الطفل؛ فهل للسماء شرفات، ومن إحداها يُطل أولئك الأشخاص القريبون من قلبي؟".. بهذه الكلمات الرقيقة الهادئة استقبل خوسيه ما كان ينتظره، وكأنه يريد أن يبعد الشكوك عن نفسه، تلك التي تحيط المناضلين إذا وصلوا إلى سدة الحكم، فها هو مارتي يقف مع المحاربين في سن الثانية والأربعين، لا يقف في صفوف خلفية، ولا يكتفي بدوره السياسي ولا رئاسته للحزب، ولا حتى بكونه أديبًا وفنانًا عظيمًا، بل يقف ممسكًا السلاح، وهو لم يعرف في حياته سوى القلم والألم إلى جانب الأمل الذي تمسك به دومًا… ومات خوسيه في أول معركة له ضد المستعمر بعد رحلة قصيرة لم تتعدَّ الثانية والأربعين. ورغم أنه لم يَثْبُت أنه زار أي دولة عربية، فقد كان محبًا للعرب. ظهر ذلك في أعماله الغزيرة، التي بلغ مجموعها 28 مجلدا، وهي تحوي كثيرًا من الإعجاب والإشادة بالعرب. يقول مارتي عن العرب: "إنهم كائنات رشيقة جذابة، تكوّن شعبًا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة..". والمدهش في اهتمامه بالعرب أنه قبل أن يكمل السادسة عشرة من عمره كان قد ألَّف مسرحيته الشعرية الأولى التي سماها "عبد الله"، وهو بطل مصري من النوبة، وجميع أبطاله من العرب الذين يشتركون مع الشعب الكوبي ف ي نضاله ضد المستعمر الإسباني، بل إن مارتي يؤلف ديوانًا شعريًا بعنوان "إسماعيل الصغير"، الذي هو أبو العرب ابن إبراهيم (عليه السلام)، ويخص العرب بإشارات كثيرة فيه. أعجب مارتي بالحضارة الإسلامية ورقي تعاملاتها الإنسانية، بعد اطلاعه على روائع الحضارة الإسلامية في إسبانيا خلال رحلات نفيه.. وهو حين تبهره عمارة المصريين وطريقتهم في بناء بيوتهم، يصفها بأنها تماثل شعبها رشاقة وأناقة، ويعبر عن شغفه بتربية الخيول العربية ومدى إحساس العربي بفرسه وحميمية العلاقة بينهما بمقولة شاعرية فاتنة؛ إذ قال: "إن العربي البسيط حين يتحسس جواده بيديه كأنه يتحسس أعماق نفسه". وهو يقف مشدوها أمام مشاعر هذا القائد العربي- يقصد عمرو بن العاص- الذي أبَى أن يهدم خيمته بعد انتهاء إحدى المعارك؛ لأن حمامتين نسجتا عشهما في سقف الخيمة، بل أمر ببناء "الفسطاط" عاصمة مصر الإسلامية تيمنًا بالحمامتين والخير الذي وراءهما. وكم أشاد بمصر فاتنته الأولى، وكيف نهل اليونان من علومها وفنونها. وخوسيه نافذ بآرائه إلى أعماق خصوصيات العربي البسيط فيحتفل به في أمرين: صلواته اليومية التي يتضرع فيها إلى الله أن يهديه الطريق المستقيم، وحكمته العالية ونظرته الثاقبة للأمور، وهذا يتضح في قوله: "القافلة تسير فدع الكلاب تنبح". وبخوف وحب على هذا العربي وببصيرة نافذة لمارتي حذر هذا العربي البسيط من خوض غمار الحياة معتمدًا فقط على رصيده من الابتهالات والدعوات والصلوات؛ فيقول: "إن من يقتصر على الابتهال إلى الله من أجل مواجهة كل طارئ إنما يدين نفسه بعدم القدرة على الاستيعاب"… وحمل مارتي بشدة وبوعي مدهش على فكرة عبقرية الرجل الأبيض، التي يروّج لها الأوربيون؛ فيقول: "ذلك هو منطقهم: أن يعلي قيمة بلطجي أيرلندي أو مرتزق هندي ممن خدم الدول الأوروبية على حساب عربي من المتبصرين في الأمور، المترفعين عن الدنايا، والذين لا تثبط عزمهم هزيمة، ولا يعرفون التخاذل حيال الفارق العددي بينهم وبين أعدائهم، بل يدافعون عن أرضهم ورجاؤهم على الله". ومن يطالع كتابات مارتي سيفاجأ بكَمّ هائل من الشخصيات العربية التي تحدث عنها مارتي، مثل: الأمير عبد القادر الجزائري، وأحمد عرابي، ومحمد علي، ومحمد الصدوق، والسلطان الحسن سلطان المغرب، والخديوي توفيق. اعتقد مارتي بيقين بالغ أن عامي 1881 و1882 سيقع فيهما انفجار لثورة مسلحة تحت قيادة رابطة إسلامية واعدة؛ حيث يقول: "من القسطنطينية انطلقت الموجة المحمدية، مجتاحة المضيق؛ لتنتشر في طرابلس، ولتؤجج الثورة في تونس"، وقد أخذ مؤشر الثورة أساسًا من الثورة العرابية في مصر التي يصفها قائلا: إنها عميقة الجذور، تلكم الثورة المندلعة في بلاد الروائع، موطن أبي الهول والأهرامات؛ حيث السماء وهاجة، والرمال متقدة..". وهو في تقييمه السياسي للأوضاع في مصر لم يتخلَّ عن أدائه الأدبي الفريد؛ فهو يصف حال مصر مع المستعمر الإنجليزي بقوله: "غُرس المهماز البريطاني في خاصرة الحصان المصري، ولم يعد بد من المواجهة بين القرآن ودفتر الحسابات… إن ابن الصحراء الكريم يعض على السياط ويكسر يد الأناني ابن القارة العجوز…". يظل السر في حياة مارتي هو: كيف تأثر بهذه المنطقة من العالم؟ وكيف توغل في أركان الحضارة الإسلامية دون زيارة هذه الأماكن؟ خاصة إذا أخذنا في الاعتبار صوره التي لا تخلو من دلالات أكيدة على أنه رأى هذه الأماكن بعينيه؛ فهو مثلا يشبه أيام الانتخابات في نيويورك بمصر ساعات الغروب، وحين يصف أماكن معينة فيها يفعل ذلك بدقة يحسده عليها الأدباء المصريون أنفسهم، وربما تكون إقامته في إسبانيا التي ظلت جزءا من الدولة الإسلامية لقرون عاملا مهمًّا.. وهناك أيضا اطلاعه الثري على مؤلفات وأعمال فنية أتاحت له كمًّا معقولا من مشاهدة البلاد العربية بأيدي الرسامين والمصورين الذين انبهروا بالطبيعة العربية ووهبوا جزءا كبيرا من فنهم لتصوير العرب، أمثال: ماريا نوفورتوني، وباسيل فيريشاغين، وبينجامين كونستانت، وأوجين فرومانتان، الذي سُمِّي "ابن النيل" لاقتصار لوحاته كلها على رسم النهر العظيم. ولم يكتفِ مارتي بمطالعة أعمال هؤلاء الفنانين، إنما تعرض لها بالنقد والتحليل في الصحف والمجلات والدوريات التي ظل يراسلها طويلا. ويظل هذان العاملان: اطلاعه على الفنون، وإقامته بالأندلس- من العوامل المساعدة، ولكن يكاد المرء يجزم بأنه قد أتى لبلادنا، وتعامل مع شعوبنا الطيبة، خاصة إذا التفتنا إلى كثرة أسفاره وارتحاله.. المصادر: - اعتمد المقال أساسًا على كتاب "الشعوب العربية في خدمة خوسيه مارتي"، تأليف: "خوسيه كانتون"، وكذا مقال ملخص لسيرة "خوسيه مارتي" بقلم: "إيملي رويج". والعملان من ترجمة: "توفيق حمد". "لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحدة بأدوات رسالته لفرط حساسية هذه الأدوات. فأداة الشاعر الفلسطيني واحدة بطبيعته الاستثنائية، هذه الأداة هي الوطن المفقود الذي يصبح في الغياب فردوسا مفقودا"، هكذا صدر الحكم - قدريا - على محمود درويش الشاعر أن يولد فلسطينيا ليصبح لسانا لهذه الأرض التي أُفقدت عن عمد الكثير من ألسنتها. والمتتبع لحياة محمود درويش يجدها قد مثّلت - بصورة نموذجية - أبعاد قضية شعبه على مدار ستين عاما هي مدتها، وعبر توصيفات صدقت في كل وقت على كل أفراد هذا الشعب. مع الميلاد: عندما كنت صغيرا.. كانت الوردة داري.. والعصافير إزاري في عام 1942 وُلد محمود درويش في قرية "البروة" بالقرب من عكا، وهي القرية التي لا يذكر منها الكثير، حيث بترت ذكرياته فجأة وهو في السادسة من عمره. في إحدى الليالي حالكة السواد استيقظ فجأة على أصوات انفجارات بعيدة تقترب، وعلى هرج في المنزل، وخروج فجائي، وعدوٍ استمر لأكثر من ست وثلاثين ساعة تخلله اختباء في المزارع من أولئك الذين يقتلون ويحرقون ويدمرون كل ما يجدونه أمامهم "عصابات الهاجاناة". ويستيقظ الطفل محمود درويش ليجد نفسه في مكان جديد اسمه "لبنان"، وهنا يبدأ وعيه بالقضية يتشكل من وعيه ببعض الكلمات، مثل: فلسطين، وكالات الغوث، الصليب الأحمر، المخيم، واللاجئين… وهي الكلمات التي شكّلت مع ذلك إحساسه بهذه الأرض، حين كان لاجئا فلسطينيا، وسُرقت منه طفولته وأرضه. وفي عامه السابع عشر تسلل إلى فلسطين عبر الحدود اللبنانية، وعن هذه التجربة يقول: "قيل لي في مساء ذات يوم.. الليلة نعود إلى فلسطين، وفي الليل وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة كنا نسير أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل، في الصباح وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل: أنا الآن في فلسطين الموعودة؟! ولكن أين هي؟ فلم أعد إلى بيتي، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرقت". هكذا عاد الشاب محمود درويش إلى قريته فوجدها قد صارت أرضا خلاء، فصار يحمل اسما جديدا هو: "لاجئ فلسطيني في فلسطين"، وهو الاسم الذي جعله مطاردًا دائما من الشرطة الإسرائيلية، فهو لا يحمل بطاقة هوية إسرائيلية؛ لأنه "متسلل".. وبالكاد وتنسيقًا مع وكالات الغوث بدأ الشاب اليافع في العمل السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، محاولا خلق مناخ معادٍ للممارسات الإرهابية الصهيونية، وكان من نتيجة ذلك أن صار محررا ومترجما في الصحيفة التي يصدرها الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وهو الحزب الذي رفع في تلك الفترة المبكرة من الستينيات شعارا يقول: "مع الشعوب العربية.. ضد الاستعمار"، وهي الفترة ذاتها التي بدأ يقول فيها الشعر، واشتُهر داخل المجتمع العربي في فلسطين بوصفه شاعرا للمقاومة لدرجة أنه كان قادرا بقصيدته على إرباك حمَلة السلاح الصهاينة، فحينئذ كانت الشرطة الإسرائيلية تحاصر أي قرية تقيم أمسية شعرية لمحمود درويش. وبعد سلسلة من المحاصرات، اضطر الحاكم العسكري إلى تحديد إقامته في الحي الذي يعيش فيه، فصار محظورا عليه مغادرة هذا الحي منذ غروب الشمس إلى شروقها في اليوم التالي، ظانا أنه سيكتم صوت الشاعر عبر منعه من إقامة أمسياته. إلى المنفى: وطني على كتفي.. بقايا الأرض في جسد العروبة وهنا بدأ محمود درويش الشاعر الشاب مرحلة جديدة في حياته بعد أن سُجن في معتقلات الصهيونية ثلاث مرات: 1961 – 1965 – 1967. ففي مطلع السبعينيات وصل محمود درويش إلى بيروت مسبوقا بشهرته كشاعر، وعبر أعوام طويلة من التنقل كان شعره صوتا قويا يخترق أصوات انفجارات الحرب الأهلية في لبنان. وفي عام 1977 وصلت شهرته إلى أوجها، حيث وُزع من كتبه أكثر من مليون نسخة في الوقت الذي امتلكت فيه قصائده مساحة قوية من التأثير على كل الأوساط، حتى إن إحدى قصائده (عابرون في كلام عابر) قد أثارت نقاشا حادا داخل الكنيست الإسرائيلي. هذا التأثير الكبير أهَّله بجدارة لأن يكون عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على الرغم من عدم انتمائه لأية جماعة أو حزب سياسي منذ مطلع السبعينيات، وقد تطورت علاقته بمنظمة التحرير حتى اختاره "عرفات" مستشارا له فيما بعد ولفترة طويلة، وقد كان وجوده عاملا مهما في توحيد صفوف المقاومة حينما كان يشتد الاختلاف، وما أكثر ما كان يشتد!. يذكر "زياد عبد الفتاح" أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واقعة تؤكد هذا المعنى فيقول: "قرأ محمود درويش على المجلس الوطني الفلسطيني بكامل أعضائه ومراقبيه ومرافقيه وضيوفه وحرسه قصيدة: "مديح الظل العالي " فأثملهم وشغلهم عن النطاح السياسي الذي شب بينهم في تلك الجلسة. وهذا ما جعل ياسر عرفات يحاول إقناع محمود درويش بُعيد إعلان قيام الدولة الفلسطينية في المنفى بتولي وزارة الثقافة الفلسطينية، ولكن الرد كان بالرفض، معللا هذا الرفض بأن أمله الوحيد هو العودة إلى الوطن ثم التفرغ لكتابة الشعر. وقد عاش محمود درويش كثيرا من مآسي هذه المقاومة، وشاهد بنفسه كثيرين من أصدقائه ورفقاء كفاحه وهم يسقطون بأيدي القتلة الصهاينة، وكانت أكثر حوادث السقوط تأثيرا في نفسه حادث اغتيال "ماجد أبو شرار" في روما عام 1981، حين كانا يشاركان في مؤتمر عالمي لدعم الكتاب والصحفيين الفلسطينيين نظَّمه اتحاد الصحفيين العرب بالتعاون مع إحدى الجهات الثقافية الإيطالية.. وضع الموساد المتفجرات تحت سرير ماجد أبو شرار.. وبعد موته كتب محمود درويش في إحدى قصائده: "أصدقائي.. لا تموتوا". كان محمود درويش مقيما في بيروت منذ مطلع السبعينيات، وعلى الرغم من تجواله المستمر إلا أنه قد اعتبرها محطة ارتكازه، كما كانت حياته في بيروت زاخرة بالنشاط الأدبي والثقافي، فقد أصدر منها في أواخر السبعينيات مجلة الكرمل التي رأس تحريرها والتي اعتبرت صوت اتحاد الكتاب الفلسطينيين. تحت القصف: (بيروت.. لا) أثناء قصف بيروت الوحشي، كان محمود درويش يعيش حياته الطبيعية، يخرج ويتنقل بين الناس تحت القصف، لم يكن يقاتل بنفسه، فهو لم يعرف يوما كيف يطلق رصاصة، لكن وجوده - وهو الشاعر المعروف - بين المقاتلين كان يرفع من معنوياتهم، وقد أثر قصف بيروت في درويش تأثيرا كبيرا على مستويات عديدة. فعلى المستوى النفسي كانت المرة الأولى التي يحس فيها بالحنق الشديد، على الرغم من إحباطاته السابقة، وعلى المستوى الشعري أسهم هذا القصف في تخليه عن بعض غموض شعره لينزل إلى مستوى أي قارئ، فأنتج قصيدته الطويلة الرائعة "مديح الظل العالي"، معتبرا إياها قصيدة تسجيلية ترسم الواقع الأليم، وتدين العالم العربي، بل الإنسانية كلها. وأسفر القصف عن خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، بينما فضّل محمود درويش البقاء في بيروت، معولا على عدم أهميته بالنسبة للصهاينة، لكنه وبعد عشرين يوما من بقائه علم أنه مطلوب للتصفية، فاستطاع أن يتسلل هاربا من بيروت إلى باريس ليعود مرة أخرى إلى حقيبته وطنا متنقلا ومنفى إجباريا. وبين القاهرة وتونس وباريس عاش محمود درويش حبيس العالم المفتوح معزولا عن جنته الموعودة.. فلسطين. لقد كان الأمل في العودة هو ما يدفعه دائما للمقاومة، والنضال والدفع إلى النضال. كان محمود درويش دائما يحلُم بالعودة إلى أرضه يشرب منها تاريخها، وينشر رحيق شعره على العالم بعد أن تختفي رائحة البارود، لكنه حلم لم يتحقق حتى الآن!. اتفاقات التسوية "لماذا تطيل التفاوض يا ملك الاحتضار"؟ في عام 1993 وأثناء تواجده في تونس مع المجلس الوطني الفلسطيني، أُتيح لمحمود درويش أن يقرأ اتفاق أوسلو، واختلف مع ياسر عرفات لأول مرة حول هذا الاتفاق، فك ان رفضه مدويا، وعندما تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى قدم استقالته من المجلس الوطني الفلسطيني، وشرح بعد ذلك أسباب استقالته قائلا: "إن هذا الاتفاق ليس عادلا؛ لأنه لا يوفر الحد الأدنى من إحساس الفلسطيني بامتلاك هويته الفلسطينية، ولا جغرافية هذه الهوية إنما يجعل الشعب الفلسطيني مطروحا أمام مرحلة تجريب انتقالي.. وقد أسفر الواقع والتجريب بعد ثلاث سنوات عن شيء أكثر مأساوية وأكثر سخرية، وهو أن نص أوسلو أفضل من الواقع الذي أنتجه هذا النص". وعاد درويش في يونيو 1994 إلى فلسطين، واختار الإقامة في رام الله، وعانى مذلة الوجود في أرض تنتمي له، ويحكمها -ولا يحكمه- فيها شرطي إسرائيلي.. واستمر يقول الشعر تحت حصار الدبابات الإسرائيلية، إلى أن تم اجتياحها أخيرا، ولم يسلم هو شخصيا من هذا الاجتياح، حيث داهمت الشرطة الإسرائيلية منزله، وعبثت بأسلحته: أوراقه وأقلامه. رحلة الإبداع "مع الشعر مجيئي … مع الشعر رحيلي" "إذا كنا هامشيين إلى هذا الحد فكريا وسياسيا فكيف نكون جوهريين إبداعيا؟" هكذا أجاب درويش، وهكذا يرى نفسه وسط عالم من الإبداع الجيد والمبدعين "الجوهريين"، رغم التقدير الذي يلقاه داخل وطننا العربي وخارجه الذي بلغ ذروته حين قام وفد من البرلمان العالمي للكتاب يضم وول سوينكا وخوسيه ساراماغو وفينثنثو كونسولو وبرايتن برايتنباك وخوان غويتيسولو إلى جانب كريستيان سالمون سكرتير البرلمان 24 مارس 2002 بزيارة درويش المحاصر في رام الله مثل ثلاثة ملايين من مواطنيه، وهذه الخطوة –زيارة وفد الأدباء لفلسطين- التي لم تستغل جيدا رغم أنها حدث في منتهى الأهمية – تنم عن المكانة التي يحتلها درويش على خريطة الإبداع العالمي. وعلى هامش الزيارة كتب الكاتب الأسباني خوان غويتسولو مقالا نشره في عدد من الصحف الفرنسية والأسبانية اعتبر فيه محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، وقال عن درويش إنه استطاع: تطوير هموم شعرية جميلة ومؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعا مركزيا، فكان شعره التزاما بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعرا نضاليا أو دعويا، هكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه. وكان درويش قد شارك في الانتفاضة الأخيرة بكلماته التي لا يملك غيرها بديوان كتبه في أقل من شهر عندما كان محاصرا في رام الله، وأعلن درويش أنه كتب هذا الديوان – الذي أهدى ريعه لصالح الانتفاضة – حين كان يرى من بيته الدبابات والجنود, ويقول: "لم تكن لدي طريقة مقاومة إلا أن أكتب, وكلما كتبت أكثر كنت أشعر أن الحصار يبتعد, وكانت اللغة وكأنها تبعد الجنود لأن قوتي الوحيدة هي قوة لغوية". وتابع قائلا "كتبت عن قوة الحياة واستمرارها وأبدية العلاقة بالأشياء والطبيعة. الطائرات تمر في السماء لدقائق ولكن الحمام دائم.. كنت أتشبث بقوة الحياة في الطبيعة للرد على الحصار الذي أعتبره زائلا؛ لأن وجود الدبابة في الطبيعة وجود ناشز وليس جزءا من المشهد الطبيعي". اللافت أن درويش لم يخاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي إريل شارون في أي قصيدة من قصائد الديوان. وقال درويش بشأن ذلك: إن شارون "لا يستحق قصيدة فهو يفسد اللغة.. هو متعطش للدماء ولديه حقد كبير, ولكن المشكلة في الدعم الأميركي الذي يمنحه بعد كل مجزرة وساما بأنه رجل سلام". وما زال الشاعر ابن الستين ربيعا متفجرا يعيش تحت سماء من دخان البارود الإسرائيلي وخلف حوائط منزل صغير مهدد في كل وقت بالقصف أو الهدم، وبجسد مهدد في كل وقت بالتحول إلى غربال.. ورغم ذلك فإن كل هذا يقوي من قلمه، ويجعله أشد مقاومة. يعتبر الموسيقار الراحل محمد عبد الوهَّاب هو الرائد الأول للسينما الغنائية في مصر، والوطن العربي كمنتج وموسيقار ونجم غنائي في سبعة أفلام هي كل رصيده، وهي: (الوردة البيضاء الذي عُرض عام 33، ودموع الحب عام 35، ويحيا الحب عام 38، ويوم سعيد في 15 يناير 40، وممنوع الحب في 23 مارس 42، ورصاصة في القلب 17 مارس 44، ثم آخر فيلم "لست ملاكا" في 28 أكتوبر 1946). وكان أول فيلم غنائي هو أنشودة الثوار عام 32 الذي قامت ببطولته المطربة "نادرة" أمام رائد المسرح "جورج أبيض"، و"عبد الرحمن رشدي"، و"زكريا أحمد" ومن إخراج "ماريو فولبي"، وكان سابقا لمحاولات "عبد الوهاب". ومحمد عبد الوهاب لم يظهر على شاشة السينما إلا بعد أن أصبح أسطورة في عالم الغناء عن طريق التسجيلات الصوتية، والتي ذاعت وانتشرت في كل مكان، وجعلت الجماهير التي عشقت صوته الجميل وأعجبت بموسيقاه تمنت أن تراه على شاشة السينما كمطرب وموسيقار وممثل. المولد والنشأة ولد الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب في عام 1901 في حي باب الشعرية بالقاهرة بجوار جامع الشعراني. حفظ القرآن الكريم وهو في سن السابعة، حيث كانت البداية عندما كان يرتل القرآن بصوته العذب فشغف آذان الناس حتى ذاع صيته وتأثر بقرّاء القرآن الكريم من أمثال الشيخ "محمد رفعت"، والشيخ "علي محمود"، والشيخ "منصور بدران". وشجعه شقيقه الشيخ "حسن" والذي كان له تأثير كبير على حياته فيما بعد، فقد كان بالنسبة له الوالد والأخ والصديق. ولم تكن حياته الأولى سعيدة، بل كانت مليئة بالصراعات بين رغباته الدفينة في حبه للغناء والطرب، وما بين رغبات الأسرة الذي كانت تريد إلحاقه بالأزهر الشريف مثل أخيه الأكبر الشيخ حسن، ولكنه تمرد على رغبة الأسرة، وسار في طريق الغناء والموسيقى. كان عبد الوهاب يغني للأطفال في الحارة، وفي ذات يوم استوقفه رجل بعد أن سمع صوته وأعجب به، وكان هذا الرجل هو "محمد يوسف" وهو من أشهر أعضاء الكورس في الفرق التي كانت تطوف البلاد والقرى والموالد. وعرض عليه" محمد يوسف" أن يغني في السيرك ووافق "محمد عبد الوهاب" على الفور، واتفق معه على أن يصحبه إلى مدينة دمنهور، وذهب إلى قرية من قرى دمنهور وهو راكب على حمار، وغنى في تلك الليلة أغنية للشيخ "سلامة حجازي" والمعروفة في ذلك الوقت "عذبيني فمهجتي في يديك" وأعجب به الجمهور، وكانت المفاجأة أن الشيخ "سيد درويش" كان بين الحضور، وفي هذا الحفل تقاضى عبد الوهاب أول أجر في حياته وهو خمسة قروش. وعلى خشبة المسرح الكلوب المصري بسيدنا الحسين قدم محمد يوسف عبدَ الوهاب إلى "فؤاد الجزايرلي" صاحب الفرقة، وغنى عبد الوهاب من كلمات الشيخ "يوسف القاضي" أغنية تقول: أنا عندي منجة وصوتي كمنجة أبيع وأدندن وآكل منجة ونجح عبد الوهاب وظهرت له إعلانات في الشوارع وعلى الحوائط تقول: الطفل المعجزة أعجوبة الزمان الذي سيطربكم بين الفصول "محمد البغدادي"، وكان" محمد عبد الوهاب" يخشى أسرته؛ فاضطر إلى تغيير اسمه ووصل أجره 4 جنيهات. ومن فرقة "الجزايرلي" انتقل "عبد الوهاب" إلى فرقه "عبد الرحمن رشدي" بمرتب قدره ستة جنيهات، وكان ذلك عام 1920. ثم انضم عبد الوهاب إلى فرقة "علي الكسار" بمرتب شهري قدره عشرون جنيها، غير أن "عبد الرحمن رشدي" لم يلبث أن استرده إلى الفرقة، وزاد أجره خمسة جنيهات حتى أصبح راتبه 25 جنيها، وهو مرتب كبير لم يكن يتقاضاه كبار الممثلين في ذلك الوقت. وكان عبد الوهاب يغني في فرقة عبد الرحمن رشدي بين الفصول، وفي يوم علم أن أمير الشعراء "أحمد شوقي بيك" جاء خصيصا لمشاهدة مسرحية "الشمس المشرقة"، والتي كانت تقدمها الفرقة، وأراد عبد الوهاب أن يلفت نظر شوقي بك إليه فشدا في تلك الليلة، ولكن كانت المفاجأة أن شوقي بك في اليوم التالي بعث بشكوى إلى "لان رسل باشا" حكمدار القاهرة يطلب فيها منع عبد الوهاب من الغناء بسبب صغر سنه. وفي عام 1922 سافر عبد الوهاب في رحلة فنية إلى فلسطين وسوريا ولبنان مع فرقة نجيب الريحاني. ولما عاد من رحلته قرر دخول معهد الموسيقى العربية، لكن الالتحاق بالمعهد يحتاج إلى مصروفات، إذن لا بد من البحث عن عمل لدفع المصروفات، ووجد عبد الوهاب عملا، فأصبح مدرسا للأناشيد بمدرسة الخازندار، وخلال العطلة الصيفية للمدرسة اشترك عبد الوهاب في حفلة غنائية كان معهد الموسيقى قد أقامها في كازينو "سان ستيفانو" بالإسكندرية، وتعتبر هذه الحفلة هي أول حفلة غنائية حقيقية يشترك فيها بعدما كان يغني على المسارح بين الفصول فقط. تصميم حتى النهاية وعندما انتهى وجد زميلا له يصعد إلى غرفته ويخبره بأن أحمد شوقي بك يريد مقابلته، وبعد تردد ذهب عبد الوهاب إلى شوقي بك، فاستقبله مرحبا، أهلا أهلا بالكروان، أنا عارف أنك متضايق، لكن تأكد أني لم أمنعك من الغناء إلا من أجل مصلحتك، وتوطدت العلاقة بين شوقي بك أمير الشعراء وعبد الوهاب، وتنمو بين الاثنين صداقة متينة، لا يكتفي معها أمير الشعراء بصياغة الأغاني للمطرب الناشئ فحسب، لكنه أيضا يتبناه ويصحبه في كل مكان، ويقدمه إلى كل أصدقائه، ويساعده في تنمية معارفه الموسيقية والأدبية. أقام الشاعر الكبير أحمد شوقي حفلة في منزله "كرمة ابن هانئ" بمناسبة زفاف ابنه الأكبر "عليّ" وحضر الحفل الزعيم "سعد زغلول"، وكبار الأدباء والعلماء والساسة، وسمعوا عبد الوهاب وهو يغني، فوقفوا يتهامسون بأنه أمل الموسيقى الجديد. وبعد أن أكمل عبد الوهاب تلحين رواية "كليوباترا" التي اقتبسها للمسرح "سليم نمله"، و"يونس القاضي" لفرقة "منيرة المهدية"، أصبح عملاق النغم الجديد "عبد الوهاب" امتدادا للعملاق الأول "سيد درويش". وفي عام 32 كان عبد الوهاب قد نضج واشتهر في كل أرجاء المعمورة والأقطار العربية، وذات ليلة عرض عليه "توفيق المردلي" صديقه الاشتغال بالسينما، وذهبا معا إلى المخرج "محمد كريم" مخرج جميع أفلامه. وكانت أغاني عبد الوهاب في تلك الفترة هي "كلنا نحب القمر"، و"يا جارة الوادي"، "على غصن البان"، و"خايف أقول اللي في قلبي"، و"اللي انكتب على الجبين"، وتم اللقاء الذي أثمر أول فيلم غنائي للمطرب الأول في مصر، وتم إخراج الفيلم في باريس؛ لأن مصر لم يكن فيها استديو للأفلام الناطقة، وكان أجر عبد الوهاب في فيلم "الوردة البيضاء" 450 جنيها وقصة الفيلم قد اشترك فيها كل من "سليمان بك نجيب"، و"محمد كريم"، و"توفيق البردنلس" وشارك أيضا عبد الوهاب بأفكاره، وقام الشاعر "أحمد رامي" بتأليف أغاني الفيلم من ضمنها أغنية يا "وردة الحب الصافي"، ونجح الفيلم نجاحا كبيرا، وتوالت بعد ذلك الأفلام، ومن أشهر أغاني عبد الوهاب في أفلامه: "النيل نجاشي إجري إجري"، و "ما أحلاها عيشة الفلاح"، و"يا وبور قولي"، و"أوبريت مجنون ليلى"، "المية تروي العطشان"، و"مشغول بغيري"، و"حكيم عيون"، و"حنانك بي يا ربي"، و"انسى الدنيا"، وقصيدة "الخطايا"، و"يا قلبي مالك محتار"، كما غنى عبد الوهاب للملك فاروق، وأيضا بعض الأناشيد الدينية بصوته. وكان آخر أغانيه هي "من غير ليه". الحياة والفن تزوج عبد الوهاب من نهلة القدسي، وأنجب منها أربع بنات، وولدا. ولحن لمعظم المطربين وبعض المطربين العرب أكثر من 700 لحن، كما لحن لأم كلثوم والذي وصف لقاءاته بها بلقاء السحاب في أغنية "انت عمري"، و"على باب مصر"، و"أنت الحب"، و"أمل حياتي". وكذلك لحن لـ"عبد الحليم"، و"كارم محمود"، و"نجاة"، و"فايزة أحمد"، وغيرهم من المطربين. حصل عبد الوهاب على جوائز وشهادات تقدير، وكرمه الملك فاروق والرئيس عبد الناصر والرئيس السادات الذي أعطاه الدكتوراة الفخرية و الرئيس مبارك، وكُرم من خارج مصر، فكرمه الرئيس بورقيبة، والملك حسين، والملك الحسن الثاني، والملك فيصل، كما حصل على دكتوراة فخرية من إحدى جامعات أمريكا. وعلى ضوء هذا الاستعراض نقول: إن جهود عبد الوهاب كرائد للسينما الغنائية، وما قدمه من ألحان وموسيقى تصويرية وخواطر موسيقية بعد أن انتقل من التخت إلى الأوركسترا واتجاهه للمنهج العلمي بتقديم الموسيقى الموزعة توزيعا أوركتسراليا والإقدام على المزج بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية وبالأخص الموسيقى الراقصة سواء بالنقل أو التأثير أو الاقتباس فأحدث بذلك ثورة في الموسيقى العربية بصفة عامة وفي السينما الغنائية بصفة خاصة ـ كل هذا يجعله يستحق لقب "موسيقار الأجيال". توفي عبد الوهاب عام 92 عن عمر جاوز التسعين عاما. في صباح يوم قاتم بارد يوم الثلاثاء 15 يناير 1929م بمدينة أتلانتا كاد التوتر يفتك بالأب الأسود، وأفكاره مركزة حول زوجته (ألبرت) التي عانت أشد العناء في حملها للطفل وبعد ساعات من العذاب ولد الطفل (مارتن لوثر كينج)، وكادت القلوب تتوقف عن الحركة من أجله؛ لأنه بدا ميتا إلى أن صدر منه صراخ واهن، سببه صفعة شديدة للطبيب!! كانت جذور هذا الطفل (الأمريكي) تمتد بعيدا في التربة الأفريقية التي اقتلع منها أجداده ليباعوا ويشتروا في الأراضي الأمريكية، ولكي تستغل أجسادهم وأرواحهم لخدمة السيد الأبيض. إلا أن الأب كينج كان ذا تطلعات واسعة، فعمل راعيا لكنيسة صغيرة بعد أن تلقى العلم في كلية "مور هاوس"، وعاش بعد زواجه في بيت صهره "ويليامز" رفيقه فيما بعد في حركة نضال الزنوج، وهي الحركة التي سار فيها مارتن على درب أبيه وجده حتى أصبح أشهر الدعاة للمطالبة بالحقوق المدنية للزنوج. أنت لست أقل من الآخرين في أتلانتا المدينة التي كانت تعج بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية، كان يغلب على الصبي (مارتن) البكاء حينما يقف عاجزا عن تفسير لماذا ينبذه أقرانه البيض، ولماذا كانت الأمهات تمنعن أبناءهن عن اللعب معه. ولكن الصبي بدأ يفهم الحياة، ويعرف سبب هذه الأفعال، ومع ذلك كان دائما يتذكر قول أمه "لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر". ومضت السنوات ودخل كينج المدارس العامة في سنة 1935، ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة أتلانتا ثم التحق بمدرسة "بوكر واشنطن"، وكان تفوقه على أقرانه سببا لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942، حيث درس بكلية مورهاوس التي ساعدت على توسيع إدراك كينج لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم. وفي سنة 1947 تم تعيينه كمساعد في كنيسة أبيه، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب في سنة 1948، ولم يكن عمره يزيد على 19 عاما، وحينها التقى بفتاة زنجية تدعى "كوريتاسكوت"، وتم زفافهما عام 1953، ثم حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة بوسطن. نقطة تحول في سبتمبر سنة 1954 قدم مارتن وزوجته إلى مدينة مونتجمري التي كانت ميدانا لنضال مارتن. كان السود يعانون العديد من مظاهر الاضطهاد والاحتقار، خاصة فيما يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات المدينة التي اشتهرت بإهانة عملائها من الزنوج، حيث كانت تخصص لهم المقاعد الخلفية في حين لا تسمح لغير البيض بالمقاعد الأمامية، وعليه كان من حق السائق أن يأمر الركاب الزنوج بترك مقاعدهم لنظرائهم البيض، وكان الأمر لا يخلو من السخرية من هؤلاء "النسانيس السوداء"! وكان على الركاب الزنوج دفع أجرة الركوب عند الباب الأمامي، ثم يهبطون من السيارة، ويعاودون الركوب من الباب الخلفي فكان بعض السائقين يستغلون الفرصة، ويقودون سياراتهم ليتركوا الركاب الزنوج في منتصف الطريق! واستمر الحال إلى أن جاء يوم الخميس أول ديسمبر 1955، حيث رفضت إحدى السيدات وهي حائكة زنجية أن تخلي مقعدها لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال البوليس الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القوانين؛ فكانت البداية. مقاومة بلا عنف كانت الأوضاع تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهار الدماء لولا مارتن لوثر كينج اختط للمقاومة طريقا آخر غير الدم. فنادى بمقاومة تعتمد مبدأ "اللا عنف" أو "المقاومة السلبية". وكان يستشهد دائما بقول السيد المسيح عليه السلام: "أحب أعداءك واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله لأولئك الذين يسيئون معاملتك". وكانت حملته إيذانا ببدء حقبة جديدة في حياة الزنوج الأمريكان. فكان النداء بمقاطعة لشركة الأتوبيسات امتدت عاما كاملا أثر كثيرا على إيراداتها، حيث كان الزنوج يمثلون 70 % من ركاب خطوطها، ومن ثم من دخلها السنوي. لم يكن هناك ما يدين مارتن فألقي القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلا في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلا، وألقي به في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة! وكان هذا أول اعتقال له أثر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي. وبعدها بأربعة أيام فقط وفي 30 يناير 1956، كان مارتن يخطب في أنصاره حين ألقيت قنبلة على منزله كاد يفقد بسببها زوجته وابنه، وحين وصل إلى منزله وجد جمعا غاضبا من الزنوج مسلحين على استعداد للانتقام، وأصبحت مونتجمري على حافة الانفجار من الغضب، ساعتها وقف كينج يخاطب أنصاره: "دعوا الذعر جانبا، ولا تفعلوا شيئا يمليه عليكم شعور الذعر، إننا لا ندعو إلى العنف". وبعد أيام من الحادث أُلقي القبض عليه ومعه مجموعة من القادة البارزين بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة العمل دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قامت 4 من السيدات الزنجيات بتقديم طلب إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في سيارات الأتوبيس في مونتجمري، وأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وساعتها فقط طلب كينج من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام سيارات الأتوبيس" بتواضع ودون خيلاء"، وأفرج عنه لذلك. حق الانتخاب في يونيو 1957 وهو في السابعة والعشرين من عمره، أصبح مارتن لوثر كينج أصغر شخص وأول قسيس يحصل على ميدالية "سينجارن" التي تعطى سنويا للشخص الذي يقدم مساهمات فعالة في مواجهة العلاقات العنصرية. وبهذه المناسبة وأمام نصب [إبراهام لينكولن] وجه كينج خطابه الذي هاجم فيه الحزبين السياسيين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي) وردد صيحته الشهيرة: "أعطونا حق الانتخاب"، ونجحت مساعيه في تسجيل خمسة ملايين من الزنوج في سجلات الناخبين في الجنوب. وفي 19 سبتمبر كان يزور أحد المحلات المملوكة للبيض والواقعة في قلب (جرهارلم)، وحينما اتخذ مقعدا، وبدأ يوقع على الأتوجرافات ظهرت فجأة امرأة وأخذت تسبه وتلعنه، ثم أخرجت فتاحة خطابات ودفعتها بأقصى ما تستطيع إلى صدر كينج الذي كاد يفقد حياته قبل أن ينقل للمستشفى. وحين استجوبت الشرطة المعتدية عللت دافعها بأسباب عديدة غير مترابطة فتقرر إيداعها في إحدى مستشفيات الأمراض النفسية! ومرت الأيام ومارتن يحاول ترسيخ فلسفته في النضال من أجل حقوق الزنوج، ولكن دون عنف حتى تلقى ضربة عنيفة لم يكن متأهبا لها كانت كفيلة بأن تقضي عليه كرمز يحتذى به وتعصف بأفكار ونضاله ضد العنصرية، ففي يوم الأربعاء 17 فبراير 1959 ألقى البوليس القبض على كينج في مكتب كنيسته بأتلانتا بتهمة التزوير في تقديم إقرارات ضريبة الدخل، ثم أفرج عنه بكفالة معربا عن دهشته البالغة من تلك التهم، وذكر أنه "ولو لم يدع الصلاح الكامل إلا أن الفضيلة الوحيدة التي يتمسك بها هي الأمانة"، وسرعان ما بدا بوضوح أن القضية التي رفعتها الولاية عليه كانت مرتكزة على أساس بالغ الضعف. في السجن الانفرادي وبعد تولي "كيندي" منصب الرئاسة ضاعف كينج جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة إلا أن كيندي استطاع ببراعة السياسي أن يتفادى هجمات كينج الذي كان لا يتوقف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية. ومن هنا قرر كينج في أواخر صيف عام 1962 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنجهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة سافرة بين الزنوج المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المتظاهرين بالعصي والكلاب البوليسية، ثم صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام؛ فقرر كينج لأول مرة في حياته أ ن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون "حلت الحرية ببرمنجهام"، وألقي القبض على كينج وأودعوه سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح فيما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف. إيقاع الخصم في خطئه وبعد خروجه بكفالة واصل قيادته للحركة، ثم برزت له فكرة تتلخص في هذا السؤال: ماذا أنت صانع بالأطفال؟ إذ لم يكن إلا القليلون على استعداد لتحمل المسئولية التي قد تنشأ عن مقتل طفل، ولكنه لم يتردد كثيرا فسمح لآلاف من الأطفال باحتلال المراكز الأمامية في مواجهة رجال البوليس والمطافئ وكلاب بوليسية متوحشة فارتكبت الشرطة خطأها الفاحش، واستخدمت القوة ضد الأطفال الذين لم يزد عمر بعضهم عن السادسة، ثم اقتحم رجال البوليس صفوفهم بعصيهم وبكلابهم؛ مما أثار حفيظة الملايين، وانتشرت في أرجاء العالم صور كلاب البوليس وهي تنهش الأطفال، وبذلك نجح كينج في خلق الأزمة التي كان يسعى إليها، ثم أعلن أن الضغط لن يخف، مضيفا: "إننا على استعداد للتفاوض، ولكنه سيكون تفاوض الأقوياء فلم يسع البيض من سكان المدينة إلا أن خولوا على الفور لجنة التفاوض مع زعماء الزنوج، وبعد مفاوضات طويلة شاقة تمت الموافقة على برنامج ينفذ على مراحل بهدف إلغاء التفرقة وإقامة نظام عادل وكذلك الإفراج عن المتظاهرين، غير أن غلاة دعاة التفرقة بادروا بالاعتداء بالقنابل على منازل قادة الزنوج؛ فاندفع الشباب الزنجي لمواجهة رجال الشرطة والمطافئ، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النيران في بعض المتاجر، حتى اضطر الرئيس كنيدي لإعلان حالة الطوارئ في القوات المسلحة، وسارع كينج محاولا أن يهدئ من ثائرة المواطنين، وكان عزاؤه أن من اشتركوا في العنف من غير الأعضاء النشطين المنتظمين في حركة برمنجهام، وما لبث أن قام بجولة ناجحة في عدة مدن كشفت عن البركان الذي يغلي في صدور الزنوج تحت تأثير مائة عام من الاضطهاد. الحلم.. والثورة تلقى زنوج أمريكا درسهم من الأحداث العظام فقاموا في عام 1963 بثورة لم يسبق لها مثيل في قوتها اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينج أروع خطبه: "أنا أحلم" التي قال فيها: "إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم". ووصف كينج المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تف أمريكا بسداده "فبدلا من أن تفي بشرف بما تعهدت به أعطت أمريكا الزنوج شيكا بدون رصيد، شيكا أعيد وقد كتب عليه "إن الرصيد لا يكفي لصرفه". فدقت القلوب وارتجفت، بينما أبت نواقيس الحرية أن تدق بعد، فما أن مضت ثمانية عشر يوما حتى صُعق مارتن لوثر كينج وملايين غيره من الأمريكيين بحادث وحشي، إذ ألقيت قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك زاخرة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فهرع كينج مرة أخرى إلى مدينة برمنجهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف. جائزة نوبل في العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينج لقب "رجل العام" فكان أول زنجي يمنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة -35 عاما-. ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر للزنوج وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل إذ انتشرت البطالة بين الزنوج، فضلا عن الهزيمة السنوية التي يلقاها الزنوج على أيدي محصلي الضرائب والهزيمة الشهرية على أيدي شركة التمويل والهزيمة الأسبوعية على أيدي الجزار والخباز، ثم الهزائم اليومية التي تتمثل في الحوائط المنهارة والأدوات الصحية الفاسدة والجرذان والصراصير والبق وما لا يعرف له اسم!! الاغتيال وفي 14 فبراير عام 1968 اغتيلت أحلام مارتن لوثر كينج ببندقية أحد المتعصبين البيض ويدعى (جيمس إرل راي) - James Earl Ray - وكان قبل موته يتأهب لقيادة مسيرة زنجية في ممفيس لتأييد إضراب (جامعي النفايات) الذي كاد يتفجر في مائة مدينة أمريكية. وقد حكم على القاتل بالسجن 99 عاما، غير أن التحقيقات أشارت إلى احتمال كون الاغتيال كان مدبرا، وأن جيمس كان مجرد أداة! مالكوم إكس أو الحاج مالك شباز من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، التي أثارت حياته القصيرة جدلا لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه "أشد السود غضبا في أمريكا". كما أن حياته كانت سلسلة من التحولات؛ حيث انتقل من قاع الجريمة والانحدار إلى تطرف الأفكار العنصرية، ثم إلى الاعتدال والإسلام، وعندها كُتبت نهايته بست عشرة رصاصة. اللون.. قبل الإنسان ولد مالكوم في (6 ذي القعدة 1343هـ= 29 مايو 1925م)، وكان أبوه "أورلي ليتل" قسيسا أسود من أتباع "ماركوس كافي" الذي أنشأ جمعية بنيويورك ونادى بصفاء الجنس الأسود وعودته إلى أرض أجداده في أفريقيا. أما أمه فكانت من جزر الهند الغربية لكن لم تكن لها لهجة الزنوج، وكان مالكوم المولود السابع في الأسرة؛ فقد وضعته أمه وعمرها ثمانية وعشرون عاما، كانت العنصرية في ذلك الوقت في الولايات المتحدة ما زالت على أشدها، وكان الزنجي الناجح في المدينة التي يعيش فيها مالكوم هو ماسح الأحذية أو البواب!! كان أبوه حريصا على اصطحابه معه إلى الكنيسة في مدينة "لانسينغ" حيث كانت تعيش أسرته على ما يجمعه الأب من الكنائس، وكان يحضر مع أبيه اجتماعاته السياسية في "جمعية التقدم الزنجية" التي تكثر خلالها الشعارات المعادية للبيض، وكان الأب يختم هذه الاجتماعات بقوله: إلى الأمام أيها الجنس الجبّار، بوسعك أن تحقق المعجزات. وكان أبوه يحبه للون بشرته الفاتح قليلا عنه، أما أمه فكانت تقسو عليه لذات السبب، وتقول له: "اخرج إلى الشمس ودعها تمسح عنك هذا الشحوب". وقد التحق بالمدرسة وهو في الخامسة من عمره، وكانت تبعد عن مدينته ثمانية أميال، وكان هو وعائلته الزنوج الوحيدين بالمدينة؛ لذا كان البيض يطلقون عليه الزنجي أو الأسود، حتى ظن مالكوم أن هذه الصفات جزء من اسمه. الحق والصراخ وكان الفتى الصغير عندما يعود من مدرسته يصرخ مطالبا بالطعام، ويصرخ ليحصل على ما يريد، ويقول في ذلك: لقد تعلمت باكرا أن الحق لا يُعطى لمن يسكت عنه، وأن على المرء أن يحدث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد. وعندما بلغ مالكوم سن السادسة قتلت جماعة عنصرية بيضاء أباه وهشمت رأسه؛ فكانت صدمة كبيرة للأسرة وبخاصة الأم التي أصبحت أرملة وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها وتعول ثمانية أطفال، فترك بعض الأبناء دراستهم، وعملت الأم خادمة في بعض بيوت البيض، لكنها كانت تُطرد بعد فترة قصيرة لأسباب عنصرية. وتردت أحوال الأسرة، وكانت الأم ترفض وتأبى أن تأخذ الصدقات من مكتب المساعدة الاجتماعية؛ حتى تحافظ على الشيء الوحيد الذي يمتلكونه وهو كرامتهم، غير أن قسوة الفقر سنة 1934 جعلت مكتب المساعدة يتدخل في حياتهم، وكان الموظف الأبيض فيه يحرّض الأبناء على أمهم التي تدهورت حالتها النفسية وأصيبت بمرض عقلي سنة 1937، وأودعت في المستشفى لمدة 26 عاما. وأصبح الأطفال السود أطفال الدولة البيضاء، وتحكّم الأبيض في الأسود بمقتضى القانون. وتردت أخلاق مالكوم، وعاش حياة التسكع والتطفل والسرقة؛ ولذلك فُصل من المدرسة وهو في سن السادسة عشرة، ثم أُلحق بسجن الأحداث. بوادر العنصرية كان مالكوم شابا يافعا قوي البنية، وكانت نظرات البيض المعجَبة بقوته تشعره بأنه ليس إنسانا بل حيوانا لا شعور له ولا إدراك، وكان بعض البيض يعاملونه معاملة حسنة، غير أن ذلك لم يكن كافيا للقضاء على بذور الكراهية والعنصرية في نفس الشاب الصغير؛ لذلك يقول: "إن حسن المعاملة لا تعني شيئا ما دام الرجل الأبيض لن ينظر إليّ كما ينظر لنفسه، وعندما تتوغل في أعماق نفسه تجد أنه ما زال مقتنعا بأنه أفضل مني". وتردد مالكوم على المدرسة الثانوية وهو في سجن الإصلاح، وكانت صفة الزنجي تلاحقه كظله، وشارك في الأنشطة الثقافية والرياضية بالمدرسة، وكانت صيحات الجمهور في الملعب له: "يا زنجي يا صدئ" تلاحقه في الأنشطة المختلفة، وأظهر الشاب تفوقا في التاريخ واللغة الإنجليزية. الأسود.. والمستقبل وفي عام 1940م رحل إلى أقاربه في بوسطن، وتعرف هناك على مجتمعات السود، ورأى أحوالهم الجيدة نسبيا هناك، وبعد عودته لاحظ الجميع التغير الذي طرأ عليه، غير أنه احتفظ بتفوقه الدراسي، وفي نهاية المرحلة الثانوية طلب مستر "ستراوسكي" من طلابه أن يتحدثوا عن أمنياتهم في المستقبل، وتمنى مالكوم أن يصبح محاميا، غير أن ستراوسكي نصحه ألا يفكر في المحاماة لأنه زنجي وألا يحلم بالمستحيل؛ لأن المحاماة مهنة غير واقعية له، وأن عليه أن يعمل نجارا، وكانت كلمات الأستاذ ذات مرارة وقسوة على وجدان الشاب؛ لأن الأستاذ شجّع جميع الطلاب على ما تمنوه إلا صاحب اللون الأسود؛ لأنه في نظره لم يكن مؤهلا لما يريد. وبعد انتهاء المرحلة الثانوية قصد مالكوم بوسطن وأخذته الحياة في مجرى جديد، وأصيب بنوع من الانبهار في المدينة الجميلة، وهناك انغمس في حياة اللهو والمجون، وسعى للتخلص من مظهره القوي، وتحمل آلام تغيير تسريحة شعره حتى يصبح ناعما، وأدرك أن السود لو أنفقوا من الوقت في تنمية عقولهم ما ينفقونه في تليين شعورهم لتغير حالهم إلى الأفضل. ثم انتقل إلى نيويورك للعمل بها في السكك الحديدية، وكان عمره واحدا وعشرين عاما، وكانت نيويورك بالنسبة له جنة، وتنقل بين عدة أعمال، منها أن يعمل بائعا متجولا، وتعلم البند الأول في هذه المهنة وهو ألا يثق بأحد إلا بعد التأكد الشديد منه. وعاش فترة الحرب العالمية الثانية، وشاهد ما ولدته الحرب من فساد خلقي واجتماعي وانغمس هو نفسه في هذا الفساد، وغاص في أنواع الجرائم المختلفة من سرقة ودعارة وفجور، وعاش خمس سنوات في ظلام دامس وغفلة شديدة، وفي أثناء تلك الفترة أُعفي من الخدمة العسكرية؛ لأنه صرح من قبيل الخديعة أنه يريد إنشاء جيش زنجي. السجن.. وبداية الحرب ألقت الشرطة القبض عليه وحكم عليه سنة 1946م بالسجن عشر سنوات، فدخل سجن "تشارلز تاون" العتيق، وكانت قضبان السجن ذات ألم رهيب على نفس مالكوم؛ لذا كان عنيدا يسبّ حرّاسه حتى يحبس حبسا انفراديا، وتعلم من الحبس الانفرادي أن يكون ذا إرادة قوية يستطيع من خلالها التخلي عن كثير من عاداته، وفي عام 1947م تأثر بأحد السجناء ويدعى "بيمبي" الذي كان يتكلم عن الدين والعدل فزعزع بكلامه ذلك الكفر والشك من نفس مالكوم، وكان بيمبي يقول للسجناء: إن من خارج السجن ليسوا بأفضل منهم، وإن الفارق بينهم وبين من في الخارج أنهم لم يقعوا في يد العدالة بعد، ونصحه بيمبي أن يتعلم، فتردد مالكوم على مكتبة السجن وتعلم اللاتينية. وفي عام 1948م انتقل إلى سجن كونكورد، وكتب إليه أخوه "فيلبيرت" أنه اهتدى إلى الدين الطبيعي للرجل الأسود، ونصحه ألا يدخن وألا يأكل لحم الخنزير، وامتثل مالكوم لنصح أخيه، ثم علم أن إخوته جميعا في دترويت وشيكاغو قد اهتدوا إلى الإسلام، وأنهم يتمنون أن يسلم مثلهم، ووجد في نفسه استعدادا فطريا للإسلام، ثم انتقل مالكوم إلى سجن "ينورفولك"، وهو سجن مخفف في عقوباته، ويقع في الريف، ويحاضر فيه بعض أساتذة الجامعة من هارفارد وبوسطن، وبه مكتبة ضخمة تحوي عشرة آلاف مجلد قديم ونادر. وفي هذا السجن زاره أخوه "ويجالند" الذي انضم إلى حركة "أمة الإسلام" بزعامة "إليجا محمد"، التي تنادي بأفكار عنصرية منها أن الإسلام دين للسود، وأن الشيطان أبيض والملاك أسود، وأن المسيحية هي دين للبيض، وأن الزنجي تعلم من المسيحية أن يكره نفسه؛ لأنه تعلم منها أن يكره كل ما هو أسود. وأسلم مالكوم على هذه الأفكار، واتجه في سجنه إلى القراءة الشديدة والمتعمقة، وانقطعت شهيته عن الطعام والشراب، وحاول أن يصل إلى الحقيقة، وكان سبيله الأول هو الاعتراف بالذنب، ورأى أنه على قدر زلته تكون توبته . أمة الإسلام.. والعنصرية السوداء وراسل مالكوم "إليجا محمد" الذي كان يعتبر نفسه رسولا، وتأثر بأفكاره، وبدأ يراسل كل أصدقائه القدامى في الإجرام ليدعوهم إلى الإسلام، وفي أثناء ذلك بدأ في تثقيف نفسه فبدأ يحاكي صديقه القديم "بيمبي"، ثم حفظ المعجم فتحسنت ثقافته، وبدا السجن له كأنه واحة، أو مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تُطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء، كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح فقرأ قصة الحضارة وتاريخ العالم، وما كتبه الأسترالي مانديل في علم الوراثة، وتأثر بكلامه في أن أصل لون الإنسان كان أسود، وقرأ عن معاناة السود والعبيد والهنود من الرجل الأبيض وتجارة الرقيق، وخرج بآراء تتفق مع آراء إليجا محمد في أن البيض عاملوا غيرهم من الشعوب معاملة الشيطان. وقرأ أيضا لمعظم فلاسفة الشرق والغرب، وأعجب بـ"سبيننوزا"؛ لأنه فيلسوف أسود، وغيّرت القراءة مجرى حياته، وكان هدفه منها أن يحيا فكريا؛ لأنه أدرك أن الأسود في أمريكا يعيش أصم أبكم أعمى، ودخل في السجن في مناظرات أكسبته خبرة في مخاطبة الجماهير والقدرة على الجدل، وبدأ يدعو غيره من السجناء السود إلى حركة "أمة الإسلام" فاشتهر أمره بين السجناء. الخروج من السجن خرج مالكوم من السجن سنة 1952م وهو ينوي أن يعمق معرفته بتعاليم إليجا محمد، وذهب إلى أخيه في دترويت، وهناك تعلم الفاتحة وذهب إلى المسجد، وتأثر بأخلاق المسلمين، وفي المسجد استرعت انتباهه عبارتان: الأولى تقول: "إسلام: حرية، عدالة، مساواة"، والأخرى مكتوبة على العلم الأمريكي، وهي: "عبودية: ألم، موت". والتقى بإليجا محمد، وانضم إلى حركة أمة الإسلام، وبدأ يدعو الشباب الأسود في البارات وأماكن الفاحشة إلى هذه الحركة فتأثر به كثيرون؛ لأنه كان خطيبا مفوهًا ذا حماس شديد، فذاع صيته حتى أصبح في فترة وجيزة إماما ثابتا في مسجد دترويت، وأصبح صوته مبحوحا من كثرة خطبه في المسجد والدعوة إلى "أمة الإسلام"، وكان في دعوته يميل إلى الصراع والتحدي؛ لأن ذلك ينسجم مع طبعه. وعمل في شركة "فورد" للسيارات فترة ثم تركها، وأصبح رجل دين، وامتاز بأنه يخاطب الناس باللغة التي يفهمونها؛ فاهتدى على يديه كثير من السود، وزار عددا من المدن الكبرى، وكان همه الأول هو "أمة الإسلام"؛ فكان لا يقوم بعمل حتى يقدر عواقبه على هذه الحركة. وقد تزوج في عام 1958م ورُزق بثلاث بنات، أسمى الأولى عتيلة، على اسم القائد الذي نهب روما. وفي نهاية عام 1959م بدأ ظهور مالكوم في وسائل الإعلام الأمريكية كمتحدث باسم حركة أمة الإسلام، فظهر في برنامج بعنوان: "الكراهية التي ولدتها الكراهية"، وأصبح نجما إعلاميا انهالت عليه المكالمات التليفونية، وكتبت عنه الصحافة، وشارك في كثير من المناظرات التلفزيونية والإذاعية والصحفية؛ فبدأت السلطات الأمنية تراقبه، خاصة بعد عام 1961. وبدأت في تلك الفترة موجة تعلم اللغة العربية بين أمة الإسلام؛ لأنها اللغة الأصلية للرجل الأسود. كانت دعوة مالكوم في تلك الفترة تنادي بأن للإنسان الأسود حقوقا إنسانية قبل حقوقه المدنية، وأن الأسود يريد أن يكرم كبني آدم، وألا يعزل في أحياء حقيرة كالحيوانات وألا يعيش متخفيا بين الناس. الحج والتغير أدرك مالكوم أن الإسلام هو الذي أعطاه الأجنحة التي يحلق بها، فقرر أن يطير لأداء فريضة الحج في عام 1964م، وزار العالم الإسلامي ورأى أن الطائرة التي أقلعت به من القاهرة للحج بها ألوان مختلفة من الحجيج، وأن الإسلام ليس دين الرجل الأسود فقط، بل هو دين الإنسان. وتعلم الصلاة، وتعجب من نفسه كيف يكون زعيما ورجل دين مسلم في حركة أمة الإسلام ولا يعرف كيف يصلي!!. والتقى بعدد من الشخصيات الإسلامية البارزة، منها الدكتور عبد الرحمن عزام صهر الملك فيصل ومستشاره، وهزه كرم الرجل معه وحفاوته به. وتأثر مالكوم بمشهد الكعبة المشرفة وأصوات التلبية، وبساطة وإخاء المسلمين، يقول في ذلك: "في حياتي لم أشهد أصدق من هذا الإخاء بين أناس من جميع الألوان والأجناس، إن أمريكا في حاجة إلى فهم الإسلام؛ لأنه الدين الوحيد الذي يملك حل مشكلة العنصرية فيها"، وقضى 12 يوما جالسا مع المسلمين في الحج، ورأى بعضهم شديدي البياض زرق العيون، لكنهم مسلمون، ورأى أن الناس متساوون أمام الله بعيدا عن سرطان العنصرية. وغيّر مالكوم اسمه إلى الحاج مالك شباز، والتقى بالمغفور له الملك فيصل الذي قال له: "إن ما يتبعه المسلمون السود في أمريكا ليس هو الإسلام الصحيح"، وغادر مالكوم جدة في إبريل 1964م، وزار عددا من الدول العربية والإفريقية، ورأى في أسبوعين ما لم يره في 39 عاما، وخرج بمعادلة صحيحة هي: "إدانة كل البيض= إدانة كل السود". وصاغ بعد عودته أفكارا جديدة تدعو إلى الإسلام الصحيح، الإسلام اللاعنصري، وأخذ يدعو إليه، ونادى بأخوة بني الإنسان بغض النظر عن اللون، ودعا إلى التعايش بين البيض والسود، وأسس منظمة الاتحاد الأفريقي الأمريكي، وهي أفكار تتعارض مع أفكار أمة الإسلام؛ لذلك هاجموه وحاربوه، وأحجمت الصحف الأمريكية عن نشر أي شيء عن هذا الاتجاه الجديد، واتهموه بتحريض السود على العصيان، فقال: "عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة لا تحتاج الجماهير لمن يحرضها، وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئا لتحقيقه". وفي إحدى محاضراته يوم الأحد (18 شوال 1384هـ= 21 فبراير 1965م) صعد مالكوم ليلقي محاضرته، ونشبت مشاجرة في الصف التاسع بين اثنين من الحضور، فالتفت الناس إليهم، وفي ذات الوقت أطلق ثلاثة أشخاص من الصف الأول 16 رصاصة على صدر هذا الرجل، فتدفق منه الدم بغزارة، وخرجت الروح من سجن الجسد. وقامت شرطة نيويورك بالقبض على مرتكبي الجريمة، واعترفوا بأنهم من حركة أمة الإسلام، ومن المفارقات أنه بعد شهر واحد من اغتيال مالكوم إكس، أقر الرئيس الأمريكي جونسون مرسوما قانونيا أقر فيه حقوق التصويت للسود، وأنهى الاستخدام الرسمي لكلمة "نجرو"، التي كانت تطلق على الزنوج في أمريكا. استعد الرجل لمهمته جيدًا بالتخطيط وتجميع الجهود، كما تزود بزاد العلم حتى يحظى بعصا من البرهان يتوكأ عليها، وله فيها مآرب أخرى! هذا هو أبو الأعلى المودودي (1903-1979) الذي يعتبره كثيرون من مجددي الإسلام في القرن العشرين؛ وذلك لأنه نذر نفسه لمهمة الدعوة الإسلامية طوال حياته مع تقلب مواسمها في ظل مناخ حار -طبيعيا وفكريا- تشهده شبه القارة الهندية. ولد أبو الأعلى المودودي في عام 1903 في مدينة "أورنك آباد" إحدى مدن ولاية حيدر آباد الهندية في بيت معروف بالعلم والتدين، فالوالد هو "السيد أحمد حسن" ذو ثقافة إنجليزية تلقاها في مدرسة العلوم، ولكنه لم يستكملها، ثم عمل في المحاماة لفترة من الوقت. تلقى المودودي علومه الأولية من والده؛ فتعلم اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه واللغة الفارسية. ويقول المودودي عن أبيه: "إن والدي شملني بالتربية السليمة والتوجيه الشديد، وكان يلقي عليّ في الليالي حكايات الأنبياء، وأحداث تاريخ الإسلام، والوقائع الشهيرة في تاريخ الهند، ما أزال أشعر بفائدة تلك التربية حتى اليوم". يحكي المودودي حادثا طريفا عن حياته المبكرة، وهو أنه ذات يوم ضرب ابن أحد الخدم في بيتهم، فأمر أبوه الخادم أن يضرب ابنه. ويعلق المودودي: "هذا الحادث لقنني درسًا، ولم أجرؤ طول حياتي أن أعتدي على الضعفاء". التحق بالمدرسة الثانوية في (أوزنك آباد) وهو في الحادية عشرة بعد ثلاث سنوات، فما لبث أن أثار الإعجاب لذكائه وتفوقه، رغم أنه كان يعيش في عوز شديد، وكان بيته يبعد عن مدرسته مسافة 15 كيلومترًا يقطعها على الأقدام ذهابا وعودة. الصحافة في خدمة الإسلام.. الدرس الثاني في "الدعوة" وعقب وفاة الوالد عام 1917 أدرك الابن أنه أصبح لا يملك إلا بناء الذات؛ فاتجه إلى الصحافة فانضم إلى جريدة مدينة "بجنوز" 1918، ومنها إلى جريدة (تاج) الأسبوعية، وفيها كتب افتتاحيات عديدة تتحمس للمحافظة على الخلافة الإسلامية، وفي هذه الأثناء كتب كتاب "النشاطات التبشيرية في تركيا". ونتيجة احتكاكه بحركة الخلافة انتقل إلى دهلي عاصمة الهند، وقابل مفتي الديار الهندية الشيخ "كفاية الله" والشيخ "أحمد سعيد"، وكانا من كبار جمعية العلماء بالهند، ووقع الاختيار عليه لرئاسة تحرير الصحيفة التي ستصدرها الجمعية تحت اسم "المسلم" (بين 1921 و1923)، وفي عام 1924 أصدرت جريدة الجمعية، ورأس المودودي تحريرها حتى 1948. وخلال إقامته في دهلي تعمق المودودي في العلوم الإسلامية والآداب العربية، كما تعلم الإنجليزية في أربعة أشهر، وحصل قراءات فاحصة للآداب الإنجليزية والفلسفة والعلوم الاجتماعية؛ الأمر الذي مكنه من إجراء المقارنة بين ما تنطوي عليه الثقافة الإسلامية وما تتضمنه الثقافية الغربية. وفي تلك الفترة أيضًا ألَّف كتابين هما: "مصدر قوة المسلم" و"الجهاد في الإسلام". وكان سبب تأليفه لكتاب "الجهاد في الإسلام" أن "المهاتما غاندي" نقل عنه قوله بأن الإسلام انتشر بحد السيف، كما قال آخرون: إن الإسلام هو دين العرب الذين كانوا يضربون عنق كل من لا يؤمن بدينهم؛ وهو ما أثار المشايخ والعلماء.. وخطب الإمام "محمد علي الجوهري" خطبة في الجامع الكبير بدهلي، وصدح بقولته: "ليت رجلا من المسلمين يقوم للرد"؛ فأراد المودودي أن يكون هذا الرجل، وغربل أمهات الكتب في هذا الموضوع، وأخذ يطالع تاريخ الحروب عند جميع الشعوب قديمًا وحديثًا وكتب حلقات متواصلة في جريدة الجمعية، ثم صدرت في كتاب عام 1928، وكان الدكتور "محمد إقبال" ينصح دائمًا الشباب المسلمين باقتناء هذا الكتاب. وكان تأليف هذا الكتاب نقطة تحول كبيرة للمودودي، ويقول: "عرفت الإسلام، وعرفت طريقة إحيائه، وقررت ألا أدخل عالم الصحافة في المستقبل إلا لأن أجعلها وسيلة لخدمة الإسلام وإحيائه". وبعد هذه الفترة تولى إدارة مجلة "ترجمان القرآن"، والمذهل أنه كان يعمل وحده في إدارتها وتحريرها؛ فكان يكتب الافتتاحيات والمقالات والردود على الأسئلة، ويذهب إلى المطابع لطبعها، ويراجعها، ويربط الطرود، ويلصق الطوابع، ويحملها إلى البريد، ويرسلها للمشتركين، ورغم كل هذا فإنه كان يحب العمل فيها جدا، ورفض مرارا عرضا من رئيس الوزراء بتعيينه أستاذًا في الكلية العثمانية مقابل راتب شهري مرموق. وفي سبيل هذه الأهداف خرج كتابه "مبادئ الإسلام"، وقد تُرجم إلى ثلاثين لغة عالمية ونال رواجًا كبيرًا في أوروبا، واعتنق كثيرون بسببه الإسلام.. وسبب تأليفه أن إدارة التربية والتعليم في ولاية "حيدر آباد الدكن" كلفت المودودي بوضع منهج التربية الإسلامية في مدارسها، والطريف أنه لم يكتب شيئا حتى جاءه إخطار بضرورة تسليم الكتاب خلال أسبوع فأنجزه بالفعل في هذا الوقت اليسير. مع "إقبال" و"قطب" في سبيل الإسلام.. الدرس الثالث في "الأخوة" وممن قُرنوا بالمودودي دائما الشهيد سيد قطب الذي رأى الكثيرون تشابهًا في أفكارهما؛ حتى إن المودودي ذاته أكد على هذا التشابه، فقد روى الشيخ "خليل الحامدي" سكرتير الشيخ المودودي عنه ذلك قائلا: في أحد أعوام الستينيات بمكة المكرمة دخل شاب عربي مسلم على الأستاذ المودودي، وقدم له كتاب "معالم في الطريق" لمؤلفه "سيد قطب"، وقرأه الأستاذ المودودي في ليلة واحدة، وفي الصباح قال لي: "كأني أنا الذي ألفت هذا الكتاب"، وأبدى دهشته من التقارب الفكري بينه وبين سيد قطب، ثم استدرك يقول: "لا عجب؛ فمصدر أفكاره وأفكاري واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم". وأما عن علاقة الحب والإخاء التي كان يكنها المودودي لقطب رغم بُعد المسافة بينهما؛ فيحكي خليل الحامدي قائلاً: غداة تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد سيد قطب، دخلنا على المودودي في غرفته، وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزت الخبر على صفحاتها الأولى، إلا أنه لم يكن قد قرأه بعد، فسبقنا وقصّ علينا المودودي كيف أنه أحس فجأة باختناق شديد، ولم يدرك لذلك سبباً.. فلما عرف وقت إعدام الشهيد سيد قطب من الصحف قال: "أدركت أن لحظة اختناقي هي نفس اللحظة التي شُنق فيها سيد قطب". وكان شاعر الهند الكبير محمد إقبال من المعنيين كذلك بكتابات المودودي، وكتب ذات مرة: "إن هذا الشيخ يعرض دين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقلم مداده الدم"، أما المودودي، فيقول: "كان بيني وبين إقبال انسجام كبير في الآراء، والمخطط الذي كان في ذهني كان نفسه في ذهن إقبال". حتى إن المودودي حين بلغته وفاة إقبال بكى قائلا: "فقدت أكبر سند لي في الدنيا بموت هذا الرجل العظيم".. وبعدها بوقت قصير ذهب إلى لاهور وقبل عرضًا من كلية "حماية الإسلام" بأن يكون محاضرًا شرقيا، وألقى محاضرات عن الإسلام لمدة عام، كما ألقى محاضرات في عدة جامعات أخرى. تأسيس الجماعة الإسلامية.. الدرس الرابع في "حشد الصفوف" وفي 24-8-1941 اجتمع المودودي مع عدد من الرجال الذين تحمسوا لفكره، ودرسوا إنشاء هيئة تدعو إلى إقامة النظام الإسلامي، ووضعوا في نفس اللقاء القانون الأساسي للجماعة الإسلامية، يتضمن عقيدتها وأهدافها.. فعقيدتها هي ما تحمله كلمة الشهادة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وأهدافها إقامة الدين في الحياة الفردية والحياة الجماعية، وبعد ذلك بيومين صادقوا على القانون الأساسي للجماعة، وانتُخب المودودي أميرًا لها، وقد بدأت بـ 75 عضوًا، وأصبح أتباعها الآن يُقدَّرون بالملايين. وفي تلك الأثناء استدعى جميع رجال الجماعة الإسلامية، وكلفهم مهمة خدمة اللاجئين، وكانوا آلافًا مؤلفة قتل منهم آلاف على الطريق، وأصيب آلاف بالجروح خلال الاحتكاكات بين المسلمين وبين الهندوس والسيخ، كما ضاع آلاف الأطفال وخطفت آلاف البنات المسلمات، وأقامت الجماعة مخيمات لاستقبال اللاجئين، وكانوا يطبخون الطعام ويداوون المرضي ويدفنون الموتى. وفي هذه الرحلة اتجه المودودي إلى تقوية وتوطيد قواعد حركته بالتركيز على ثلاثة أمور: 1- أن يكون زملاؤه في الدعوة أقوياء في العقيدة، وموثوقين في سلوكهم الفردي، يقول: "إن الشيء الذي ضرب في النهاية الحركات والدعوات هو انضمام رجال غير مستقيمي السيرة". 2- أن يكون النظام الداخلي مَحكًّا قويًا؛ ذلك لأن التساهل والوهن وتخلخل النظام من أسباب انهيار الدعوات. 3- أن يشتمل الداعية في آن واحد على عنصرين: العنصر المثقف ثقافة إسلامية أصيلة، والعنصر المثقف ثقافة عصرية؛ حتى نستطيع القضاء على أسطورة فصل الدين عن الدولة الذي لم يقبل فيه جدالا؛ فحين قابله الرئيس "أيوب خان" في 1960 أثنى عليه، واقترح عليه أن ينتهج فكر "الدعوة والتبليغ" دون التورط في أوحال السياسة؛ فرد عليه المودودي بكل هدوء ولطف: "كما تفضلت يا سيادة الرئيس فإن السياسية أصبحت أوحالا، فدخلتها لأطهرها من الأوساخ...". في مواجهة التهم الملفقة.. الدرس الخامس في "الثبات على المبدأ" وعقب قيام الباكستان قام المودودي بجهد كبير لمواجهة النظريات الغربية التي يتم ترويجها في البلاد، وإثارة التغريبيين لشبهة صلاحية الإسلام كنظام للدولة العصرية.. ومع إصراره على الدعوة بأن تكون القوانين في الباكستان نابعة من الشريعة، وأن تلغى القوانين المخالفة فقد ضاقت السلطات بذلك؛ وهو ما أدى إلى القبض عليه في أكتوبر 1948، وسُجن لمدة عشرين شهرًا أنجز خلالها كتابه الشهير "الربا" وكتاب "مسألة ملكية الأرض في الإسلام"، كما أكمل المجلد الأول من تفسيره للقرآن الكريم "تفهيم القرآن"، وذلك رغم اعتلال كليته ومرضه. عقب خروجه من السجن طاف المودودي أنحاء البلاد شارحًا أطر الدولة الإسلامية وأهميتها؛ وهو ما حدا بمعارضيه إلى إثارة الشبهات حوله، مثل: أنه عميل للهند أو أمريكا، وأنه لا يجوز له الفتوى؛ لأنه لم يتخرج في معهد ديني، وأنه من الساعين للحكم.. وكان منهجه عدم الانشغال بالرد على هذه الشبهات، ومتابعة سيره نحو تحقيق غايته الرئيسية. وفي عام 1952 حدثت في مقاطعة البنجاب اضطرابات عنيفة بين المسلمين والقاديانيين راح ضحيتها الآلاف، وكتب المودودي رسالة "المسألة القاديانية"، وكشف فيها بإيجاز عن عقائد هذه الفرقة ومخططاتها. وفي تلك الأثناء قام الحاكم "غلام محمد" بإعلان الحكم العرفي في البنجاب وإلغاء الدستور، وإلقاء القبض على المودودي وعلماء الجماعة الإسلامية، وقدم إلى المحكمة العسكرية التي قضت بإعدامه. وعندما طلب منه تقديم طلب استرحام خلال أسبوع، قال في هدوء: "لا أسترحم أحدًا؛ لأن أحكام الموت أو الحياة لا تصدر في الأرض وإنما تصدر في السماء"، ثم أصدرت المحكمة العسكرية نفسها قرارًا جديدًا بتخفيف عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، لكنه لم يقضِ منها سوى 25 شهرًا. حين أوصى بعض الناس المودودي بالخلود إلى الراحة أكد أن الدعوة التي يحملها لا تعترف بالهدوء ولا تنتظر المواسم، وعقب معارضة المودودي للقوانين الغربية المطبقة، صدرت أوامر حكومية بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة أموالها، واعتقال قادتها وعلى رأسهم المودودي في يناير 1964، وتمّ الإفراج عنهم عقب ذلك في سبتمبر 1964. لكنه اعتُقل مرة أخرى في عام 1975 لسبب غريب وهو أن عيد الفطر قد صادف يوم الجمعة فأراد أيوب خان الحاكم في حينها تقديم العيد إلى يوم الخميس وأصدر قراره بذلك؛ فاستنكر المودوي ذلك، وأفتى بأن العيد مع ثبوت الهلال؛ فاعتقل، وأفطر الناس يوم الجمعة على رأي المودودي، ومكث في السجن لمدة شهرين. وظل المودودي في دفاعه عن الإسلام ضد الإلحاديين والقاديانيين، سواء من خلال تأليف الكتب أم تأليف الرجال بتربيته لجيل كامل يؤمن بالدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تفتُرْ عزيمته عن دعوته، وظل على هذه الحال حتى لقي ربه يوم 22 سبتمبر 1979، وهو مؤمن بمبدئه ثابت عليه عنيد دوما في الحق. المشهد الأول: نهار خارجي – صحراء سيناء تمام الثانية ظهرًا في أحد أيام رمضان.. العيون زائغة.. والقلوب تكاد تنخلع؛ فالموقف صعب.. إما رفع الرأس عاليا واسترداد الكرامة، وإما انهيار تام لما يطلق عليه اسم "الأمة العربية". إنه 6 أكتوبر 1973م حيث انتصر الجيش "المصري" بإرادة "عربية" وتنسيق غير مسبوق.. الدول النفطية تقطع البترول وتمول الحرب.. والجيش السوري يوقع مع الطرف المصري الاتفاقية العسكرية (جرانيت1)، فيعبر الجندي المصري قناة السويس بتخطيط "الثعلب" المسمى السادات لتكون النتيجة المبهرة والدرس الذي لا ينساه الجيش الذي لا يقهر(!!). المشهد الثاني: نهار خارجي - ساحة العرض العسكري بالقاهرة الثانية عشرة وأربعون دقيقة ظهرا الاحتفال بالذكرى الثامنة للعبور العظيم.. تشكيل من طائرات الفانتوم يقوم ببعض الألعاب الجوية، والمذيع يصيح: "والآن تجيء المدفعية". طابور من جرارات المدافع يتقدم، فجأة ترتج إحدى القاطرات وبدا أنها تنحرف قليلا تجاه المنصة الرئيسية.. قنبلتان تطيران في الهواء.. الذعر يجتاح الجميع.. يسمع دوي انفجار ثم طلقات متوالية.. المفاجأة تجعل حرس الرئيس يقفون مكتوفي الأيدي، ولم يقوموا بالرد إلا بعد 40 ثانية يتمكن خلالها "حسين عباس محمد" من حنجرة "السادات"؛ حيث استقرت أول طلقة أصابته.. ويهرب فلا يقبض عليه إلا بعد يومين. المشهد الثالث: ليل داخلي - قاعة مجلس الشعب المصري مساء 9 نوفمبر 1977 يفتتح السادات الدورة البرلمانية الجديدة، ويفجر قنبلته المدوية: "إنني مستعد للذهاب إلى أقصى الأرض حتى إلى الكنيست نفسه، كي أتحدث مع الإسرائيليين في عقر دارهم(!!) عن رغبتنا في السلام"، ووسط موجة التصفيق الحادة كان هناك من ينكمش في كرسيه فزعا مما قيل.. إنه ياسر عرفات الذي كان حاضرا بناءً على دعوة من السادات نفسه. المشهد الرابع: ليل خارجي - مطار بن جوريون السابعة والنصف مساء السبت 19 نوفمبر 1977م تهبط طائرة السادات، ويصافح "مناحم بيجين" وصوت المذيع الأمريكي "فالتر كونكايت" يدوي: "لقد وصل الإنسان إلى القمر وها هو السادات يصل للقدس".. يلقي السادات خطبته في الكنيست (استمع إلى جزء منها) ويصلى العيد في الأقصى، ليفتح الباب أمام التفاوض مع إسرائيل، في نفس الوقت الذي فتح فيه الباب لعاصفة جماهيرية لا تهدأ ضده شخصيا، ولا يغفر المعارضون للسادات أنه استرد كامل أرض مصر؛ معللين ذلك بأنه أحدث شقا للصف العربي، حيث قاطعت الدول العربية كلها مصر، والأصعب من ذلك أن التسوية السلمية قد شرخت النفسية العربية التي كانت ترفض إسرائيل جملة وتفصيلا، وفتح الباب للتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني. مشاهد منفصلة متصلة تطرح تساؤلات ملغزة، هل نال السادات جزاء سنمار بعد أن حقق النصر الحاسم الوحيد لأمتنا على العدو الصهيوني؟ هل قوبل بالجحود من شعبه؛ لأنه أعطى الحرية لمن لا يقدرونها – حسب قول البعض؟ هل قتلته الدعاية الصهيونية الأمريكية التي وصلت لدرجة أن يقف أحد أعضاء الكونجرس الأمريكي يقول: "يوم أن خلق الله أنور السادات تفرغ له؛ لأنه لم يكن من الممكن أن يخلق أحدًا بجانبه"(!!) وأسبغوا عليه صفات مثل: "أشيك رجل في العالم"، "السياسي الأول في العالم" رغم أنهم كانوا من قبل ينعتونه في يديعوت أحرونوت بـ "الحمار الأسود". أم قتله غروره واعتداده بنفسه حتى اقترح أن يقوم بجولة في مصر مع وزرائه مرتدين الزي الفرعوني؟ لكن هذه المشاهد ليست إلا النهايات.. فماذا عن البدايات؟ أنور الطفل كان أبوه محمد الساداتي أحد القلائل الذين تعلموا بقرية ميت أبو الكوم محافظة المنوفية (شمال مصر) عمل بوحدة من الجيش الإنجليزي، وتزوج ثلاث زيجات، وأنجب 13 ولدا وبنتا، أوسط الزوجات "ست البرين" التي أنجبت "محمد أنور". وكانت "ست البرين" تأتي للقرية لتضع حملها ثم تعود لزوجها في السودان حيث يعمل.. فنشأ "أنور" في رعاية جدته حتى عام 1924 إلى أن التأمت الأسرة الكبيرة في القاهرة. حصل السادات على الثانوية عام 1936 وهو عام توقيع المعاهدة الشهيرة مع الإنجليز التي أسهمت في قبول أبناء البسطاء بالكلية الحربية.. حصل أنور على بطاقة توصية من "د.فيتز باتريك" كبير أطباء الجيش البريطاني، بعد تسعة أشهر، ونظرا لحالة الجيش الماسة للضباط تخرج الملازم ثان "محمد أنور السادات".. بعد أن حذف الحرف الأخير من لقبه، وبعد تخرجه عُين في معسكر "منقباد" حيث التقى لأول مرة بعبد الناصر، ثم نقل إلى سلاح الإشارة بالمعادي، وهنا رأى أبوه ضرورة تزويجه؛ فزوجه من ابنة عمدة بلدتهم "إقبال ماضي" التي أنجبت له ثلاث بنات: "راقية - راوية - كاميليا". عمل وطني أم عمالة أجنبية؟ بينما الألمان يتقدمون في الصحراء الغربية بقيادة المارشال "روميل" كان هناك فصيل من العسكريين المصريين يرون انتصار الألمان على الإنجليز وشيكا، ولهذا فتحت قنوات اتصال مع الألمان، وفوجئ أنور السادات بالضابط "حسن عزت" يعرض عليه الانضمام لمجموعة سرية تضم بعض ضباط الطيران على علاقة بالألمان، لغاية وطنية مبررها: "عدو عدوي صديقي".. وافق السادات وكلف بتسهيل مهمة اثنين من الجواسيس الألمان وهما "هانز أبلر"، "ساندى"، لكن بائعة هوى يهودية كانت على علاقة بـ "أبلر" أبلغت عنه السلطات وسرعان ما تكشفت علاقة السادات بهم، فحوكم في أكتوبر 1942 وطرد من الجيش وسجن، إلى أن تمكن من الهرب والاختفاء، وعمل أثناء هربه في عدة مهن مختلفة، منها حمَّال وسائق، وكان يتخذ لنفسه في كل بلدة ينزلها صفة وشكلا مختلفًا، وربما ساعده على النجاح هوايته القديمة للتمثيل، فقد بلغ به الأمر أن أرسل للفنانة "عزيزة أمير" رسالة يقول فيها: "قوامي نحيل، وجسمي ممشوق وتقاطيعي متناسقة.. إنني لست أبيض اللون ولكني أيضا لست أسود، إن وجهي أسمر ولكنها سمرة مشربة بحمرة…" (مجلة الفصول 1 مايو 1935)، وظل معروفا في مجالسه الخاصة بهذه الطرفة، وكثيرا ما كان يطلب منه أصدقاؤه أن يقلد لهم صوت قادة الجيش، ومشاهير الممثلين. السادات ممثلا وصحفيا وأديبا ظل اسم أنور السادات بعيدا عن الأضواء حتى عاد للظهور مرة أخرى عام 1946 عندما اتهم في قضية اغتيال "أمين عثمان" وزير المالية في حكومة الوفد، فقفز اسمه إلى الصحف، وعلى إثرها قبض عليه ليقضي في سجن القلعة سنتين ونصف سنة، منها عام ونصف وحيدا في الزنزانة "54"، ثم حكم ببرائته 1948، وأثناء فترة حبسه هذه بدأ يمارس الكتابة الأدبية، خاصة الساخرة منها. وقد عرف بخفة ظله وافتخر بها، حيث ذكر في كتابه "30 شهرا في السجن" أنه أصدر مع بعض رفاق السجن صحيفة "الهنكرة والمنكرة"، بل وقام مع بعض المساجين بعمل إذاعة داخل السجن، وقدم بنفسه فقرتين، وكان يكتب في لوحة إعلانات السجن برنامج اليوم، ومنه: الساعة 6.00 حديث للأطفال للمربي الفاضل بابا أنور الساعة 11.00 أغنية حديثة "للمجعراتي المتسول" أنور السادات ومن أغانيه التي أوردها في كتابه ص 57: "أنا جيت لكم والله يا ولاد *** أنا أحبكم قوي قوي يا أولاد أنا جيـت لكـم أنا جيت *** والاتهامـات آخـر لخابيط" لم يجد السادات حرجا أن يكتب هذا الكلام في مذكراته وكتبه، ومنها: " قصة الثورة كاملة"، و"صفحات مجهولة من الثورة"، و"يا ولدي هذا عمك جمال"، و"البحث عن الذات"... إلخ وبعد خروجه من السجن بفترة عمل صحفيا محترفا في صحف دار الهلال والمصور ونشر مذكراته في السجن بها، كما نشر بعض القصص القصيرة، واستمر يعمل بتلك الدار بينما يحاول باستماتة شديدة العودة للجيش ثانية. استعان بصديقه "يوسف رشاد" طبيب الملك الخاص، ف أشار عليه - طبقا لرواية محمد حسنين هيكل في خريف الغضب - أن يلقي بنفسه على يد الملك ليقبلها أثناء صلاة الجمعة في مسجد الحسين، وفعل السادات وطلب الصفح فأجاب الملك بهزة من رأسه، وفي اليوم التالي كان السادات في مكتب محمد حيدر باشا "وزير الحربية" الذي وبخه ثم أصدر قراره بإعادته إلى الجيش، وهنا بدأت الحياة تستقيم للسادات ثانيا. يا جيهان.. أنت ملكة مصر!! وفي أواخر 1948 وبينما السادات مع "حسن عزت" الذي عمل معه لفترة في شركة مقاولات، رأى السادات فتاة في السادسة عشرة من عمرها جميلة ومليئة بالحيوية هي "جيهان صفوت رؤوف"، وهي ابنة لموظف بوزارة الصحة لأم مالطية -أو إنجليزية- اسمها "جلاديس"، وكانت الفتاة الصغيرة قد رأت صورة "أنور" من قبل في الصحف، فراعها أن تراه وجها لوجه، فوقعت في حبه منذ اللحظة الأولى كما وقع هو.. وتقدم بالفعل لخطبتها.. لكنها رفضت لأنه متزوج وله أبناء، وأبدى أنور استعداده لتطليق زوجته الأولى وتم الزواج بالفعل. تسلم عمله في رفح في الفرقة الأولى مشاة، وانتقلت معه زوجته الصغيرة التي كانت دائمة الترديد لنبوءة عاشتها، فقد حكت في كتابها "سيدة من مصر" أنها ذات يوم كانت تتناول العشاء مع زوجها في مطعم على شاطئ النيل بالجيزة اشتهر باسم "كازينو الحمام"، وبينما هما جالسان جاءت قارئة كف عجوز وعرضت أن تقرأ كف كل منهما.. وأخذت يد جيهان لتقول لها: "ستكونين ملكة مصر"، فانخرطا في موجة من الضحك، فكيف يكون هذا ومصر تحت حكم أسرة محمد علي؟ السادات وعبد الناصر.. والضباط الأحرار في عام 1951 أعلن جمال عبد الناصر رغبته في ضم أنور السادات لتنظيم الضباط الأحرار، لكن طلبه قوبل بموجة عارمة من الرفض؛ فكل أعضاء اللجنة التأسيسية للتنظيم كانوا يرون للسادات علاقات بالقصر وبالحرس الحديدي، ولكن عبد الناصر أكد أنه بتواجده ضمن الحرس الحديدي يمكنه أن يفيد الحركة، كما أن السادات كضابط إشارة سيقوم بدور مهم في السيطرة على اتصالات الجيش عند قيام الحركة التي كان يعد لها وقتئذ. وبهذا أصبح السادات عضوا في تنظيم الضباط الأحرار قبل قيام الثورة بعام واحد، وهو ما أجمعت عليه مختلف الكتابات والشهادات لأعضاء هذا التنظيم.. لكن الرواية الوحيدة التي خالفت كل ذلك هي رواية السادات نفسه. وعلى الرغم من ذلك فقد كان عبد الناصر يثق فيه جدا حتى أخبره بموعد القيام بالحركة، على غير رغبة الأعضاء، فما كان من "السادات" إلا أن قضى ليلته في السينما مع زوجته ولم يرجع إلى بيته إلا بعد الواحدة ليلا ليجد خطابا من عبد الناصر يستفسر فيه عن تغيبه.. فأسرع نحو قيادة الجيش بالعباسية، حيث كان كل شيء قد تم وسيطر الضباط الأحرار على مقاليد الأمور. السادات رجل الظل في السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليو 1952 كان البكباشي محمد أنور السادات يلقي الخطاب الأول للثورة عقب احتلال مبنى الإذاعة المصرية. ورغم ذلك فإنه عقب استقرار الأمر في أيدي الضباط آثر "السادات" أن يبقى في الظل، وهذا ما يفسره مناصروه بأنه عزوف عن المناصب، وعدم الرغبة في المشاركة في الثورة لرفضه سلبياتها، خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ويراه معارضوه استعدادا للانقضاض ولعبا من تحت المائدة، أو ضعفا في الشخصية؛ فلم تزد المناصب التي تقلدها عن الإشراف على إصدار جريدة "الجمهورية" لسان حال الثورة، ثم بعد إنشاء المؤتمر الإسلامي صار "السادات" أمينه العام، ثم جاءت الوحدة بين مصر وسوريا 1958 فأصبح السادات رئيسا لمجلس الأمة المشترك حتى تم الانفصال عام 1961. وتحققت نبوءة العرافة العجوز ربما للشخصية القوية التي تميز بها عبد الناصر لم يعد حوله كثيرون من أعضاء مجلس قيادة الثورة، خاصة بعد انتحار صديقه الوفي "عامر" عقب هزيمة يوليو؛ فالجميع إما آثر العزلة خوفا من معارضة الزعيم، وإما همِّش وأبعد.. وأصبح بيت السادات في الجيزة هو المكان الذي يقضي فيه عبد الناصر بضع ساعات مع صديق لا يضغط على أعصابه، كما أنه يعرف كيف يروضه. وحسب كلام السادات نفسه في "البحث عن الذات" ص 290 يقول: "كانت السياسة عند عبد الناصر تخضع لانفعالاته، وقد أدرك هذا أولئك الذين يحيطون به، ولذلك كانوا يستطيعون تطويعه كما يريدون إذا أحضروا إليه في الوقت المناسب المعلومات المناسبة…". قام عبد الناصر بتعيين السادات نائبا لرئيس الجمهورية في ديسمبر 1969 وسط دهشة الجميع، وبعد مضي تسعة أشهر، وفي 28 سبتمبر 1970 رحل جمال عبد الناصر، وأصبح الطريق الآن خاليا أمام السادات ليحكم مصر وتتحقق نبوءة العرافة العجوز. وأعلن السادات رسميا كرئيس لمصر في 15 أكتوبر 1970م، وكانت أمامه عقبة كبيرة تجعله متململا فوق كرسي الحكم.. وتتمثل في رجال عبد الناصر القدامى الذين تشبعوا بفكره وبخطه السياسي، ولم يقتنعوا بتولي السادات مقاليد الأمور.. فقام في مايو 1971 بتصفية أنصار عبد الناصر من الحرس القديم في إطار ما عرف بـ "ثورة التصحيح". السياسي الداهية ينتصر على العدو إن كارهي السادات يقولون: إن حرب أكتوبر هي نتاج خالص لتخطيط عبد الناصر قبل موته، وإن السادات ما فعل إلا أن قطف الثمرة، لكن الحقيقة التاريخية تجعل هذا الكلام مجرد ادعاء؛ فدور السادات وتخطيطه المحكم ورغبته الأكيدة في تحقيق النصر وإصلاح الجيش الذي تحول فيما قبل لمرتع للفساد الأخلاقي والعسكري… كل ذلك بلا شك من ثمار سياسة السادات التي فرغت الجيش لدوره الأساسي في الدفاع عن الوطن، والبعد عن السياسة الداخلية، إلا أن هذا هو الحال دوما بين معارضي السادات ومؤيديه. ولا شك أن ذكاء الرجل السياسي هو الذي أدى إلى اعتراف الإسرائيليين كيف خدعهم السادات. وبالمثل في قضية الحرية، فإن السادات بلا شك قد فتح للحريات بابا - مهما اختلفنا في مساحته - فسمح بالتعددية وتحدث الناس فيما كانوا يخشون التفكير فيه من قبل. من قتل السادات؟ ربما يكون خالد الإسلامبولى وعبود الزمر هما اللذان اقتحما ساحة العرض وأطلقا الرصاص، لكن هل هما اللذان قتلا هذا الرجل الملغز حقا؟ هل قتل هو نفسه عندما اختزل كل شيء في شخصه، وأصبح يقول: "جيشي وشعبي"؟ هل أصابه الانتصار العظيم في أكتوبر لدرجة أن يصبح كل معارض له "خائن لا بد من فرمه" – على حد قوله؟ هل قتل السادات نفسه عندما أبرم اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني؛ متناسيا طبيعة مصر ودورها وسط العالم العربي والإسلامي؟ هل قتل السادات نفسه عندما لم يحتمل المعارضة وزجّ بها في اعتقالات سبتمبر 1981؟ هل قتل نفسه عندما ترك الزمام للفساد الاقتصادي ينخر في جذور مصر؟ هل قتل نفسه حين صدق الدعاية الصهيونية الكاذبة؟ هل قتل نفسه حين خانته ثقته بذاته؟ ورغم كل هذه التساؤلات وعلامات الاستفهام الكبرى ستظل الحقيقة الوحيدة الباقية أن محمد أنور السادات من أكثر الشخصيات مدعاة للإعجاب وللدهشة وللحيرة وللتساؤل أيضا.. كما أن ذكاءه الخارق كان وسيظل محل تقدير للجميع. شكا طفل صغير لأمه عفريتًا أسود يظهر له، ويبث في روحه الذعر والخوف؛ فما كان منها إلا أن نصحته بأن يتحدث مع العفريت، وعللت ذلك بقولها: "إنك إن تحدثت معه عرفت ماهيته، وأمكنك أن تحدد التصرف المناسب للتعامل معه". بهذا آمنت شمل.. أن "الإنسان عدو ما جهل". كانت "ماري شمل" نموذجًا للذين أحبوا بصدق الحضارة الإسلامية، ووقفوا على الإسهامات العظيمة التي قدمتها للإنسانية، وقدموا من خلال دراساتهم وأبحاثهم خدمات رائعة للإسلام، بل وقدم بعضهم تضحيات باهظة لأجل الثبات على مواقفهم. لقد نعى المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا "شمل" بعد وفاتها يوم الإثنين الماضي -عن عمر يناهز الثمانين عاما- في بيان له بأنها "كانت السفيرة الرفيعة بين الإسلام والغرب، وكانت شخصية نادرة كرست حياتها في دأب وحب لإزالة الشكوك لدى الغربيين حول الدين الحنيف"، معتبرًا رحيلها فجوة يصعب سدها في جدار حوار الحضارات. وكان تميز "أنا ماري شمل" عن جل المستشرقين وفَلاحها في إدراك الكثير من الأهداف السامية التي عجز عن تحقيقها غالبية نظرائها.. مرده إلى الخلفية التي تعاملت بها المستشرقة الألمانية مع الحضارة الإسلامية التي درستها؛ فقد ارتكزت هذه الخلفية على الكثير من الحب والرغبة في اكتشاف الجوانب المضيئة فيها. الحملات الحاقدة في شهادة التكريم التي صاحبت جائزة السلام لعام 1995 التي حصلت عليها -والتي تُعد أهم جائزة من نوعها بعد جائزة نوبل للسلام- عللت اللجنة المانحة للجائزة قرار إسنادها للمستشرقة الألمانية بما يلي: "تمنح رابطة الكتاب الألماني الجائزة لماري شمل، التي كرست جهدها طيلة حياتها من أجل التعريف بالإسلام، وإيجاد روح القبول له ولمظاهر الحياة في إطاره، ومن أجل إيجاد إمكانية التقائه بأبعاده التجديدية حضاريا مع الغرب". ولقد شكلت مناسبة حصول "أنا ماري شمل" على جائزة السلام لرابطة الكتاب الألماني سنة 1995 فرصة سانحة لانقضاض الجماعات المسيحية واليهودية المتطرفة عليها، من خلال حملة إعلامية استهدفت التشكيك في قيمتها العلمية ونزاهتها، والحط من مكانتها لدى الرأي العام في بلادها وفي الغرب عموما، غير أن الحملة فشلت فشلاً ذريعا، بل وساهمت في تسليط مزيد من الضوء على جهودها. وقد ركّز الحاقدون على "شمل" حملتهم المغرضة على 3 ادعاءات رئيسية: أولها تنديدها بكتاب سلمان رشدي الكاتب الهندي "آيات شيطانية"؛ فقد اعتبرت الكتاب يمس مشاعر المسلمين، ويسيء إليهم، ولقد زعم المغرضون أن شمل قد أيدت فتوى الإمام الخميني التي صدرت سنة 1989 ضد الكاتب، وذلك في كتابها "ومحمد نبي الله.. منزلة الرسول في الإسلام". ويرد الدكتور نديم إلياس في كتابه "سيقهر الماء صم الحجر" على هذا الادعاء بقوله: "إنه مجرد من الأمانة العلمية؛ فقد صدر الكتاب المذكور عام 1981، أي قبل 8 سنوات من صدور الفتوى، كما أن الكاتبة قد ذكرت ردًّا على هذه الادعاءات بقولها: إنها إنسانة غير سياسية، وما يهمها في القضية هو عدم المساس بالمشاعر الدينية الخاصة". أما الادعاء الثاني فحول نفس الكتاب الذي يدل على تعاطفها مع الأصولية، كما يدل على ذلك أيضا زياراتها المتكررة لإيران، والحفاوة التي كانت تُستقبل بها هناك، فضلا عن كتابتها مقدمة كتاب "الإسلام كبديل" للسفير الألماني السابق "مراد هوفمان". ويرد الدكتور عطا إلياس على هذا الادعاء أيضا بذكره أن شمل قامت بزيارة لإيران بعد 24 عامًا من الثورة الإسلامية، بناء على دعوة من جامعة طهران لإلقاء محاضرة حول موضوع التصوف والفلسفة، فيما لا تعتبر زيارة المؤسسات العلمية تأييدًا لتوجهات الأنظمة القائمة في دولها. أما فيما يتعلق بكتابتها مقدمة كتاب السفير هوفمان؛ فإن شمل لم ترتكب بذلك جريمة؛ فهوفمان قد مثّل الدولة الألمانية لسنوات طويلة، وهو يُعد واحدًا من ألمع شخصيات هذه الدولة، وأكثرهم احترامًا. ويستند الادعاء الثالث ضد شمل على ما جاء في كلمة ألقتها بمناسبة تأبين الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق؛ حيث قالت: "سوف يصل التاريخ إلى حكم إيجابي متزن حول الرئيس ضياء الحق"؛ وهو ما عده الكارهون "تأييدًا لهذا النظام العسكري بالرغم من موقفه من حقوق الإنسان والتسلح النووي". ويقول أيضا مؤلف "سيقهر الماء صم الحجر" في تفنيده لهذا الادعاء: "إن مجرد التمني لا يعني أن الكاتبة قد أطلقت حكمها على صلاح النظام أو خلافه. كما أكدت شمل أن زياراتها لباكستان كانت دومًا زيارات علمية، فضلاً عن لقائها بجميع عناصر المعارضة خلالها، وفي مقدمتهم أسرة الرئيس السابق ذو الفقار علي بوتو". "سيقهر الماء صم الحجر" لقد وجدت "أنا ماري شمل" خلال مسيرتها الحافلة الكثير من المحبين والمدافعين، بقدر ما وجدت من الأعداء والمناوئين. وقد جاء الرئيس الألماني السابق "رومان هرتسوغ" على رأس المتعاطفين مع "السيدة الفاضلة"؛ حيث حرص على أن يسلم بنفسه جائزة السلام لعميدة المستشرقين، وأن يقول في حقها كلمته الشهيرة: "إنها هي من مهدت لنا الطريق للإسلام". وتدافع ماري شمل عن الإسلام بقولها: إن الحضارة التي سارت على سُنة تحية "السلام"، تمر اليوم بأطوار من الانغلاق والتصلب الفكري وتبريرية المواقف. وإننا نجد أنفسنا اليوم إلى حد كبير أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلام كشعار، وهي أبعد ما تكون عن أسسه الدينية وأصوله. وبصدد ردها على المعارضين لها ولمنهجها في الدراسة والبحث.. تقول أنا ماري شمل: إن طريقي ليس هو طريق التصريحات والبيانات، ولا هو طريق الإثارات والزوابع. إنني أومن أن الماء الصافي سوف ينتصر بحركته الدءوبة على مر الزمن على صم الحجر. إنني أتوجه مع رجاء العون من أجل خدمة السلام بالشكر أولا وأخيرا، إلى من توجه إليه "جوته" في الديوان الشرقي بقوله: "لله المشرق.. لله المغرب.. والأرض شمالا والأرض جنوبا تسكن آمنة بين يديه هو العدل وحده يريد الحق لعبده من مائة اسم من أسمائه تقدس اسمه هذا. آمين". سيرة علمية وعملية حافلة ولدت "أنا ماري شمل" في مدينة "إيرفورت" الألمانية، يوم 7 أبريل 1922، وقد بدأت تتعلم اللغة العربية في سن الخامسة عشرة، وحصلت على درجة الدكتوراة في الاستشراق من قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة برلين سنة 1941 عن "دور الخليفة والقاضي في مصر الفاطمية والمملوكية"، وهي لم تتجاوز سن التاسعة عشرة، وبعد 3 سنوات حصلت على درجة الأستاذية من جامعة "ماربورغ"، وتُعد شمل أصغر من حصل على مثل هذه الدرجة العلمية في هذا الوقت. كما حصلت سنة 1951 على درجة دكتوراة ثانية في تاريخ الأديان. قامت "شمل" سنة 1952 بأول زيارة لها إلى العالم الإسلامي، وبالتحديد إلى تركيا التي عادت إليها في عام 1956 لتستقر بها 5 سنوات؛ حيث عملت كأستاذة مساعدة في العلوم الإسلامية واللغة العربية في جامعة أنقرة؛ لتشغل لاحقا منصب أستاذة كرسي تاريخ الأديان في كلية العلوم الإسلامية بذات الجامعة، حيث كثفت دراساتها في تلك الفترة عن الإسلام في شبه القارة الهندية. رجعت المستشرقة الألمانية إلى بلادها سنة 1961؛ لتشغل في جامعة "بون" منصب مستشارة لشؤونها العلمية في مجال الدراسات الإسلامية، إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإسلامية، ورئاستها تحرير مجلة "فكر وفن" حتى سنة 1973، وهي مجلة علمية، نشرت من خلالها الكثير من أبحاثها عن الأدب الإسلامي، كما تنقلت "شمل" بين العديد من الجامعات العالمية المرموقة كأستاذة زائرة؛ فقد حاضرت لسنوات طويلة في جامعة "هارفارد" وجامعة نيودلهي في الهند، والمجلس الأمريكي للعلوم، وجامعة "إيوا" في نيويورك، ومعهد الدراسات الإسماعيلية في لندن. (طالع إسهاماتها الفكرية). نالت المستشرقة الألمانية نظير مسيرتها العلمية الحافلة الكثير من الجوائز وأوسمة التكريم، لعل أهمها جائزة "فردريش ركارت" الألمانية سنة 1965، ووسام القائد الأعظم لجمهورية باكستان الإسلامية سنة 1966، ووسام الاستحقاق الألماني من الدرجة الأولى سنة 1982. بالإضافة إلى نيلها جائزة السلام التي فتحت عليها نيران الاعتراضات من قبل المؤسسات اليهودية مثلما ذكرنا. وكانت قد ترددت أنباء عن إسلام شمل، غير أنها لم تشهر إسلامها حتى وفاتها، ويصفها المفكر الإسلامي "عبد الحليم خفاجي" في معظم كتبه بـ"مؤمنة آل فرعون". بالإضافة إلى تكريمها من قبل الرئيس محمد حسنى مبارك؛ حيث منحها وسام الاستحقاق قبل 3 أعوام، فيما منحتها جامعة الزهراء الإيرانية درجة الدكتوراة الفخرية قبل رحيلها بأربعة أشهر؛ تقديرا لجهودها في خدمة الإسلام، وفي ألمانيا كرمها المجلس الأعلى للمسلمين عام 1998 في احتفال خاص. "شيء واحد إن غاب عنا ضللنا الطريق.. هدهدنا الزمان لننام.. إنه الطموح!" في هذه الأيام -التي يتساقط فيها عشرات القتلى من الروس والمسلمين على السواء- جميل لو تذكرنا الرجل الذي عرفه العالم كأشهر المسلمين المستنيرين في روسيا في المائة سنة الماضية. سأل نفسه بعد قرون من الصدام نفس الأسئلة البدهية التي نسألها اليوم: لماذا يكون الصدام هو خيارنا الوحيد؟ هل لا بد من أنهر من الدماء لنعيش؟ أو ليعيش بعض منا بالأحرى؟ إلى متى سيظل مسلمو روسيا متخلفين؟ لماذا نعتقد أن كل روسي هو إيفان الرهيب ينتظر التتويج ليذبح المسلمين؟ ولماذا يُرضع التقليديون الناس هذه الأفكار على مدى القرون؟ في السفر كل الفوائد مرة أخرى تكرس لنا السيرة الذاتية لمفكر قومي ومجدد ديني مثل كسبرالي أنه لكي تفعل شيئا لقضيتك فلا بد أن تسافر وتغير الألوان التي تقع عليها عيناك، فما دمت قابعا في محل ميلادك فلن ترى إلا ما رآه مثلك ولم يغيروا شيئا من معطيات البيئة الجامدة. في عام 1851 ولد إسماعيل كسبرالي في قرية أفجي -إحدى قرى الصيادين- قرب مدينة يالطا على سواحل البحر الأسود بشبه جزيرة القرم، وذلك بعد أن كانت أسرته قد ارتحلت من قرية كسبره (التي يحمل اسمها). ويتلقى تعليمه حتى سن خمس عشرة من عمره في القرم ليسافر إلى موسكو حيث يلتحق بأكاديمية فارنوش العسكرية. وفي موسكو تتفتح عيناه على الأفكار القومية السلافية التي تصدم مشاعره المتناغمة مع فكرة الجامعة التركية حينما كان يجلس في قاعات الدرس مستمعا إلى المفكر الروسي القومي الشهير إيفان كاتكوف، فيترك موسكو سرا ليهاجر إلى تركيا وسرعان ما يُكشف أمره فيقبض عليه ويعاد إلى موطن عائلته في 1867. وهناك يستفيد من إتقانه للروسية في أن يعمل مدرسا في عدة مدارس إسلامية في القرم، وسرعان ما يحبط من أساليب التدريس التقليدية في هذه المدارس التي لم تتغير في مناهجها وموضوعاتها منذ قرون. وينجح كسبرالي في 1872 في أن يحصل على تصريح بالسفر إلى باريس لدراسة الفرنسية، وهناك يحصل على فرصة جديدة في إنعاش أفكاره الطموحة، حينما يعمل مساعدا للمفكر الروسي الشهير إيفان تورغنيف. وبين التأثر بأفكار تورغنيف المستنيرة والاستهداء بأنوار باريس الثقافية جمع كسبرالي ملاحظاته عن المدنية الأوروبية واختزنها في عقله وجوانحه؛ لكي تخرج للنور بعد نحو عشر سنوات. وفي طريق عودته إلى موطنه يمر بإستانبول ويقضي فترة في الأناضول يتعرف فيها على المدنية التركية ويقترب أكثر من الصفوة الفكرية التركية، وخاصة أولئك المؤمنين بفكرة توحيد الشعوب التركية ومناصري تجديد الفكر الديني. وبعد مشاهدات وتأملات في واقع المسلمين في روسيا ومقارنة أوضاعهم بالحضارة الفرنسية والتقدم التركي أدرك كسبرالي تلك الحلقة المفقودة في كل مشروع قومي طموح. وهو أنه لكي تطور نفسك فليس المفترض أن تصطدم مع عدوك.. أعطِ لنفسك فترة كافية لتنمي قدراتك وترفع من مستوى تعليم وثقافة أبناء وطنك، امنحهم القوة أولا لكي يقفوا على أقدامهم وعندها ستصبح لديك أوراق أكثر أهمية للمناورة مع عدوك. وهكذا آمن كسبرالي بأنه ليس المهم أن يستقل مسلمو روسيا عن القيود الإمبريالية؛ فهذا مطلب يمكن إرجاؤه، وتحمل كسبرالي الشكوك التي أثيرت ضده بوصفه مهادنا للاستعمار وبوقا لموسكو بين المسلمين. كما اعتبره علماء الدين بمثابة "جاسوس خطر" لإتمام عمليات الترويس بين مسلمي روسيا. ولما كان تطوير الأوضاع الاقتصادية والثقافية لمسلمي روسيا يتوقف على رغبة ومبادرة الطرفين فقد وجه خطابه إلى الطرفين: المسلمين بضرورة تطوير التعليم وتجديد الفكر الديني، والروس بضرورة عدالة رعايتهم للشعوب الإسلامية في الإمبراطورية. وخاطب كسبرالي الروس في سلسة مقالات نشرت في صحف محلية (في القرم) وموسكوفية، كان عنوانها الكبير "الإسلام الروسي" وفحواها أن النهوض بمسلمي روسيا وإتاحة الفرصة لهم للتعلم والترقي والمساواة في الحقوق هو في صالح نهضة روسيا ذاتها. وكان يشاركه الرأي من أعراق أخرى مفكرون رأوا أن مصير الدولة الروسية إن استمرت في تجاهل شعوبها وإهمال نهضتهم التعليمية والاجتماعية لمصير مشئوم. وعلى المستوى الروسي كانت كتابات نيقولاى تشيرنوشيفسكي تصب في نفس الخانة، حيث الدعوة إلى اللاعنف والإيمان بدور التعليم والتثقيف في بناء مجتمع واعٍ له رسالة ودور حضاري. الترجمان آمن كسبرالي بدور الصحافة في تشكيل وعي الأمة فسعى إلى إصدار صحيفة تعرض لأفكاره الإصلاحية وأفكار زملائه من التتر المؤمنين بنفس التوجه. غير أن المشكلة الأولى هي أن إخوانه المسلمين لم يكونوا على وعي بالإصدار الصحفي الدوري رغم الجهود الكثيرة التي بذلت من قبل مثقفي قازان وطشقند وتبليس وباكو. وكان ضعف مستوى تعليم مسلمي روسيا نقطة هامة في توصيل الأفكار الأيديولوجية إليهم سواء كانت إسلامية أو معادية للإسلام. فقد لاحظ باحثون عديدون أن المشاريع الطموحة لعلمنة المجتمع الإسلامي في العهد الشيوعي قد باءت بالفشل خاصة في قطاع كبير من سكان الريف، والسبب هو ارتفاع نسبة الأمية التي حالت دون توصيل الأفكار الشيوعية بالشكل المطلوب، بينما بقيت الأفكار الدينية الفطرية أقرب لقلوبهم. وفي العهد الذي ظهر فيه مشروع كسبرالي كان قليل من المسلمين التتر يستطيع أن يجيبك بالفعل عن سؤال ما هي الصحيفة؟ غير أن كسبرالي عول على هذه الفئة المحدودة من المتعلمين وآمن بقدرتها على تقديم الصورة الواقعية للثقافة الروسية أمام المسلم، وتقديم الصورة الحقيقية للمسلم أمام القارئ الروسي. واختار للصحيفة مسمى "بيريفوتشيك" كعنوان للطبعة الروسية و"ترجمان" كعنوان للطبعة التركية وكلاهما يعني المترجم الذي سيأخذ على عاتقه "نقل الفكر" إلى الطرفين أو "تفسير" ما هو غامض لدى الطرفين، فتحصل ثقافة كل منهما على فرصة للتقارب من الآخر. وحينما سأل كسبرالي نفسه: من الذي أوصل الإسلام إلى روسيا؟ جاءته الإجابة التقليدية رسالة بن فضلان الذي أرسله الخليفة العباسي المقتدر في عام 991 هجرية. ولكنه تأمل فوجد أن ذلك ليس صحيحا تماما. فالفضل كان للتجار الذين سبقوا ابن فضلان بعشرات السنين حاملين السلع والبضائع من آسيا الوسطى وحاملين معها روح الإسلام. كما أن التجار هم أكثر الناس سعة في الأفق وقدرة على التواصل بأكثر من لسان وأكثر من طريقة تفكير. وهكذا رحل إسماعيل كسبرالي إلى المركز التجاري الأكبر في روسيا "نجنى نوفجورد" وهو المركز الذي يأتيه التجار من كل أطراف روسيا وجلهم من التتر المسلمين. هنا في نجنى نوفجورد يوجد من هو مطلوب لقراءة الصحيفة وفيها أفكار كسبرالي، هنا العقول المتفتحة، والمال الذي يمكن أن يدعم المشروع. ووافق 250 تاجرا منهم على دفع اشتراك عام مقدم. ومن نجنى نوفجورد إلى قازان يتوجه كسبرالي ليتم مراسم زواجه من زهرة هانم ابنة أحد الأثرياء التتر في قازان. وجاءت الموافقة أخيرا بالحصول على تصريح بالصحيفة بعد أن توسط له المؤرخ والمستشرق الروسي الشهير سميرنوف الذي كان مهتما بالثقافة الإسلامية ومؤمنا بإمكانية قيام حوار بينها وبين نظيرتها الروسية، وبمقالات كسبرالي التي انتقد فيها التعليم الديني التقليدي. وهكذا خرج العدد الأول من صحيفة "الترجمان" في 10 إبريل 1883. بعد يومين فقط من مرور مائة عام على ضم روسيا للقرم. ومضت السنوات الأولى للترجمان في حالة عدم استقرار مادي. غير أن زوجته -زهرة هانم- وقفت إلى جانبه مستندة على أموال أسرتها. وتفاوتت تقديرات النسخ المبيعة حتى عام 1905 بين 500 إلى 1500 نسخة لصحيفة مؤلفة من أربع صفحات مقسمة بين اللغتين التركية والروسية. ومن منتصف العقد الأول في القرن العشرين فاقت 2000 نسخة وصارت صحيفة يومية في 1912 حتى توقفها في 19 18 بعد وفاة مؤسسها بأربع سنوات. وكانت أبوابها الثابتة: مقال كسبرالي، أخبار البلاد الروسية، أخبار العالم الإسلامي، مقتطفات من الصحف (الروسية، والإسلامية)، تطوير التعليم الديني، تعليم الفتاة وإخراج المرأة من دائرة الظل، عروض الكتب، وإعلانات. وتناولت قضايا من مناطق شتى في العالم كالتقدم التقني في الولايات المتحدة، والحرب في البلقان، وتحديث اليابان، والاستعمار الأوروبي في آسيا وأفريقيا، وتنامي حركة تحرير المرأة في الغرب. وظل كسبرالي على مدى 20 عاما من إصدار الطبعة الأولى، محاذرا في أن تتسلل السياسة إلى أوراق صحيفته، ساعيا إلى تحييد السلطة الروسية حتى تتغير الظروف، وهو ما حدث بالفعل بدءا من عام 1905 وظهور الإصلاحات الروسية في روسيا. ومنذ إنشائها تناولت الصحيفة تطوير الإدارات الدينية، وأكدت عدم التعارض بين "النقل والعقل" والتمييز بين "البدع" و"الإبداع" البشري الحديث. غير أن الوقت كان مبكرا لكي يستطيع مسلمو روسيا -بالأحرى من تلقى تعليما منهم- أن يميزوا الخيط الرفيع في مشروع كسبرالي الذي يفصل بين تهمة العلمنة وفضيلة التجديد. تغيير المناهج في عام 1882 وحينما كان كسبرالي يُعِد مشروعه لإصدار الترجمان رأى أن المشكلة الأعمق في أن تجد علاجا للتعليم في مهده. وجد كسبرالي أن جل التعليم الأساسي في القرم وكثير من المناطق الإسلامية في روسيا هو الاعتماد على تدريس القرآن وعلومه دون غيرها من العلوم الدنيوية كالرياضيات والجغرافيا والعلوم والتاريخ. وكان طلاب المدارس يقرءون القرآن والحديث الشريف باللغة العربية دون أن يتعلموا كتابة هذه اللغة، وهو ما يضيع عليهم فرصة كبرى في معرفة نصوص أخرى غير القرآن والحديث، ويتأخر مستوى تحصيلهم. أنشأ كسبرالي مدرسة تجريبية في القرم أدخل فيها تعليم اللغة العربية جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن والحديث، وفي السنوات التالية أدخل الجغرافيا والتاريخ والحساب. ومع الاعتراض الأولي على هذه المدرسة إلا أن النتيجة جاءت سريعة بعد 3 سنوات من البدء، حيث تمكن طلاب مدرسة كسبرالي من التفوق على أقرانهم في المدارس التقليدية. وبالتدريج انتشرت الفكرة وتم إنشاء العديد من المدارس في أنحاء مختلفة من روسيا يقدرها الباحثون بـ 5 آلاف مدرسة. ومع تخفيف مساحة القرآن والحديث لصالح علوم دنيوية تلقى كسبرالي نقدا لاذعا من علماء الدين التقليدين الذين وصفوه بالمهرطق. ويعتبر تطوير التعليم أوضح مشاهد مشروع كسبرالي القومي، حيث كان يهدف إلى النهضة بالشعوب الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز والقرم. ورغم النظرة الشمولية التي سعى من خلالها كسبرالي إلى النهضة بمسلمي روسيا رغم اختلاف أعراقهم فإن بعضا من مثقفي القرم يحصرون دعوته على تتر القرم ومن هاجروا منهم إلى تركيا العثمانية بعد ضم روسيا لها في 1783، وهو ما يظلم مشروعه ويخنقه في حدود جغرافية ضيقة (لا يتعدى سكان القرم 200 ألف نسمة). ومن زاوية أخرى يعتبر البعض أن حركة كسبرالي قد تأخرت كثيرا فلو أن مشروعه ظهر على يد الجيل السابق له (1800 بدلا من 1880) لما كانت حدثت حركة الهجرة الجماعية لتتر القرم إلى تركيا العثمانية، ولما صار تتر القرم أقلية في وطنهم، ولحال ذلك دون عملية النفي التي حدثت لهم في الأربعينيات على يد ستالين لقلة عددهم. أكثر من وجه سيظل كسبرالي محل نقاش وجدل في هوية مشروعه. ففي الوقت الذي كان يرفض فيه التقليديون مشروعه قام الشيوعيون في السنوات الأولى لحكمهم روسيا بالتأكيد على استنارة المشروع واستناده على أيديولوجية "فوق قومية"، وبالتالي فالرجل بالنسبة لها شيوعي قبل قيام الشيوعية، ومن ثَم تم تحويل بيت كسبرالي في القرم إلى متحف شعبي وصُوّر الرجل في الكتابات الشيوعية لهذه الفترة بطلا قوميا. وقد أجج ذلك بالطبع من الهجوم على كسبرالي من قبل المدرسة التقليدية الإسلامية. غير أن الصورة سرعان ما تبدلت في الثلاثينيات (القرن العشرين) حينما قام جوزيف ستالين بحملته الشهيرة على الأديان والقوميات، ورأى فيها كسبرالي ساعيا إلى إذكاء الروح القومية والدينية بالتواطؤ مع النظام القيصري، أو بعبارة أخرى فلم يكن مشروع كسبرالي لدى ستالين إلا ابنا شرعيا "للبرجوازية الاستغلالية"! وكانت هذه التهمة كفيلة بتشويه صورته وغلق المتحف الذي كان في الأصل بيته. وهكذا دفن اسم كسبرالي منذ 1944 -النفي الكبير لتتر القرم وغيرهم من القوميات الإسلامية في القوقاز- وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991 ومنذ منتصف التسعينيات عاود أبناء القرم العودة إلى الحياة بعد زوال السلطة الشيوعية، غير أنهم انقسموا ثانية حيال تفسير شخصية كسبرالي هل هي إسلامية مجددة أم أتاتوركية قومية أم الاثنتان معا؟! الثابت أن الإصلاحات الفكرية التي شهدتها روسيا في نهاية القرن التاسع عشر سمحت للنخبة الإسلامية المثقفة من أمثال كسبرالي وأبي ناصر القورساوي (المتوفى في 1812) وشهاب الدين مرجاني (المتوفى في 1889) وحسين فايز خانوف (المتوفى 1866) وعبد القيوم الناصري (المتوفى سنة 1812) الذين دافعوا عن مرونة الإسلام وقدرته على التكيف مع التقدم الاقتصادي والتكنولوجي. وروج هؤلاء لفكرة إصلاحية رئيسية تقول إنه إلى جانب الدين الإسلامي واللغة التترية فإن تفاعل المسلمين التاريخي مع الروس يُعَد بمثابة عنصر مميز للمسلمين التتر. فالطرفان يشتركان في صفات عدة كالمواطنة ومعرفة كل منهم لطبيعة الآخر واهتماماته وعاداته وثقافته ومعتقداته. وبحث هؤلاء المستنيرون في المؤثرات الثقافية المتبادلة بين الشعبين في كل من الفن المعماري والملبس والطب الشعبي والقصص والحكايات التراثية والأساطير. ومن ثَم فقد ميزوا بوضوح بين كل من السياسات المعادية للإسلام والهادفة إلى ترويس القوميات الإسلامية وبين الاستفادة من مسلمي روسيا في بناء دولة قوية تعود عليهم بالنفع كجزء من ثنائية التعايش والحوار. رحل كمال الطويل في شهر يوليو من عام 2003, وبذلك رحل آخر ملحني الزمن الجميل الذي أرسل موسيقاه الشجية لـ (الثورة) والحب, واعتنق الأفكار التقدمية كوسيلة للخلاص. عندما رحل الموسيقار العظيم سيد درويش باكرا في الربع الأول من مطلع القرن العشرين ( 1923), كان قد حقق إنجازًا فنيًا عملاقًا في سنواته الست الأخيرة التي عاشها في القاهرة (1917-1923) هو إقامة قواعد مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية المتقنة المعاصرة, تأسيسا على النهضة الأولى للموسيقى العربية المعاصرة في القرن التاسع عشر, تجاوزا لها وتوسيعا لآفاقها في التعبير الفني, بما أفاد منه وانطلق منه بعد ذلك كل من عمل في حقل الموسيقى العربية في القرن العشرين, وهو ما كان يعبر عنه الموسيقار رياض السنباطي بشيء من المبالغة والتواضع بعبارة: (نحن لا نفعل سوى ترديد ما أنجزه سيد درويش). فإذا انطلقنا إلى تأريخ منجزات الموسيقى العربية المعاصرة بعد سيد درويش, في قطرها العربي المركزي (مصر) والأكثر تأثيرا في الوجدان العربي العام, فإننا سنلاحظ تعاقب ثلاثة أجيال: • الجيل الأول من الموسيقيين الكبار الذين وُلدوا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر, أو أوائل العقد الأول من القرن العشرين, وهو الجيل الذي تكوّن من محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطي, وقد انطلق الزخم الفني الكبير لهؤلاء بين العشرينيات والخمسينيات, وإن امتد زمن عطاء السنباطي وعبدالوهاب حتى الثمانينيات للأول والتسعينيات للثاني. • الجيل الثاني الذي ولد في العقد الثاني من القرن العشرين, ومن أبرز أعلامه محمد فوزي وفريد الأطرش وأحمد صدقي ومحمود الشريف وعبدالعظيم عبدالحق وعلي فراج وعزت الجاهلي وسواهم. • الجيل الثالث الذي ولد في العقد الثالث من القرن العشرين, ومن أبرز أعلامه كمال الطويل ومحمد الموجي وسيد مكاوي ومنير مراد وبليغ حمدي وعبدالعظيم محمد. وجدير بالذكر أن ظهور هذا الجيل في مصر قد تزامن في الولادة (العشرينيات) وفي انطلاق الإبداع الفني (الخمسينيات والستينيات بشكل بارز) مع الجيل الذي نهضت على أكتافه النهضة الموسيقية المشرقية التي انطلقت من بيروت, ومن أبرز أبناء هذا الجيل عاصي ومنصور رحباني, وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وسامي الصيداوي وعفيف رضوان. شجرة العائلة الفنية هذه هي إذن شجرة العائلة الفنية للفنان الكبير كمال الطويل, إنه واحد من فرسان الجيل المصري الثالث في النهضة الثانية للموسيقى العربية المعاصرة, التي انطلقت من مصر في أعقاب ثورة سيد درويش. وهو بذلك يكون آخر غصن من تلك الشجرة الذهبية, امتد به العمر حتى أوائل القرن الواحد والعشرين. ولد كمال الطويل لعائلة ميسورة كانت منتمية إلى قيادة وقواعد حزب الوفد, حزب الوطنية المصرية الأكثر شعبية في النصف الأول من القرن العشرين. ولكن شأنه شأن شباب هذا الحزب, اتجه في عقد الأربعينيات ومطلع الخمسينيات إلى يسار الحزب, تلبية لمشاعر ومفاهيم العدالة الاجتماعية التي كانت تعاندها وتعارضها طبقة كبار الملاك من قيادات حزب الوفد, لذلك كان بدهيا أن ينخرط كمال الطويل اجتماعيا وسياسيا, عند قيام ثورة الضباط الأحرار في العام 1952, وخاصة عند نضج الثورة على نيران معارك الجلاء وتأميم قناة السويس, في القاعدة الاجتماعية والثقافية لتلك الثورة. إذا استثنينا سيد مكاوي من أبناء هذا الجيل الثالث, الذي كان امتدادا طبيعيا لزكريا أحمد, فإن كل نجوم هذا الجيل وفرسانه, من كمال الطويل إلى محمد الموجي إلى منير مراد إلى بليغ حمدي, قد خرجوا من عباءة عبدالوهاب الفضفاضة, حتى ولو صدر تصريح عن كمال الطويل يركز فيه على تأثره بمحمد فوزي (من أبناء الجيل الثاني), ذلك أن محمد فوزي لم يفلت هو الآخر من الخروج من عباءة محمد عبدالوهاب, في الحداثة الموسيقية كما في الحداثة الغنائية. وإن كان هذا التصنيف لا يمنع التأثر المتبادل بين عبدالوهاب ومحمد القصبجي بشكل خاص, ثم تفاعل عبدالوهاب بالذات مع كل مجايليه (السنباطي وزكريا) وحتى كل تلاميذه بعد ذلك, بمن فيهم الطويل والموجي وبليغ, ولكن تلك قصة طويلة معقدة نتركها لمجال آخر. قدر لي في السنوات العشر الأخيرة من حياة كمال الطويل أن اقترب منه شخصيا, وأعقد معه صداقة فنية وثقافية وشخصية أعتز بها, أتاحت لي التأكد من كثير من الاستنتاجات العامة التي كنت قد خرجت بها من عشرتي الطويلة لأعماله الفنية من أولها حتى آخرها. من أهم تلك الاستنتاجات, ما كنت أعبر عنه في مقالات نقدية سابقة لأعمال كمال الطويل, شعوري بأن موسيقى كمال الطويل, وإن كانت عربية مصرية واضحة المعالم, فقد برز منها انتماؤه إلى الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط, وتأثره بالرياح الفنية القادمة من الشواطئ الشمالية لذلك البحر: إيطاليا واليونان وإسبانيا. عقدة من آلة العود ضحك كمال الطويل من قلبه عند سماع هذه الملاحظة, موافقا على مضمونها, وروى لي أنه كان في أيام شبابه الأول يحمل فكرة عامة سيئة عن آلة العود, إحدى الآلات الرئيسة في الموسيقى العربية, بل الآلة الأم التي يترجم الملحن العربي أفكاره عليها, في مقابل دور آلة البيانو بالنسبة للملحن الأوربي. وخلاصة هذه القصة أن سيدات أسرة الطويل, من أقارب الموسيقار, كن يستأجرن موسيقيا عجوزا لإحياء حفلات الطرب في منازلهن, وكان ذلك الموسيقي يحمل آلة عود, ويأتي للعزف والغناء في مقابل جنيهات معدودة, وغالبا ما يؤدي أغنيات قديمة من تراث القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. هذا المشهد - يقول كمال الطويل - ربط في ذهنه بين آلة العود والتخلف الموسيقي, أو ضيق الأفق الموسيقي. غير أن من يأخذ هذه القصة على علاتها (وقد عقدت في ذلك نقاشا مطوّلا مع كمال الطويل) يمكنه أن يستنتج خطأ أن كمال الطويل قد انطلق من تلك (العقدة) المبكرة من آلة العود, إلى التغرب الموسيقي والفني الكامل. غير أن كل أعماله بعد ذلك جاءت تكذب هذا الاستنتاج الشكلي, فكيف كان ذلك? عندما ترعرع كمال الطويل واكتمل وجدانه واكتملت ثقافته فيما بين العشرينيات والخمسينيات, كانت تيارات ثقافية وفكرية عدة تتجاذب المجتمع المصري الشديد الحيوية في تلك المرحلة التاريخية, في كل الأصعدة الثقافية والفنية والأدبية والسياسية والاجتماعية. وكانت هذه التيارات المتلاطمة تختلف بأطياف وظلال غنية, بعضها يذهب في التغرب إلى حدود التقليد الكامل للغرب, بل والانتماء الكامل للغرب أحيانا. وبعضها يذهب في حرصه على الهوية الوطنية والعربية والإسلامية, إلى حدود الإغلاق الكامل لكل النوافذ والأبواب, بينما يرى البعض الثالث أن الحضارة العربية, في عهودها الذهبية الغابرة, لم تكن لديها هذه المشكلة, لأنها كانت ذات شخصية عربية أصيلة وعميقة, وذات فهم شديد, في الوقت نفسه, لحسنات الاتصال بحضارات وثقافات الشعوب الأخرى, حتى كان عصر الخليفة العباسي المأمون, العصر الذهبي للثقافة العربية الأصيلة, من جهة, ولترجمة ثقافات الشعوب الأخرى, والتفاعل معها من جهة ثانية. فإذا عدنا إلى حقل الموسيقى بالذات, فإن عبدالوهاب قد حل تلك المعضلة حلا إبداعيا عمليا, فهضم كل تراث القرن التاسع عشر, وسيد درويش بعد ذلك والإنشاد الديني الإسلامي والمسيحي المشرقي, ثم انطلق يهضم الإنجازات الأوربية العظيمة في حقل الموسيقى, في القرون الثلاثة الأخيرة, فخرج بشخصية موسيقية وغنائية ضاربة بعمق شديد في جذور الهوية الحضارية العربية والإسلامية, ومشرئبة العنق بشدة نحو الآفاق الرحبة لثقافات وموسيقى الشعوب الأخرى, خاصة ما أنجزته أوربا من كلاسيكية موسيقية شامخة في القرون الأخيرة. وهذا بالضبط ما شد وجدان وآ ذان كمال الطويل وأبناء جيله إلى موسيقى وغناء عبدالوهاب, وتلاميذه من أبناء الجيل الثاني, فعقد صداقة متينة مع عبقري الكمان أنور منسي (العازف الرئيسي في فرقة عبدالوهاب, وأحد المترجمين الرئيسيين لأفكاره الموسيقية المتطورة), حتى روى لي كمال الطويل أن معرفته الشخصية الأولى بعبد الوهاب, كانت عندما اصطحبه أنور منسي لحضور تمارين الفرقة الموسيقية على لحن عبدالوهاب لليلى مراد (اتمختري واتمايلي يا خيل), أولى أغنيات الفيلم الخالد (غزل البنات), وكلها من ألحان عبدالوهاب. عشق للمقامات العربية ومع أن كمال الطويل لم يحسن العزف في حياته إلا على آلة البيانو, فإن ذلك لم يحمل أي تغريب لأعماله الموسيقية, بدليل أن لحنه الأول كان قصيدته الدينية العظيمة (إلهي ليس لي إلاك عونًا), شعر والده وغناء المطربة الناشئة يومذاك فايدة كامل. وبدليل أن كل أعماله الكبيرة بعد ذلك, بالذات لحنجرتي نجاة الصغيرة وعبدالحليم حافظ, كانت مشبعة بالمقامات العربية الأصيلة التي لا تعزف على آلة البيانو, كالبياتي والهزام والراست والصبا وسواها. وبدليل أن السيدة أم كلثوم قد استدعته للمشاركة في تلحين قصائد الفيلم الديني رابعة العدوية إلى جانب زميله محمد الموجي والعملاق رياض السنباطي. وبدهي أن ألحان تلك القصائد كان لابد من أن تكون خالصة (العروبة الموسيقية), وهكذا كان بالفعل لحن كمال الطويل الذي غنته أم كلثوم في رابعة العدوية (لغيرك ما مددت يدا), الذي انطلق فيه بتأثر واضح بقصائد رياض السنباطي, ثم برزت في المقاطع التالية شخصية كمال الطويل الموسيقية الخاصة. وقد كان التعامل الثاني والأخير لكمال الطويل مع أم كلثوم نشيد صلاح جاهين (والله زمان يا سلاحي), في أيام معركة تأميم قناة السويس, الذي تحول في عصر جمال عبدالناصر إلى نشيد وطني لمصر, وبقي كذلك حتى زيارة السادات للقدس المحتلة. لقد واصل كمال الطويل بإبداع كبير وبخصوصية واضحة المعالم, جهود التحديث الهائلة التي بدأها أسلافه الكبار (محمد عبدالوهاب, محمد القصبجي, محمد فوزي, بشكل خاص), ولعل أبرز معالم الإضافات التجديدية لكمال الطويل برزت في خطين فنيين كبيرين: • خط الألحان الرومانسية الشديدة العذوبة والحداثة التي غناها كل من عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة بشكل خاص, وإن كان قد لحن قليلا منها لفايزة أحمد وصباح ووردة وعفاف راضي وسواهن. • خط الألحان الوطنية الكبيرة التي أرّخ فيها عبدالحليم حافظ بصوته لعصر جمال عبدالناصر, بكل أحداثه الكبرى, على أشعار لصلاح جاهين وأحمد شفيق كامل. وقد تميزت هذه الألحان الوطنية بنَفَس شعبي فيه تأثر واضح بسيد درويش, مع طغيان الطابع الملحمي على بعض تلك الألحان الكبيرة مثل: المسئولية وبالأحضان ويا أهلا بالمعارك وصورة وسواها. وتتميز هذه الألحان بشخصية فنية عربية واضحة المعالم, وبنَفَس مصري شعبي صارخ, وبحداثة في وضع الأوركسترا الكبيرة في خدمة هذه التغييرات الفنية والمتنوعة, مما يجعلها نماذج تستحق الدراسة والتحليل من قبل الأجيال اللاحقة. وألحان شعبية لم يخل رصيد كمال الطويل مع ذلك, من أغنيات مصرية صارخة الشعبية مثل لحنيه الشهيرين لحنجرة محمد قنديل الممتازة (بين شطين ومية), و (يا رايحين الغورية), وأغنيته الرائعة لمحمد عبدالمطلب (الناس المغرمين), ومن ألحان دينية تستحق التنويه, مثل (قل ادع الله) الذي غنته شادية ثم نجاة الصغيرة, ومثل القصيدة - الموشح (يا ضنين الأمس) التي غناها كارم محمود ثم عبدالحليم حافظ. ظل كمال الطويل مع كل هذا التنوع الفني الشديد الثراء, شخصية إنسانية وفنية شديدة العذوبة والرقي, في تجسيد حي لصيغة عجيبة تجمع بين الأرستقراطية وروح ابن البلد المصري, وذلك في حياته الخاصة كما في نشاطه الفني. ولكن قبل ذلك وبعده, كان كمال الطويل فنانا عالي الإحساس بكرامته الفنية, حتى لا يتنبه الكثيرون إلى أنه قد قاطع حنجرة عبدالحليم حافظ قبل عشر سنوات من رحيل هذا الأخير, لأن عبدالحليم كان يصر على القيام بدور الملحن في إدارة الفرقة الموسيقية, وتوجيه التعليمات التفصيلية التي تترجم شخصية اللحن. وكان كمال الطويل يصر من جهته (وهو على حق في ذلك) أنه هو مبدع اللحن, وهو صاحب الحق في التوجيهات الأساسية للفرقة الموسيقية, وإذا كان لعبدالحليم حافظ من إضافات على ذلك, فعليه التفاهم أولا مع الملحن, وليس إلغاء دور الملحن, والاستئثار بإعطاء التوجيه للفرقة الموسيقية. الطويل والعزلة الفنية هذه المسألة المبدئية في تقنيات العمل الموسيقي, والمبدئية في الكرامة الفنية للمبدع الموسيقي, دفعت كمال الطويل ليس فقط إلى مقاطعة نجم شهير كان شريكا في إطلاق شهرته, بل دفعته إلى حالة تشبه الاعتزال, حتى أن إنتاجه الأساسي بقي محصورا في عقدي الخمسينيات والستينيات. أما بعد ذلك, فقد دخل في رحلة الإقلال الفني, فلم يخرجه عن صمته إلا صوت سعاد حسني, واللون الجديد الذي كانت تجيده, في الأغنيات السينمائية والتلفزيونية التعبيرية, فلحّن لها أغنيات ثلاثة أفلام (خلي بالك من زوزو, وأميرة حبي أنا, والمتوحشة) وأبدع في تلحين أغنيات تعبيرية عميقة للمسلسل التلفزيوني (هو وهي) غنتها سعاد حسني. وختم حياته الفنية بعد صمت طويل, بالتلحين لفيلم يوسف شاهين (المصير), ورفض التلحين لفيلمه الثاني (الآخر), لأنه بكل بساطة, لم يقتنع بالموضوع, كما قال لي. أما آخر إبداعات كمال الطويل فكانت قصيدة (درس خصوصي) للشاعرة الكويتية سعاد الصباح, غنتها نجاة الصغيرة. ويبدو هذا اللحن الذي صدر قبل سنوات ثلاث أو أربع من رحيله, كأنه قادم إلينا من خضم العصر الذهبي الأخير, الذي تفجّر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. كمال الطويل آخر غصن ذهب سقط من الشجرة الذهبية للموسيقى العربية المعاصرة, ويبدو أن عصر القحط الموسيقي سيلازمنا وقتا غير قصير, قبل أن تعود أرض الموسيقى العربية الجادة والغناء العربي الجاد, إلى خصبها التاريخي الذي طال فامتد من منتصف القرن التاسع عشر إلى ثلاثة أرباع القرن العشرين. هو صاحب الملحمة النبوية أو "مداح الرسول" كما كان يحب أن يُنادى، المطرب الذي سلك طريق العبادة والزهد وسخّر الفن ليكون طريق دعوة وحض على الفضيلة، وهو أيضًا الفنان صاحب القدرات المتعددة الذي تنوع بين الغناء البدوي والشعبي والديني وكذلك في التمثيل، وكان له شرف الريادة والسبق في كل ألوان الغناء التي اشتهر بها ثم تبعه المريدون!. إنه الفنان محمد مرسي عبد اللطيف أو "الكحلاوي" الذي يُعَدّ واحدًا من أشهر من مدحوا الرسول صلى الله عليه وسلم بين مطربي عصره. نشأ الكحلاوي نشأة دينية عربية في منيا القمح بالشرقية (شمال القاهرة) في أسرة عربية قح، وُلد في أكتوبر 1912، يتيمًا بعدما توفيت والدته أثناء ولادته ولحق بها أبوه وهو لا يزال طفلاً رضيعًا، وقد تناقلته الأسرة بينها إلى أن استقر به الأمر وعمره 3 سنوات في كنف خاله الفنان محمد مجاهد الكحلاوي الذي انتقل به إلى حي باب الشعرية الشعبي العريق الذي كان له أثر كبير في شخصيته. تربى الكحلاوي في أحضان خاله الذي كان معاصرًا للفنان صالح عبد الحي وكان ذا صيت في ذلك الوقت، وكان هو من الرعيل الأول للمطربين الشعبيين، وكان يطلق عليهم في ذلك الوقت الصهبجية وهم المغنون الذين يحيون الأفراح والليالي الملاح. وقد كان لملازمته لخاله -معلّمه- في حفلاته الأثر الكبير، حيث تشبع بالحياة الفنية منذ صغره وورث عنه الصوت الجميل والأداء المتميز وكذلك لقبه!. وقد ألحقه خاله بمدرسة فرنسية للراهبات درس بها خمس سنوات، وفي نفس الوقت كان يحفظ القرآن في جامع سيدي الشعراني، ولما لم تعجبه الدراسة بالمدرسة الفرنسية ألحقه خاله بالتعليم الديني الأزهري فأظهر تألقًا ساعده عليه حفظه للقرآن كاملاً حفظًا وتلاوة في السادسة من عمره، واستمر في التعليم الأزهري، لكنه لم يحصل على شهادة العالمية الأزهرية، وكان لدراسته الدينية أبلغ الأثر في إتقانه للغة العربية وتصحيح مخارج ألفاظه، واستيعابه للنصوص العربية والشعر العربي، ومكنه بعد ذلك من إلقاء الشعر والقصائد والمدائح النبوية. الصدفة قادته للنجومية وكان الفتى الكحلاوي يقضي وقته بين الغناء ولعب كرة القدم التي تميز فيها حتى أصبح في وقت لاحق كابتن فريق نادي السكة الحديد، كما كان يلازم نادي الزمالك ونادي الترسانة في كل سفرياتهم (من أكبر وأقدم أندية مصر). كما كان الكحلاوي مطرب الحي الذي يغني في حفلات السمر، وفي يوم الخميس كان يسير هو وأصدقاؤه من باب الشعرية إلى حديقة الأزبكية الشهيرة، حيث كانت تتواجد الفرق المسرحية والموسيقية العريقة مثل فرق الشيخ سلامة ومنيرة المهدية وعكاشة، وكانوا يختلسون النظر من خلف الكواليس وأحيانًا كانوا يشاركون في بعض الأعمال ككومبارس صامت، إلى أن لعبت الصدفة لعبتها عندما تأخر مطرب الفرقة زكي عكاشة في ذلك الوقت، فطلب منظم الحفلة من الكحلاوي وأصدقائه أن يقوم أحدهم بالغناء حتى لا يمل الجمهور، فأجمعوا كلهم على الكحلاوي، وكانت المرة الأولى التي واجه فيها الكحلاوى الجمهور فغنى له إحدى أغنيات خاله التي أفزع تجاوب الجمهور معها الكحلاوي فهرب من الحفل!. واختاره صاحب الفرقة -زكي عكاشة- للغناء، وعرض عليه أن يسافر مع الفرقة إلى بلاد الشام، وكان لا يزال طفلاً فسافر مع الفرقة دون علم خاله، وكان مقررًا لهذه الرحلة أن تستمر شهرين، لكنه لم يَعُد مع الفرقة إلى مصر واستمر لثماني سنوات في بلاد الشام، تنقل فيها بين بلادها ليتعلم الغناء العربي الأصيل ويتقن خلالها اللهجة البدوية وإيقاعاتها وغناء الموال والعتابة وطرح الجول. ثم عاد إلى مصر شابًّا يافعًا في العشرين من عمره، خرج من بيته بحوالي عشرين قرشًا وعاد ومعه حوالي 38 ألف جنيه وهي ثروة ضخمة وقتها. رائد الفيديو كليب وبمجرد عودته صوّر الكحلاوي إسكيتشًا بدويًّا هو (أفراح البادية)، وكان يعرض في استراحات السينمات وقتها؛ هذا بالإضافة إلى الغناء الحي في بعض السينمات، حيث كان يستعين بديكور بسيط مثل خلفية منظر البادية وديكور ملائم، وكانت سينما ريفولي تعلن عن إسكيتش الكحلاوي الذي كان كفيلاً بإنجاح الأعمال السينمائية التي تعرض معه. وكان للكحلاوي الريادة والسبق في تقديم هذا الشكل من التابلوهات الغنائية، وهو ما يطلق عليه الآن الفيديو كليب، وقد لقي هذا اللون في ذلك الوقت نجاحًا كبيرًا في أيام الثلاثينيات. وكان الكحلاوي يهتم بالكلمة فهي جسره للوصول للآخرين، فكان دائمًا ما يتدخل في كلمات أغانيه ويشارك صاحبها كتابتها، وكان يستهل معظم أغانيه بالغناء المنفرد، ثم تدخل الموسيقى بعد ذلك وهي الطريقة التي اتبعها معظم المغنين من أبناء جيله وحتى الآن. رائد الأغنية البدوية وقد اتجه الفنان الشاب إلى الغناء البدوي الذي تعلمه جيدًا أثناء سفره فكوّن في بداية حياته ثلاثية جميلة مع بيرم التونسي بالكتابة وزكريا أحمد بالتلحين وهو بالغناء، واستطاعوا أن يظهروا لونًا غنائيًّا لم يكن على الساحة الغنائية آنذاك هو الأغنية البدوية التي وجدت قبولاً واستحسانًا كبيرًا، وساعد على انتشارها وتخليدها أنها كانت بمثابة تابلوهات غنائية في الأفلام التي شارك فيها الكحلاوي والتي كانت كفيلة بإنجاحها، وقد قلده عدد كبير من الفنانين وعلى رأسهم فريد الأطرش، وهو ما جعله يبحث عن مجال آخر للريادة والتميز فكانت الأغنية الشعبية. وبدأ محمد الكحلاوي التمثيل نجمًا فكان أول أفلامه من إنتاج "أولاد لامة" وبطولة كوكا وسراج منير الذي تصدر أفيشاته رغم أنه لم يظهر سوى في مشاهد معدودة. وقد كوّن الكحلاوي ثاني شركة إنتاج في الوطن العربي وهى (شركة إنتاج أفلام القبيلة) أراد بها صناعة سينما بدوية فتخصصت في الأفلام العربية البدوية مثل "أحكام العرب" و"يوم في العالي" و"أسير العيون" و"بنت البادية"، وغيرها والتي شارك فيها بالتمثيل واعتبرت هذه الأفلام بداية لعملية تمصير الفيلم العربي والذي كان يعتمد من قبل على النصوص الأجنبية المترجمة، وقد قدم في هذه التجربة نحو 40 فيلمًا. الأغاني الشعبية بالنوتة الموسيقية كما كان لنشأة الكحلاوي في أحد الأحياء الشعبية العريقة أثر كبير عليه فبدأ لونًا غنائيًّا شعبيًّا، ولم تكن الأغنية الشعبية معروفة وقتها بشكلها الحالي فكان الفنان الشعبي يرتدي الجلباب ويحمل الربابة، ويتغنى في المقاهي والموالد والجلسات القروية يسرد السير والملاحم، أما الكحلاوي فغنى الأغاني الشعبية بنوتة موسيقية وبمصاحبة فرقة موسيقية كاملة لأول مرة في تاريخ الغناء الشعبي، كما جعل الأغنية الشعبية تنافس الأغنية العاطفية التي كان يؤديها كبار الفنانين في ذلك الوقت أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم، وسرعان ما تبعه عدد من المريدين وهم كارم محمود، ومحمد قنديل، وشفيق جلال، وسعاد محمد، وحورية حسن، ومحمد العزبي، وعبد العزيز محمود.. وغيرهم. الاعتكاف للأغاني الدينية وكانت مرحلته الأخيرة بالغناء الديني التي مثلت حوالي نصف إنتاجه الفني، فقد لحّن أكثر من 600 لحن ديني من مجمل إنتاجه الذي قارب 1200 لحن، ولم تكن الأغنية الدينية تعرف بمفهومها الحالي؛ إذ اقتصرت في ذلك الوقت على التواشيح الدينية، ولكنه وضع أسسها وأصبحت الأغنية الدينية تغنى بنوتة موسيقية وفرقة كاملة وقد تلون في غنائه بين الإنشاد والغناء والسير والملاحم والأوبريتات، فقد قدم "سيرة سيدنا محمد" صلى الله عليه وسلم و"سيرة السيد المسيح" و"قصة حياة سيدنا إبراهيم الخليل". ولمع الكحلاوى في الغناء الديني ولاقت أغانيه حفاوة عند جمهوره وأصبحت تذاع في كل المناسبات الدينية، ومن أشهر أغانيه (لاجل النبي). لم يكن الكحلاوي يغني غناء دينيًّا فحسب ولكنه عاشه وأحسه، ودخل بمرحلة الغناء الديني مرحلة الورع والزهد في ح ياته بعد أن ندم على الوقت الذي قضاه بعيدًا عن الله وبعيدًا عن حب رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فكان يعتكف في مسجده بالإمام الشافعي أسبوعًا أو ما يزيد يقرأ القرآن ويصوم، ثم يخرج بعدها متشبعًا بروح الإيمان وبلحن جديد أيضًا، فكان الفن بالنسبة له دعوة وطريقة أخرى من طرق الدعوة والحض على الفضيلة من خلال الكلمة المغناة. وقد رفض الكحلاوي رحمه الله التغني لأي مخلوق إلا لسيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يغنّ لملك ولا رئيس مثلما فعل كل المطربين. وتروى عنه واقعة رفضه الغناء للزعيم جمال عبد الناصر رغم طلبه شخصيًّا، وأنه قال: لن أمدح أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان حلمه الكبير هو إنشاء مسرح إسلامي، وتكوين فرقة للإنشاد الديني على مسرح البالون وهو الحلم الذي يعمل على تحقيقه ابنه الفنان أحمد الكحلاوي. الدعوة بالأغنية ولم يكن الكحلاوي يؤمن بفكرة الفن للفن، بل كان يرى أن الفن لا بد أن يساير الأحداث والمواقف الإنسانية؛ لذا فحين بدأت حرب 48 وهجرة اليهود وأحدقت المخاطر بفلسطين كان أول من نادى بالوحدة وأنشد العديد من الأغاني الوطنية باللهجة العربية البدوية، ومن هذه الأغاني "على المجد هيا يا رجال"، "وين يا عرب"، "خلي السيف يجول" و"كريم جواد" و"يا أمة الإسلام"، وغيرها... فنراه يشحذ الهمم قائلاً: يا أمة التوحيد من كل فج بعيد هبوا بعزم شديد ورجعوا اللي كان يا أمة العربان... وفي انتصارات أكتوبر 1973 غنى: على نورك قمنا وعدينا يا رسول الله من بدري كتايب حوالينا كبروا لله... وهنا نلاحظ أنه يستدعي روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى في أغانيه الوطنية. صوت العرب تفتتح وتغلق بألحانه وكما اقتحم الكحلاوي مجال الغناء والتمثيل وكرة القدم فلم يكن غريبًا أن يقتحم الإذاعة التي دخلها مع بدايتها في 1934، وكان اللحن الافتتاحي لإذاعة صوت العرب هو لحن محمد الكحلاوي وكذلك اللحن الختامي وهو لحن فيلم "أحكام العرب"، كما كانت تذاع أغنيته "يا أمة الإسلام يا أمة القرآن" على مدار اليوم، وكان المطرب الوحيد الذي خصصت له الإذاعة نصف ساعة يوميًّا. وكان هذا الفنان الشامل ودودًا معطاء محبًّا للخير يهتم بمن هم خلف الكواليس فاهتم بالموسيقيين وأولاهم اعتناء خاصًّا، فكان يحرص على مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم وهذا دعاهم إلى اختياره نقيبًا للموسيقيين في عام 1945، ولكنه تخلى بعد ذلك عن المنصب للموسيقار محمد عبد الوهاب، وقضى بذلك على المشاكل والصراعات بداخل النقابة في ذلك الوقت. ومما يذكر في هذا الصدد أن الكحلاوي كان رائدًا من رواد التلحين في عصره، فقد لحن لكل مطربي عصره، كما لحّن جميع ألحانه ما عدا لحنًا واحدًا لحنه له صديقه الشيخ زكريا أحمد، والطريف أنه أعاد تلحينه لنفسه مرة أخرى وهو لحن (خلي السيف يجول)! وقد حصل الكحلاوي على شيء من التكريم -الذي لا يتناسب مع إبداعه وإضافاته للفن- فقد حصل على جائزة التمثيل عن دوره في فيلم "الزلة الكبرى"، وجائزة الملك محمد الخامس، وحصل في عام 1967 على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ثم حصل على جائزة الدولة التقديرية، هذا بالإضافة إلى العديد من الأوسمة والنياشين، ويسعى ابنه الفنان أحمد الكحلاوي حاليًا لإنشاء متحف لأبيه يضم أوسمته وملابسه وصوره النادرة التي سيضمها المتحف الذي سيقام بجوار مسجده بمنطقة الإمام. حب التراث الإسلامي وراثة وكما تميز في عمله الفني فقد نجح أيضًا في الجانب الاجتماعي من حياته فاستطاع أن يزرع في أبنائه حب الإسلام والتراث الإسلامي العريق، فتميزوا في مجالات متنوعة ولكنها تشترك في صلتها بالإسلام وتراثه: فابنته الدكتورة عبلة داعية إسلامية وعميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، والدكتورة عليا أستاذة الحقوق والشريعة الإسلامية، والأستاذة عزة متخصصة في الديكور الإسلامي، والدكتور محمد الكحلاوي أستاذ في الآثار الإسلامية وأمين عام الأثريين العرب، والفنان أحمد الكحلاوى الذي ورث عن والده الصوت الجميل ورسالته الفنية فهو ملحن فرقة للإنشاد الديني. كراماته وتجلياته الصوفية وقد انتابت الكحلاوي روح صوفية جارفة وهو الذي أدى فريضة الحج 40 مرة متواصلة فلم يقطع الحج أربعين عامًا متواصلة، فكان يعتكف على جبل القصير على البحر الأحمر اعتقادًا منه أن سيدي أبي الحسن الشاذلي القطب الصوفي يقرأ معه القرآن، ثم يعود مرة أخرى لمقامه!! وكان يجاور سيدي الإمام الشافعي وسيدي عمر بن الفارض وسيدي عقبة بن نافع وغيرهم من أولياء الله الصالحين. كما كان له تجلياته النابعة عن إلهام صوفي ونزعة تغلبه في التقرب إلى الله تعالى وأوليائه الصالحين، فقد هجر عمارته المطلة على النيل في حي الزمالك الراقي وبنى مسجدًا يحمل اسمه وسط مدافن الإمام الشافعي وبنى فوقه استراحة وسكنها وبنى كذلك مدفنه فيه!. وبدأت خلواته في جامعه ثم امتدت معه في أوقات قضائه للعمرة التي أدى مناسكها عشرات المرات، فكان يقضي وقته عند قبر سيدنا حمزة وكذلك في خلوة عند جبل أحد وكان يتخذ مكانًا بالقرب من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يختلي فيه، وكان يتلمس خطى سيدنا محمد في الأماكن التي سار فيها عليه الصلاة والسلام بين مكة والمدينة. وفي آخر أيامه كان يقضي معظم وقته في الاستراحة التي تعلو الجامع عابدًا تاليًا لكتاب الله، كما كان ينفق ماله في سبيل الله فكان يقيم مائدة إفطار طوال شهر رمضان المعظم، هذا بالإضافة إلى تموين شهري لمعظم الأسر التي تسكن منطقة المدافن وكذلك معونات نقدية. وعندما توجهت إلى المنطقة التي يوجد بها الجامع اكتشفت أنه من العلامات المميزة لهذا المكان -العامر بالرغم من وجوده وسط المدافن- فالمنطقة مشهورة بجامع الكحلاوي القريب من محطة الأتوبيس -التي تحمل هي الأخرى اسم الكحلاوي- والجامع صغير الحجم بسيط الإنشاء ليس به تكلف في العمارة ولا في النقوش، وأبرز ما فيه آية الإخلاص التي كتبت بطريقة فنية جميلة، وفي مواجهة باب الجامع يوجد باب آخر يوصل إلى الاستراحة وعلى يمينه يستقر مدفنه في هذا المكان الذي ارتبط به في حياته. وعندما صعدت إلى سطحه وجدته قد امتلأ بالملابس بشكل يستدعي في الذاكرة مصانع الملابس، وبعدما تبينت الأمر اتضح أن هذه الملابس هي الكسوة المدرسية للأطفال وساكني القبور في منطقة الإمام، كما يضم المكان مدرسة لحفظة القرآن ومستوصفا طبيا وسبيلا. ظل مداح الرسول طول حياته ينفق ماله ابتغاء مرضات الله ويسعى وراء موالد الأولياء الصالحين ويتقرب من المشايخ، ويخرج في سبيل الله حتى توفاه الله في ‏الخامس من أكتوبر ‏1982، وهو في حياته لم يندم على شيء سوى الفترة التي قضاها في عدم طاعة الله وكان يطلق عليها "جاهلية محمد الكحلاوي"!!!. كان المشهد مأساويًا.. الشاب الإنجليزي ستيفن جورجيو ذو الثمانية والعشرين ربيعًا يسبح في البحر في صيف عام 1975، دوامة شديدة تظهر فجأة فيشعر بضعف شديد يجعله غير قادر على الاحتفاظ بتوازنه في الماء.. لا يجد أحدًا قريبًا منه يمكن أن يساعده.. ينادي بأعلى صوته لعل أحدًا ينقذه لكن من غير جدوى.. وحين أوشك على الغرق صرخ بأعلى صوته: يا رب.. وأخذ على نفسه العهد: "لئن أنقذتني فلسوف أعمل من أجلك شيئًا"! كان هذا الشاب هو "كات ستيفنز" الذي كان يلقب بملك موسيقى الروك آند رول في بريطانيا، وحين استجاب الله له ونجاه من ضره، كان أول ما حرص عليه أن يبر بوعده فلم يمكث كثيرًا حتى أعلن إسلامه وصار يوسف إسلام أشهر دعاة الإسلام في الغرب الآن! رحلة البحث عن اليقين ولد ستيفن جورجيو في 21 يوليو 1947 بلندن في بيت مسيحي متعدد المذاهب، فقد كان أبوه يونانيًا أرثوذكسيًا، بينما والدته سويدية كاثوليكية، في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع البريطاني طبقًا لتعاليم الكنيسة الإنجيليكانية، أدخلته أمه مدرسة دينية تعلم فيها أن الإنسان يمكن أن يصير إلهًا إذا أتقن عمله، فشجعه هذا على إجادة الغناء؛ إذ إنه سجل 8 شرائط قبل أن يبلغ العشرين من عمره، ووصلت إحدى أغنياته ضمن أفضل 10 أغنيات في بريطانيا آنذاك، فغيّر اسمه إلى كات ستيفنز، وهو الاسم الذي ذاعت به شهرته وأصبح يحلق في آفاق أوروبا كلها أثناء موجة "الهيبز" في ستينيات القرن الماضي ولم يكن قد تعدى الثانية والعشرين من عمره بعد! وعندما أتم عامه الثاني والعشرين أصيب كات ستيفنز بمرض السل الذي أقعده في الفراش معزولاً عن الناس في أحد المستشفيات لمدة عام تقريبًا عكف فيه على القراءة في كتب الفلسفة والتصوف الشرقي وتمنى لو أنه يعرف الطريق إلى اليقين الروحي؛ إذ كان يشعر بأن حياته بها شيء غير مكتمل على الرغم من النجاح الذي حققه، وفي النهاية قرر أن يعود إلى الغناء ولكن بمفاهيم جديدة تتسق مع ما قرأه في أثناء المرض. وبالفعل حققت أغنيتاه "الطريق لمعرفة الله"، و"ربما أموت الليلة" نجاحًا كبيرًا زاده حيرة، فطرق باب البوذية ظنًا منه أن السعادة هي أن تتنبأ بالغد لتتجنب شروره، فصار قدريًا وآمن بالنجوم وقراءة الطالع، ثم انتقل للشيوعية ظنًا منه أن السعادة هي تقسيم ثروات العالم على الجميع ولكنه شعر أنها لا تتفق مع الفطرة، فاتجه كات ستيفنز إلى تعاطي الخمور والمخدرات ليقطع هذه السلسلة الصعبة من التفكير بعد أن أدرك أنه ليست هناك عقيدة توصل إلى اليقين، وعاد إلى تعاليم الكنيسة التي أخبرته أن الله موجود ولكن يجب أن تصل له عبر وسيط، فأدى هذا به إلى أن يختار الموسيقى دينًا له يفرغ فيها أفكاره ومعتقداته. الطريق إلى الإسلام وتصادف حادث الغرق ومرض كات ستيفنز بالسل مع عودة أخيه من رحلة زار فيها القدس وأحضر فيها هدية له عبارة عن نسخة مترجمة من القرآن. ويحكي كات هذه اللحظة في مذكراته: "أمسكت بالمصحف فوجدته يبدأ باسم الله، فنظرت للغلاف فلم أجد اسم مؤلف، حاولت أن أبحث فيه عن ثغرة أو خطأ فلم أجد، إنما وجدته منسجمًا مع الوحدانية الخالصة؛ فعرفت الإسلام". وبعدها قرر كات ستيفنز السفر إلى فلسطين، ودخل المسجد الأقصى فأحس بالطمأنينة، وعندما رجع إلى لندن التقى بفتاة مسلمة صرح لها برغبته في إشهار إسلامه فأخذته إلى المركز الثقافي الإسلامي بلندن، وهناك نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه. وفي تلك اللحظة طوى الشاب الإنجليزي صفحة "كات ستيفنز" تمامًا وأصبح يعرف باسم "يوسف إسلام". الدعوة بالموسيقى الهادئة! وبدخوله الإسلام اعتزل يوسف إسلام الموسيقى الصاخبة ورأى أن يستغل موهبته التي أعطاه الله إياها في خدمة الدعوة إلى الله فقام بتسجيل عدد كبير من الأناشيد الدينية التي ألفها بالإنجليزية مع تطعيمها بكلمات وجمل عربية لإكسابها روحًا إسلامية عذبة، فبدأ منذ 1993 في تسجيل مجموعة من الألبومات وصلت حتى الآن إلى 10، وحرص في تلك الألبومات على إيصال قيمة ومفهوم الإسلام للمسلمين وغير المسلمين؛ إذ تضمنت هذه الشرائط أناشيد وأغنيات دينية ذات محتوى تثقيفي تعليمي. فقدم أول ألبوماته الإسلامية كمنشد بعنوان "حياة آخر الأنبياء" الذي روى فيه القصة الكاملة لحياة الرسول، كما تضمن أغنية "طلع البدر علينا"، وتلاه بالألبوم الثاني عام 1997. وبالإضافة إلى هذين الألبومين سجل يوسف إسلام عددًا من الأغنيات الإسلامية للأطفال من أشهرها "هذا من أجل الله" التي تحولت إلى نشيد رسمي في عدد كبير جدًّا من المدارس الإسلامية في بريطانيا، وقدم بعدها أغنيتين مع فريق الأناشيد الماليزي "ريحان"، وهما: "الله هو النور"، و"خاتم الرسل". وتعليقًا على هذه النوعية من الموسيقى والغناء شدد يوسف إسلام في اللقاءات التي أجريت معه على أن الإنشاد الديني وسيلة صالحة لمحاربة الموسيقى الفاسدة؛ فهو يرى أنه من غير الطبيعي أن يُمنع الناس من الترفيه والاستمتاع بأوقاتهم، كما أضاف في أحد اللقاءات الصحفية: "إذا كنا نرى السوء في بعض الأشياء فعلينا مهمة توفير البديل الحلال ليستمتعوا به؛ فأنا أحرص دائمًا على أن تكون أناشيدي الدينية على نفس المستوى الفني والتقني لألبوماتي السابقة حتى لا ينفر منها أحد". كما افتتح يوسف إسلام في سبتمبر 2002 مقرًا إقليميًا لشركة "جبل النور" للتسجيلات والإنتاج الإعلامي ذات التوجه الإسلامي في دبي، في خطوة استهدفت تعزيز نشاط الشركة في منطقتي الشرق الأوسط والأقصى، وتعمل "جبل النور" في مجال إنتاج المواد الإعلامية المسجلة على أسطوانات CD وDVD وأشرطة الفيديو، بجانب طبع الكتب والمؤلفات الخاصة بشرح ثقافة وقيم الإسلام. وقد ركز يوسف إسلام على إيصال صوته إلى الأطفال انطلاقًا من أن المجتمع الغربي مبتلى بحوادث عنف وقتل يقوم بها الأطفال، بسبب عدم ترسيخ روح الإيمان بالله في نفوسهم منذ الصغر، وهذا الأمر جعل يوسف إسلام يخصص شريطًا للأطفال يعرفهم فيه بالله، وسماه: (A is for ALLAH) وأرفق مع الشريط كتيبًا صغيرًا كتب فيه: "إن الطفل الغربي يتعلم منذ اليوم الأول: (A is for Apple) ولكنني أريده أن يتعلم منذ الحرف الأول: (A is for ALLAH)؛ الأمر الذي سينعكس عليه في المستقبل". البداية.. من المدرسة ورغم اهتمام يوسف إسلام بأمور المسلمين المختلفة فإن جل اهتمامه انصب على التعليم الذي رآه البداية الحقيقية لتكوين جيل مسلم في أوروبا، فبدأ اهتمامه بالتعليم الإسلامي عام 1983 عندما أصبح رئيس وقف المدارس الإسلامية ببريطانيا؛ فأسس المدرسة الابتدائية الإسلامية تحت اسم "إسلامية"، ثم المدرسة الثانوية الإسلامية للبنين والبنات في شمال لندن -وهما أول مدرستين إسلاميتين بريطانيتين- ثم طالب يوسف إسلام الحكومة البريطانية بتخصيص ميزانية للمدارس الإسلامية أسوة بالمبالغ التي تخصصها الحكومة للطوائف الدينية المسيحية واليهودية، ورغم أن الحكومة لم تستجب لطلبه آنذاك فإنه لم ييئس، بل استمر في حملته إلى أن وافقت حكومة بلير الحالية على تخصيص ميزانية لدعم المدارس الإسلامية ببريطانيا، وليس هذا فحسب بل نجحت حملته في دعوة الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا إلى زيارة إحدى المدارس الإسلامية بلندن والذي امتدح تلاميذها قائلا: "أنتم سفراء تقدمون المثل لأحد الأديان السماوية وهو دين الإسلام". ولم يقتصر العمل الدعوي ليوسف إسلام على الأناشيد والتعليم الإسلامي فيوسف يدير عددًا لا بأس به من المؤسسات الخيرية الإنسانية، من أهمها مؤسسة "العطف الصغير" التي تقدم خدماتها في مجال رعاية الأطفال وضحايا الحرب في منطقة البلقان، وهي مؤسسة معتمدة لدى الأمم المتحدة، حيث مثل يوسف شخصيًا المؤسسة في اجتماعات المؤتمر السنوي الخامس والخمسين للجمعيات غير الحكومية (NGOs) في سبتمبر الماضي (2 002) بنيويورك. كما يشرف يوسف إسلام على جمعية "عمار المساجد" الدينية بجانب تأسيسه لعدد من الحلقات الدراسية للمسلمين الجدد في بريطانيا. مدافع السياسة وقطار السلام! ولبغضه للحروب والدمار والقتل دخل يوسف إسلام معترك السياسة وأصبح داعية سلام عالميا؛ فنتيجة لنشاطه وثقل مركزه العالمي قبلت الحكومة العراقية وساطته أثناء اندلاع حرب الخليج الثانية 1991، وأفرجت عن 4 أسرى إنجليز، كما وافقت الحكومتان السعودية والكويتية على إقامة مخيمات سلام على حدودهما لفريق من دعاة السلام على رأسهم يوسف إسلام، وقام بالعديد من الزيارات إلى البوسنة، وعقد العديد من الحفلات الدينية في سراييفو، وألّف ألبومًا سياسيًا عن مأساة البوسنة أسماه بـ "ليس لدي مدافع هادرة" في 1997. ونال يوسف إسلام نصيبه من العنجهية الإسرائيلية عندما كان يزور القدس في عام 2000 لتصوير فيلم تليفزيوني عن الأماكن التي زارها في مقتبل حياته الإسلامية، حيث رفضت السلطات الصهيونية دخوله إلى القدس، بل واحتجزته في زنزانة صغيرة بلا ماء أو خدمات قبل أن يتم ترحيله إلى ألمانيا، وكان حجة الإسرائيليين أن يوسف يخصص جزءًا من عمله الخيري لصالح حركة حماس؛ الأمر الذي أنكره يوسف متساءلا: "هل تقديم الأموال ليتامى الفلسطينيين دعم لحماس؟!". وإزاء الحملة الشرسة التي تعرض لها الإسلام منذ هجمات 11 سبتمبر حرص يوسف إسلام على حضور الندوات الدينية في شتى أنحاء العالم، وأكد فيها على سماحة الدين الإسلامي وبراءته من التهم الموجهة إليه جزافًا. وعلى الرغم من مشروعية اهتمام يوسف إسلام بالسياسة فإنه كان يهتم بعدم إعلان ذلك حتى لا تتأثر المؤسسات الخيرية التي يديرها من وراء ذلك، أو أن يتم إيقافها بدعوى دعمها للإرهاب كما حدث مع مؤسسات أخرى عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي 6 مارس 2003 وقبيل الحرب الأمريكية على العراق أصدر يوسف إسلام توزيعًا جديدًا لأغنيته "قطار السلام" Peace Train التي استخدم فيها الدفوف والإيقاعات النحاسية وجاءت لتعلن موقفه الرافض للحرب على العراق، ويعلق عليها يوسف بقوله: "كتبت قطار السلام ضد الحرب لتصل رسالتها لقلوب الملايين، وتلبي حاجة كبرى للناس لكي يشعروا بأن ثمة أملا يتزايد؛ فأنا كإنسان وكمسلم أشعر أن هذا هو إسهامي في الدعوة للحل السلمي". يوسف إسلام متزوج ولديه 5 أولاد؛ حرص على تعليمهم تعليمًا إسلاميًا بجانب التعليم النظامي الإنجليزي، دخل أخوه الإسلام مبكرًا، أما أبوه فقد أسلم قبل وفاته بيومين!! لقد طفت في الأزقة طفلاً وكهلاً وأنا أتنصت إلى وعيد الحلاج وهو يساق إلى الصلب, وسمعت المتنبي وهو يتمتم بأبياته راسماً دوائر نارية ومشعلاً الحرائق في كل مكان, والقتلة يطاردونه من حلب إلى شعب بوان ومن الكوفة إلى القاهرة. أتذكره وهو يفضح أول دكتاتور من ورق, كافور (الشمس السوداء). وعندما بدأت بقراءة (خريف البطريرك) لجارثيا ماركيز كنت أتذكر المتنبي وكافور وأضحك.. ومازلت أضحك وأسافر وأنا في عقر داري, ومنذ كنت طفلاً بدأت هجرتي من حيث السندباد انتهى واكتشفت أن النص الحقيقي ليس هو النص الذي كتب بل هو النص الذي لم يكتب بعد. وعندما انتهي من كتابة قصيدة أحس أنها ليست القصيدة التي أنا بصددها فأبدأ من جديد. وهكذا مرت حياتي بين بدايات جديدة لا حصر لها, وظل النص الحقيقي الذي كنت أريد أن أكتبه لم يكتب بعد, وكل هذا الفضاء المسكون بالرحيل والحركة والصرخات والكلمات والأحزان هو الذي منحني القدرة على أن أجدد نفسي, أن أكون الحاضر والمستقبل. لقد تداخل الزمن بالزمن والوجه بالوجه والمرآة بالمرآة.. فلو لم أكن أنا لكنت أنا. وكان شأني وأنا أكتب الشعر لا كشأن ذلك الذي يكنز المعرفة, وكنت كلما انتهيت من كتابة قصيدة أشعر بأني سحابة أمطرت كل ما عندها وظلت تنتظر موسماً آخر لكي تستعيد عافيتها فتمطر من جديد, وقد أحسست بمحنة كبيرة عندما نشرت ديوان (أباريق مهشمة) فقد كنت أتجول بين الوهاد والوديان والقمم لكي أبدأ رحلتي من جديد, وكنت أحس أنني لم أستعد توازني بعد هذا الديوان إلا بعد كتابة ديوان (النار والكلمات) الذي كان خاتمة لمرحلة ثانية من حياتي الشعرية, وقد تخلصت فيها مما ترسب في داخلي إلى الأبد, وكان علي أن أبدأ من جديد. وذات يوم وأنا أتجول في أزقة روايات نجيب محفوظ وبالقرب من مسجد (سيدنا الحسين) أضاءت ذاكرتي بعض صور الطفولة التي كنت أعتقد أنها قد اختفت إلى الأبد, وكان رمز الحلاج والمعري وولدي علي وسواهم قد تداخلت وشكلت ثالوثاً في ذاكرتي, وقبل أن أعود إلى البيت كان الحلاج أو قصيدته تولد في ذهني, وقد شعرت أن ذاكرتي, التي ازدحمت بغبار السنوات كانت تعج بصور ورموز كثيرة كان يطمس بعضها الآخر وكان علي أن أضع الإشارات والعلامات في الذاكرة لكي لا أعيد أو أستعيد ما كتبته.. كنت أقيس المسافة بالكلمات كما كان يفعل ت. س. إليوت عندما كان يقيس الزمن بملاعق الشاي, هكذا كانت حياتي كلها محواً وكتابة وكان مثلي مثل من يقوم بالفتح الروحي لمدينة أو قصيدة وكان عندما يصل إليها يرى أنها ليست هي المدينة أو القصيدة التي يريد كتابتها, وكان يتملكني الحنين أحياناً لكي أعود إلى المدينة أو القصيدة ولكن عندما كنت أعود إليها أرى أنها قد احترقت وتحولت إلى رماد, وكنت كمن يسير في متاهة ذات مائة باب وكان عليه أن يجتاز المائة باب ليخرج من المتاهة ولكنه كان يكتشف أن المتاهة ليس لها منفذ.. لقد كتب على الشاعر أن يعيش في متاهته ذات المائة باب دون نهاية سعيدة, وربما تكون القصيدة وطن الشاعر ولكن عن أي قصيدة أتحدث. الأولى, الثانية, العشرين, المائة.. أم القصيدة التي لم تكتب بعد..? لهذا أرى أن الشاعر يعيش بلا وطن, أي أن قصيدته أو وطنه الحقيقي لم يحج إليه بعد ولهذا فإنني لم أهاجر طلباً للمتعة أو للسياحة كما يعتقد البعض لقد كنت أواجه الشاشة البيضاء في كل المدن التي زرتها وكنت أتردد على المقاهي ومحطات القطارات والطائرات لكي أنتظر الذي يأتي ولا يأتي, ولكنني بقيت أمارس هذا الفعل الإنساني بإصرار لأنني أعتقد أنه سيأتي ذات يوم لكنني لن أراه, هكذا هو قدر الشاعر ومن هنا جاءت مأساة المتنبي (على قلق كأن الريح تحتي) فالذي قال هذا البيت هو المتنبي الحقيقي الشاعر والإنسان وليس الذي وقف على أبواب الحكام والأمراء فالذي وقف هناك هو حذاء المتنبي لأنه كان يترك حذاءه دائماً هناك ويرحل مع الريح. لقد شعرت بخيبات أمل كثيرة, وكنت أرى أن البؤس الإنساني أو الليل في كل مكان وإن اختلفت أقنعة هذا الليل, وكنت أحس أن العالم يقع في ثنائية خطيرة على حساب الفقراء والمستضعفين وإن ثورات الفقراء يسرقها السياسيون المحترفون, لقد كنت في حوار داخلي وكنت أبحث عن الحقيقة, وكما يقولون فقد كنت أبحث عن المنقذ من الضلال ليس بالنسبة لضلالي فضلال الشاعر مفيد له, لأنه يضعه في أرض خرافية, لا يتاح لكل الناس الوقوف فيها, وقد أثبتت أحداث نهاية القرن العشرين ما كنت أحس به وأتحدث إلى أصدقائي (في سنوات بعيدة) حيث كان البعض منهم يصاب بالدهشة عندما كنت أقول ما أقول وأؤكد هنا أن التمرد قد ولد في داخلي مع صرختي الأولى وأنا في يد القابلة..? أرعبني النور الذي صدم عيني لأول مرة وأنا أخرج من جوف ظلام العصور الطويلة, حيث مشاهد البؤس (بؤس الطبيعة والإنسان والحيوان), بؤس التاريخ الذي سحقته مطارق الغزاة. من جهة أخرى استطيع القول إن تجربتي الثقافية والروحية أدت بي إلى عدم تعصبي لأي اتجاه شعري وعدم التوقف عند أية مدرسة من مدارس الشعر. وقد التقيت مع أبطال الأساطير والتاريخ, الأحياء منهم والأموات, في مفترق طرقات العالم المختلفة. وقد تقبلتهم كلهم, الصوفي والعاشق والمحارب والثائر والمفكر, تقبلتهم بشكل وجودي, باحثاً عن لباب الثقافة الحية في تجربتهم. ولعل السبب في ذلك أنني أنا نفسي أعيش شعري وثقافتي بشكل وجودي, أي دون شروط ولا مقدمات. فمن الناحية الأيديولوجية, أنا تقدمي دون شرط أن أكون ماركسياً, ومسلم عربي دون شرط أن أكون سلفياً. الأيديولوجيا لا تفرض علي شروطها وكذلك الفقهاء. في رأيي أن الفنان مع حركة الإبداع التاريخي والفني ومع كل ما يصب في حركة الإبداع هذه, فهو لا يقف بين قوسي ضد أو مع اللذين يشيع استعمالهما في الحياة الثقافية العربية ـ أحمر/ أخضر, أسود/ أبيض, تصنيفات لا تهمني المستقبل سيطرح شروطاً إنسانية جديدة. كما أنه يمكن الاستفادة بالمعرفة الإنسانية والاستعانة بخبرات الشعوب دون الوقوع في القيود والأغلال لهذه المعرفة أو تلك , أي يمكن الاستفادة من إنجازات الفكر الإنساني دون التحجر في الثوابت التي وصل إليها. أقفاص أيديولوجية العرب كأمة مطالبون بالإبداع في سياق الإبداع الإنساني الحضاري دون أن يكونوا تابعين ولا مستهلكين ودون أن يحبسوا أنفسهم في أقفاص النظريات والأيديولوجيات التي تؤدي دورها وتنسحب من المسرح لتحل أخرى محلها أي أن هناك عملية ثورة في الثورة, كما أن هناك عملية إبداع في الإبداع ضمن كل الاجتهادات الإنسانية. وفي هذا الصدد أرى أن التراث يسعف إسعافا كبيراً في تمثيل الحداثة, فالتقارب بين الشعر الصوفي والسريالي جعل الشعر يكمل بعضه بعضاً. ما كان ينقص المتصوفة المسلمين ـ الشعراء بخاصة ـ هو الرؤيا السريالية للعالم. ولهذا تجد في شعرهم صراعاً بين الخضوع للموروث التقليدي والخروج عليه في كثير من الصور والمعاني أما من حيث العطاء فالطريف أن الحركتين متعاكستان, إذ إن كشوفات السريالية النظرية أكبر من إبداعاتها الشعرية. لقد قادتني التجربة إلى التشخيص في الشعر, عملية السفر خلال الكلمات هي التي قادتني إلى كل التقنيات الفنية دون وضعها في الحسبان منذ البداية. في لحظة ما تم التطابق بيني وبين الحلاج في شكل خطير جداً, فلم أجد بداً من كتابة القصيدة بهذا الشكل. إن النقلات من مدرسة إلى مدرسة ومن مذهب إلى آخر تعود إلى خصوبة حياتي وأسفاري. ثقافتي متنوعة وموسوعية ولا تقتصر على الأدب والشعر فحسب, أيضاً لدي خواص ذاتية, فأنا لا أعيش الشعر أثناء كتابة القصيدة فقط بل أعيشه خلال حياتي اليومية فهي مليئة بالتأمل والتفكير, ليس لدي حياة اجتماعية تشغلني عن وظيفة الشاعر. عندي شعور بالحرية هائل لا مثيل له, ثمة تطابق بين عالمي الجواني والبراني دون اختلاف ولا تناقص. أعبر عن آرائي وأفكاري بحرية كاملة ولا أجد أية عوائق تعوقني, لا يوجد شرطي صغير في رأسي على الإطلاق. أبتعد عن كل ما يؤثر على حياتي كشاعر, أحاول حماية مملكة الشاعر وحراستها بدقة بعيداً عن أعين الفضوليين والطفيليين, كما أن هناك تطابقاً بين سلوكي الاجتماعي في الحياة اليومية وبين سلوكي كشاعر يطرح رؤيا. أما عن المنفي, تلك المفردة التي أهينت كثيرا هذه الأيام فأود القول بأنني كنت قد كتبت في قصيدة لي عنوانها (مدارات شرقية على لسان نهر الخابور: "إن المنفى أصبح وطناً", وقلت في قصيدة نشرت في ديوان (مملكة السنبلة), (العالم منفي في داخل منفي والناس رهائن) كان ذلك شعوري منذ أن وعيت هذه الدنيا, ذلك لأن الشرط الإنساني لم يتحقق, وكذلك الأمر بالنسبة للعدالة والديمقراطية, وهكذا أرى شعوب الأرض كلها منفية داخل أوطانها, وهؤلاء المنفيون في أوطانهم يضمهم منفى آخر هو هذا الكون, ومن ثم فإن السفر داخل المنفى الصغير أو الكبير يعتبر نوعاً من الترف والنزهة ليس في حدائق الآلهة, بل في صحاري التعاسة. لقد أطبق السياسيون المحترفون, والقتلة والطغاة والغزاة على العالم منذ فجر الإنسانية الأولى, ولا يزالون يمارسون لعبتهم, ونحن نعيش تحت وصايتهم, وبنادقهم, ورحمتهم ـ أحياناً ـ المشكوك فيها, ولقد قال الإمام علي: إن أشد أنواع النفي هو أن تكون منفياً في عقر دارك, أو وطنك وأنت فقير. وكان ذلك أول سهم أشار إلى النفي في أدبنا العربي, بالرغم من منفى طرفة بن العبدالذي سبقه, وهو منفى القبيلة أو الطائفة. إن وحدانية الإنسان في هذا العالم, وتركه معرضاً للشقاء الأبدي دون أن يختار اسمه, أو لونه, أو جنسيته, ذلك هو ألف باء النفي, فما بالك بياء النفي؟! لقد رأيت الصورة الكلية للشقاء الإنساني بعد أن كنت لا أرى إلا الجزء الصغير من هذا الشقاء, كما أنني نعمت ببعض السعادة الهاربة, وببعض الحب والفهم, وكنت أعود ويدي مبللة بالمطر أو بحفنة ثلج, أو بزهرة قطفتها من أحد جبال العالم, أو بصورة إمرأة أحببتها, أو قصيدة كتبتها.. السفر أو الغربة أو المنفى عمق إحساسي بشقاء البشر وعذاباتهم وطموحاتهم, وسعادتهم المسروقة كما أنني اكتشفت جوهرة الأمل الإنساني مهما سحق وهزم وحطم فإنه يعود أقوى مما كان, وعليه فإنني لست مع رأي الشاعر العربي القديم الذي شبه الإنسان بالزجاج الذي يكسر ولا يعاد سبكه, فالإنسان ـ وهو يتقدم نحو حتفه ـ يضيف إلى عملية التجدد طاقة إنسانية جديدة, ويتحول إلى سماد إنساني في بستان المستقبل. لقد أحسست بالنفي قبل النفي نفسه, أي أنني أحسست بأنني منفي منذ طفولتي, سواء في القرية أم في المدينة واكتشفت أن العالم ما هو إلا منفى داخل منفى آخر, ولهذا عندما وجدت نفسي أمام النفي الحقيقي شعرت كأنما كنت أصعد درجاً معروفاً لي من قبل, أو كأنما كنت أنتقل من أرض إلى أخرى في الذاكرة, كنت أحمل المنفى في داخلي, فعندما يولد الإنسان ويعيش في ظروف استلاب اجتماعي وثقافي وسياسي.. إلخ يحس كأنه طائر أو كأنه سحاب في الظاهر, لأن هذين الكائنين يحصل كل منهما على حريته بالرحيل, ولعلي بسبب ذلك أحسست بأني أكثر حرية عندما جربت النفي في البداية, ولكني بعد ذلك وجدت نفسي محاطاً بصعوبات متراكبة وتزايدت أغلالي ولكن مع بعض اختلاف, ذلك أن مشاكل البلد الذي كنت منفياً فيه لم تكن مشاكلي, وهذا الإحساس أعطى بالطبع بعداً جديداً لتجربتي الإنسانية والشعرية. أدب سحري وهنا أيضاً أود القول إن النفي الأرضي الذي عانيت منه حدث على النحو التالي: منذ طفولتي كنت أنتسب إلى أسرة متدينة, وقد أدى هذا إلى حدوث تناقض قوي بين المثالي والواقعي, بعد ذلك أحسست بتأثير الذاكرة الجماعية وبهذا وصلت إلى الإحساس بالبعد الخامس بوحدة الزمن, الماضي والحاضر والمستقبل, ومن ثم وجدتني أواجه الواقع بواقعية تعرف في أدب أمريكا اللاتينية باسم (الواقعية السحرية) ولولا هذا الإحساس لكان قد قضى علي بالموت في المنفى, وأنا أعتقد أن أحد أسباب ظهور هذا الاتجاه في أدب أمريكا اللاتينية هو أنه يمنح الفنانين والقراء أيضاً سلاحاً خاصاً حتى يتحملوا الحياة, وحتى يواجهوها بشجاعة وبثقة وإحباط في آن واحد بأسلحة مثالية وواقعية في وقت واحد, بالواقع وبالحلم, بالصورة وبالظل, وبذلك يكون الإحساس بالنفي الميتافيزيقي قد تكامل مع النفي الواقعي, أي أنهما لم يكونا منفصلين. يقول كارل ماركس: إذا كانت المادية هي نصف الفلسفة فإن المثالية هي نصفها الآخر, وهكذا صارت لي شخصية مهجنة, وبالتالي أكثر واقعية وعمقاً. وهذا منحنى القوة المطلوبة, كنت أضع نفسي في الخطر ولكن بوعي, دون أن أساوم الواقع, وكنت أقبل الهزيمة وانتصار القدر, ولكني كنت أظل محتفظاً بكرامتي, وأكره الانتصار السهل, وقد عثرت على جدلية الوسائل والغايات وهذا هو ما ينقص بعض السياسيين لأنهم يريدون أن يصلوا إلى الغاية, أما الفنان فتهمه أيضاً الوسائل وبهذا فإن تجربة النفي علمتني الكثير, وبهذا أيضاً دخلت عوالم أناس قليلي العدد هم الخارجون على آلية النظام الحياتي, أريد أن أقول: كنت أحس كأني قطرة من المطر ولكني كنت داخلاً في العاصفة وفيما بعد العاصفة. أما عائشة التي طالما شغلت مساحة واسعة من ذاكرتي, بل ومن ذاكرة الآخر فهي تطل في كل تجربة شعرية جديدة بمعنى جديد ضمن سلسلة متصلة من التحولات التي تمزج بين الواقعي والأسطوري فعائشة ليس لها قبر معين, لأنها لو كانت قد ماتت لكان لها قبر فهي ميتة وحية, حاضرة وغائبة, أو أنها لم تولد بعد, لأنها لا تزال كلمة مقدسة.. أو بعبارة أخرى في البدء كانت الكلمة.. في حياة كل إنسان مناطق ومساحات ممنوع الاقتراب منها, إذ إن الشاعر يحتفظ بها فيها بعيداً عن أعين الفضوليين والمتسائلين لأنها سر من أسراره. كما أنه يحتفظ بمفتاح هذه المناطق المحببة لكي يورثها لمن بعده قبل موته بقليل, فهناك وصايا وأسرار كثيرة لا يبوح بها, لأنها سر من أسرار قوته. أحياناً يلمح ويشير, إذا اقتضى مقتضى الحال, وبصورة أدق فإن الشاعر ليس فيلسوفاً مهمته الوصول إلى النواة الكهربية التي تمنح هذا الكون قوته, فهو الشاعر يستخدم هذه القوة أو النواة الكهربية من دون أن يبوح بسرها, مثله مثل الساحر الذي يخرج الكلمات أكمامه من دون أن يقول لنا كيف, ولماذا. ولكننا أحياناً, ونحن نراقب حركاته نكتشف بعض أسرار سحره. هناك تفسير جانبي قدمته مثلاً ذات مرة عندما سألني مستمع السؤال نفسه فقلت له: إنك لو قرأت قصيدة (بستان عائشة) لاكتشفت مثلاً أن بستان عائشة يقع بين (مدائن صالح) وأعالي الفرات حتى نهر الخابور, واكتشفت أن هذه الأرض التي تسمى بالهلال الخصيب هي وطن عائشة, وهي المنطقة التي كانت حاضنة للاختمار الروحي للعرب قبل ظهور الإسلام, وأن العرب في اندفاعهم لأعالي الفرات قد حجوا إلى الخابور ليكتشفوا بستان عائشة الذي كان أيضاً مدينة مسحورة كان عرب الشمال هؤلاء يحجون إلى هذا النهر أو إلى هذه المدينة المسحورة كل عام في فصل الربيع فيقدمون الأضاحي والقرابين ـ للنهر ـ لكي تفتح لهم أبواب المدينة المسحورة دون جدوى, وكانوا يدورون, ويدورون بحثاً عن بواباتها, وينتظرون دون جدوى, فيعودون إلى حلب ليبكوا وينتظروا ألف عام لكي يحجوا إلى مدينتهم المسحورة. هذه هي ملامح سحر مكان عائشة ووطنها, أما ملامح الأنوثة التي تقترب من ملامح الأنثى التي نصفها صبية ونصفها امرأة لأنها في منتصف ربيعها, فقد مر ذكر كثير لملامحها الأرضية, كما هي في الواقع, أي صورة واقعية لها تقترب من صورتها الواقعية وتبتعد عنها في هالات النور المنبعثة من أزمنة مختلفة, لأن وجهها في المرآة ليس وجها واحداً, فالموت وحده هو الذي يعطي الوجه حقيقته في المرآة. مدن الصدفة أما بالنسبة للشعر فلست أريد أن أضع تعريفاً له ولست أهدف إلى تحديد مكان له في العالم ولا من عصرنا وإنما الشيء الذي أريده هو تحديد مكانه من نفسي فحينما بدأت أعالج الكلمة محاولاً بها أن أعبر عن انفعالي بالعالم لم يكن الشعر هو أول ما حاولته من أشكال الكتابة ولكن شيئاً ما كان يلح في طلب التعبير عنه, شيئا كان يجول في نفسي, كنت قادماً من الريف حيث عشت فيه وعدت إليه حتى عام 1947 وهو عام دخولي دار المعلمين العليا وكانت الصدمة الأولى حين اكتشفت حقيقة المدينة, كانت مدينة مزيفة قامت بالصدفة وفرضت علينا وكما كانت المدينة شبيهة بالمهرج. كان جيلنا المتسول الذي استعار ثياب وأزياء من كل عصر حتى فقد شخصيته وصوته الحقيقي. في هذه الفترة وقبلها بقليل كنت كمن يبحث عن الشكل الملائم للتعبير عن نفسه واكتشفت أن التعبير الشعري أقرب إليّ من أي شكل آخر ولم يكن غير الشعر قادراً على إشباع رغبتي في التعبير بالكلمة وإني وإن كنت لا أؤمن بإمكان ولادة الشاعر وفي يده القيثارة, وإنما يمكن أن يولد في قلب ذلك الإنسان الذي لا يتم التوافق بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي. إن التناقض الذي يمكن أن يقوم حينئذ يولد عدداً من الأحاسيس غير المصنوعة وغير القابلة للتغير. وفي اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان تناقضه مع العالم الخارجي يبدأ في التمرد عليه. ومثلما يبحث النهر الدفين عن المكان المناسب الذي يمكن أن ينبع منه يبدأ الشاعر الموعود في محاولة اكتشاف نفسه. إن المهم هنا إنما هو نقطة البداية. إن البدء في محاولة فهم العالم ومحاولة تفسيره ودفعه إلى خارج نطاق النصائح والتعاليم والتربية, ومحاولة التمرد عليها ومناقشتها وخلق نوع من الحوار الصامت حولها, كل هذا يلعب دوراً في صنع عالم الشاعر القادم. ثم بدأ تعاملي مع الكتب والقراءة كمسافر في قطار لا يعرف المدينة التي سيهبط فيها. لقد كان التاريخ هو النوع الذي أحبه من القراءة, ولم أقرأه كركام من الوقائع أو الأحداث, وإنما كتجربة إنسانية واسعة ومتعددة الجنبات, وكتجسيد لقضايا الإنسان التي طرحت على كل المجتمعات الإنسانية الماضية, كذلك كانت الآثار واللقى التي ذابت صورها في نفسي, البقية الباقية على سطح الكوكب من كل هذه التجارب التي خاضها الإنسان واختفى كما تختفي أشباح الليل. حينما كنت أقف أمام كوب قديم أو قطعة عملة أثرية أو تصوير باهت الألوان, كان يجتاحني إحساس من انعدام الصلة بالعالم الخارجي, وأروح أفتش عن هذه الآثار في نفسي, ماذا بقي فيها لدي?. كل هذه الأشياء القديمة تركها أصحابها ومضوا كانت هي الصورة الحية لعمق الزمن, والشيء الوحيد الباقي من حياة الناس الذين عاشوا في زمن ما. إن الفن وحده عصارة تجربة الإنسان هو ما يتركه الناس بعد حياتهم, لقد كان البحث عن الشكل الشعري الذي لم أجده في شعرنا القديم, وكان التمرد الميتافيزيقي على الواقع, دون وضع بديل له, والأشواق التي لا حصر لها, والتطلع إلى عالم تسقط فيه كل الأسوار بعيداً عن الشعارات التي استهلكت, كان هذا البحث هو ما أدى إلى اكتشاف الواقع المزري الذي تعيشه الجماهير وإلى اكتشاف بؤسها المفزع. وهنا كان لابد من ضمور الباعث الميتافيزيقي في نفسي ونمو الواقع الاجتماعي والسياسي, وكان هذا النمو انعكاساً وتفاعلاً مع ما حدث في المجتمع العربي ذاته من تحول إلى الثورة الإيجابية نفسها, كنت أشعر في ذلك الوقت بأنني أكتب مدافعاً عن الحرية والعدالة للجماهير البائسة لا لنفسي كنت أفهم الالتزام على أن الفنان مطالب في أعماق أعماقه أن يحترق مع الآخرين عندما يراهم يحترقون, أما الوقوف على الضفة الأخرى والاستغراق في الصلاة الكهنوتية فليس هذا من صفات الفنان الحقيقي في أي عصر من العصور. قبل 27 عاما, وكان عمري 21 عاما, واقفٌ في ساحة (العرضات) أتفرّس في وجه العقيد, آمر تجنيد الكوفة, الذي منحني الرقم 495545 ج م (جندي مكلف), ببدلة خاكية, وبسطال ثقيل كالح, لأجد نفسي بعد سنوات, مرميا على جبل ديركله, وبعد سنوات أكثر حلكة على سواتر الفاو, وبعد سنوات مرّة منكمشا في موضع ترقّّصه القذائف على ايقاعاتها المجنونة ذات اليمين وذات الخبب, وبعد سنوات مترملة ملتصقا إلى شاشة التلفريون, في الجنوب السويدي, أتتبع مسار القاذفات, وفي ذاكرتي تتراكض كل تلك السنوات النائحة: (ويحك يا ننار, لقد هوت مقدسات أور, وذبح البرابرة شعبك. لقد تشرد القوم, وأصبحت أور خرابا - من (مرثية أور) 2000 ق.م) أجمع تلك السنوات الثلاث عشرة التي قضيتها تحت صفيح الثكنات والخنادق, وتلك السنوات العشر من شتات المنافي والتشرد وأطرحها مما تبقى لي من أيام, فلا أرى أمامي في المرآة سوى: (شيخ يتأبّطُ عكّازَ قصائدهِ.. متجها نحو البحرِ/ يتمرأى في صفحتِهِ الزرقاءْ/ فيرى في أعماقِ الموجِ/ ولدا في العشرين/ يتطلّعُ مبهورا/ في وجهِ المرآة.../ لا يدري الآنْ/ أيّهما كانْ..!?) كأن قدري أن أعيش ثلاث حروب, دفعة واحدة, لتلاحقني الرابعة إلى منفاي البعيد.. أرفع رأسي إلى السقف متسائلا لأرى قطرتين تنهمران على خدي المتجعد كأنهما دمعتان من السماء.. (إن هذه الأرض, وتلك السماء, مزقتا قلبي بضيقهما. فلا تفضح أمرنا أيها السراج - جلال الدين الرومي) أحاول الآن أن أوقف الذاكرة على مشهد أو قصيدة, فتتداخل الصور والأحداث, الدم والمطر, النساء والشظايا, النصوص والأصدقاء, الشعر والإسطبل, الصحافة والمنفى. فلا أدري من أين أبدأ? كأن قدري أن أعيش حياتي المتعثرة سلسلة مفارقات. وما الشعر إلاّ مفارقتها الأبهى والأصعب.. ذلك أنه هو الحياة في أقصى دهشتها وفنيتها ومفارقاتها, وهو لا يتمكن من ذلك إلا إذا استحال إلى نبض حيٍّ للإنسان, يعبر عن توقه وهواجسه وعذاباته وأحلامه السرية, متصاعدا بها إلى مصافِ الحس الإنساني - الإبداعي.. فالشاعر - كما أراه - جوّاب الآفاق ومدون الألم ومستشرف الأمل وملتقط المفارقات, في مروره العابر والمجلجل على رصيف الحياة.. ففي تلك المعاناة والتجارب الحية, وفي مفارقات (الواقع) يكمن جوهر (الشعر) وسحره الحقيقي وتحديه ولذته وعذابه, وكل هذا يحتاج إلى مهارة غير عادية لصهره وتمثله في اللغة, حيث يصبح للتماهي بين الواقعي والغرائبي هذا السحر الأخّاذ الذي يشدّك إلى الاستكشاف والمعرفة والتغيير, وهنا تتجلى قوة الشعر وبهاؤه.. ولا يتأتى هذا من القراءة فقط, رغم أهميتها الكبيرة, بل بالانغمار والانغماس في الحياة وتجربتها الباهرة.. كأن من يتعذب كثيرا يتعلم كثيرا كما يذهب ايزوب, أو كأن ما يعذب حياتك يُعذب كذلك أسلوبك في الكتابة كما يرى فلوبير أيضا.. أتوقف قليلا عند بعض محطات سيرتي, فأراني: طالبا تحمله جموع الطلبة إلى باب متوسطة الكوفة, احتفالا بفوزه بالجائزة الأولى في مسابقة الشعر لثانويات كربلاء والنجف والكوفة.. لكنهم بعد أن يخرجوا من الباب سيتركونه لوحده وينسلون إلى بيوتهم.. طالبا مفصولا من المعهد بسبب قصيدة تحتج على إدارة النادي رأوا فيها شبه تحريض على الدولة.. جنديا يتنقل بين المعسكرات والسواتر البعيدة. ويعيش لعامين في اسطبل مهجور للحيوانات.. جنديا يعمل محررا صحفيا في جريدة القادسية ومجلة حراس الوطن.. شاعرا تلاحقه جريدتا (بابل) و(الزوراء) وتضعه على قائمة المرتدين.. شاعرا تلاحقه بعض النصال والاشاعات والشتائم.. شاعرا يتسكع في أصقاع السويد, متأبطا منفاه ونشيده الملتاع وسخريته المرّة.. صديقي البغل سأترك كل هذا الآن, وأحدثكم عن أغرب ما مرّ بي, سأحدثكم عن تلك المفارقة التي قلبت حياتي رأسا على عقب, سأحدثكم عن ذلك البغل المرقم..... (اللعنة!! ما أجحدني! وقد نسيت رقمه في زحمة تنقلاتي!).... إنه صديقي العظيم والطيب والباسل حقا.. لا تستغربوا أو تضحكوا, أرجوكم.. ذات يوم من نهارات الحرب الهادئة نسبيا, ألقى فوجنا الثالث أحماله, قريبا من سفوح جبل (ديركله), شمال العراق.. أغراني السفح المتماوج بينابيعه ونرجسه أن أحمل أوراقي تحت وطءِ قصيدة بدأت تدغدغ روحي المتربة بعد شهور من اليباس والشظايا. وجدتُ قدميّ تتحركان باتجاه السفح وتتوغلان بي بعيدا. وعلى مبعدة أمتار من أحراش عالية تحيط بنبع مترقرق سمعتُ أصوات الجنود والعريف تحذرني وتدعوني أن أعود فالأرض ما زالت بكرا بألغامها التي لم يجرِ مسحها أو انتزاعها بعد.. واصلت السير, غير ملتفتٍ لشيء سوى تموجات الماء بين الحصى والعشب.. بعد دقائق سمعتُ ورائي أصوات ركضٍ قوية, التفتُ لأجد ذلك البغل المسكين, فارا مثلي من اسطبله باتجاه النبع.. تجاوزني ثم تخطاني بقدميه المتراكضتين.. وما هي إلا لحظات حتى سمعتُ دويا مرعبا, وأراه فجأة وقد تحول أمامي إلى نافورة من دم ولحم وغبار, تصاعدت إلى علوٍ.. ووجدتني أسقط من هول الرعب والانفجار متدحرجا مع الصخور, وبعض من النثار يغطي أحجار السفح وملابسي, وعلى مبعدة من المكان انفتحت أشداق الجنود وعيونهم برعب في انتظار انجلاء سحب الغبار ليعلموا من منا الذي أنفجر فيه اللغم.. أنا? أم البغل? (أن تكون شاعرا في عالم كهذا, يعني أن تحاكي شكله المتفجر في الحروب - شيماس هيني).. هذه المفارقة المهولة وغيرها, ما زالت - للآن - تخلخل حواسي وكياني كله, وتفرش نصوصي بأمطارها الحامضة.. وتذكرني أن حياتنا هي مجرد صدفة في صدفة, أو بعض مفارقة, أو هي (ظل يمشي) - كما وصفها شكسبير -.. كان عبث الموت يتداخل بعبث الحياة, والأرض بحيادها الشاسع تسخر منا بمرارة, وهي تبتلع المزيد من أشلاء قتلانا وقتلاهم في تلك الحروب المجانية, باذخة السخف والموت, والساخرة أيضا من جشع جنرالاتنا وجنرالاتهم وهم يدفعوننا بقلب بارد إلى الرصاص والنار كأحطاب يابسة, ليزداد وقودها من أجل غنيمة أو وسام مجد زائل أو نزوة أو مصلحة غلفوها بالشعارات الوطنية والقومية والدينية, لتقف الأمهات طوابير في انتظار عودتنا: جنائز أو معوقين أو ناجين.. لقد سُميت حرب الخليج الأولى - الحرب العراقية الايرانية - وقتها - بالحرب المنسية, وقد سكت أو انشغل عنها الجميع وبقينا وحدنا هناك - نحن الجنود, أحطابها المهيأة للوقود - نلوب على السواتر البعيدة طيلة تلك السنوات الثماني (1980- 1989). أمامنا الموت والرصاص, وتحتنا رفات من سبقونا, وخلفنا لجان الإعدام, وفوقنا سماء من دخان وشظايا لا ندري عما ستنجلي.. لم نر صحفيا أو محطة تنقل خرابنا الحقيقي. أطراف سياسية كثيرة, دولية وعربية, وقادة ومفكرون ومثقفون وشعراء وفنانون كانوا يأتون للبلد ولم يكن يهتم بنا أحد, وقد غضوا طرفهم عما يجري هناك, بدوافع شتى: قومية واقتصادية ومذهبية وشعاراتية.. والخ, وكنا نموت ونتعفن وندفن بصمت.. كانت مواسير البنادق في بلدي أكثر من مواسير المياه الصالحة للشرب.. وكان ثمة لونان سائدان في الشوارع هما: الأسود والخاكي.. وكانت أيام الحرب هي الأيام العادية وأيام السلم هي الاستثناء.. وكانت صور ولافتات الشهداء تنصب في زقاق أو محلة ثم لتطوى وتنصب غيرها, في مكان آخر, على مدار الأعوام الثمانية.. وقبل أن يتيبس التراب على رفات من سقطوا في الجبهات أو ينمو العشب على ذكراهم, وقبل أن يكتمل قدوم أسرانا من ايران, قام دكتاتورنا المتهور بغزو الكويت, لتندلع حرب الخليج الثانية, ثم ليلفنا حصار طويل ومرير على مدى ثلاثة عشر عاما (المدينة المحاصرة تشبه الإنسان في أيامه الأخيرة - أراغون).... ثم لتندلع الحرب الثالثة, ويسقط الصنم من تمثاله في ساحة الفردوس ليرى العالم حشدا من المقابر الجماعية, تفتح أشداقها على امتداد الوطن, صورا لجماجم وأكوام عظام وثياب ممزقة في أكياس يحملها آباء واجمون وأمهات شاحبات مخمشات الخدود.. وإذا كان الشاعر رامبو يرى أنه (يجب خلخلة الحواس. بعد هذا تستطيع أن ترى ما لا يرى), فقد صبغت تلك الخلخلة الجنائزية مفردات حياتنا ونصوصنا, وأرتنا عوالم لم يكن لنا تخيلها أبدا حتى في أسفل طبقات جحيم دانتي أو رسالة الغفران للمعري أو روايات الحرب التي قرأناها هناك من (إلياذة) هوميروس, حتى (الحرب والسلم) لتولستوي, مرورا بـ(الساعة الخامسة والعشرون) لكونستانتا جيورجيو, و(كل شيء هاديء في الميدان الغربي) لأريك ماريا ريمارك, و(صمت البحر) لـ(فيركور).. والخ.. كان دافع القراءة والكتابة بالنسبة لي يشبه دافع الحياة أو دافع الحب أو دافع الشهيق والزفير, إنه - بكل بساطة - طبيعي ومعقد في آن, وكان لابد منه تحت أي ظرف كان.. ديواني الأول في بداية الحرب, أو بدايات النشر, سأنسل من المعسكر في شاحنة طويلة كانت متجهة إلى بغداد, مندسا بين أكياس الرمل وصناديق العتاد, حاملا مخطوطة ديواني الأول (انتظريني تحت نصب الحرية).. كنت شاردا أتغرغر بحلم عشريني مسكر أنني إذا ما متُّ في أي لحظة, أو شظية, فإن ديواني هذا سيعيش بين أيدي القراء وتحت وسائد القارئات الجميلات, مستذكرا حسرة السياب الأزلية: (ديواني شعري ملؤه غزل بين العذارى بات ينتقل) وصلت إلى شارع الجمهورية حيث دار الشئون الثقافية العامة وفيها كانت الموظفة البدينة بعينيها العسليتين تتأمل مخطوطتي وسحنتي الشاحبة ثم تنحدر إلى بسطالي المغطى بالطين, وهي تحاول جاهدة إخفاء ابتسامة إشفاق أو سخرية,.. لا أدري? تركتُ مخطوطة ديواني على طاولتها المكتظة وعدتُ أدراجي, لتقودني قدماي إلى شارع المتنبي وسوق السراي حيث الكتب والعابرون ورائحة الورق تثير شهيتي, منحدرا باتجاه مقهى البرلمان حيث صخب الأدباء ونقاشاتهم المتواصلة والمتعالية رغم بيانات الحرب وزعيق الأناشيد وطقطقات الدومينو, ووجدتني بين الخجل والتردد أدون أول نصٍّ لي هناك بلغة مباشرة واضحة وربما جارحة ......... وذات يوم وأنا متمدد علي يطغى الزنخ في ذلك الاسطبل (الذي صار عالمي وسجني) جاء أحد الجنود هارعا وهو يمسك بجريدة متسخة وجدها في حاوية الأوساخ: أهذا أنت يا رجل? نظرت إلى الجريدة, كانت صورتي وسط مقالة طويلة كتبها الناقد المعروف عبد الجبار داوود البصري عن مجموعتي تلك (انتظريني تحت نصب الحرية).. ياه.. طرت من الفرح, ثم اصطدمت بسقف الصفيح الوطيء. كانت هي أول مقالة أقرأها في حياتي عن أول ديوان لي... لكن أين أنا الآن?... ودون أن أدري اتكأت على كوة الاسطبل وانهمرت ببكاء مرٍّ.. السير في حقل الألغام كيف تسنى لي أن أخرج من تلك الأوحال والأسلاك والحروب, بحلمٍ غير معطوب, وقلم غير مسلوب, إلى آخر تلاوين السجع, وما يحمله من إيقاع كأنه الأنين, وقد عشت المشهد برمته, فاتحا عيني على اتساعهما, لأرى كل شيء آخذا باستشراف الرائي الأول كلكامش, أبي الأول (الذي رأى كل شيء.. وخبر البلاد), وبهوس ابن المقفع الذي كان يرى أن رؤية الأسد (تُجرّؤكَ) عليه, قبل أن ينتبه الرقيب العربي الأول إلى سحر التورية وفعلها الجريء في خطاب (كليلة ودمنة), فيلقي به في تنور مسجور.. آخذا باندفاعة المتنبي وشطحات النفري وعربدة أبي نواس وخشبة دعبل.. باشراقات رامبو, بزيتون لوركا, بعبث سافو, بسونيتات شكسبير, بعشب والت وايتمن, بتموجات سان جون بيرس, بتلويحات كافافي.. منساقا, عنوة, للسير في حقول الألغام, تلك التي تعلمتُ منها الكثير في الحياة والكتابة على وجه الخصوص رغم ما خسرته من مكابدات وليالٍ ممضة تقلبتها على جمرات الأرق والقلق.. واليوم أجدني استرجع تلك المسالك المهولة التي أخذت الكثير من أصدقائي: من اعتزل, أو اغتيل, أو تشرّد, أو سقط.. سائرا مع القلة الذين واصلوا بالشظف والمكابدة ذلك الطريق الأبهى, ماسكين بالجمرة أو الشعلة إلى النهاية, كأنني أتنهد تلك المقولة: (آهٍ, من قلة الزاد, وبعد السفر, ووحشة الطريق). ثم أستدير إلى قبر علي الرماحي وأغص بدمعي وأقول له: كيف اختصرت المسافة بين القصيدة والشهادة بهذه العجالة.. وظل دمك لوحده بيننا يكتب ويضيء.. أستدير إلى قبر حميد الزيدي, وضرغام هاشم, وعبد الصاحب البرقعاوي, ومحمد عباس الدراجي, وعزيز السيد جاسم, ومحمد حسن الطريحي, وحاكم محمد حسين, حسن مطلك.. وقائمة الذبح والأنين تطول.. وأراني, في تلك الأيام المنقبضة هناك, وحيدا ومنكمشا (في العراءِ المسجّى على وجههِ), أقلّب مرتجفا, (بريد القنابل), وأعجب كيف (خرجتُ من الحرب سهوا) .............. كيف تسنى لي أنا أبن الكوفة الغافية بظمئها الطويل على ضفاف الفرات أن أخرج من مخاوفي وأصرخ - ذات يوم من عام 1993 على مسرح الرشيد في بغداد - على لسان عبود, بطل مسرحيتي (الذي ظل في هذيانه يقظا): (شققني عطشي في بلاد المياه).. ثم أنسلُّ بين الجمهور المحتشد تاركا زفراتي الأخيرة: (وداعا بلاد المجاعات والنفط) قبل أن أغادر القاعة أو الوطن بشهور قليلة. كأني أستعيد حكاية عود الفارابي الذي أضحك الملك وحاشيته وأبكاهم ثم أنامهم جميعا وانسل من البلاط.. هل يملك الشعر هذه القدرة الساحرة, على تنويم رقيبه أيضا? ................. في بواكيري الأولى عام 1976 سأذوق لوعة الفصل من الدراسة بسبب قصيدة كتبتها وتناقلها الطلاب, ويموت أبي - المعلول بالسل والديون والطيبة - على سريره في مستشفى الكوفة, متأثرا بالحادثة.. لأذوق بعدها مرارة التشرد والخوف والحرمان.. وفي عام 1979 سأذوق مرارة الفقد, بعد إعدام صديقي المدهش علي الرماحي بسبب قصائده التي تناقلتها ألسنة المنابر والناس.. هذه الصور, وغيرها, المحفورة بالألم والخوف حملتها معي لسنوات طويلة في دوامات الرعب.. كانت تتقافز أمامي, ومعها روحي اللائبة لأقل هزة وأقل (طرقة ليل). وما أكثرها في وطني.. (أقلّ قرعة بابٍ أخفي قصائدي - مرتبكا - في الأدراج لكن كثيرا ما يكون القرع صدى لدورياتِ الشرطةِ التي تدورُ في شوارعِ رأسي ورغم هذا فأنا أعرفُ بالتأكيد انهم سيقرعون البابَ ذات يوم وستمتدُ أصابعهم المدربةُ كالكلابِ البوليسيةِ إلى جواريرِ قلبي لينتزعوا أوراقي و..... حياتي ثم يرحلون بهدوء) وقد انطبعت تلك الأيام والصور المريرة في ذاكرتي, لأتعلم منها أول الدروس وأقساها: أن للكلمة مفعولها السحري, لكن لها أثمانها الباهظة.. ولأرى أمامي ثلاث طرق أو أربعا.. (وأيا كنت يا طرقي فكوني نجاة أو أذاة أو هلاكا): - أن أهرب من بلادي (ولأنني لم أكن أملك وسيلة أو سندا, ألغيتها من قاموس رأسي) - أن أسكت للأبد.. - أن أقامر برأسي.. - أن أستعين بفن الخطاب المستتر.. ووجدتُ في هذا الأخير إغراء في المغامرة والتحدي والإبداع معا.. خاصة وأن مقص الرقيب الحديدي لم يكمن يترك لنا أقل فسحة لنطل برءوسنا الضاجة خارج ما هو مسموح به.. كانت الكتابة فيه تحتاج إلى مهارة وبراعة كبيرتين.. وكان الأسلوب التأويلي الذي تعتمده, مجترحا من طبيعة الواقع والفن, شكلا ومضمونا, يأخذ من اللغة بهاءها الآسر وسطوعها, ومن اشكاليات الواقع حذره وشكله وشكه وتمويهاته, (كما تكون الحياة كذلك يكون المبنى - كوليردج) ووجدته أكثر استيعابا لقلقي وعصري, ووجدتني أكثر قدرة على تطويعه لتحميله ما أريد.. هذا التمويه الفني لجأ إليه بعض شعراء الداخل, كان عاملا مهما لتجاوز الخطوط الحمراء الكثيرة والواقع البوليسي الذي كان يخيم على كل شيء في الوطن, ليس في مجال الشعر فحسب بل في مختلف الفنون والآداب وشئون الحياة الأخرى, فكنا نجد فيه متنفسا تعبيريا وفنيا وحياتيا.. لكنه من جانب آخر, جر علينا ما جر من وشايات المخبرين والأدباء الفاشلين - في الداخل - (كنا نعرف الرقيب ونتحايل عليه, ولكن الجديد في الكتابة اليوم أننا لم نعد نعرف من يراقب من, وما المقاييس الجديدة في الكتابة - أحلام مستغانمي), و - في المنفى - أخذ منه بعض المزايدين, على عذاباتنا, سطحه الظاهر ونسوا أعماقه التي تمور بالغضب والوجع والاحتجاج.. (اتركونا أحرارا عندما يتعلق الأمر بالكتابة - ميشيل فوكو).. وبين أُولئك وهؤلاء, (رقباء الداخل) و(تجار الخارج), كنا عصيين عليهم, خارجين على تفسيراتهم وتقسيماتهم الأدبية الأيديولوجية, مستوحدين في القصيدة, ملتصقين بوجع الناس وهموم الوطن.. (الفاشيون والشعراء المخصيون يقفون.. على طرفي حبلٍ, معقودٍ في عنقي و يشدونْ) لكن يمكن القول إن هناك العديد من الأدباء والفنانين الصادقين والمبدعين كانوا لنا سندا بهيا ومتينا ساعدونا ع لى تخطي تلك الأيام الممضة, ووجدنا في المنفى مثلهم الكثير, تعذبوا وتشردوا لأنهم كانوا مبدعين وصادقين مع فنهم وأنفسهم وقد وجدنا فيهم المرفأ والواحة.. جيل المنفى والانتظار أنا من جيل شعري في العراق سمي (جيل الثمانينيات) أو (جيل الحرب), أو (جيل الظل), جيل نشأ في بداية الكارثة, وكبر وشاخ فيها, عشنا الخراب والدم والقمع والحصار والغربة, منفيين في الوطن أو شهداء على لائحة الانتظار. وفي خضم ذلك الواقع البائس واليائس, كنت أرى في النص الحر الجميل المبدع, جسرا ضوئيا إلى الإنسان والحرية والحب.. بل وفعلا ثوريا وجماليا أكثر مما يفعله بعض السياسيين والأحزاب والتجمعات.. ومن جانبٍ آخر كنت أرى فيه الرد الحقيقي على الفاشيين والظلاميين أو المزايدين والموهومين أو السماسرة.. (غاية الأدب هي أن لا يطلق الغبار بل الوعي. - وول سوينكا), منتبها أيضا لمقولة لوكاش: (قد تخطئ حركات وأحزاب ولكن على المثقف أن يرفع صوته عاليا بوجه هذا الخطأ).. لقد عمل جنرالات الحروب وتجار السياسة والعقائد على تغييب الوعي ومن ثم غيبوا الإنسان ثم غيبوا الوطن.. وهذا الغياب المقصود هو الذي أطال في عمر الدكتاتورية وأتمنى أن لا يتكرر هذا الغياب ليطيل من عمر خرابنا واحتلالنا وشتاتنا.. لقد آن الأوان لنا جميعا للمراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر - لا من سلطة الرقابة على النصوص وحدها بل - من كل سلطة تعوق مسيرة الإنسان في وطننا وعالمنا.. آن الأوان لإشاعة مفاهيم الحرية والوعي والاختلاف وتفعيل النقاش وتنشيط الأسئلة القلقة حول كل ما مر ويمر بنا, وكل ما يحيطنا.. حول مشكلاتنا التاريخية والمعاصرة, حول موروثنا وحداثتنا وإبداعنا.. إن الإبداع الحر هو الأكثر تعبيرا والتزاما بالإنسان من مفاهيم الالتزام التي دوخنا بها منظرو الاشتراكية والقومية والرأسمالية.. كما أن النص المبدع يحمل في نسيجه دائما ديناميت التفجير والتغيير.. وعلى هذا, لا يمكنني أن أنظر إلى المنشورات الإعلامية والقصائد الحماسية الآنية على أنها أدب خالص مهما أخلص كاتبوها لقضاياهم. هناك فاصلٌ دائما بين أدب الشعارات والإبداع.. فكثيرا ما تسعى السلطات أيا كانت وخاصة في بلادنا إلى تحويل الكاتب أو الفنان إلى مجرد بوق أو مهرج أو تابع, عليه أن يكون جاهزا تحت الطلب, فحين تتخاصم مع دولة أو فكر تريده أن يشتم تلك الدولة أو ذاك الفكر, قارعا معها طبول الحرب! وحين تتصالح تريده أن يمتدحها ويمجد السلام.. كذلك تسعى بعض المجتمعات الاستهلاكية لتحويله إلى مجرد سلعة.. انهم يحاولون توظيف الأدب لخدمة أيديولوجياتهم السياسية أو السلعية. وهنا نتلمس بوضوح خطورة الشاعر - أي شاعر - حين يتحول إلى ببغاء للشعارات والبيانات التي تُملى عليه.. ويطالب الآخرين أن يحذوا حذوه وإلا فإنهم عملاء أو خونة.. إن بعضهم يتعذب, يثور, ثم تروضه المؤسسة وينضم إلى قطيعها.. وبعضهم يخدرهم الخوف أو الوظيفة أو الشهرة, فلا يكاد يرى في مرآة ذاته أبعد من ذاته.. لكن الشاعر الحقيقي المتجذر بوجع الأرض والإنسان, حين يكون بركانا لا يهدأ, فإن أي شيء لا يستطيع إيقافه.. إنهم يستطيعون أن يقتلوا الشاعر جسديا إنهم يستطيعون تشويهه أو سلب حياته,.. لكن نشيده لن يتوقف أبدا.. وأمثلة التاريخ أكثر من أن تعد: من الحلاج إلى لوركا, قديما وحديثا, شرقا وغربا.. إن علينا أن نحرر الأدب من الدكتاتوريات المتوارثة عليه وإطلاق سراحه ليعيش حرا كما كان.. وعلينا أن نقف ضد القمع والظلم أينما وجد وليس في بلادنا فقط, مثلما يغض البعض طرفهم عن الدكتاتوريات التي يعيشون في كنفها في البلاد الأخرى وينقدون دكتاتوريات بلدانهم أو بالعكس. الظلم لا يتجزأ.. وعلينا أن نقف ضد كل عملية استغفال للجمهور وضد كل من يسعى إلى دفعه إلى مطحنة الحروب باسم الدين والوطن والثورية. الثقافة العربية مهددة من الداخل والخارج معا, وهي معركة مستمرة ومتعددة تتنوع بين الاستبداد وحرية الفكر والتعبير والتعددية وسلطات التجهيل السائدة التي هي سلاح من أسلحة الأنظمة الحاكمة, وهكذا دواليك.. إن واجب الكاتب الثوري الأصيل أن يدافع عن استلاب العقل وغياب الحريات, فاذا لم تتكاتف معه كل القوى الشريفة والمتنورة التي تؤمن بقيم الجمال والحرية والحق لمواجهة ثقافة الظلام التي تشيعها الأنظمة الدكتاتورية وأتباعها من القوى الظلامية, فأن أجيالا قادمة ستنهار وتنتكس وتعاني, وسيكون حكم التاريخ علينا جميعا بأننا قد تخلينا عن مسؤوليتنا. العراق الذي يبتعد .. في يوم من أيام مهرجان الشعر العالمي في هولندا (1997), كنت أتمشى تحت نثيث الندى الخفيف في تلك الشوارع الهادئة من روتردام وأنا عائد من إلقاء قصيدتي. جلست أمام طاولة ووضعت العاملة ما طلبت من طعام. سرحت بعيدا إلى أيام الخنادق وجبهات الرصاص. جاء عصفوران جميلان وبدءا ينقران بهدوء من طعامي ويتناغيان ويتعانقان بأمان. تركتهما يفعلان ذلك رغم جوعي وبدأت أرقبهما وأنا أسترجع مناقير الشظايا التي كانت تنقر طعامنا وأرواحنا وأصدقاءنا. فجأة أخرجت ورقتي ووجدتني أكتب: (العراق الذي يبتعد كلما اتسعت في المنافي خطاه والعراقُ الذي يتئدْ كلما انفتحتْ نصفُ نافذةٍ.. قلتُ: آهْ والعراقُ الذي يرتعدْ كلما مرَّ ظلٌّ تخيلّتُ فوّهة تترصدني, أو متاهْ والعراقُ الذي نفتقدْ نصفُ تاريخه أغانٍ وكحلٌ.. ونصفٌ طغاهْ) ... مندهشا وملتاعا - الآن - في الوقت نفسه.. كيف تسنى لهذا الوطن أن يعيش: بين ملحمة كلكامش وصدام حسين بين زقورات بابل وسجون الرضوانية بين (أحنه مشينا للحرب) و(حييتُ سفحك عن بعدٍ فحييني) بين (نصب الحرية) لجواد سليم, و(صور من المعركة) بين أغاني ناظم الغزالي, وسياط علي حسن المجيد بين قصائد حسين مردان, و(زبيبة والملك) ............. كأني أرى حيوات أصدقائي تضيء في ذلك الليل البهيم, مشيرة إلى وميض نجمة في البعيد.. لكن أين أجدهم الآن: حسين حيدر الفحام, علي عبد الحسين, كاظم الخطيب, مضر علوة, حميد الزيدي, عبد الحي النفاخ, و.. و... على أريكة معزولة في فندق القدس في عمان, أواخر أيام الروائي والكاتب جبرا ابراهيم جبرا, جلسنا معا ورويت له حكاية مرعبة بطلتها روايته (البحث عن وليد مسعود) التي استعارها حميد الزيدي من صديق أعدم ثم استعارها منه عبد الحي النفاخ قبل إعدام الزيدي واستعرتها من النفاخ قبل أن يجن وقد تركتها قبل سفري عند أحد الأصدقاء فارتجف جبرا رعبا (الأصعب ليس أن يموت المرء, بل أن يموت الذين حوله - كلهم - ويبقى هو حيا - تولستوي- من رواية (الحرب والسلم)) في تلك الأيام المرة, من سنوات الحرب الطويلة, أجد قلمي يتسلل في صحبة الاصدقاء,: الشاعران, عبد الرزاق الربيعي وفضل خلف جبر, والقاص اسماعيل عيسى بكر, والفنان التشكيلي كريم العامري, وأنا أدعوهم بهوس إلى جولة ليلية تسكعية بين حانات بغداد الصاخبة وملاهيها وفنادقها الفخمة, للقيام بعملية تحفيز للمخيلة وتمرين في الكتابة عن تلك الأجواء الخرافية التي كانت تتردد في أسماعنا معجونة بالمثير والكثير بالنسبة لنا - نحن أو الأدباء الصعاليك والجنود الذين لم نكن نرى أبعد من كراج النهضة أو العلاوي - (أمضيت حياتي في كتابة الشعر, أو الأصح في تعلم كتابة الشعر الشاعرة إميلي دنكسن - من حديث لها عن تجربتها في كتابة الشعر..), ننطلق بالمصعد الزجاجي إلى أعلى طابق في الشيراتون لنرى بغداد كأننا سوف لن نراها أبدا.. ثم فجأة صرختُ بهستريا: أغمضوا عيونكم.. لننطلق إلى كراج النهضة, نفتحها على مشهد الجنود يتدافعون إلى الباصات باتجاه جبهات الموت, وحيث وداع الآباء ودموع الأمهات والزوجات. وأمام باب مفرزة الانضباطية العسكرية ثمة توابيت ممتدة إلى مسافة ليست بالقصيرة, ومغطاة بأعلام عراقية تنتظر من يحملها إلى ذويها المساكين.. ثم لنكمل المشهد, في اليوم التالي...... وأنا هنا, في هذا المنتأى البعيد, استرجع ما مرّ بي بفم فاغر وعينين مغرورقتين بالمواويل والدموع, محاطا بهذه الثلوج التي لم تكن تخطر لي على بال.. (لندع الأفكار تنمو كأغصان الشجر, ولكن ماذا لو غطاها الثلج - الشاعر التشيكي أنطونين بارتوتشيل) وأستذكر ريلكه في إحدى رسائله التي كتبها لشاعر شاب: (لا شيء فقيرا أمام المبدع, كما ليس ثمة أماكن فقيرة, لا دلالة لها, فحتى لو كنت في سجن تخنق جدرانه كل ضجيج العالم, أفلا تبقى لك دائما طفولتك, هذه الثمينة, هذا الغنى الملكي, هذا الكنز من الذكريات والانطباعات التي سالت على حوافها).. الجندي المجهول (استودع الله في بغداد لي قمرا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ودعته, وبودي لو يودعني صفو الحياة وأني لا أودعه بيتان من قصيدة لابن زريق البغدادي ومساء آخر من ليل المنفى وعلى الطاولة ورق وأغنية لم أعد أتذكر بقيتها تقول: (مالي صحت يمة أحا جا وين اهلنه) وتبدأ القصيدة... براعمها تتفتح في روحي بكسل عذب تحت هذه الشمس الناعمة. تكبر, تستطيل أغصانها لتغدو غابة, أتذكر لحية الجندي القتيل على الساتر القريب ذات ظهيرة من سنوات الحرب, وأنا أراه من بعيد, من موضعي تحت الشم س اللاهبة, وقد أخذت لحيته الكثة تنمو وتنمو وتكبر حتى لتغدو غابة... كنتُ قد نسيت تلك الصورة, في زحمة السنوات اللاهثة, ثم وجدتها تنبثق فجأة أمامي في سنوات حريتي الأولى في عمان (28/9/1993), أمام رجل عراقي يتوسد حقيبته ولحيته الكثة في الساحة الهاشمية, مستسلما لنوم عميق, تماما كأنه ذلك الجندي القتيل المسجى على الساتر.. ووجدتني أجلس في مقهى على مبعدة من المشهد أسطر تلك القصيدة بتلقائية عجيبة.. وأنهض بعد أقل من ساعة.. (الجندي, الذي نسي أن يحلقَ ذقنَهُ, ذلكَ الصباح فعاقبهُ العريف الجندي القتيلُ, الذي نسوه في غبارِ الميدان الجندي الحالمُ, بلحيتهِ الكثّة التي أخذتْ تنمو, شيئا, فشيئا حتى أصبحتْ ـ بعد عشرِ سنوات ـ غابة متشابكةَ الأغصانْ تصدحُ فيها البلابلْ ويلهو في أراجيحها الصبيانْ ويتعانقُ تحت أفيائها العشاقْ .......... الجندي.. الذي غدا متنزها للمدينة ماذا لو كان قد حلقَ ذقنَهُ, ذلك الصباح) بعد (نشيد أوروك), وفي أواخر أيامي في بيروت وأول أيام منفاي في جنوب القطب الشمالي, بدأتُ أشتغل على نص جديد مفتوح سميته (نرد النص), ربما يُعد استكمالا له, لكن بطريقة تناول جديدة ومختلفة. رمال وثلوج كيف يمكن أن تغير ذاكرتك التي تحمل أربعين عاما من شواء الشمس والرمل والحروب والمكابدات والقهر, لتتكيّف مع هذا الصقيع الذي يلفك من جهاتك الأربع في هذه المدينة الثلجية النائية النائمة على كتف القطب الشمالي.. هذه الهواجس كانت تعيش معي قبل أن أصل مدينة لوليو في شمال أصقاع السويد هاربا من ذلك الجحيم الذي جرّ بلدي والمنطقة الى سلسلة من الكوارث, وأنا لا أصدّق أنني سأتأقلم مع هذا المناخ الثلجي الذي تصل برودته الى 32 تحت الصفر, والذي تصبح فيه حرية الفرد أعلى قيمة في الوجود كتابة وحياة وسلوكا وتعبيرا ونظاما والخ, والخ.. أنا القادم من وطنٍ يمكن لأقل كلمةٍ لا تعجب الحاكم أن تأخذك فورا الى حبل المشنقة, وتغيبك عن الوجود في رمشة عين. كيف يمكن إذن للكتابة أن تتكيف لهذا المناخ المفاجيء وتستوعبه: من أعلى درجات القمع, الى أعلى درجات الحرية. من درجة حرارة تصل إلى 50 مئوية, إلى درجة برودة تصل الـ 32 تحت الصفر... فإذا كان المنفى - أي منفى - يحمل بين طياته مناخا جديدا لتجربة جديدة لكنها من جانب آخر تشكل امتدادا أو تغييرا طفيفا على مستوى المناخ الذي يعيش فيه الكاتب بحيث لا يتعدى إلا بضع درجات في الحرارة أو... الحرية... غير أن هذه التجربة المغايرة كليا قلبت معادلتي رأسا على عقب, في الأقل, على المستويين: المكاني والزماني, وما يتفرع منهما من وصف وحداثة ومنظومة كتابية, وحرية تعبير, وأحلام وذكريات, ومخيلة.. إنني ما أن أمسك قلمي للكتابة عن غابات أشجار اليولكران العملاقة المغطاة بالثلوج مثلا حتى تهجم علي كوابيس الحروب والأقبية وتنتزع كل جمال وروح من السطور. خميرة الشعراء في أصقاع المنفى البارد, أفتح نافذتي وأتحسس أوراق شجر البيورك bjork الذي يغطي الحديقة التي أمامي, كأنها أيامي التي تورق وتتساقط هنا, بتعاقب الفصول والأحلام والأحزان.. (الحروف العاليات هي الشؤون الذاتية الكائنة في غيب الغيبوبة كالشجرة في النواة - ابن عربي) أتتبع العروق والأنساغ وصولا إلى أبعد الغصون في تلك الشجرة الشاهقة بخضرتها, كأني أتتبع دورة الحبر في حياتي.. وما بينهما من تشابك وعويل, كأن العالم شجرة صور (كما يرى اندريه بريتون أو هو) إذا, غابة من رموز( كما يذهب بودلير).. هذه الخميرة التي تصنع الورقة, وهذا النسغ الذي يغذيها كي تصنع الوردة.. هذه الخميرة التي تصنع الشاعر, وهذا النسغ الذي يرفده كي يخلق ويبدع القصيدة.. (إن لكل كاتب أصيل نبعا واحدا يغذيه طوال حياته - البير كامو) ........ في أحد أيام الربيع, أدخل غابة الكتاب bokskogen في أحشاء الغابة السويدية الحالمة على رأس الكرة الأرضية, أتتبع دورة الحياة (إنسان ـ تراب ـ شجرة).. (شجرة ـ عجينة في معمل ـ ورقة) للكتابة (فكرـ إنسان)..ومن ثم (تراب ـ شجر) وهكذا دواليك.. دائرا مع نسغ الورقة وكأني أرى دورة حياة الكاتب نفسه. (أتمشى وحيدا في غابة الكتاب لم يكن في جيوبي قلم ولا ورق ولا بطاقة انتساب كأني حرف والعصافير نقاط والغصون سطور والشجر المهسهس في الريح أوراقٌ والغابة الكتاب..) وفكرت هل يمكن أن تكون هذه الورقة التي أكتب عليها هي من أشجار هذه الغابة. تقترب مني أحد الزواحف, أتذكر القلقشندي وهو يقول في صبح الأعشى نقلا عن معن بن زائدة (إذا لم تكتب اليد فهي رجل).. ترى ماذا لو تحولت يداي إلى قدمين أخريين وأصبحتُ أدب على الأرض بأقدامي الأربع كأني أحد الزواحف. تبا لهذه الأفكار. أحرك يدي أرسم فيها بعض الحروف على التراب. مازالت قادرة على الكتابة. حمدا لله إنها ليست رجلا.. أعدّل قامتي وأتمشى والطبيعة وحيدين هنا في هذا المنتأى بعيدين عن كل ما يدور خارج نطاق الغابة. فكرت أن أعقد قراني على شجرة مثلما فعل ابن عربي حين عقد قرانه ذات ليلة صافية على جميع نجوم السماء وحروف الهجاء. غير أن الأسهم لا تتركني, كأن قدر الإنسان المعاصر أن يبقى محكوما بأشغال الفكر الشاقة. ها أنا أمضي مع الأسهم في دورانها الآلي حول حضارات الأمم, أتتبعها. لأجد كم من السنين استهلكها الفكر ليصل الينا عبر رحلته الطويلة من الحجر إلى الورقة.. غير أن الورقة أخذت تتحول إلى رقائق الكترونية Hardisk وتعال أيضا: (حجر ـ ورق ـ إلكترون ـ ثم............. لكن القوس يبقى مفتوحا. ألتقط غصن شجرة يابس وأرميه في البركة الصغيرة لقصر Torup لترسم دوائر مائية سرعان ما تتلاشى, ولا أثر كأن كل ما لا يُكتب لا يكون له أثر أتأمل أفكاري معكوسة على صفحة البحيرة الساكنة, ترى كم من الأمم والشعوب والفنون والآداب والمثقفين مروا على سطح بحيرة الحياة ولم يتركوا غير دوائر مائية زائلة. كم من الكتاب اندثروا دون أن نسمع بهم, ربما لأنهم لم يتركوا لنا أثرا أو سطرا في كتاب.. وليتهم بدلا من أن يظلوا منفوشين بغصونهم اليابسة أخذوا نصيحة لوركا على محمل الجد وهو يقول: (أيها الحطاب أقطع ظلي, أنقذني من عذاب أني بلا ثمر). إنهم في يباسهم الدائم سيبقون أبدا - رغم تعالي أصوات هسيسهم في الريح - مجرد أحطاب. وكما وصفهم غليفيك: (يتركون لنا قصائد كثيرة ولم يجدوا الشعر بعد). إذ ليس كل من يكتب أو يترك شيئا يبقى, وليس كل نقش خالدا. فقد تسهم عوامل الطبيعة والتعرية نفسها وتقلبات الحياة والحضارات والأذواق والمدارس الفنية أحيانا في ضياع الكثير من الآثار, غير أن لسلطة الإبداع أثرها على الزمن والطبيعة والحياة والإنسان حين تنتقل من الحجر أو الورقة إلى الروح والفكر والأنفاس, وهذا ما يحفظ للمبدع بقاءه إلى الأبد سواء تغيرت الحضارات من الحجر إلى الإلكترون أو من الإلكترون إلى الحجر أو دارت الطبيعة دوراتها المتعاقبة. وإذ أتذكر مقولة سارتر: إن الإبداع مشروط بالحرية, وخيبة أدونيس من أن الكتاب العربي يقرأ خارج لغته, أسرح بنظري بعيدا في الغابة فلا أرى سياجا أو حارسا أو شرطيا أو قطعة تشير إلى (ممنوع) أو أخرى تشير إلى (حقل ألغام) كما في بلادي. غابة طليقة في فضاء طليق تستطيع أن تفعل فيها ما شئت.. كأن الشجر يتشرب الحرية أيضا من الأرض ويحملها في أنساغه إلى الورقة! الورقة التي هي أمامي وأمامكم الآن..!! كنا - في زمن من الأزمان - نكتب بالقلم, وكان ذلك القلم من القصب. أي من نفس ذلك القصب البري والوحشي, والذي كان الراعي يصنع منه نايه ومزماره, وكان الصانع يصنع منه سلاله, وكان الفلاح يسيج به بيته وحقله. بسيطاً في شكله كان ذلك القلم, ولكن وظيفته كانت خطيرة وساحرة ومدهشة. كان يشفي المرضى, ويحضر الغائب, ويقرب البعيد, وينقل الأشواق, ويطرد الجن من الأجساد المسكونة, ويعتقل الصور الشاردة والحالات الواردة والذكريات الهاربة, ويخطط الرسومات ويهندسها, ويلونها, وذلك بألوان نباتية برية, وأخرى مستخلصة من أحمر البيض, هكذا رأيت القلم لأول مرة. رأيته في يد الفقيه في (الكتّاب) وفي يد الكاتب العمومي في السوق, وفي يد من يشتغلون مع (المخزن) في (بيرو عراب), فاحترمته, وعشقته, وقدسته, ولحقني منه شيء من الخوف مرة, وشيء من الرهبة مرة أخرى. وعرفت لماذا أقسم الله بالقلم, ولماذا أمر نبيه الكريم أن يقرأ, ولماذا ربط العلم بالقلم, والقلم بالعلم. وفي البدء, كان اللوح وحده. كان كتابي ومكتبتي وشاشتي التي أنظر إليها, وأتأملها, صباح مساء, والتي لم تكن إلكترونية, كما هي اليوم. صقيلاً كان ذلك اللوح, وصافياً وطاهراً, كالسماء في عز الصيف, وكان ذلك القلم القصبي حاضراً, يملك وحده القدرة على تأثيث كل الفضاءات, وملء كل الفراغات, وتسويد كل البياضات, وكنا نغمسه في المداد وفي الدواة, وكنا نغرسه - وكأنه السيف أو الرمح أو الخنجر - عميقا في جراحاتنا النازفة, وكنا نتعجب, في براءة أو في خبث, كيف تكون كتابتنا على اللوح, أو على الأوراق البيضاء, أو على الجدران العذراء, تكون باللون الأسود, ولا تكون باللون الأحمر? وكيف لا تتخضب أصابعنا الكاتبة بالدم? اليوم تغير كل شيء, وأصبح العصر عصر الصورة, ودخلنا عتبة الكتابة بغير الأقلام وبغير المداد وبغير الدواة وبغير اللوح الذي كنا نكتبه صباحاً, ونمحوه عشية, ونجعل ما في السطور ينتقل إلى الصدور. ذلك المحو إذن لم يكن محوا (كاملا), وذلك لأنه كان مسكوناً بالحفظ, وكانت ذاكرتنا العذراء والبيضاء كناشنا وكراستنا وكتابنا المفتوح على الحياة, في تعددها وتجددها, وتلونها, وتداخل أشكالها وألوانها, ولهذا, فقد كان من الضروري أن يفرض التساؤل التالي نفسه: - إلى أي حد يمكن لهذه الذاكرة أن تستوعب كل شيء, وأن تقبض على عقارب الساعة المجنونة والحمقاء? - وهل بإمكانها أن تستوعب الكلمات والعبارات والصور المتلاحقة والحالات المركبة والمشاهدات المتداخلة, والإشاعات المصنعة, والحكايات والمعتقدات والخرافات والاجتهادات والخيالات والشطحات الصبيانية الغريبة? وكان لا بد من الورق, وذلك من أجل تدوين الأفكار واعتقالها, ومصادرتها, والرجوع إليها, وذلك للتواصل بها - ومن خلالها - مع المعرفة أولا, ومع الذات ثانياً, ومع الآخرين ثالثاً, ومع الماضي رابعاً, ومع المستقبل خامساً, ومع كل العالم والكون بعد ذلك. يقول شاعر, هو ذو الرمة لراويته (أكتب شعري, فالكتاب أحب إلي من الحفظ, لأن الأعرابي ينسى الكلمة, وقد سهر في طلبها ليلته فيضع كلمة في وزنها ثم ينشدها الناس والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام) من كتاب (الحيوان) للجاحظ. الكتابة الضوئية في أواسط السبعينيات, دخلت عصر المكننة, من أبوابه الضيقة طبعاً, واشتريت آلة طابعة صغيرة, وأمليت عليها كل كتاباتي وكل مسرحياتي وكل بياناتي وحواراتي التي جاءت بعد ذلك, وقبل ذلك أيضاً. لقد رافقتني على امتداد ربع قرن, ولكنها اليوم موضوعة على الرف. إنها مجرد تحفة, تساوي عندي كل أموال الدنيا وكل كنوزها التي لا تقدر بثمن. لقد دخلت أخيراً - كما دخل كل الناس قبلي - عصر الكتابة الضوئية, وأصبحت عبداً من عبيد الشاشة, إنني أجدها أمامي وقت الفطور, وساعة الغداء والعشاء, وفي الكشك الإلكتروني للبنك وعلى مكتبي أيضاً. وإنني, بمناسبة هذه القفزة (التكنولوجية) أتساءل: - أهو تطور أم تقهقر, أن أنتقل من الكتابة بالقلم القصبي إلى قلم الرصاص, ومنه إلى الريشة والمداد وإلى القلم ذي الحبر الجاف وإلى آلة الرقن وضجيجها, وأن أصل أخيراً إلى الكتابة بالضوء? أول كتاب طبعته - على حسابي طبعاً - كان عبارة عن احتفالين مسرحيين هما (عطيل والخيل والبارود) و(سالف لونجة) وتم ذلك بمطابع فكيك بالدار البيضاء, في أواسط السبعينيات, وكانت الحروف رصاصاً يحترق في الفرن, وكان ذلك عقاباً لها, لأنها أحرقت قلوبنا وأصابعنا وأكبادنا قبل ذلك, وكان وزن الكتاب - وهو رصاص - في مثل وزن أوزار إبليس وكل ذريته من بعده, وذلك من بدء الخليقة إلى الآن. و(سمعت) الجاحظ يقول (المعاني مطروحة في الطريق) وعرفت, أن تلك المعاني المطروحة في الطريق لا يمكن أن تؤسس إبداعاً حقيقياً, وقد يحدث - في كثير من الحالات - أن تقدم توليفاً للكلام, وأن يكون هذا الكلام شبيهاً بالشعر وما هو بشعر, وأن يكون شبيهاً بالنثر وما هو بنثر, وبهذا, فقد رحلت بعيداً بعيداً, بحثاً عن المعاني (الوحشية) وقمت بترويضها, وبأنسنتها, وبتقريبها من الناس ومن الحياة ومن المدينة ومن الساعة, وعرفت, أنه لا يمكن اختزال كل (العقل العربي) في ثنائية اللفظ والمعنى, وبهذا فإنني لم أفهم معنى قول الجابري بأن (العقل عقل يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم) عابد الجابري - تكوين العقل العربي - دار الطليعة - بيروت - ط1 - ص7. إنه لا وجود لشيء يسمى العقل العربي, وكل ما هو موجود هو فعل التفكير, وهو ينتج مفاهيم محسوسة وملموسة, مفاهيم يتداخل فيها اللفظ والمعنى, وبغير هذا (الزواج) تكون المعاني أشباحاً مجردة, ولا يكون لها علاقة بعالم الناس والأشياء. الكتابة وقلق الوجود وأتساءل الآن: هذه الكتابة التي نحيا بها - وفيها - كيف تبدأ? ومن أين تبدأ? كنا - في ذلك الزمن الرصاصي - نكتب ما نكتب, ونقرأه بصوت مرتفع, وكانت لذة الإنشاد في نفوسنا لا تعادلها أي لذة, وكنا نثق بذلك الشاعر الضرير الذي قال (والأذن تعشق قبل العين أحيانا), وزكى هذه القناعة في نفوسنا, أننا كنا جيل الحلقة وجيل الحكواتي الشعبي وجيل الراديو وجيل الفونوغراف, وجيل حكايات الجدات الشفوية وجيل الطرب والمواويل والليالي والسمر. في المسرح لا يكفي أن يكتب الكاتب بالكلمات فقط, وذلك لأن محطات الصمت قد تكون معبرة أيضا, وقد يكون للظلام معناه, وللسكون مغزاه وللفراغ بلاغته. يقول نوفاليس (إن أكثر الجرائم بشاعة قد لا تترك أثراً عند بعض الناس, وأن روح الإنسان قد تتأثر إلى الأعماق بتبادل النظرات, بفكرة غير متوقعة, بلحظة صمت) مالكم برادبري وجيمس ماكفرلن - ترجمة مؤيد حسن فوزي - (الحداثة) ج2 - دارالمأمون - بغداد 1990 - ص295 ولقد حرصت دائماً, في كل كتابتي المسرحية, على أن أخاطب الأرواح قبل العيون, وعلى أن أعيد للكلمات سحرها وجاذبيتها, وعلى أن أبحث عن اللغة الفردوسية الأخرى, والتي ضيعها الإنسان, وضيع معها وجهه الحقيقي, واكتفى بالأقنعة الكرنفالية. الخوف من الكتابة إنني أخاف من نفسي وأخاف عليها. أخاف أن تبيع أجمل ما فيها مقابل السراب والزيف والخلاب. أخاف عليها أن تشيخ, وأن تهزمها الأيام والليالي. أخاف عليها من نشوة النجاح وحرقة الفشل. النجاح يفضي إلى الرضا وإلى مصالحة الواقع, أما الفشل فيؤدي إلى السخط وإلى معاداة العالم. إنهما طريقان مختلفان, ولكنهما معا, يؤديان إلى المحطة نفسها, أي إلى الموت الحتمي, موت الإنسان المبدع بداخلي. إن النجاح والفشل لا أنظر إليهما من زاوية الجمهور - إقباله وعدم إقباله على ما أكتب - ولكن من زاوية الإبداع في ذاته, أي أن تحس الأشياء وتحياها, ثم لا تجد لها معادلها الفني, ذلك هو الفشل الحق, إنني أخاف أن تخونني الكتابة, أي أن أفكر في شيء, وأن تترجم هي شيئاً مغايرا. أخاف أن تزيف إحساساتي وحالاتي, وأقف الآن لحظة لأتساءل: - هل نجحت أم فشلت - حتى الآن طبعا - في أن أجعل حياتي حية في الكتابة? إنني لا أجيب, لا بالنفي او الإيجاب, لماذا? لأنني أكره الفشل الخالص, ولا يستهويني النجاح المحض, وبالمقابل, فإنه لا شيء يرضيني إلا الفشل الناجح والنجاح الفاشل, وذلك ما حققته إبداعاتي عبر حياتي المسرحية.. إنني أعشق في الفضاء مركزه, وفي الكون شمسه, وفي الإنسان روحه, ولا تستهويني الأطراف البعيدة, ولا يغريني التطرف المجنون. عندما كتبت مسرحية (سالف لونجة) 1973 أحسست بأنها تجربة رائعة, وأنها جديرة أن أمنحها كل عشقي واحترامي. وعندما جئت لأكتب المسرحية التي بعدها, وجدتها تكبلني بسحرها, وتمنعني من الفعل والحركة والكتابة, وبذلك فقد كان لا بد أن ينقلب حبي (عداء) وإعجابي تحدياً. ولولا هذا التحدي ما كان ممكنا أن أكتب مسرحية أخرى غيرها, ولولا (عدائي) النبيل ذاك, لكررت التجربة نفسها, ولقلدت نجاحي واستعدته تحت اسم جديد. لقد جاءت مسرحية (الزاوية) كبحث جديد وفضاء مغاير, وذلك لأنني حاولت أن أنسى مسرحيتي السابقة, وأن أسبح ضد تيارها الجارف والعتيق والقوي. ولقد كانت سباحة شاقة ومضنية, ولكنها مثمرة بكل تأكيد, لأنها حررتني من السكون, وجعلت حالاتي الجديدة تجد لها معادلا مسرحياً جديداً. إننا لا نعيش اللحظة نفسها مرتين, ولا نحيا الحالة نفسها مرتين, ولماذا إذن, نعشق أن نكتب المسرحية نفسها مرتين? إن كل مسرحية تشكل تجربة خاصة, فهي عمر لا يشبه إلا نفسه, وإنني لا أؤمن أبداً, أن يسير إبداع الكاتب دائماً في خط واحد, وأن يكون هذا الخط مستقيما بالضرورة, وأن يكون أحادي الاتجاه وأحادي العين وأحادي اللون وأحادي الحالة وأحادي الموقف, وأن يتم بشكل تصاعدي, وذلك لأن الحالات - في تحولاتها وتناسلاتها وتشعباتها وتفرعاتها - لا تصعد إلى الأعلى دائماً, فهي عبارة عن تفاعلات (كيميائية) وذبذبات وتموجات نفسية وذهنية وروحية, تموجات متحركة ومتغيرة بشكل مستمر ومتواصل, وبذلك فإنه من غير المعقول أن نقارن بين تجارب المبدع وأن نفاضل بينها. وذلك لأن كل مسرحية - من مسرحياته - تشكل بنية شبه مستقلة. إنها ولادة أخرى مضافة, ولادة لها شروطها الطبيعية التي أوجدتها, وإن المقارنة الحقيقية لا يمكن أن تكون إلا بين التجربة الحية والصادقة, وبين التجربة المصنوعة والمتصنعة, أما في غير ذلك فإنها لا تجوز أبداً. التورط في الكتابة إنني لست أدري, كيف ومتى بدأت فعل الكتابة, وذلك لأنني - من غير أن أشعر - وجدت نفسي متورطاً في فعل غريب وعجيب يسمى الكتابة. لقد دخلت فضاءها وعالمها, كما يدخل المتعب فضاء النوم والحلم. ففي لحظة سحر وانجذاب - لا يمكن أن أحددها - وجدت نفسي غير نفسي والعالم غير العالم, والأشياء غير الأشياء, وأسأل الآن نفسي? - هل دخلت الكتابة أم دخلتني الكتابة? - هل لقيتها ولقيتني عند نقطة معينة? - وإن كان الأمر كذلك, فما هي هذه النقطة?وأين موقعها? وأين مبتدأ أمرها, وأين منتهاه? - وهل تراني, أنا الذي أكتب هذه الكتابة حقاً, أم تراها هي التي تنكتب بي ومن خلال قلمي? إنني لا أملك سوى أن أجيب, شبه إجابة طبعا, وأن أقول, وأن أكتب, لست أدري, ولا أريد أن أدري, لأن هذا الغموض الغني - بأسراره الخفية - يجعل من الكتابة سحرا أو جنونا أو هذيا خلاقا. ولأنني لا أملك سوى أن أسأل, ولأن كل ثروتي تكمن في أسئلتي المشاغبة, فإنني سأستمر في ممارسة لعبة التساؤل المشروع: - هل يولد الكاتب كاتباً? - هل تكون الكتابة أولاً في حال الخفاء, لتنتقل بعد ذلك إلى حال التجلي? في الكتابة أحاول أن أعرف بنية الجنون, وذلك بحثاً عن المدهش والمرعب وعن الغريب والمثير, ويبقى أن أشير إلى أن اللعب مع الجنون فيه مخاطرة كبيرة, وفي كل مخاطرة شيء من النجاة كما يقول النفري, وذلك لأن الدخول إلى فضائه شيء, والخروج منه شيء آخر. إن الدخول إليه صعب والخروج أصعب وأصعب. إن الأمر يتطلب شيئين متلازمين, كلمة السر وسر الكلمة. بين الانقطاع والتجدد ما الجديد لديك? أعترف أنه لا شيء يقلقني غير هذا السؤال, إنه السؤال/ التحدي, السؤال المفتوح على العدم, لأنه يهرب سؤالاً آخر غيره وهو, أمازلت حيا تكتب? وإن كنت كذلك, فأين شهادة الحياة? إن الجديد هو وحده الشهادة التي تثبت أن المبدع مازال حيا, أنه ينمو ويتجدد. إن الجواب بالنفي يعني الموت, الموت الأدبي والفني, والذي هو انقطاع عن فعل الوجود, والموت لا يكون فقط في توقف نبض الكتابة, بل وأيضا, في تكرار الكتابات وفي استنساخها, أي أن يكرر اللاحق السابق, من غير أن يتجاوزه ويغايره, ومن غير أن يضيف لحروفه حرفا, ولأسفاره سفرا, ومن حسن حظي أنني مازلت أحمل قلقي ورعبي بداخلي, ومازلت أحتفظ بأسئلتي واندهاشي أمام الناس والأشياء. يقول محيي الدين بن عربي (كل حال يدوم زمنين لا يعول عليه) فكل زمن له حال, وكل حال له مفعوله ومقوله ومكتوبه, وأتساءل الآن, مرة آخرى: - الكاتب والكتابة متى يلتقيان? ومتى يفترقان? - وهل نقول إن الكتابة - تبدأ وتنتهي - بزواج الورق والمداد? أم نقول إنها تبدأ قبل ذلك, ولا تنتهي بعد ذلك? إن المبدع لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد, ولا يخرج من تجربة, إلا ليدخل أخرى غيرها. إنه السندباد في رحلاته التي لا تنتهي. فقد يكون في صمته أبلغ من كلامه, وقد يكون في غيابه أكثر حضورا, ففي حياة الكاتب - لا شيء يفصل بين الكتابة والكتابة.. إن الكتابة اعتقال للآن. ويبقى أن نشير إلى أن هذه (الآن) غير ثابتة ولا ساكنة. إن زمن الكتابة قد يمضي, ولكن القراءة باقية ومتجددة باستمرار, وبهذا تتجدد الكتابة بالقراءة, وترحل عبر اللغات بالترجمة, والكلمة السعيدة هي التي تجد قارئها, ولا يهم أبداً أن يتم هذا اللقاء بعد ساعة أو بعد يوم أو بعد عام أو بعد قرون طويلة. ففي الكتابة يهرب الكاتب من النسبي إلى المطلق, ومن الساكن إلى المتحرك. إنه في صراع دائم مع الزمن. إنه لا يمكن أن يؤجل إحساسه بالأشياء, ولكنه يملك أن يعتقل هذا الإحساس, ليحتفظ بحرارته وقوته وحيويته, وذلك ما حاولت - وأحاول دائما - أن أقوم به, سواء في كتاباتي الإبداعية أو في كتاباتي النقدية والتنظيرية. قلق على الكتابة لا شيء أصعب من الكتابة, ولا شيء أروع منها أيضا. إنها احتراق بغير نار. احتراق القلب والأعصاب والأصابع التي تكتب. كل شيء فيها يبدأ بالخوف والقلق, وينتهي بالخوف والقلق أيضا. تبدأ الكتابة من نقطة الصفر, أو بما هو قبل الصفر. تبدأ وأنت تجهل كل شيء. تدخل عوالم تجهلها, وتعشقها, وتخشاها. تدفع نحوها رجلا وترد أخرى. ومع الأيام تولد فيك ومن حولك حياة أخرى, فتتعرف على شخصيات جديدة, شخصيات تفرض عليك أن تقترب منها, وأن تفهمها - كما هي - وحتى تفهمها, وتدرك بنيتها النفسية والذهنية, فإنه لا بد أن تفكر كثيرا, وأن تعصر دماغك إلى حد الانفجار, وأن تطعمها من دمك وعظمك, وأن تجعلها تغتسل وتتطهر بعرقك. وأنا أكتب مسرحياتي, يصاحبني عادة شعور غريب. شعور من يخاف الموت كل لحظة. إنني أخاف أن أموت قبل نقطة النهاية. يقلقني أن تبقى حالاتي وأوهامي معلقة في الفراغ المطلق, فلا هي تنتمي إلى الوجود ولا إلى العدم. ولأنني عشت اليتم في حياتي - بكل ما فيه من قهر وظلم وضياع وأسئلة وجودية - فإنني أخشاه, بل أكرهه. إنني أخشى هذا اليتم كثيرا, بالنسبة لأطفالي وبالنسبة لمسرحياتي معا. أخاف أن أمضي, قبل أن أرتب كل شيء, وأسوي كل شيء, وأنتهي من كل شيء. لأجل هذا فإنني أدخل دائما في سباق جهنمي مع الزمن. أريد أن أصل قبله, أو معه على الأقل, وذلك حتى تصبح كلماتي داخله وليست خارجه, وأكون فاعلاً فيه, ومنفعلا به, وشاهدا على مسرحياته, الضاحكة لحد البكاء, والباكية لحد الضحك. وتنتهي المسرحية, وتتم الولادة, ومع ذلك يبقى السؤال يلاحقني: - هل تنتهي المتاعب التي كانت, وبذلك ينتهي القلق المرعب, أم تراها تبدأ من جديد, وذلك بشكل آخر, مختلف ومغاير? لو كنت شاعراً أو قاصاً, لانتهت مهمتي مع انتهاء الكتابة, والتي هي فعل محدود في الزمن والمكان ولكنني مسرحي, والمسرحي تتعدد متاعبه وتتشعب, وتتجدد باستمرار, وبذلك فإنني, ما إن أفرغ من فعل الكتابة, حتى أجد من يقترب مني, ويسألني: - ما الجديد لديك أيها الكاتب? ولأن فرحة الإبداع أكبر من أن أخفيها, فإنني أبوح بسري, وأعلن عن الولادة الجديدة. أعطي اسمها ورسمها وبطاقة تعريفها, وما إن أضع أول خطوة في مشروع الفرح, حتى يطرق بابي الطارقون من جديد, وأسأل: - من بالباب? ليكون الجواب. انا رفيقك المخرج - وكل المخرجين أصحابي وأحبابي ورفاق دربي - وقد جئتك طالبا ضيف الله, وأملي أن تمنحني يد مسرحيتك المصونة. يا الله. إن رحلة العذاب مستمرة إذن, وإن الخوف مازال مقيما إلى ماشاء الله. ويخرج النص من بين يدي. يغادرني من غير أن يفارقني الشعور بالقلق, بل إنه يزداد عنفا وحدة وقوة. حقا, إنه لشيء فظيع أن أتحدث للناس - وأنا معهم - وأن يكون بيني وبينهم مترجم, فإن كان هذا المترجم صادقا وأمينا, فأنا سعيد وابن سعيد, وأما إن كان خائنا ومزيفا, فذلك هو الجحيم الذي ما بعده من جحيم. إن في المخرجين/ المترجمين رجالا من كل نوع وصنف, فيهم العالم والأمي والأمين والخائن, والشاعر والحرفي و الجراح والجزار, والمبدع والخياط. وتبدأ عملية الإخراج, ومعها تبدأ مظاهر الفرجة.. الفرجة التي تضحك وتبكي, وتفرح وتحزن, وتسعد وتشقى. والتي قد تصل أحيانا إلى حد أن تنبت الشعر في رأس الأقرع, وأن تنطق الأخرس, ومع ذلك فإنني ألوذ بصمتي وأقول دائماً, إنني مسئول فقط عما كتبت.. ألا فليسامح الله بعض المخرجين. إن كل اجتهاداتهم تتلخص في عملية الحذف والبتر.. حذف مشهد, حذف حوار, حذف كلمة, حذف شخصية, وأتساءل مخلصا: - لماذا هذا الحذف يا سادة ياكرام? ليكون الجواب: النص في حاجة لكتابة ثانية, وإلى تقطيع تقني, ولأنه أساسا كتابة أدبية, فهو في حاجة إلى أن يمسرح, وإلى استبعاد ما هو سياسي فيه, وما هو فكري وفلسفي, وما هو غامض وملتبس, وما هو صعب وما هو سهل, وما هو فوق وما هو تحت, وهذا حذفناه من غير لماذا, فقط لنمارس سلطتنا. أليس للمخرج سلطة فوق سلطة المؤلف, وأكبر من سلطة الممثل والتقني? هذا عصر الدكتاتوريات, دكتاتورية العسكر, ودكتاتورية الناشرين ودكتاتورية المنتجين والممولين, ودكتاتورية السادة المخرجين. وبهذا, فعوض أن نتحرر بالكتابة الإبداعية, فإننا نجد أنفسنا - نحن الذين (اقترفنا) الكتابة - ضحايا قمع جديد, قمع بالفن وفي الفن وباسم سلطة الفن أيضا. إنه لا شيء أصعب من أن تمارس الخيانة أمام عينيك, وأن تكون موضوعها وضحيتها وشاهدها وشهيدها. فكثيرا ما أجد نفسي أمام مسرحية هي (مسرحيتي) إنها فعلا تحمل توقيعي, ولكني لا أتعرف عليها, فالشخصيات فيها غير الشخصيات, والحوار غير الحوار, والمشاهد غير المشاهد, ولأنني لا أسمح لنفسي بأن أخدش شعور الآخرين, فإنني أكتفي بأن أتألم - داخليا - أتألم في صمت - بيني وبين نفسي, وأدع كتاباتي تصارع طواحين الأيام والليالي. يبدأ الألم عندي من حضور التدريب, حيث أجد نفسي ضيف شرف على عرس احتفالي واغتيالي. هذا الحفل الطقوسي, قد يكون عرسا حقيقيا, في بعض الاجتهادات - وما أكثرها - وبفضل تلك الإشراقات والومضات - والموزعة هنا وهناك - فإنني مازلت أكتب, رغم كل مخاطر الكتابة. إنني أحب أن أحضر التدريبات المسرحية وأخشاها - في الوقت نفسه - كما إنني أرحب دائما بفكرة مناقشة المسرحية مع المخرج والممثلين والتقنيين. ولقد لاحظت أن أغلب المخرجين يضايقهم اشتراك الممثلين في هذا الحوار. لماذا? لأن الممثل كالعسكري, عليه أن ينفذ الأوامر فقط, ينفذها كاملة, من غير أن يناقشها, أو أن يعرف معناها ومغزاها. في التدريب أعيش تجربة الإبداع من جديد. أعيش فعل الكتابة مرة ثانية أو ثالثة أو رابعة أو عاشرة. أعيش التوقف عن الكتابة أو إعادتها واستعادتها. أعيش لحظة التعرف على الشخصيات والمواقف من خلال الممثلين. إنني أستعيد الاندهاش في اندهاشهم, وأعثر على انفعالاتي التي ضيعتها. إنني معهم, ومن خلالهم, أستعيد الزمن الضائع, أي زمن الكتابة, والذي هو زمن القلق وزمن الحلم وزمن الوهم وزمن الانفلات من قبضة اليومي. إنني أستعيده بكل حالاته ومقاماته, أستعيده حارا كما كان, ومرعبا كما كان, وجميلا كما كان, وقاسيا كما كان.في مدينة الخميسات - من 1971 الى 1975 سكنت ذات المؤلف وذات المخرج معا. كنت المتحدث والمترجم, وبذلك فقد كان علي أن أعيش كل عمر المسرحية, ابتداء وهي فكرة, أو وهي حالة إلى أن تصبح حفلا يحياه الناس معي. يومها كان خوفي مضاعفا, لأن المسئولية كانت أكبر وأخطر. ففي الكتابة أتعامل مع ذاتي, ولكنني في الإخراج أتعامل مع الذوات الأخرى. وبذلك كان علي أن أبحث داخلها وخارجها, وذلك حتى يمكن أن نعطي عطاء واحدا موحدا. إن الممثل هو الجسد, وبذلك فقد كان عملي, هو أن أكتب هذه المرة بالأجساد, إن السؤال الذي ظل يلاحقني يومها كان السؤال التالي: - كيف أجعل الممثلين يتمثلون عالم المسرحية, وأن يندمجوا في فضاء هو جزء من زمني الكائن, والممكن معا, وأن يعيشوا معي التجربة نفسها, وأن يقتسموا معي الحالات نفسها? ومن أجل تحقيق وحدة في الرؤية وفي الإحساس وفي العالم المتخيل, فقد أشركتهم في خوفي وقلقي.. قلقي في المسرحية, وقلقي على المسرحية. الكتابة بالكلمات ساعة عرض مسرحياتي أين أكون? داخل الحفل أو خارجه? إن ذاتي - في ذلك البرزخ الزمني - تصبح ذاتين, وحالي يصير حالين. أصبح الناظر والمنظور والذات والموضوع والفرجة والمتفرج. إن الواحد بداخلي يتعدد, والمحدود يتمدد, والقديم يتجدد, والفاعل ينفعل, والمقيم يرحل, وبذلك أصبح أكبر من حجمي وأطول من قامتي, وأثقل من وزني, ويعذبني وجودي, وتصبح الثواني في حجم الدقائق والدقائق في ثقل الساعات. أثناء عمر الحفل المسرحي ينتابني الشعور بالخوف المركب.. الخوف ممن? أو الخوف على من? إنني أخاف الجمهور بالقدر الذي أعشقه, أخافه لأنه سلطة عمياء وغاشمة.فهو مرة يحابي برفق, ومرة يظلم بقوة. وتحاول أن تجد جواباً معقولاً لرضا الجمهور أو لسخطه فلا تجد شيئا. الجمهور لغز محير, وهو كتلة أسرار مغلقة وغامضة, يكون كريما أحيانا, وليس لكرمه منطق معقول, ويكون بخيلا أحيانا أخرى - من غير وجود مقياس موحد. إنه منطق اللامنطق. يضايقني كثيراً أن أتخذ لي مكانا بين الناس ساعة الحفل المسرحي. إنني أخشى أن تتفرج علي العيون, عوض أن تحيا المسرحية, وأن تنشغل بالصانع بدل أن ترى الصناعة. إنني أخشى أن تكون المسرحية مسرحيتي, وألا أجد فيها نفسي. وبذلك تحسب علي خطأ, وتنسب إلي ظلما. وأكون بذلك بين بين. فلا أنا المبدع الحق,ولا أنا واحد من الجمهور أواجه على هذه الصفحات واحدة من أصعب المهام: أواجه نفسي لأكتب عمّآ أظنّه وقع خطاي. أتراني أقوى على مواجهة ذاتي والمراحل? أم تراني أستعيد نفسي وهماً وكأنني أتحدث عن سواي في معرض كلامي عن الذات الصغرى التي تُدعى أنا والتي تعارف الناس على تسميتها أمين ألبرت الريحاني. كنت أظن كلما كتبت عن الآخرين أنني أحد أبطال طروادة: أنازلهم, أجادلهم, أقارعهم, أشاطرهم الرأي أوأخالفهم وجهة النظر... وفي كل ذلك كان الوهم يزيّن لي الأمر فأقنع نفسي بأنني المنتصر, وأنني العارف دواخل الأشياء والكاشف أسرار التكوين فأنام على وسادة أوهامي وأستريح. من رهبة إلى أخرى وعيت على نفسي وعلى الدنيا, والناس ينادونني (الأمين الثاني). لم يعن لي هذا الأمر كثيراً آنذاك. كنت أتساءل بين الحين والآخر: لماذا هذا الرقم الملحق باسمي وكيف يتفق الناس على الرقم ذاته في مناداتي?! فتجيبني والدتي لورين (غداً تدرك الأمر يا بني). ومرّت الأيام حتى اعتدت هذه التسمية إلى أن جاء يوم أقام فيه والدي حفل استقبال في بيتنا في شارع الحمراء في بيروت لضيف كبير قادم من نيويورك. في حفل الاستقبال ذاك, ربيع العام 1948, وكنت في السادسة من عمري, أجلسني المحتفى به إلى جانبه قائلا: (أتعلم لماذا أعطاك والدك هذا الاسم أيها الأمين الثاني?) ثم علّق على جوابي المتردد آنذاك: (كي تصبح الكتابة جزءاً منك, وكي تنجح وتصيب شهرة في هذه المهمّة النبيلة تماماً كشهرة عمّك الأمين الأول). لم أفهم يومئذ معنى هذا الكلام لكنني علمت أن محدّثي يُدعى إيليا أبا ماضي. مازال وجه أبي ماضي, بنظارتيه المستديرتين وابتسامته المشرقة وهامته العريضة, يرافقني حتى الساعة وكأنه ينذرني باستمرار (أين وصلت يا رجل?) فأهاب الجواب كما أهاب الاسم الذي أحمل. كان والدي يصرّ على تعزيز الأسباب الأدبية في بيتنا فبعد (الأمين الثاني) أعطى شقيقتي اسم مي تيمناً بمي زيادة, وكثيرا ما كان صديق العائلة الشاعر الراحل وديع ديب يردد (هي مي وزيادة) إشارة إلى عطائها الأدبي ونتاجها التأليفي الباكر. ويأتي شقيقي الثاني الذي كانت الرغبة أن يعطى اسم فارس إحياء لاسم الجد, والد أمين وألبرت, غير أن الميل للتجديد في الأسماء كان غالباً رغم بيت الشعر الذي نظمته جدتي لوالدتي مرحبة بالوليد الجديد: فارس الفرسان أهلاً أباً وأخاً لأمين وعند مجيء شقيقي الرابع, صغير العائلة, كان الوالدان قد اتفقا على تسمية جديدة لم يسبقهما إليها أحد آنذاك وهي مستمدة من أجمل الصفات الإلهية: سرمد. وبعد سرمد الريحاني راح الاسم ينبت ويتردد في بعض بيوت الأصدقاء في بيروت والجبل. كانت دراستي الابتدائية في معهد الفرير (فرير دو لاسال) في رأس بيروت, إذ قرّر والداي أن يرسلاني, وإخوتي (إلى مدارس فرنسية أولاً ثم نلتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت. غايتهم في ذلك أن نتقن الفرنسية والإنجليزية إلى جانب العربية, وهكذا كان. لكن ما انطبع في رأسي عن الفرنسيين كان خارجاً عن لغة راسين وكورنيي وفكتور هوجو. لا أزال أذكر مدير المدرسة (فرير بيران), وهو ضابط سابق في الجيش الفرنسي, عندما كان يصرخ بوجه سائق الترامواي كل يوم عند الرابعة بعد الظهر كي يوقف حافلته ليتمكن تلاميذ المدرسة من اجتياز الطريق العام إلى بيوتهم. صوته الجهوري كان بمنزلة الجرس الذي تنتظم على إيقاعه حياتنا اليومية داخل المدرسة وخارجها. رجل آخر لا يغيب عن بالي هو (فرير بازيل) الناظر الشرس بسوطه الذي كان سرعان ما يلذع أناملنا الطرية آنئذ إذا ابتسمنا حين لا يجوز الابتسام, أو سألنا حين لا يتوقع السؤال, أو التفتنا إلى زميل على مقعد الدراسة حيثما لا يرتضي الالتفات. رغم كل ذلك, أو بسبب كل ذلك, فإن ما تعّلمناه عهد ذاك حفر إلى الأبد في عقولنا والقلوب. بعد انتهائي من المرحلة الابتدائية قرر والداي, ربما بسبب تلك القسوة في تربية الأولاد, أن ينتقلا بي إلى القسم الفرنسي في الإنترناشونال كولدج في رأس بيروت. وكأنني بذلك خرجت من السجن الكبير إلى رحاب الجنة. هنا الأساتذة إخوة للتلاميذ وأصدقاء. أما القصاص فيبقى ولكن بأسلوب آخر: التأنيب الشفهي فالتأنيب الخطي فالاحتجاز لساعة أو ساعتين فحرمان التلميذ من بعض الحقوق التي يتمتع بها زملاؤه... وقد مررت على جميع هذه القصاصات لسبب أو لآخر. غير أن تلك المرحلة كانت غنية بأساتذة تتلمذت عليهم ولايزال بعضي مجبولاً ببعض كل منهم. أذكر من هؤلاء في الأدب العربي: نبل جبران مسعود, بصيرة إليّا حاوي, شاعرية إلياس يوسف زخريّا, غضبة محمد علي موسى وحماسة ميشال عاصي, في الفلسفة: عمق ألبير نصري نادر, في الأدب الفرنسي: نقد موريس دومون وثقافة شارل جينيسليه, في الأدب الإنجليزي: صفاء هنتنجتون بلس وتَوَغُّل توماس ويفر. يمكنني أن أسترسل في وصف كل واحد من هؤلاء وكيف ترك أثراً في نفسي شكلاً وجوهراً وشخصية. عهد الجامعة بعدها جاء عهد الجامعة الأمريكية. كان ذلك العهد ثرياً في صقل الذات جاداً في إيصال النضج إلى مرحلة الوعي والتيقظ. كان يتنازعني ميل إلى العلوم السياسية وآخر إلى الأدب, فاخترت العلوم السياسية لاعتقادي الساذج آنذاك أن ذلك قد يكون أقرب طريق لوصولي إلى الخدمة العامة, خدمة وطني. أتوقف عند أساتذتي الكبار الذين ساهموا, عن قصد أو غير قصد, في تكوين شخصية ذلك الفتى المقبل على الدنيا باندفاع الشباب وهو لا يدري بعد ماذا تخبئ له الأيام. من هؤلاء شارل مالك ووليد الخالدي وفايز صايغ, الأول يقطع قاعة الصف ذهاباً وإياباً, يعالج الفلسفة الأخلاقية, يناقش انعكاساتها على الشئون السياسية والاجتماعية, يطرح معضلة العقل إزاء سلّم القيم, يسألنا, لا يُرضيه الجواب فيروح يفنّد تفاصيل المسألة المطروحة وكأنه يرسم خريطة التشابك الفكري وظلالها النقدية المتشعّبة. والثاني يناقش العلاقات الدولية من الصين إلى البرازيل ومن كندا إلى أستراليا وبوصلته الدائمة فلسطين, فإذا ما وصل بكلامه إلى أرضه المقدسة غصّ العلم بحرقة الكبرياء الجريح وانتفضت الموضوعية تحتضن الوطن بعقلانية تشبه حرارة العاطفة, وبعاطفة تشاهد نفسها أمام مرآة التحليل السياسي الصارم. والثالث يقارن أنظمة الحكم في العالم ويحاول أن يقيسها بمقياس إنساني ديمقراطي فيتوقف عند خيبات أمل متراكمة من الشرق والغرب عظُم شأنها كلما توقفت أمام ظلم سياسي فاضح أو إساءة تاريخية أليمة. شهدت السنوات الجامعية تجارب عاطفية متعددة أبرزها قصة حب عصف بي واستمر يكبّل مني القلب والعقل لفترة غير قصيرة. كانت طويلة شقراء تتهادى في مشيتها وتتغاوى في كلامها حتى أسرتني بعد أن تسرّبت إلى ثنايا حواسي والأحلام. تكررت المواعيد, وتكاثرت الوعود والآمال وطالت ساعات السهر وما يرافقها من حلاوة اللقاء. بعد التخرج انصرف كل منا في طريقه إلى مواجهة الحياة. تضاءلت لقاءاتنا فندرت وكانت نهاية مرحلة وبداية أخرى حين كرّت فصول اللهو والعبث. ضفاف الأرجوان بعد عام من تخرجي في الجامعة بشهادة البكالوريوس جمعت كتاباتي الشعرية الأولى, وكنت قد نشرت بعضها في صحف بيروت, وأصدرتها في كتاب بعنوان (لمع مشرقية) سنة 1966. كان والدي المتحمس الأكبر ليرى باكورتي الأولى, وكانت والدتي تهمس في أذني (أرجو أن يأتي اليوم الذي يقال فيه: وكان لأمين عمّ اشتهر, هو الآخر, ككاتب ومفكّر). تضاربت الآراء حول الكتاب. كتب ميخائيل نعيمة يقول: (حسْبُك أن تتعشق الكلمة وأن تتحسّس ما في حروفها من نور وظل,ونغم ولون, وعمق وبعد, وحركة وحرارة, لتكون والشعر على موعد لقاء...), ورأى سعيد عقل أن: (ليست المرة الأولى التي فيها نُعجَب بهذا القلم... باكراً جدا لفتنا إلى نضجه وأناقة بتّه وتطلعه إلى البناء). وأتى غضب جوزف نجيم قاسيا: (لا يا أمين, ما ساءك لو أنك... كتبت َ عند مزوّري الشعر فأعلنوك شاعراً على غرارهم). وبقي يوسف غصوب محايداً وقرّر أن: (كل ما هنالك رمزية واضحة لا عيب فيها ولا تكلف. تدخل في أعماق نفسك وتستجلي أسرارها وتسائلها عن غوامضها علّك تجد ما يكون الرابط بينها وبين الواقع...) وربط جورج صيدح بين هذا الكتاب وجذوره التراثية: (لا شك أنك استوحيت الشعر المنثور... حاملا نفحة الحياة الريحانية في (عبر الأنا) وصدى تعاليم المعلم الأمين في (عبر شعبي) وملامح عصرنا الحالي في (عبر المجاز)... كانت (لُمَعٌ مشرقية) بمنزلة الزرع الأول في بستان كلماتي ولُغتي. وأدركت تدريجياً أن هذا الزرع يحتاج إلى كثير من العناية المستمرة لكي ينمو وتورق أغصانه. وبدأت الإعداد لشهادة الماجستير في الأدب العربي, وكانت والدتي تدفعني باستمرار لمتابعة دراستي العليا. وما أدركْتُ يومها كم كنتُ محظوظاً لأجدّ في الطلب على يد كوكبة من الأعلام. من هؤلاء: أنيس فريحة في حنينه الدائم إلى بقايا الحضارة القديمة من نقوش أوغاريت إلى (اسمع با رضا), جبرائيل جبور في نحته لمعاني الصحراء والناقة وخيمة الشعر كما تجسدت في شعر عمر بن أبي ربيعة, محمد يوسف نجم في الالتزام اللصيق بالنص وإحاطاته التاريخية, إحسان عباس في التحقيق الموازي للعمل الخلاّق بحيث يكتشف هامشاً لكل مفردة من مفردات القصيد أو المقال, كمال اليازجي في مقارباته التفكيكية للفلسفة العربية, خليل حاوي في تحليله الحاد لنظريات النقد الأدبي المعاصر من وردزورث إلى إيتش. آي. ريتشاردز, وأنطون غطاس كرم في توغّله الإبداعي عبر المدارس الأدبية المختلفة من الرومانسية إلى السوريالية وما بعد الحداثة وهو الذي - بقدسية الكلمة لديه - دفعني لمتابعة الدراسة حتى الدكتوراه. تعددت الدروس التي أفادتني من هذه الكوكبة المميزة. وإن شئت أن أختصرها بدرس واحد لا أنساه فهو قدرة الكاتب على استعادة هندسة العالم بحيث يغتسل من أدرانه وأوجاعه من أجل حياة جديدة. عام 1970 صدرت مجموعة كتاباتي الشعرية الثانية بعنوان (على ضفاف الأرجوان) فأشار عدد من النقاد إلى ما معناه أن الكتاب ماض في رمزية تأخذ شكلها الجماعي الاقتحامي. وهنا أكتفي بناقدين اثنين ساهما في بلورة خصائص هذا العمل الجديد. أشار الناقد عصام محفوظ إلى أن (شعر أمين ألبرت الريحاني نشيد متقطع الصوت, متلاحق... يتجاوز التعبير عن الذات إلى صهر الإحساس الجماعي... حيث الرمز مقتحم على الواقع, والمحتوى على الشكل). ورأى الناقد ريمون عقل أن صاحب (على ضفاف الأرجوان) قد (أعطى بلغة مزامير داود رونقاً شعرياً, وعمق إحساس, وصرخة موجعة يتوقف عندها النقد متأثراً...). وعندي أننا (على ضفاف الأرجوان) لأننا عاجزون عن التخطي, عن العبور عاجزون عن الهرب من النهر, من ذواتنا. ونموت على أرض عجزنا اليباب لولا بقية من صوت يُعَبِّد لنا الطريق لعبور منتظر. الموجع المغري بعد عام أنهيت أطروحة الماجستير عن الكاتب اللبناني عمر فاخوري ومعنى الأدب الملتزم. ونُشِرَت الأطروحة, في بيروت والقاهرة, في كتاب بعنوان (قلم يفك الرصد) إشارة إلى أحد مؤلفات فاخوري المحورية (الباب المرصود). وبدأت بالعمل مع والدي في دار النشر التي أسّسها منذ منتصف الثلاثينيات باسم دار الريحاني للطباعة والنشر. كما أخذت أساعد والدتي على تحرير مجلّتها (دنيا الأحداث) أولى المجلات العربية آنذاك المتخصصة باهتمامات الفتيان والفتيات في العالم العربي. كذلك بدأت بتدريس مادة الأدب العربي لصفوف البكالوريا في الإنترناشيونال كولدج في بيروت. وجدت نفسي بين نشر الأدب وتدريسه أقرب إلى عالم الكتاب والنص الإبداعي والنقدي مني إلى أي عالم آخر, وذلك في طبيعة التعاطي اليومي مع الكلمة واكتشافي التدريجي لفعلها الموجع والمغري في آن. بعد فترة أدركت أن التعليم الثانوي لا يستهويني إذ أفضِّل التعامل مع شباب بلغوا النضج الجامعي فبدأت أدرّس مادة الفلسفة العربية وتاريخ الفكر العربي المعاصر في الجامعة الأمريكية في بيروت. كانت تلك الفترة من أجمل مراحل العمر إذ شعرت أنني في المكان الصحيح وفي المناخ الصّحي الذي يجعلني في احتكاك متواصل مع جيل الشباب الذي أتمرّس وإياه على معايير الفكر النقدي المرتبط بحقيقة التفكير المعاصر في عالمنا العربي. وكثيراً ما كان النقاش يطول حول مكانة العقل العربي الحديث ودوره في خلق المفاهيم القادرة على ترجمة القيم العربية ترجمة قابلة لمواكبة العصر. آنئذ كنت أتابع دراسة الدكتوراه وكان أنطون غطاس كرم يشدني إلى محاضراته ومناقشاته التي تثير جدلاً ومطارحة فكرية تكاد لا تنتهي, من عقلانية المعتزلة إلى وجدان الفلسفة الوجودية ومن أرسطوطالية ابن رشد إلى سوريالية أندره بروتون وبول إلويار والمدرسة فوق الواقعية في الآداب والفنون. كنّا نعالج الأدب بتداخلاته العربية والأوربية, كما الحضارات, على كونها ظواهر إبداعية بلا حدود ومجالات رحبة للعقل بلا حواجز أو هويات سوى الهوية الإنسانية. تريسامينا كانت علاقاتي العاطفية آنذاك غير مستقرة حتى ظننت أن القلب عندي قد ضربه الجفاف. يومها كتبتُ في إحدى مقالاتي لصحيفة (النهار) عن (حلم ليلة صيف) بقراءة شكسبيرية جديدة, على مدرج الكولدج هول في الجامعة الأمريكية في بيروت, أشير فيه إلى المعنى الإنساني المستحدث لمادة مستلّة من التراث. في ذلك الاحتفال المسرحي, خريف 1973, تميّزت إحدى الفتيات بأدائها اللافت وجمالها الأخّاذ وصوتها الرسولي ولغتها الإنجليزية الأنيقة. كتبتُ عنها قبل أن أعرفها. وما إن التقيتها حتى شدّني إليها سحر عينين آسرتين وجمال جسدي ينافسه جمال روحي يصعب مقاومته. وتكررت اللقاءات والمواعيد مع تريسامينا, ولم أستيقظ من حلم تلك الليلة إلا على قصة حب تشبه الغرام القاتل. وتدفّقت الأحلام العسلية التي أدّت إلى الزواج بعد أقل من عام. وسال القلم يغمس ريشته بكل محابر الحب التي أثمرت, إلى جانب سيرين وريم وخالد, مجموعة شعرية ثالثة بعنوان (قراءات على وجهها والرحيل) صدرت, بعد أعوام, في بيروت. مدارات عهدذاك كنت منشغلاً بوضع دراسات أدبية حول نماذج من الأدب القديم والأدب الحديث. كانت غايتي أن أبحث (كيف يتم التلاحم بين الفكرة والتعبير عنها). صدرت تلك الدراسات في كتاب بعنوان (مدار الكلمة) عام 1980 في بيروت والقاهرة. وشغل عند صدوره عدداً كبيراً من النقاد تناولوه بالدرس والتحليل. من هؤلاء وضاح شرارة الذي وجد فيه (مرجعاً... وقد تكون أغنى دراسة مرجعية), وجوزف صايغ الذي تساءل: (بأي رزانة وشمول ثقافة, بأي تقميش فعل كل هذا?!), فكتبت روز غريّب وكأنها تجيب: (يحرص على الافتنان في العبارة كما يحرص على كشف المصطلحات النقدية المستجدة وإثباتها...). وقد دفعتني هذه الكتابات عن (مدار الكلمة) لأن أجمع مقالاتي التي نشرتها في صحيفة (النهار) لتصدر عام1982 في كتاب بعنوان (مرايا متعاكسة). وفيها شيء من الأدب وشيء من النقد الأدبي حول مختارات من النتاج الأدبي المعاصر من دنيا العرب ومن سائر الآداب الشرقية والغربية. عام 1987 التحقت بكلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية - الأمريكية اليوم), وعملت أستاذاً مساعداً لمادة المدارس الأدبية ومديراً لمكتب القبول في حرم الجامعة في جبيل. أجمل ما في تلك الأيام رائحة الأرض الندية على الطريق الساحلي الممتد شمالاً بين القرى والدساكر وبينها البساتين والبيوت الحجرية القديمة التي تناديك وتهذّب ذوقك المعماري دون أن تدري. وأحلى ما في ذلك التدريس أنني كنت أعود مع طلابي إلى كتاب (مدار الكلمة) كتمارين تطبيقية للاتجاهات النقدية التي كنت أدرِّس. في ذلك العام انتقلت وعائلتي من بيروت إلى قريتي الفريكة هرباًمن نيران الحرب في العاصمة ولجوءاً إلى مكان آمن ساكن. في ذلك العام أصدرْتُ كتابين جديدين: مسرحية تتناول سيرة الريحاني بعنوان (ويسقط العمر عن درّاجة) وكانت قد أذيعت من الإذاعة اللبنانية لثلاث سنوات على التوالي. ثم الجزء الأول من أطروحتي للدكتوراه حول أمين الريحاني بعنوان (فيلسوف الفريكة صاحب المدينة العُظمى. وتأخر صدور الجزء الثاني من أطروحتي ما يزيد على السنوات العشر بداعي السفر خارج لبنان والابتعاد عن مخطوطات الريحاني الإنجليزية موضوع الدراسة. وبعد عودتي أصدرت هذا الجزء بعنوان (الينابيع المنسية) عام 2000. وقد أطلق البعض على هذه الكتب الثلاثة, والتي دارت حول أحد أعلام الأدب العربي المعاصر, اسم (الثلاثية الريحانية). الترحال أشرت إلى سَفَري والعائلة عن لبنان مايقرب السنوات العشر. وكأنه كُتِبَ لي أن أختبر النقيضين: مساحة الثقافة العربية في مواقع مختلفة من مواطنها, ثم الابتعاد إلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية, إلى الولايات المتحدة الأمريكية. غادرت لبنان وعائلتي إلى بغداد في سبتمبر 1989 لأرأس مدرسة بغداد الدولية التابعة للأمم المتحدة. كانت تجربة فريدة سيما لجهة الإدارة التربوية والثقافية. كانت ليالي بغداد تحمل في طيّاتها نكهة المسك المعتّق. كنت أشعر وكأنني طالع من الزمن العباسي الملفّح بإكسير الحداثة: مجالس الأدب تتجاذب أطراف الأدب العربي منذ طرفة حتى الرصافي والجواهري, ومنذ زمن المأمون حتى فضاء بدر شاكر السيّاب. ما شعرت يوماً بحضور أمين الريحاني في حياتي أكثر من حضوره آنذاك. فقد كان المرافق الخفي الذي يفتح لي أبواب المجالس الأدبية والسياسية والفنية في كل من بغداد والموصل والبصرة وبابل وسامرّاء وسواها من المدن العراقية. مع حرب الخليج سافرت وعائلتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث مكثنا في مدينة بوسطن عاماً ونصف العام. هناك ألقيتُ بعض المحاضرات عن الأدب العربي - الأمريكي, ودُعيتُ لأكون عضواً في الجمعية التاريخية لبلدة نوروود مسقط رأس فرد هولنداي راعي جبران قبل ماري هاسكل. تكر رت زياراتي لبلدة وُلدِن حيث ولد كل من إمرسون وثورو وحيث أطلقا دعوتهما الاستعلائية في الأدب الأمريكي والتي تركت أثرها في الأدب المهجري. هناك تعلّمت أن الطبيعة الأمريكية قادرة, بغناها وجمالها وتنوّعها, على أن تترك في الإنسان أثراً قد يبرز في أعمال أدبية أو فنية فريدة مميزة. هناك الطبيعة كالعِلم تصقل الإنسان وتزوّده بزاد يرفع من شأنه الفكري والروحي معاً. الطبيعة الأمريكية, على نقيض مدن أمريكا, صديقة للإنسان ورفيقة لشجونه وتطلعاته. في سبتمبر من عام 1991 لبّيت دعوة إلى البحرين وانتقلت مرة جديدة مع عائلتي لأتولى رئاسة مدارس البيان في المنامة. هناك اكتشفت في المواطن البحريني منتهى التهذيب والسكون والطموح والانفتاح. قارنت بين العراقي والبحريني فوجدتُ في الأول شدة على لين وفي الثاني مرونة على بصيرة. في تلك الفترة كان علي أن أشارك في المؤتمرات التربوية الأمريكية عاما بعد آخر. وكنت ألقي المحاضرات عن الواقع التربوي والثقافي في العالم العربي وأعطي الأمثلة من لبنان ومصر وأنقل إليهم تجربتي في العراق والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حيث سبق لي ونظّمت عدداً من الدورات التدريبية لأساتذة الأدب العربي. في تلك الفترة أعدت النظر في دراسة لغوية لي صدرت, عام 1994 في بيروت, في كتاب بعنوان (لغات عربية). وهو مسح للهجات العربية القديمة في سبيل أصالة لغوية مبدعة. وانعقدت جلسات أدبية في بيروت والبحرين تناقش المؤلف في نزال محتدم وجدال حاد إلى جانب المقالات حول الكتاب في الصحافة العربية. وبعد عامين صدر كتابي (أقاليم النفس المتمادية) في نقد الأدب والثقافة. وقد يكون القسم الثاني من الكتاب أكثر أهمية من القسم الأول سيّما في تحديدي لمعضلات الثقافة العربية وهي: معضلة الحرية, ومعضلة العقل العربي, ومعضلة تصنيف المثقفين. غير أن معظم الذين كتبوا عن هذا الكتاب اكتفوا بتلخيصه دون مناقشة الأفكار التي أثارها أو بعضها على الأقل. موتي الأول قبيل عودتي إلى لبنان مع العائلة كانت سيرين, ابنتنا البكر, قد سبقتنا إلى بيروت ملتحقة بالجامعة الأمريكية لتتخصص في علم الاجتماع. في عامها الجامعي الثاني وفي ربيعها التاسع عشر كان الفاجع الفاتك الذي ترك جرحاً ينزف على الدوام. خطف الموت سيرين من على شاطئ البحر. ما كنت أتصوّر أن القدر سيصفعني الصفعة المميتة. ما كنت أدرك معنى الموت. ما كنت أهابه حتى علمْتُ, أنها غادرتنا إلى الدرجات العلى. عاد جسد سيرين ولم تعد. كان ذلك في 11 أبريل 1995. لم أتمكن من تقبّل الفكرة طيلة أشهر. بعدها رحت أقنع نفسي أن أستعيد سيرين عبر الكتابة. كتابة ماذا? طبعاً الكتابة عنها. ورحت أكتب الصفحات عن سيرين حتى تجاوزت الخمسين صفحة. ولكنني لا أزال أكتب عنها, عن الصبية الجميلة التي لم تعد بيننا. إذن هي غائبة, وهذا ما لا أتحمّله. وبلحظة مزّقت تلك الصفحات وبدأت من جديد. هذه المرة أكتب إلى سيرين, أخاطبها, أناجيها, أخبرها عن معنى الحضور وسط الغياب, وعن وجع الغياب وسط الحضور. كتبت إلى سيرين الرسائل والقصائد, أو لست أدري ماذا كتبْتُ مادمت أنني كتبت لها عنها. وصدرَتْ تلك الكتابات في كتاب بعنوان (طقوس الماء أو رسائل إلى سيرين) في بيروت عام 1999. اليوم, وطعم الموت لا يزال يدور في حلقي, أحاول أن أضع فيه بعض المذاقات غير المرة وأنا أعمل في جامعة سيدة اللويزة في لبنان بصفتي نائب الرئيس للشئون الأكاديمية ثم نائب الرئيس لشئون البحث والإنماء. وأجد نفسي بين الحين والآخر, إلى جانب مهامي الجامعية, منشغلاً في كتابة حوارية ثلاثية الصوت ترمز إلى الزمان والإنسان والمكان, أنشر فصولاً منها على صفحات جريدة (النهار), علّني أوهم نفسي بأن الحياة لاتزال ممكنة بعد غياب سيرين. في هذه الرحلة الشاقة إلى عالمي الداخلي أجدُني, وقد اغتسلتُ بماء الشموس الربيعية وتعطّرت من جديد بعطر الأرض بعد فصل الشتاء, أُلَملِم أوراقي وأتابع طريقي فقطاري لن ينتظرني. وهو يسير كالزمن دون أن يلتفت من حوله. وإن تخلّفتُ تابعَ مسيره دون أن ينتبه إلى حضوري أو غيابي. يبقى أن أحمل ظهري على ظهري وأكمل ارتحالي في تجاعيد الأيام الآتية. تأخرت عن حفل تكريمي الذي أقيم بمناسبة نيلي درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1985, لأنني كنت في المطبعة أنتظر النسخة الأولى من كتابي الجديد (مغارة الكنز) الذي صدر في اليوم ذاته, إذ اعتبرتُ ولادة كتاب جديد لي أكثر أهمية من حفل تكريمي لنيل هذه الشهادة العليا التي توّجت اختصاصي كمهندسة في الاقتصاد الزراعي. واليوم وقد تجاوز عدد كتبي التي وضعتها عن الأطفال ولهم الستين كتابا, مازلت أنتظر كل كتاب جديد منها, باللهفة نفسها التي ترقبت فيها صدور كتابي الأول, فهذا هو عالمي الحقيقي الذي أتواصل فيه مع الأطفال في كل مكان من خلال تجربتي مع أدب الأطفال, هذه التجربة التي بدأتها عام 1977, وأعلنت عنها في كتابي الأول عام 1979 وكان بعنوان (العصافير لا تحب الزجاج) وتوالى إصدار الكتب بعده عن عدة دور نشر في سوريا وخارجها مثل اتحاد الكتاب العرب, ودار الجليل, ووزارة الثقافة السورية, ودار قوس قزح, ودار طلاس, واليونسيف... وفي مصر: دار الأهرام ودار المعارف, والهيئة المصرية للكتاب, وفي الكويت: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية. أمي... المعلمة الأولى وإذا كان بعض الذين يكتبون لباب (مرفأ الذاكرة) الذي ابتكرته (العربي) مشكورة, يعودون بنوع من أسلوب أدب السيرة إلى مراحل الطفولة والنشوء واليفاع والشباب فالرجولة, وحتى الكهولة بنوع من التفصيل, فأنا أحب أن أخالف هذا التوجه وأقف عند حال مهمة عشتها في طفولتي, ولم أزل. وهي حال المناخ الفكري والأدبي الذي عاشته أمي, الأديبة قمر كيلاني, وهي من الأديبات والمربيات الرائدات في سوريا والوطن العربي, حيث كانت دارنا تتحول إلى منتدى أدبي ومحفل فكري يضم نخبة مميزة من رجال ونساء الأدب والفكر والثقافة, وقد هيّأني هذا المناخ ذهنياً للتوجه نحو الكتابة على الرغم من دراستي في مجال العلوم الزراعية, كما أن توجيهات أمي ورعايتها كانت السبب المباشر لاختصار الكثير من العراقيل والمتاعب, بل واختيار اللون الأكثر صعوبة من الكتابة الأدبية, وهو أدب الأطفال, وخاصة التربية العلمية في القصة والرواية, ولعل دراستي في مجال العلوم ساعدتني على اعتماد هذا النوع من القصّ الذي أضمنه المعلومة العلمية دون الجنوح الكبير والتطرف إلى ما يسمى القصة العلمية, أو قصة الخيال العلمي, وأحب أن أستدرك لأقول إنني في ذروة حماسي وانطلاقي في الكتابة للأطفال وعنهم, كتبت عدة روايات (للكبار)... وقد أسعدتني ترجمة عدد من قصصي ورواياتي إلى عدة لغات عالمية وإدراج اسمي في أكثر من عشر موسوعات عالمية في أوربا وأمريكا, وقد سئلت أكثر من مرة عن هذه التجربة وكنت أفضل دائماً ألا أتحدث عنها بل أترك الرأي للقارئ وللناقد... وأنا أستأنس بآراء الأطفال الذين يقرأون كتبي ويوجهون ملاحظاتهم وأحاول الإفادة منها, كما أحترم آراء النقاد الذين استقبلوا هذه التجربة بحفاوة, وأجد أن أقرب الآراء إلى تقييم هذه التجربة ما جاء مرة على قلم أحد النقاد حين كتب يقول: (استطاعت هذه الكاتبة الدخول إلى نفوس الأطفال, ودواخلهم ببساطة, وبالبساطة ذاتها حوّلت أسئلتهم المدهشة إلى فضول أسرج الجماح المعرفي لمخيلتهم, وأطلقت لها العنان في عالم فسيح ورحب من المعلومات الشائقة, حاملة شفافية الطرح, وتوظيف الحدث, رصدت الإحساس وروعة القيمة من خلال ذوق جمالي رفيع). مثل هذا الرأي لا يسعدني بقدر ما يحملني من مسئولية لأكون جديرة به, وأحاول دائماً تطوير أدواتي ومحاولة ترسيخ نوع من القصة والرواية للأطفال بعيداً عن الارتجال والافتعال والأنسنة غير المدروسة. أدب الأطفال العربي عندما نحاول أن ندرس واقع أدب الأطفال في الوطن العربي, نجد أننا لانزال نفتقر إلى طرح نوع من أدب الأطفال الحقيقي والمتكامل على الرغم من وجود عدد لا بأس به من الذين يكتبون للأطفال. وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء يصرحون بأن مسئولية الكتابة للأطفال أكثر صعوبة من مسئولية الكتابة للكبار, فإننا نراهم يتعاملون بلامبالاة مع هذا الأدب من خلال تكرار النماذج النمطية للقصص المستهلكة كقصة الثعلب والدجاجة حتى في عصر الإنترنت, فالطفل ليس مخلوقاً ساذجاً, ولهذا يجب أن نفرّق بين توجيه الطفل والتوجه إليه, إذ لا يكفي أن نصوّر الحياة السعيدة للأطفال في كتبنا أو على شاشات التلفزيون دون أن نوفرها لهم على أرض الواقع. تربية الطفل علمياً أحب أن أستدرك مرة ثانية حول الطرح المحدد لتعريف (القصة العلمية) للأطفال, فأنا أرفض هذا التحديد المؤطر على الرغم من أنني من أوائل الذين كتبوا هذا النوع من القصة بحكم اختصاصي. ومن هنا أقول: هناك ما يمكن أن نسمّيه تربية الطفل علمياً من خلال تقديم المعلومات العلمية بصورة مبسّطة وبقالب جميل بطرح مفهوم مقبول للأنسنة مثلاً, وأكرر أن اختصاصي في العلوم الزراعية حقق لي دراسة العلاقة بين الإنسان والبيئة, فالدودة مثلاً حشرة مكروهة في رؤية الطفل من خلال حديث الكبار المقزز عنها, ولكنها في الحقيقة مفيدة في تفتيت التربة الزراعية مثلاً. وهذا ما ضمنته إحدى القصص, حتى موضوع الأنسنة بالنسبة للحيوانات يجب أن يكون من خلال منطق مدروس, وليس فقط من خلال نماذج نمطية موروثة للثعلب الماكر, والحمار الغبي, والحمل الوديع, حتى نباح الكلب يجب ألا يكون الحديث عنه كسبب للإزعاج فقط, بل يمكن أن ينظر إليه كمنبه لوجود لصوص أو دخلاء. كما أحب أن أضيف شيئاً آخر وهو أن مفهوم (الأنسنة) يجب ألا يقتصر على الحيوان فحسب, بل يمكن أن ينسحب على النبات, أو حتى على الجماد, وصولاً إلى الآلة التي أصبح لها وجود شامل في حياتنا العصرية, فالكمبيوتر مثلا, ومثله (الأتاري) وغير ذلك من الآلات أصبح (لعبة) بين يدي الطفل, وفي الوقت نفسه هناك نوع من الخطر الناجم عن استخدامه بطريقة غير موجهة, وفي مقدمة ذلك خطره على أذهان الأطفال, وطريقة تفكيرهم, وطبيعة حياتهم, ونموّهم العقلي والجسدي. وما أقوله عن (القصة العلمية) إذا اتفقنا على التسمية, أقوله عن قصص (الخيال العلمي), وكم من خطر لا ننتبه إليه يؤثر في أطفالنا من خلال قصص الخيال العلمي المختلفة, خاصة عندما تجسّدها الشاشة الصغيرة, ومنها قصص الفضاء التي تختلف كل الاختلاف عن المفهوم العلمي للفضاء وارتياده, وهذا ما خلق نوعاً من التشويش في ذهن ابن جيراننا الصغير من خلال المعلومات التي قرأها في القصص عن هبوط إنسان على المريخ. ومن خلال الحديث أخيراً في الصحافة وأجهزة الإعلام أن الإنسان لن يستطيع الوصول إلى المريخ والهبوط على سطحه قبل عام 2014. ولدي مفهوم خاص لنموذج البطل التاريخي في قصص الأطفال, فأنا أرفض أن يقدم البطل من خلال نظرة أحادية الجانب, كتقديم القائد العربي طارق بن زياد على أنه حارق السفن فحسب دون طرح بقية أبعاد مهمته في الأندلس, بالإضافة إلى الأبعاد الإنسانية لشخصيته. خصائص الكتابة للطفل للطفل العربي بيئته الخاصة وعلينا أن ننطلق من هذه البيئة, لا أن نحدثه عن عوالم بعيدة عنه وعن عقليته هذا أولاً. وثانياً أن نوقف الترجمات والمستوردات لأنها تفسد عقول صغارنا. ثالثاً اللغة: يجب أن نجد لغة مبسطة وقريبة من الطفل. ليس اللغة الفصحى المغرقة بفصاحتها, وليس اللغة العامية المغرقة في عاميتها حتى يفهمها جميع الأطفال العرب في أقطارهم وبلدانهم. وعلى كاتب الطفل أن يركز على القيم وهي ثابتة وإن تغيرت مدلولات القيم والمفاهيم. فمثلاً في البادية هناك الكرم العربي, أو إذا تاه أحدهم في الصحراء ووجده أحد سكانها فمن واجبه استضافته ثلاثة أيام وتزويده بالمؤن والماء. الآن في بيوتنا العصرية المدنية لا نستطيع فعل ذلك نكتفي ربما بفنجا ن قهوة ولكن تبقى القيمة ذاتها هي قيمة الكرم ولكن طريقة الممارسة اختلفت لذلك يجب أن تتماشى هذه القيم مع العصر القائم. أما عن واقع إعلام الطفل فأعتقد أننا لم نقم بمحاولات جادة فعلا في نشر أدب الطفل إعلاميا رغم أن لدينا عددا كبيرا من الكتّاب الجيدين والمتميزين في مجال الطفل. وهنا أتساءل لماذا نجح برنامج افتح يا سمسم? اتكأنا على برنامج غربي ولكن وضعنا نصوصا عربية. وكان يمكن أن ننتج ما هو أفضل من هذا البرنامج. ربما المحاولات لم تكن جادة. عموما أدب الأطفال فن جديد نسبيا ودعم المؤسسات له مازال قليلاً نسبيا. ويلاحظ حاليا التوجه في البلدان العربية نحو الاهتمام به, ولكن يبقى هناك كم من الأفلام المستوردة ما يضغط بحيث لا يدع حيّزا للإنتاج المحلي. وكذلك في مجال الكتب إضافة إلى أننا بحاجة إلى اختصاصيين في علم نفس الطفل وفي ثقافته وتربيته. كل هذا الكادر يجب أن يتعاون معا ليقدم شيئا جادا وحقيقيا للطفل. وهناك سؤال مهم: نحن نعيش حاليا عصر الإنترنت الذي يغزو كل بلدان العالم, فكيف نقنع الطفل العربي بأعمال محلية ساذجة وبسيطة وهو يشاهد أعمالا متفوقة في الغرب? إذن نحن بحاجة إلى تقديم البديل. فالبديل يمكن أن يكون من تراثنا, الذي ينهبه الغرب تحت أعيننا وبصرنا, ففيلم علاء الدين الذي حصد ملايين الدولارات في أمريكا, وهو من تراثنا, تصوّر أنهم وضعوا لشخصية علاء الدين أكثر من 300 نموذج ولم يتمكنوا من الحصول على الشخصية الحقيقية إلا عندما أسقطوها على شخصية توم كروز. خذ مثلا (الجني) اشترك 50 رساما لتقديم نموذج لشخصية الجني. فأظهروا الجني على أنه المارد الذي يبحث عن متعته. لم يكن المارد الذي يقدم مقابل انعتاقه وهذا يدل على أن مفهوم المارد كما قدمه التراث العربي لم يفهمه الغرب ومع ذلك استفادوا منه. خذ الفتاة ياسمين مثلا وما إلى ذلك, نحن قادرون على فهم التراث بشكل عميق وتقديمه بالشكل الحقيقي والصحيح للأطفال ومع كل ذلك فنحن مقصرون في ذلك ونترك الغرب يتولى هذه المهمة ويشوّه تراثنا. حكايات الجدات قد يجدني قارئ آرائي في مرفأ الذاكرة أبدو رافضة للقصة النمطية للأطفال, وهذا يعني أنني أرفض الحكايات التي يستمع إليها الأطفال عادة في سن معينة من الجدات وأحب أن أوضح هنا أنني لا أرفض حكايات الجدات, بل أريدها بإسقاطاتها المعاصرة وبكثير من الصدق وعدم المبالغة والابتعاد عن الخرافات مادام هذا الطفل يستمع إلى الجدة وهو الذي كان قبل قليل يدير أزرار التلفزيون أو الكمبيوتر أو الإنترنت, ثم علينا ألا ننسى أن الفضائيات العربية لايزال قسم كبير من برامجها للأطفال مشغولاً بأعمال الكرتون الأجنبية المشحونة بالاتجاهات العدوانية وتمجيد الذات, والقوة الغاشمة, وبالتوجهات التي لا تتلاءم مع مجتمعنا, ولا مع الدين والأخلاق والتراث والعادات والتقاليد والطموحات. وإذا كان الإعلام الفضائي وسيلة مهمة من وسائل التوصيل للأطفال, فإن الكتاب أيضاً لايزال يلعب دوراً مهماً, بل إنه يستهوي الطفل كثيراً إذا عرفنا كيف نتوجه له, وكيف نقدم له الكتاب في المضمون والشكل, وكيف نجعله يصل إليه بأيسر السبل, ولي رأي في هذا الموضوع طرحته أكثر من مرة في أحاديثي الصحفية حول الحلول التي يجب اعتمادها لإيصال الكتاب للطفل العربي. وقلت يجب أن يكون ذلك عن طريق المدارس وغيرها, وذلك بتوجيه الأطفال وربطهم بالكتاب, وكذلك للأسرة دور في هذا المجال من خلال وعيها, الأهل لا يهتمون بكتاب الطفل والأب لا يقرأ الكتاب الذي يقدمه لابنه. ولكن عندما تكون الأسرة واعية ومثقفة وتطلع باستمرار على ما ينشر من كتب تستطيع أن تقدم لأطفالها التوجيه ويجب أن نقدم ما يجذب الطفل, صحيح أنهم قسموا الأطفال لمرحلتين عمريتين: أولى وثانية. ولكني أعتقد أنه لا يوجد مثل هذه الفواصل فعلاً, الأطفال الأذكياء في المرحلة العمرية الأولى يستطيعون أن يقرأوا لأطفال المرحلة الثانية, فأنا إذا لم أقدم المادة الغنية والمقنعة للطفل يعزف عن الكتاب مهما كانت ألوانه جميلة, ونحن ككتّاب مطالبون بتطوير أنفسنا. مَن يكتب للأطفال? يحضرني بمناسبة الوقفة في مرفأ الذاكرة سؤال يقول: هل صحيح أن الأديب إذا (بهت) إبداعه, فإنه يتوجه للكتابة للأطفال? هذا بالطبع غير صحيح, فهذا شاعرنا الكبير سليمان العيسى, كتب شعراً عظيماً للطفل لأن الطفل بحاجة إلى أشعار العيسى التي تتميز بأنها مقنعة للطفل وتتسلل إليه من حيث لا يدري, فالطفل يحفظ هذه الأشعار ويفهمها بشكل تلقائي وعفوي, هناك البعض ظن أنه يكتب للأطفال, لكنه فشل لأن منهم من كان يكتب عن الأطفال. وهنا فرق كبير أن أكتب للطفل أو أكتب عن الطفل, فالطفل عندما يأخذ كتاباً ما يتدرج بفهمه مع مراحل عمره, وعندما يصبح شاباً ويعود لهذا الكتاب يجد فيه مضامين أخرى. ولذلك على الكاتب أن يكتب بعقلية الطفل, بأسلوب الطفل مع مراعاة العمق في المضامين والبعد الإنساني, هكذا فعل كتاب الغرب, لذلك أصبحت كتبهم خالدة وذات مضمون فلسفي أحيانا يعود إليها الإنسان في أي مرحلة من العمر وليس فقط في مرحلة الطفولة. رواية المستقبل يبدو أن أفكاراً كثيرة تتدفق على الذاكرة في هذا المرفأ الذي يشبه الركون إليه استراحة المحارب, فيخطر على الذاكرة مثلاً موضوع الجدل الذي أثارته روايتي الثلاثية (المستقبل), وعمّا إذا كان الأديب, يستطيع خارج محاولات التنبؤ التقليدي, استشفاف أبعاد وحالات وتطورات مستقبلية, وقد تبدو غريبة أمام الإنسان المعاصر, ولكنها في النهاية رؤية مستقبلية تستند إلى استقراء آفاق علوم ومعطيات عدة, وإذا كان نزول إنسان على القمر في فترة من الفترات ضرباً من الخيال, كما جاء في الروايات المتخيلة عن هذا الإنجاز فإنه اليوم, ومنذ وضع رائد الفضاء الأمريكي أرمسترونج قدمه على ترابه أصبح حكاية عادية وتكاد تكون منسية. صحيح أن رواية المستقبل رواية علمية ولكن لا يعني أنها تقرير علمي هي ضمن الأسس الروائية والمبادئ الروائية, فأقول في مقدمتها إن هذه الرواية ترصد ما تتنبأ به الكشوف العلمية التي تنزع الإعجاب حتى الذهول - بل حتى الفزع - اعتمدت على الجانب العلمي كمنطق لهذه الرواية, ولعلي استفدت من تجربتي في أدب الأطفال لأن أكون دقيقة في إيصال المعلومة التي أريدها والكلمة في مكانها تماماً حيث الكلمة مشحونة بالطقس الذي أريده فأخذت هذه المعلومات أو لعل عندي (هوسا) بشيء اسمه هندسة الجينات وبنيت عليه روايتي وكذلك عن الاستنساخ الحيوي والإنسان المصنع أريد أن أقول في هذه الرواية وأتساءل إلى أين يسير العالم وما هو المارد أو الشيطان الذي انفلت من القمقم, إلى أين سيصل بنا هذا العلم, هناك مقولات للخير والشر وما إلى ذلك في الجزء الأول تناولت تفوق العلم ومنجزاته وما قدمه علم الوراثة من خدمات للبشرية, وفي الجزء الثاني تناولت أخطاء هذا العلم, وماذا يمكن أن يجلب هذا العلم من كوارث للإنسانية, والجزء الثالث هو الانفجار أو الاغتيال, ففيه الإجابة إلى أين سيصل هذا العالم إن استمر في اندفاعه نحو العلم بهذه الطريقة. من الكتاب إلى الشاشة أحب أن أشير بعد هذا إلى أن الكاتب, أي كاتب, مطالب في هذا العصر المتسارع بتطوير أدواته التي يحقق من خلالها التواصل مع قرّائه أو مشاهديه, خاصة بعد ثورة الاتصالات ووجود أكثر من خمسين فضائية عربية وتحول النص الأدبي المكتوب من ورق لا يطلع عليه سوى عدد محدود من الناس إلى الشاشة التي يشاهدها الملايين, وقد حاولت أن أحقق في الفترة الأخيرة تجربة جديدة في التعامل مع هذه الأدوات من خلال إعداد نصوص إلى الشاشة وإخراجها بطرق حديثة ومبتكرة وتقديمها للكبار والصغار, كما في تجربتي قصة الأنبياء مثلاً, وقد أسعدني أن هذه التجربة التي أتابع تطويرها قد حققت نتائج إيجابية على الصعيدين العربي والعالمي. وفي الإجابة عن سؤال يقول: كيف نتوجه إلى الطفل اليوم أقول: إن توجهنا إلى الطفل يجب ألا يقف عند حدود الإبداع الأدبي فحسب, بل يتجاوزها إلى آفاق المعرفة أيضاً, إذ إن المعطيات والمتطلبات الراهنة أصبحت تفرض منطقاً جديداً هو منطق العصر, ولهذا نحن ملزمون بأن نقدم لأطفالنا الأدب مع المعرفة بالصيغة التي يفهمونها وبالمفردات اللغوية والعلمية التي يستطيعون استيعابها, وأمامنا مصادر عدة لاستجلاء جميع جذور وأصول ومعطيات ومصادر المعرفة في سعينا لتحقيق نوع من التطوير والتكامل في عطائنا. أذكر بهذه المناسبة درساً مفيداً أخذته عن والدتي الأديبة قمر كيلاني التي كانت, ولاتزال, تعتبر الكتابة الأدبية مسئولية وليست ترفاً, فهي تتابع - مثلاً - من الصحف والمجلات والإذاعات ومحطات التلفزيون مستجدات العصر المتتالية في ميادين مختلفة إلى جانب ميدان الأدب والفكر والثقافة, وخاصة في مجال العلوم, ثم أراها تهرع إلى القرآن الكريم لتجد في سوره وآياته مدلولات معمّقة وإشارات ثابتة في تفسير ما يفاجئنا أو يدهشنا من مستجدات العصر, وتظل تبحث عن المزيد من التفسير والمعرفة والاستطلاع حتى تلم بالموضوع من جوانبه كافة, وهناك الكثيرون من رجال الفكر والأدب والمعرفة الذين يحضرون مجلسها ويستمعون باهتمام إلى آرائها, يحاولون الاقتداء بها في تعقب مصادر المعرفة دون التزمّت الضيق لرأي أو مأثور, وهذا ما أدركته بدوري منذ أن تفتح وعيي على الدنيا لأعتبر الكتابة والتأليف - وخاصة للأطفال - مسئولية كبيرة, وليست لممارسة هواية الكتابة أو للاسترزاق الرخيص لمحات من سيرة عذبة لواحد من عشاق التراث العربي. هذا العشق الذي دفعه لبحث دءوب كانت نتيجته إنقاذ واحد من أهم كتب هذا التراث. وُلدتُ في مدينة على شاطئ نهر عاص تدور عليه الدوائر. ورحم الله الأستاذ فارس الخوري رئيس المجلس النيابي السوري أيام الاحتلال الفرنسي حيث قال: حماةٌ بها عِزُّ العروبة والندى لها في مضامير الجهاد مفاخر بها من أطاع الشعب نال كرامةً وفيها على العاصي تدور الدوائر من أب شيخ قد جمع أربع نسوة, وكانت أمي آخرهن دمشقية حلوة جميلة, فتاة في ريعان الصبا, فجئت أشبه أولادها بها. ولهذا كنت الطفل المدلل الذي لا يرد له طلب. وفي يوم من أيام الربيع حضر إلينا من البادية شريكنا في الغنم على ناقته حاملا الصوف والسمن, ومازلت حتى الآن أذكر اسمه وقبيلته: تركي الضعيف من البوحسن من عشيرة الحديديين, فعلقته كظله, وعبثاِ حاولوا إقناعي بعدم الخروج معه إلى البادية, فكان جوابي البكاء والعويل, وأخيراً خضعوا لطلبي وخرجت معه وإني لأذكر والدتي تقول له والدمع في عينيها: أمانتك الوليد يا ضُعَيّف, فأجابها: بعيوني يا حريمة, وفي البادية أتاني بغزال رضيع فأخذت أرضعه من الشاة, وبقيت في البادية ما يقارب النصف شهر في أتم السرور مع هذا الغزال ,وهذه الحادثة كانت السبب في حبي للبدو وتعلقي بأنسابهم فيما بعد. نصيحة الجاحظ وأدخلت المدرسة وكنت شغوفا بحب القراءة, أستأجر الكتاب فأقرؤه ثم أعيده لصاحب المكتبة كما أخذته وآخذ غيره وهكذا دواليك, وقد قرأت كتاباً للجاحظ لا أذكر اسمه ولكن أذكر ما جاء فيه, يقول الجاحظ: أقرأ كل شيء وأكتب أحسن ما قرأت وأحفظ أحسن ما كتبت, وأروِ أحسن ما حفظت فهو بيت مالك. وهكذا فعلتُ حتى صار عندي أكثر من أربعين مجموعة وعملت لها فهرسا, فكلما سنحت لي فرصة أعود إلى مجموعاتي وأقرؤها مجددا فكنت أجد فيها متعة عظيمة وهكذا اتسعت ثقافتي. ثم حصلت على شهادة التعليم الثانوي وسافرت إلى القاهرة فالتحقت بجامعة فؤاد الأول, التي أصبح اسمها عندما تخرجت جامعة القاهرة, كلية التجارة قسم الاقتصاد السياسي, وحصلت على بكالوريوس اقتصاد ودبلوم إحصاء. وفي الجامعة حدث لي أمر آخر علقني بالقبائل العربية. كان أستاذي في مادة العلوم السياسية الدكتور بطرس غالي الذي أصبح فيما بعد أمينا عاما للأمم المتحدة, فكان يقول لي في أثناء محاضرته: إن في سوريا لا يوجد عروبة لأنكم بقايا أمم شتى, إنما العروبة والقبائل العربية هنا في مصر, وكان جوابي السكوت والموافقة خيفة ما ألقاه منه أثناء الفحص, وتخرجت وعدت إلى بلدي سوريا وهمّي الوحيد أن أكتب عن القبائل العربية في الشام بدءا من الجاهلية وحتى اليوم, فكنت كلما قرأت كتاباً له صلة بما أريد ردني إلى كتاب جمهرة النسب لابن الكلبيّ, فأخذت أبحث عنه حتى علمت أن نسخته المخطوطة الوحيدة في العالم موجودة في المتحف البريطاني بلندن ولم تحقّق أو تطبع. البحث عن جمهرة النسب وقرأت أنساب الأشراف للبلاذري إصدار المعهد الألماني في بيروت, فوقعت في القسم الثالث الذي حقّقه د.عبدالعزيز الدوري على حاشية له في الكتاب يذكر جمهرة النسب لابن الكلبيّ,فسافرت إلى عمّان وبوساطة د.حسين عطوان قابلت د.الدوري في جامعة عمّان, وسألته عن حاشيته وذكره جمهرة النسب, فكان جوابه لي: أنا أقصد مشجرات كاسكل التي طبعتها في هولاند مكتبة لايدن. وأخرج لي كتابا ضخما كله مشجرات مع مقدمة صغيرة باللغة الإنجليزية, وبوساطة د.عدنان بخيت رئيس قسم التراث في جامعة عمّان صوّر لي الكتاب مشكوراً في الجامعة, فأخذته وعدت أدراجي إلى دمشق. فكيف لي بقراءته وأنا لا أجيد اللغة الإنجليزية, فذهبت إلى ترجمان محلّف وترجم لي المقدمة. فإذا بالمقدمة يذكر كاسكل أن هذا المخطوط (جمهرة النسب لابن الكلبي) عمل فيه المستشرق الإيطالي ليفي دلافيدا ثلاثين عاما وأخفق في إصداره, وكان يتمنى ألا يموت إلا ويرى كتاب الجمهرة محققا مطبوعا, وأوصى أولاده إذا أدركته المنيّة أن يرسلوا أوراقه التي عملها في الجمهرة إلى كل من أراد العمل في الجمهرة, وهكذا كان فأرسل أولاده كلّ أوراقه إلى المستشرق كاسكل فعمل للكتاب مشجرات ولم يصدر الكتاب. وتشاء المصادفة أن أرسل وأنا موظف في المصرف الزراعي إلى منطقة تل أبيض على الحدود التركية لأفتش المصرف الزراعي هناك, وأتعرف على أحد موظفي المصرف, ويقول لي إن أمه من قبيلة نمير التي هجاها جرير, فسألته: وهل بقي أحد من نمير الآن, فأجابني: إن أمي نميرية تركية الجنسية ويوجد في تركيا قريبا من الحدود السورية أربع قرى سكانها من نمير وجدتي مازالت حية وتذكر دائما قبيلتها نمير. فسافرت بصحبته إلى جدته في تركيا, ولما دخلنا بيتها قال لها: يا جدة قد أتيتك بمن يحدثك عن قبيلتك فهو يعرف عنها الشيء الكثير, فجلسنا وتحدثنا كثيراً عن قبيلة نمير وكان البيت قد امتلأ بالرجال من أقاربها, وقالت لي الجدة بلهجة عربية تشوبها لكنة: لي عندك سؤال يا ولدي, فقلت: هات, فقالت لا نعرف هنا لماذا نحن نحب أن نسمي أولادنا صعصعة, فهذا ابني اسمه صعصعة, وابن أختي اسمه صعصعة, وابن عمي اسمه صعصعة, فقلت: لأن جدكم الأكبر عامر بن صعصعة لأن نميراً من بني عامر صعصعة وقمنا نعود إلى سوريا, فأقسمت بالله ألاّ نخرج من بيتها قبل الغداء, وقامت آخذة بيد ابنها صعصعة إلى كبش ساح مربوط بأرض الدار فذبحه ابنها وبقينا حتى تغدينا وعدنا, وهذه الحادثة شجعتني على تحقيق الجمهرة لأربط بين هؤلاء القوم وأصولهم العربية. وبدأت أبحث عن مخطوط الجمهرة فعلمت أن أحدهم قد اختصر الجمهرة وسماه مختصر جمهرة ابن الكلبي, وكان هذا المخطوط غير معروف إلى أن اكتشفه المرحوم العلامة الشيخ حمد الجاسر في مكتبة راغب باشا في اسطنبول, حيث كان مكتوبا على غلافه: كتاب التبيين في نسب القرشيين, فنظرإليه وإذا على الغلاف طُرّة مكتوب فيها: هذا ما أنعم الله به على عبده عبدالقادر بن عمر البغدادي وهو مختصر جمهرة ابن الكلبي, ولم أعرف مصنفه. ثم اكتشفت مصنفه وهو يحيى بن المبارك الغساني الحمصي, جفل يوم هجوم التتر على حمص وصعد الجبال لا يحمل معه سوى كتبه, فخرج قطب الدين اليونيني من بعلبك إلى الجبال ليتلقاه فوجده قد مات في إحدى القرى, فأخذ الكتب ومن جملتها مختصر الجمهرة وعلق عليه حواشي كثيرة بلغت أكثر من الأصل بأربع مرات وأكثرها من كتب مفقودة الآن كفتوح الشام لابن الكلبي وسيرة محمد بن عائذ الله الدمشقي التي يقال عنها أعظم السير, وهذا المختصر قد حققته وسأنشره بخط يدي كما فعلت بالجمهرة قريبا إن شاء الله, وكذلك ياقوت الحموي قد اقتضب الجمهرة وسماه المقتضب في جمهرة النسب لابن الكلبي, وبعد جهد وكد وعذاب تمكنت من الحصول على تلك المخطوطات الثلاث, لأستعين بها على كتابة العشائر العربية في الشام بدءاً من الجاهلية وحتى الآن. مع الكنانات العربية وكنت في زيارة لصديقي الأستاذ أحمد راتب النفاخ عضو مجمع اللغة العربية بدمشق تغمده الله برحمته, وتطرّق الحديث إلى الشاعر الفارس أسامة بن منقذ فقال المرحوم الأستاذ أحمد: أسامة بن منقذ الكناني ووقف, فقلت له: هو ليس كنانيا ولكنه كلبي,فغضب وأرعد وقال لي: يا محمود إليّ تقول هذا! قلت: نعم, وهل يجب السكوت على الخطأ, فخذ ديوانه ولننظر ممّن هو, فأتى بديوانه وبدأ يقرأ أسامة بن منقذ بن... ووقف عند كنانة, وقال ألم أقل لك بأنه كناني, فقلت له: كأنك يا أستاذ اتبعت قول أبي نواس: لا تقربوا الصلاة, فأكمل النسب وإذا به يقرأ ابن ثور بن كلب بن وَبَرة, فوقف وقد ذهل, فقلت له: لا عليك يا أستاذ, هناك في القبائل العربية ثلاث كنانات: كنانة عُذرة, وكنانة كلب, وكنانة مدركة التي منها قريش وهي أشهر الكنانات فعندما تصل في النسب إلى كنانة يتبادر إلى ذهنك الكنانة الأشهر فتقف عندها ومن هنا يأتي الخطأ. فسكت برهة وهو يفكر ثم قال لي: يا محمود مادمت هكذا تحفظ الأنساب ولك هواية في تتبع النسب, فلماذا لا تحقّق الجمهرة, وقد لا يأتي بعدك من يهتم بعلم النسب, خاصة أنك الآن الوحيد الذي لك هذه الهواية, فقلت: هذا المستشرق ليفي دلافيدا أمضى في تحقيقه ثلاثين عاماً وأخفق, وأتى بعده المستشرق كاسكل فأصدر مشجرات ولم يصدر الكتاب, وهذا عالمنا الشيخ حمد الجاسر لم يقدم لتحقيقه فأين أنا من هؤلاء? فقال لي: يا محمود هل علبة الثقاب الفارغة أفضل أم التي فيها عشرة أعواد? قلت: التي فيها عشرة أعواد أفضل, قال: ضع فيها هذه العشرة وسيأتي غيرك فيملؤها. قلت: سأفعل إن شاء الله. وحدثت ظروف اضطررت معها أن أترك سوريا وأسافر إلى اليمن, وبقيت هناك ثلاث سنوات أتتبع أخبار قبائلها في الماضي والحاضر, ولم أترك مكانا ذكر في كتب التراث إلا زرته وأمضيت الأيام في أودية زبيد أفتش عن آثار ماء هناك يسمّى غسان نزلت عليه الأزد عند رحيلها عن اليمن إلى الشمال بعد خراب سدّ مأرب, فكل من شرب منهم من هذا الماء سمي غسان, فلم أجد له أثراً حتى قيل لي: ربما كان عبارة عن تجمع مياه السيول التي تذهب بعد انقطاع أيام الأمطار. بين الماضي والحاضر وعدت إلى سوريا وأنا أشد تعلقاً بالقبائل العربية, ووقع بين يدي كتاب غزوة نابليون لمصر, وإذا بي أجد أن أول ما أوصى به نابليون العلماء الذين أتى بهم معه إلى مصر قوله: افصلوا ماضي الأمة عن حاضرها ومتى فصلناها عن ماضيها سهل ابتلاعها. فشدّ هذا القول من أزري على تحقيق الجمهرة كي لا نُبتلع فبدأت أنسخ المخطوط وما إن وصلت إلى نصفه تقريباً حتى فوجئت أن به دشتاً وخرماً. والدشت بلغة المحققين تقديم وتأخير في صفحات الكتاب, وهنا كانت الصعوبة لأن الكتاب عبارة عن أسماء فيقول فيه مثلا: هذا نسب بني مخزوم. وبعد صفحتين يقول لك هؤلاء بنو تيم الأدرم, فتعلم أن هناك تقديماً وتأخيراً في الصفحات, والخرم هو النقص في المخطوط, فترتيب الصفحات يمكن التغلب عليه بمساعدة مخطوطي مختصر ومقتضب الجمهرة, ولكن مع الخرم القليل لا يكمل الكثير ولكن العكس صحيح, فإذن لابدّ لي من الحصول على نسخة مخطوط أنساب الأشراف للبلاذري لأن البلاذري - رحمه الله - كان بعد عصر ابن الكلبي بمائة عام, وكان دليله في عمله كتاب الجمهرة وسار على منواله ولكنه توسع في الأخبار والأدب, فابن الكلبي يقول عن الحجاج بن يوسف بن عقيل, والي العراقين, بينما البلاذري كتب كل ما يعرف عن الحجاج وما قيل فيه, فأصبح كتابه كتاب تاريخ وأدب, فكتبت أستنجد بعالمنا الشيخ حمد الجاسر, وكان على قيد الحياة رحمه الله, فأرسل إليّ نسخة مخطوط أنساب الأشراف نسخة اسطنبول وكتب إلي أن هذه كثيرة الأخطاء. فاستعنت فيها في عملي وأكملت نسخ الجمهرة. ودفعت عملي إلى التنفيذ من أجل الطباعة, فأمضيت ما يقارب السنة في تصليح الأخطاء فكل كلمة حُبَيْب وحُبَيّب يكتبونها حَبِيب, فرأيت لزاما علي أن أخطّه, وقد وهبني الله خطا جميلا وطبعته بأجزائه الثلاثة بخط اليد, وكان الجزء الثالث مشجّرات أشرت فيها إلى أخطاء كاسكل وما أنقصه من الأسماء. الجمهرة... والبداية ثلاثة أجزاء وهكذا ظهر للوجود كتاب جمهرة النسب لابن الكلبي بأجزائه الثلاثة, وكتاب معدّ واليمن الكبير لابن الكلبي بأجزائه الثلاثة أيضا, والأول يحوي نسب القبائل العدنانية, والثاني يحوي نسب القبائل القحطانية, ومن خلال عملي فيهما ثبت عندي أنهما كتابان لا كتاب واحد, فقد عمل ابن الكلبي الكتاب الأول نسب معدّ واليمن الكبير, وكأنه لم يرض عنه, فعاد وعمل كتاب الجمهرة لأنه الأصح والأعم والأدق, ومختصر الجمهرة ومقتفيه كانا للجزأين من الجمهرة حيث إنهما كانا موجودين في ذلك العصر, أما الآن فلا يوجد إلا نسخة وحيدة في العالم للجزء الأول من الجمهرة الذي يحوي نسب القبائل العدنانية وقسما من القبائل القحطانية إلى آخر قبيلة الأوس الأنصارية, وكتب ابن الكلبي في آخره: انتهى الجزء الأول من الجمهرة ويليه الجزء الثاني وأوله قبيلة الخزرج الأنصارية, ونسخة وحيدة من الجزء الثاني من كتاب نسب معد واليمن الكبير لابن الكلبي في دير الأسكوريال بمدريد. ثم بعد ذلك شاركت في تأليف كتاب (الشهد المذاب فيما لذّ وطاب) مع ابن خالي المرحوم إبراهيم سيف الدين التركماني المقيم في الرياض, وهو عبارة عن قصص منتقاة من كتب التراث, وكان خير شريك في عمل تغمّده الله برحمته إنه سميع مجيب. ثم طلب إليّ صديق لا أقوى على رده أن أعمل في الأجزاء التي لم تصدر من كتاب أنساب الأشراف للبلاذري وبدأت بالجزء الثاني منه وسميته: علي وبنوه وأصدرته وما إن ظهر في الأسواق حتى بدأ الناس يسألونني عن الجزء الأول, فأجيب بأنه صدر من قديم بتحقيق د.محمد حميد الله, ولتلبية لرغبتهم أعدت تحقيق الجزء الأول عن نسخة المخطوطة الموجودة في المكتبة العامة المغربية, وبمساعدة نسخة الخزانة الملكية في الرباط ونسخة اسطنبول, وهكذا إلى الجزء الثاني عشر وكان آخر الأجزاء من تصنيف البلاذري رحمه الله, فأدركته المنية ولم يكمل (مضر) فأسقط بطنا من ثقيف وبني عامر بن صعصعة جميعهم, فأصدرت الجزء الثالث عشر وأكملت فيه (مضر) ثم أصدرت الرابع عشر والخامس عشر, وفيه كمل نسب العدنانيين وذلك على نفس طريقة البلاذري وسميته: (المستدرك على أنساب الأشراف للبلاذري) من تأليف محمود الفردوس العظم, وبدأت بالسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والأجزاء الثلاثة هي تحت الطبع, وبدءا من الساس عشر وهو نسب القحطانيين, وأظن أنه سيصل إلى الجزء الأربعين, وقد لاقيت الأمرين من المفهرسين فقد فهرسوا الجزء الأول وحتى الثالث, وبدءا من الرابع وما بعد فأنا الذي فهرسته, ولكن على الطريقة الحديثة, فجعلت بجانب كل اسم علم السبب الذي ذكر اسمه من أجله, ثم رقم الصفحة, وذلك تسهيلا على القارئ والباحث إذا أراد أن يعرف خبراً محدّداً عن إنسان ما فيلقى بغيته في الفهارس, حتى قال لي أحدهم: والله يا محمود إن الذي يقرأ فهارسك يأخذ ملخصاً عن الكتاب. علم النسب كان أبان بن الوليد البجلي عاملاً على واسط لابن عمه والي العراق, في عهد هشام بن عبدالملك أمير المؤمنين, خالد بن عبدالله البجلي ثم القسري, ولما قال الشاعر الكميت بن زيد الأسدي قصائده الهاشميات ومدح فيها بني هاشم وهجا بني أمية, كتب أمير المؤمنين هشام إلى عامله على العراق خالد بن عبدالله أن يقطع لسان الكميت بن زيد ويديه ورجليه, فأخذ خالد الشاعر الكميت ووضعه في الحبس, وبلغ الخبر أبان بن الوليد وكان صديقا حميما للكميت, فدعا غلاما له وأعطاه بغلا وقال له: أنت حر والبغل لك إذا لحقت الكميت قبل أن يقتل, وكتب إليه: بلغني ما صرت إليه فوالله لا أرى لك إلا القتل, فادع امرأتك وتخمّر بخمارها والبس ثيابها واخرج, فإن خالدا لا يتعرض للنساء, وإن تعرض لها فسيمنعه قومها بنو أسد, فلحقه الغلام وأبلغه الرسالة, فدعا الكميت امرأته حتى وافته إلى الحبس ومعها جاريتها فقص عليها الخبر, فقامت وخمّرته بخمارها وألبسته ثيابها وقالت له: أقبل وأدبر, ففعل, فقال والله لا أنكر شيئا منك إلا يُبسا في كتفيك, يعني تخلّع كما تتخلع النساء في المشي - وقالت: اخرج على بركة الله واتبعته جاريتها فخرج ولم يؤبه له واستخفى في بني أسد إلى أن نام الطلب عنه فخرج حتى لحق بالشام واستجار بمسلمة بن هاشم بن عبدالملك, فقال له: لا أجير على أمير المؤمنين ولكن أحتال لك, فإن معاوية بن هاشم قد مات منذ قريب وكان يخلفه لولاية العهد فقبره أمام القصر لينظر إليه في صباح كل يوم, فأخرج إلى بر واضرب فسطاطك عليه, فإذا أخذوك فسأرسل إليك أولاد معاوية ليمنعوك, ففعل ففي الصباح نظر هشام إلى القبر فشاهد الفسطاط فقال: ما هذا? فقيل له لعله رجل استجار بقبر معاوية, فقال قد أجرت من استجار بقبره إلا أن يكون الكميت بن زيد, فأتوني به فإن كان الكميت فتعتعوا به, فأرسل مسلمة بن هشام أولاد معاوية وهم غلمان صغار وعلى رأسهم عبدالرحمن الذي أصبح فيما بعد مؤسس الدولة الأموية بالأندلس ولقّب صقر قريش, فركضوا إلى الكميت وربطوا أثوابهم بثوبه, فلما أتوه وهو على هذه الحال لم يقدروا أن يتعتعوا به, فلما ادخل معهم على هشام قال له الغلام عبدالرحمن: يا جدّاه لقد مات أبي ومات معه حظه من الدنيا, فانشدك ألا تفضحنا بمن استجار بقبره, فبكى هشام حتى انتحب وسقطت الدموع من لحيته ثم قال: قد أجرتك يا كميت, وبقية الخبر طويل, ولكن الذي يهمني هو الآتي: فلما عفا هشام عن الكميت وعاد إلى العراق مدح أبان بن الوليد البجلي بثلاثة أبيات ما وجدت لها ذكراً فيما قرأت من كتب, فأخذت ديوان الكميت الذي تم جمعه من كتب التراث, وإذا بالأبيات الثلاثة, ولكنه قال: إنها في مدح إبان بن الوليد بن عبدالملك نقلاً عن خزانة الأدب للبغدادي. فكاد يذهب عقلي أيمكن لعالمنا الجليل صاحب موسوعة خزانة الأدب التي تعد من أعظم المراجع في كتب التراث العربي أن يخطئ, والكميت بن زيد لم يظهر في عهد الوليد بن عبدالملك فرجعت إلى خزانة الأدب وإذا بقوله صحيح فقد ذكر البغدادي في الجزء الأول من خزانة الأدب الصفحة الواحدة والسبعين بعد المائة طبعة الهيئة المصرية للكتاب التالي: ولم يستريثوك حتى رميـ ـت فوق الرجال خصالا عشارا وهذا البيت من قصيدة للكميت, يمدح بها أبان بن الوليد بن عبدالملك بن مروان وقبله: رجوك ولم يبلغ العمر منـ ـك عشراً ولا بنت فيك اتّغارا لأدنى خساً أو زكامن سنيك إلى أربع فيقول انتظارا فلما رأيت ذلك قلت في نفسي لعلك يا محمود أنت الواهم فرجعت إلى كتاب نسب قريش للمصعب الزبيري, وقد عدد أولاد الوليد بن عبدالملك فلم أجد بين أولاده من اسمه أبان الحياة محطات. وحياتي تزخر بمحطات كثيرة, في الأمكنة والأزمنة, في علاقات كثيرة وفي حوادث عدة, منها ما هو طبيعي ومنها ما هو غريب فريد, منها ما تفترّ له الأسنان ومنها ما تكفهر له الوجوه وتسودّ منه القلوب. عندما يعود المرء بذاكرته إلى أيام طفولته ومرتع صباه, يرى نصب عينيه الحيّ الذي عرفه طفلاً والشوارع التي ترعرع فيها مراهقاً ويافعاً. ما أراه الآن ماثلاً أمام ناظري هو مدينة طرابلس, (الفيحاء) التي أنتمي إليها - عبر أجدادي - ربما منذ أكثر من سبعة قرون على ذمة المؤرخين, وبالتأكيد منذ حوالي قرنين من الزمان, كما تشهد بذلك وثائق مديرية الأوقاف الإسلامية في المدينة. تقبع طرابلس في سفوح أعلى جبال لبنان, في شماله, وعلى شاطئ البحر. كانت عائلتي تقطن فوق هضبة صغيرة تشرف على المدينة القديمة وتطلّ على البحر البعيد. ولاتزال بعض المشاهد الجميلة ماثلة في ذهني, مثل جبال الأرز الشاهقة التي كانت تظهر بوضوح وهي تتوهّج تحت أشعة الشمس, وبعد أيام عدة من المطر والثلوج, وهي ترتفع شامخة متلفّعة بوشاحها الأبيض الطويل الذي يبدأ أبيض يققاً وكثيفاً متلألئاً في القمم العالية ثم ينسدل ممتداً فوق الهضاب المتموجة حتى ينتشر في أهداب تصل إلى تخوم حقول الزيتون المجاورة. ولا أنسى أبداً مشهد نهر (أبو علي) الذي يمر في وسط المدينة وهو يجرّ ما حطمته الأمطار والسيول من غصون الشجر ويندفع بمياهه التي انصبغت بلون الوحول الحمراء, فيذكرنا بأسطورة أدونيس وحكاية حبّه لعشتروت وكيف قتله الخنزير البري فاصطبغت مياه نهر إبراهيم بدمائه. ولا يمكن أن أنسى البحر الواسع الذي يمتدّ إلى أبعد ما تستطيع العين رؤيته, فيكون أزرق ساكناً يتصل بزرقة السماء في الأفق أو أبيض يتموج مزيداً إذا ما هبت الرياح. ما أذكره من أيام طفولتي محطات أخرى كثيرة: طيور السنونو وهي تحلق في بداية الخريف أو تصطف متكاتفة على أسلاك الكهرباء أمام شرفة منزلنا, وأرتال البغال تأتي بأكياس الزيتون المبللة وتطرحها أمام معصرة الزيتون بالقرب من حيّنا, ورائحة الزيت وهي تنتشر متطايرة يحملها النسيم البارد فتملأ أنوفنا الصغيرة, وضجيج أحجار الرحى وهي تدور في المعصرة وتدور بلا توقف, والشتاء المنهمر يبلل رءوسنا الصغيرة خلال الأيام الأولى من السنة المدرسية, والفيضان الذي غمر أحياء المدينة القديمة بعد أيام عدة من الأمطار الغزيرة المتواصلة, والشوارع القاتمة الحزينة والوجوه المكفهرة بعد أخبار نكسة يونيو 1967, ووفاة جمال عبدالناصر ومظاهرات الغضب والحزن الرافض. وإن أنسى لا أنسى أمسيات رمضان المتلألئة في شوارع المدينة الضيقة, حيث الناس ينشطون في الأزقة, ويتزاحمون في الدكاكين وفي المقاهي, يسهرون ويتسامرون, يصلون ويتعبّدون, حتى ارتفاع نقرات طبول المسحّرين إيذاناً بقرب وقت الإمساك. وأذكر من هذه الحقبة الجوامع العتيقة التي شهدت انتصارات القادة المسلمين على مرّ السنين. وخصوصاً (الجامع المنصوري الكبير) الذي يتوافد إليه الأهالي زرافات ووحدانا, الأجداد بصحبة الأحفاد, والرجال فيما بينهم, كل واحد منهم يحتفظ بموقع له في باحة المسجد, هذا في الزاوية وذاك قرب الحائط, أما الآخر فقد أخذ مكان والده الذي توفي أخيراً بجوار المنبر, في حين يأبى ابن عمه إلا أن يصلي لصق الصندوق الذي يحضن خصلةً من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعهم يأتون خاشعين لقراءة القرآن, أو للاستماع لدروس الشيخ, أو لإقامة صلاة التراويح. وأجمل ذكريات الطفولة أيام عيد الفطر السعيد, حيث كنا نقضي آخر أيام رمضان المبارك ونحن نبحث في الأسواق المزدحمة عن الثياب الجديدة. وننتظر في آخر يوم أن تدوّي المدافع معلنة نهاية شهر الصوم, فنتزاحم في البيت أنا وأخوتي في الصالون الكبير لنفرش الجاكيت والبنطال على الأريكة الكبيرة ونضع الحذاء اللماع الجديد أمامها. وفي صبيحة العيد, كنا نزحف مع الزاحفين إلى المقبرة, الرجال يدخلون من باب والنساء من باب آخر. أما الأولاد فلا يعرفون مع أيّهم يدخلون, فمنهم من يتأنى في مشيته خشية اتساخ الثوب البهي, ومنهم من بدأ يعرج قليلاً من شدة ضيق الحذاء الجديد. وبعد قراءة الفاتحة أمام شواهد القبور, كنا نعود لنأكل الكعك الساخن ونركب الأراجيح ونحن نغني: (يا حج محمد يويو, قديش مصمّد, يويو, مصمد مصريّة, يويو,....). رمال طرابلس من يزور طرابلس لابدّ له من المرور بـ(قهوة التل العليا), المقهى العتيق الذي يربض على ربوة صغيرة في وسط المدينة. كان هذا المكان أيام شبابنا موئل تلامذة المدارس وطلاب الجامعات ومحجة المثقفين والمفكرين. عند اقتراب موعد امتحانات آخر السنة, كنا نذهب إليها ونقضي اليوم بطوله تحت الأشجار الضخمة الباسقة, نرتشف كوب الليمونادة, ونحن نعصر أدمغتنا في حلّ مسائل الحساب والهندسة, أو نقلّب صفحات الكتب نتفرّس في مكنوناتها, ونحاول أن نُدخل مضامينها في عقولنا الناشئة. وكنا إذا ما تعبنا من كثرة الجلوس نزرع الأرض المفروشة بالرمال الناعمة جيئة وذهابا والكتب في أيدينا وعيوننا شاخصة في رءوس الأشجار, وشفاهنا تردد بصمت تاريخ المعارك أو شعر المتنبي أو نظرية الذاكرة أو فلسفة ابن سينا. كان هذا المقهى مدرسة كبيرة. كان الصغار يطرحون على الكبار الأسئلة لحل ما أشكل عليهم من مسائل ونظريات, فإذا ما أسقط في يد هؤلاء كانوا يتوجهون بخفر إلى الجانب الآخر من المقهى لطلب رأي أحد الأساتذة الذين كانوا يطالعون الصحف أو يقرأون المجلات أو يتجادلون في مصير الأمة العربية. * * * (إياكم والسياسة يا أبنائي, فالسياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته). تلك هي الكلمات التي كان والدي - رحمه الله - يرددها على أسماعنا أنا وأخوتي بين الحين والحين, وكلما صادف من بين أصدقائنا مَن تستهويه السياسة أو ينجرف في تجمعات حزبية أو أيديولوجية. لكنه كان يردّدها أقل بكثير من طرائف اللغة العربية وأخبار الشعراء, والقصائد العصماء, والاكتشافات المعاصرة وغيرها. فنشأت في بعدين اثنين: كرهٌ للعمل ضمن الأحزاب السياسية التي لا يمكن في بلادنا هذه إلا أن تكون (دولاباً) يعلو بك تارة فتعيش في الرفاهية والنعيم وينزل بك تارة أخرى فتطأك الأقدام وينساك الناس. أما البعد الثاني, فكان الشغف بالقصيدة العربية, والكلف بأخبار العصاميين من رجالات تاريخنا, وحبّ اللغة, والفضول العلمي, والاهتمام بكل ما هو جديد. كان والدي مدير مدرسة ابتدائية. وكان ينتمي إلى جيلٍ من رجالات الفكر في طرابلس بلبنان, جيل من الأساتذة والمفكرين الذين كانوا يعودون في جذورهم إلى أعماق التاريخ العربي الإسلامي وينظرون بأعينهم إلى آفاق العلوم الحديثة وطرائق التفكير العلمي الحديث الآتية من الغرب, فلا يجدون بين هذه وتلك أي تناقض أو تنافر. كانوا في الحقيقة ضمامة من المتنورين الذين أنبتتهم على عادتها طرابلس, مدينة العلم والعلماء. أما أمي, رحمها الله, فقد كانت من النساء القليلات اللواتي دخلن المدرسة وتعلمن. كانت تجيد العزف على البيانو, وتتكلم الفرنسية والإيطالية, كما كانت ماهرة في التطريز وفنون الطبخ. أذكر أنها كانت تردّد قائلة لأبي: (لديك أشبال وأنا الكفيلة بأن يصبحوا أشدّ من الأسود). لكن المرض عاجلها واستبدّ الموت في أوصالها فأطفأ في عينيها نور الحياة وغادرت الدنيا وأطفالها لايزالون صغاراً لم يقوّ عودهم ولم يعتادوا بعدُ الأنواء التي تعصف بسفينة الحياة. وما أحفظه في صدري عن والدي هو أنه كان يجلس دائماً على (الدشكة) ورأسه مرفوع والنظارتان فوق أرنبة أنفه, وهو يقرأ مجلة (العربي) أو كتاباً من كتب (الهلال), وكان يفخر أنه يملك أعداد (العربي) كلها, من العدد الأول وحتى آخر ورقة صدرت منها, وأنه يشتري كل إصدارات (كتاب الهلال) ويقرأها منذ سنين عدة. في مثل هذا الجو ترعرعت, فنشأت وجذوري ضاربة في أعماق تراثنا الإسلامي ولغتنا العربية, وعقلي منفتح للغات الأجنبية ومناهج الفكر الحديث. الحقيقة أنني كنت بين اتجاهين. كان هناك, من جهة, أبي الذي كان يقول لي (العربية يا أبي, لا تنسها فهي قلبك وينبوع وجودك وأساس دينك), وأخي الأكبر (ماجد) الذي كان يحدّثني دائما في بلاغة الشعر العربي ودقة معانيه ويفاضل بين معاني هذه القصيدة وموسيقى تلك. ومن جهة أخرى, كانت هناك الموجة أو موضة أواسط الستينيات التي كانت تحبب اللغة الأجنبية, والفرنسية خاصة, إلى قلوب الناس. وقد كان لهذين الاتجاهين أن أصابني شغف القراءة في اللغتين. فقرأت أمهات الكتب في الأدب الفرنسي, من أعمال فلوبير وبلزاك إلى روايات كامو وأندريه جيد وأنا مازلت يافعاً. ولكنني لم أنس أن أقرأ أيضاً لطه حسين وأحمد أمين وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة, وخصوصاً للمنفلوطي وتوفيق الحكيم. وكان كل ذلك قبل أن أدخل الجامعة اللبنانية حيث استغرقني تخصصي بآداب اللغة الفرنسية فابتعدت عن العربية وأدبها. ولكن إلى حين. عندما كنت صغيراً كنت أريد أن أصبح طياراً أو أستاذاً جامعياً ومؤلفاً. فتحقق الحلم الثاني, فأنا اليوم أستاذ في الجامعة اللبنانية أدرس فيها منذ أكثر من ربع قرن, وباحث في مجالات علوم اللغة والترجمة وعلاقاتهما بالفكر والنفس والمجتمع, ومؤلف أكتب الأبحاث وأنشر الدراسات. لكن الحلم الأول لم يخب تماماً. ذلك أنني أضطر غالباً إلى ركوب الطائرة للمشاركة في الندوات والمؤتمرات في مختلف أصقاع العالم. مساحة فرنسية إذا كان لطرابلس, مسقط رأسي, الموقع الرئيس في طفولتي ومراهقتي, فإن لمدينة (ليون) بفرنسا مكانة أخرى في حياتي, ولهذا - بالطبع - خصاصة في قلبي. عندما وصلت إليها لأول مرة, كان الطقس مكفهراً, والسماء تمطر, والغيوم متلبدة تكاد تلامس رأسي. ولم يكن اللقاء الأول بيني وبينها جميلاً. لكنني أحببتها شيئاً فشيئاً. أو لنقل إنها قدّمت لي من الإغراءات ما جعلني أتعلق بها وأعود إليها كلما سافرت إلى الخارج. هناك الأشجار الخضراء المصطفة على نهر (السون) الذي يجري بطيئا لا تسمع له هديراً ولا تعرف في أي اتجاه يسير. إنه النهر الحالم حيث يتنزه العشاق ويتقابل المتواعدون. وعلى العكس منه هناك نهر (الرون) الذي يجري مندفعاً باتجاه الجنوب تملأه الأمواج الغاضبة ويتسارع على جسوره أناس يزحمهم العمل ويلاحقهم الزمن. وعلى العكس مما يجد الطالب في العاصمة باريس, وجدت في مدينة ليون الهدوء الذي يحتاج إليه الباحث, والسكينة التي يبحث عنها كل عالم. فقضيت فيها أياماً وسنين, بين مكتبة الجامعة التي تزخر بالمخطوطات والدراسات والمجلدات وغرفتي في المدينة الجامعية حيث كنت أنقر على الآلة الكاتبة نتائج أبحاثي. ولم أنس نصيبي من الدنيا, ففي هذه المدينة الكثير من الحدائق, والمتنزهات, وشوارع المشاة, ودور السينما والملاهي, وكذلك عدد من الأصحاب والصويحبات. وإذا كان أهل هذه المدينة الأصليون من الطبقة البورجوازية الغنية المعروفة بانكماشها وابتعادها عن الاختلاط بالغرباء, وهم قلّة, فإن معظم قاطنيها من مدن فرنسية أخرى أو من الريف, وهم بذلك وافدون عليها, كما كنت أنا. لذلك لم أجد صعوبة في الاختلاط بعدد لا بأس به من سكانها, فنمت بيني وبينهم أواصر الصداقة والأخوّة الدائمة. وكان من أهمهم الأستاذ الذي حضّرت شهادتَيْ الدكتوراة (الحلقة الثالثة ودكتوراة الدولة) تحت إشرافه والذي أصبح فيما بعد من الأصدقاء الحميمين, وهو ميشال لوغوارن, صاحب نظرية التحليل الدلالي للصور المجازية وصاحب الدراسات العميقة في لسانيات الخطاب الأدبي وعلم منطق الدلالة. مداعبة اللحظات دخلت لأول مرة إلى القاعة التي كانت تعقد فيها الندوة الأسبوعية في جامعة ليون الثانية, وكانت بعنوان: (علوم اللغة ولسانيات الخطاب). كان قلبي يخفق من الرهبة مما ينتظرني. جلست في نقطة من الدائرة الكبيرة, وأخذت أنظر إلى الحضور. كانوا كلهم من أساتذة الجامعة, وكان من بينهم, وهم قلّة, عدد من الطلاب الباحثين الذين يحضّرون مثلي شهادة الدكتوراة. وجوه شاحبة, وعيون غائبة عميقة تنظر في عالم بعيد عني, أو أنه قريب ولكنني لا أراه, هناك إلى يساري وجه كحدّ السيف, الشفتان دقيقتان لا تكادان تلامسان الغليون الذي تطبق الأسنان عليه بعصبية. تخيلت أن صاحبه خرج من المستشفى لتوّه أو أنه مصاب بمرض عضال. على يميني, كان كبيرهم ذو الشعر الأبيض الكثّ. كان يضع في فمه, هو كذلك, غليوناً أبيض كبيراً على شكل رأس شيخ هرم. كان معظم الحاضرين يدخنون الغليون. حتى الفتاة ذات الرأس الصغير التي تجلس أمامي, كانت تضع أمامها غليوناً صغيراً. الحقيقة أنني لم أفهم شغفهم جميعاً بهذه الآفة إلا في وقت لاحق, أي عندما أخذتني أنا كذلك - أنا الذي أكره الدخان والذي كنت أسمع والدي يقول إن الدخان لو كان موجوداً في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمنع تجارته واستعماله, عندما أخذتني أنا أيضاً - الرغبة في تدخين الغليون, تماماً مثلما يفعل الأستاذ ذو الرأس الأبيض الكبير. تساءلت: هل سأصبح مثل هؤلاء? عيون هائمة في عالم مجهول, وأجسام ضامرة, وأفواه مشدودة لا تعرف الابتسامة إلا إذا وجد صاحبها في نظرات الآخرين الاعتراف بأنه فاقهم في تحليل, أو بزّهم بفكرة, أو سبقهم إلى استنتاج. كان انطباعي الأول نفوراً من هذا الجو واستنكاراً له. خصوصاً بعد أن سمعت أحدهم يقول: (والله لم أنم ليلة البارحة, لقد كانت كدسة الكتب التي عليّ أن أقرأها قد تعدّت عشرة مؤلفات. فبقيت الليل قائماً حتى انتهيت من قراءة كتابين منها). كذلك قال آخر: (لو لم يكن من واجبي قراءة كتاب فلان لرميته من النافذة, لكنني بقيت حتى الرابعة صباحاً وقرأته حتى آخر صفحة. والله إنه لا يُحتمل). تساءلت عندها: ولماذا هم مجبرون على قراءة هذه الكتب? أفلا يستطيعون طرح هذا الكتاب الذي لا يستسيغونه جانباً وقضاء الأمسية أمام التلفاز? ولم أستطع الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد مرور أشهر عدّة, عندما أصبحت لا أرى كتاباً في اللسانيات إلا وقرأته, وعندما أصبحت أغادر باكراً قاعة التلفاز المخصّصة للطلاب في المدينة الجامعية حتى أستطيع أن أقضي الليل في قراءة أمهات الكتب اللغوية وتتبع أحدث الدراسات اللسانية. وأستطيع القول إن إقامتي في هذه المدينة قد علّمتني الكثير, وخصوصاً فيما يتعلق بمنهجية التفكير ودقّة التحليل. وأضيف أنها علّمتني أن العمل الفردي ناقص دائما, وأن أفكار الباحث تزداد عمقاً واتساعاً إذا عرضها وناقشها على زملائه من ذوي الاختصاص. لذلك اعتدت منذ تلك الفترة أن أعرض مشاريع الكتب التي أود تأليفها على زملائي حتى يشاركوني فيها, أو أسألهم عن المشاريع التي يفكرون بها عارضاً عليهم المشاركة. حرقة الأفئدة الموت حقّ. وردّه من المُحال. لكنه عندما يأتيك في أوقات لا تنتظره فيها, وعندما يخطف أشخاصاً في ربيع العمر أو أناساً تتعلق حياتك العاطفية أو العملية بهم, عندها يكون الموت موجعاً وأليماً يزرع الحرقة في الأفئدة والجزع في النفوس, فيضطرب النظر وتتشوش الرؤية وتنطبع في القلب بقعة سوداء لا يقوى مرور الزمن على محوها, ولا ملذات الدنيا على النيل منها, ولا الجدّ والعمل الدءوب على نسيانها. أول محطة للموت في حياتي كانت وفاة أمي وأنا في الثامنة من عمري, لا أذكر من تلك الفترة سوى أنني كنت كفارس رأسه في السماء يناطح السحاب وصدره مرفوع يصارع الرياح, فإذا بضربة قوية تصدم جبينه وتطيح به أرضا فلا يدري ماذا جرى ولا أين كان ولا كيف سيكون. ثم جاءت المحطة الثانية, كانت وفاة ابن عم لي وهو زهرة لم تكن قد أينعت. كنا في عمر واحد لا يمر يوم إلا وذهبت لرؤيته أو جاء هو لزيارتي. كنا نقضي أوقاتنا معا نذهب إلى المدرسة, نتنزّه في حقول الزيتون المجاورة للمدينة أو في شوارعها المكتظة بالمارة والبائعين, وكنا نتحدث في الدراسة والحياة والمستقبل ومغامرات المراهقة والشباب. ثم اختفى. اختفى وهو لايزال على مقاعد الدراسة الجامعية. فذهب وكأن جزءاً من نفسي قد قضى. وأخيراً, منذ سنوات عدة, كاد الموت أن يخطف زوجتي, وهي أم لثلاث بنات لم تبلغ كبراهنّ الحادية عشرة من عمرها. لكن الله لطف بما جاءت به المقادير, فعادت إلى الحياة الطبيعية بعد أن يئس الأطباء وأعيتهم الحيلة من شفائها. * * * تلك هي أماكن نشأت فيها, وتلك هي أزمنة أساسية وحوادث رئيسة خطرت ببالي عندما بدأت أفكر فيما أثر في تكوين شخصيتي العلمية والذاتية. وإذا ما أردت أن ألقي نظرة شاملة على حياتي لوجدت أن اقتراب الموت ممن أحب جعلني أؤمن بأن العمل الدائم والنشاط الدءوب هما ما يعطي للحياة معناها وما يجعل من الدنيا طريق الإيمان الصحيح. كذلك, فإن نشأتي في عائلة عريقة في العلم وفي مدينة معروفة قديماً وحديثاً بأنها منبع المثقفين والمفكرين, من ناحية, ومن ناحية أخرى, انتقالي إلى مدينة كبيرة في أوربا ومواكبة العلماء فيها, هما قطبان جعلا مني جسراً يصل في الصميم بين الشرق والغرب, فأنا اليوم أجمع في داخلي بين الإيمان والجديّة, وبين الدقة في التحليل والمنهجية في التفكير. الحياة محطات. وحياتي تزخر بمحطات كثيرة, في الأمكنة والأزمنة, في علاقات كثيرة وفي حوادث عدة, منها ما هو طبيعي ومنها ما هو غريب فريد, منها ما تفترّ له الأسنان ومنها ما تكفهر له الوجوه وتسودّ منه القلوب. عندما يعود المرء بذاكرته إلى أيام طفولته ومرتع صباه, يرى نصب عينيه الحيّ الذي عرفه طفلاً والشوارع التي ترعرع فيها مراهقاً ويافعاً. ما أراه الآن ماثلاً أمام ناظري هو مدينة طرابلس, (الفيحاء) التي أنتمي إليها - عبر أجدادي - ربما منذ أكثر من سبعة قرون على ذمة المؤرخين, وبالتأكيد منذ حوالي قرنين من الزمان, كما تشهد بذلك وثائق مديرية الأوقاف الإسلامية في المدينة. تقبع طرابلس في سفوح أعلى جبال لبنان, في شماله, وعلى شاطئ البحر. كانت عائلتي تقطن فوق هضبة صغيرة تشرف على المدينة القديمة وتطلّ على البحر البعيد. ولاتزال بعض المشاهد الجميلة ماثلة في ذهني, مثل جبال الأرز الشاهقة التي كانت تظهر بوضوح وهي تتوهّج تحت أشعة الشمس, وبعد أيام عدة من المطر والثلوج, وهي ترتفع شامخة متلفّعة بوشاحها الأبيض الطويل الذي يبدأ أبيض يققاً وكثيفاً متلألئاً في القمم العالية ثم ينسدل ممتداً فوق الهضاب المتموجة حتى ينتشر في أهداب تصل إلى تخوم حقول الزيتون المجاورة. ولا أنسى أبداً مشهد نهر (أبو علي) الذي يمر في وسط المدينة وهو يجرّ ما حطمته الأمطار والسيول من غصون الشجر ويندفع بمياهه التي انصبغت بلون الوحول الحمراء, فيذكرنا بأسطورة أدونيس وحكاية حبّه لعشتروت وكيف قتله الخنزير البري فاصطبغت مياه نهر إبراهيم بدمائه. ولا يمكن أن أنسى البحر الواسع الذي يمتدّ إلى أبعد ما تستطيع العين رؤيته, فيكون أزرق ساكناً يتصل بزرقة السماء في الأفق أو أبيض يتموج مزيداً إذا ما هبت الرياح. ما أذكره من أيام طفولتي محطات أخرى كثيرة: طيور السنونو وهي تحلق في بداية الخريف أو تصطف متكاتفة على أسلاك الكهرباء أمام شرفة منزلنا, وأرتال البغال تأتي بأكياس الزيتون المبللة وتطرحها أمام معصرة الزيتون بالقرب من حيّنا, ورائحة الزيت وهي تنتشر متطايرة يحملها النسيم البارد فتملأ أنوفنا الصغيرة, وضجيج أحجار الرحى وهي تدور في المعصرة وتدور بلا توقف, والشتاء المنهمر يبلل رءوسنا الصغيرة خلال الأيام الأولى من السنة المدرسية, والفيضان الذي غمر أحياء المدينة القديمة بعد أيام عدة من الأمطار الغزيرة المتواصلة, والشوارع القاتمة الحزينة والوجوه المكفهرة بعد أخبار نكسة يونيو 1967, ووفاة جمال عبدالناصر ومظاهرات الغضب والحزن الرافض. وإن أنسى لا أنسى أمسيات رمضان المتلألئة في شوارع المدينة الضيقة, حيث الناس ينشطون في الأزقة, ويتزاحمون في الدكاكين وفي المقاهي, يسهرون ويتسامرون, يصلون ويتعبّدون, حتى ارتفاع نقرات طبول المسحّرين إيذاناً بقرب وقت الإمساك. وأذكر من هذه الحقبة الجوامع العتيقة التي شهدت انتصارات القادة المسلمين على مرّ السنين. وخصوصاً (الجامع المنصوري الكبير) الذي يتوافد إليه الأهالي زرافات ووحدانا, الأجداد بصحبة الأحفاد, والرجال فيما بينهم, كل واحد منهم يحتفظ بموقع له في باحة المسجد, هذا في الزاوية وذاك قرب الحائط, أما الآخر فقد أخذ مكان والده الذي توفي أخيراً بجوار المنبر, في حين يأبى ابن عمه إلا أن يصلي لصق الصندوق الذي يحضن خصلةً من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعهم يأتون خاشعين لقراءة القرآن, أو للاستماع لدروس الشيخ, أو لإقامة صلاة التراويح. وأجمل ذكريات الطفولة أيام عيد الفطر السعيد, حيث كنا نقضي آخر أيام رمضان المبارك ونحن نبحث في الأسواق المزدحمة عن الثياب الجديدة. وننتظر في آخر يوم أن تدوّي المدافع معلنة نهاية شهر الصوم, فنتزاحم في البيت أنا وأخوتي في الصالون الكبير لنفرش الجاكيت والبنطال على الأريكة الكبيرة ونضع الحذاء اللماع الجديد أمامها. وفي صبيحة العيد, كنا نزحف مع الزاحفين إلى المقبرة, الرجال يدخلون من باب والنساء من باب آخر. أما الأولاد فلا يعرفون مع أيّهم يدخلون, فمنهم من يتأنى في مشيته خشية اتساخ الثوب البهي, ومنهم من بدأ يعرج قليلاً من شدة ضيق الحذاء الجديد. وبعد قراءة الفاتحة أمام شواهد القبور, كنا نعود لنأكل الكعك الساخن ونركب الأراجيح ونحن نغني: (يا حج محمد يويو, قديش مصمّد, يويو, مصمد مصريّة, يويو,....). رمال طرابلس من يزور طرابلس لابدّ له من المرور بـ(قهوة التل العليا), المقهى العتيق الذي يربض على ربوة صغيرة في وسط المدينة. كان هذا المكان أيام شبابنا موئل تلامذة المدارس وطلاب الجامعات ومحجة المثقفين والمفكرين. عند اقتراب موعد امتحانات آخر السنة, كنا نذهب إليها ونقضي اليوم بطوله تحت الأشجار الضخمة الباسقة, نرتشف كوب الليمونادة, ونحن نعصر أدمغتنا في حلّ مسائل الحساب والهندسة, أو نقلّب صفحات الكتب نتفرّس في مكنوناتها, ونحاول أن نُدخل مضامينها في عقولنا الناشئة. وكنا إذا ما تعبنا من كثرة الجلوس نزرع الأرض المفروشة بالرمال الناعمة جيئة وذهابا والكتب في أيدينا وعيوننا شاخصة في رءوس الأشجار, وشفاهنا تردد بصمت تاريخ المعارك أو شعر المتنبي أو نظرية الذاكرة أو فلسفة ابن سينا. كان هذا المقهى مدرسة كبيرة. كان الصغار يطرحون على الكبار الأسئلة لحل ما أشكل عليهم من مسائل ونظريات, فإذا ما أسقط في يد هؤلاء كانوا يتوجهون بخفر إلى الجانب الآخر من المقهى لطلب رأي أحد الأساتذة الذين كانوا يطالعون الصحف أو يقرأون المجلات أو يتجادلون في مصير الأمة العربية. * * * (إياكم والسياسة يا أبنائي, فالسياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته). تلك هي الكلمات التي كان والدي - رحمه الله - يرددها على أسماعنا أنا وأخوتي بين الحين والحين, وكلما صادف من بين أصدقائنا مَن تستهويه السياسة أو ينجرف في تجمعات حزبية أو أيديولوجية. لكنه كان يردّدها أقل بكثير من طرائف اللغة العربية وأخبار الشعراء, والقصائد العصماء, والاكتشافات المعاصرة وغيرها. فنشأت في بعدين اثنين: كرهٌ للعمل ضمن الأحزاب السياسية التي لا يمكن في بلادنا هذه إلا أن تكون (دولاباً) يعلو بك تارة فتعيش في الرفاهية والنعيم وينزل بك تارة أخرى فتطأك الأقدام وينساك الناس. أما البعد الثاني, فكان الشغف بالقصيدة العربية, والكلف بأخبار العصاميين من رجالات تاريخنا, وحبّ اللغة, والفضول العلمي, والاهتمام بكل ما هو جديد. كان والدي مدير مدرسة ابتدائية. وكان ينتمي إلى جيلٍ من رجالات الفكر في طرابلس بلبنان, جيل من الأساتذة والمفكرين الذين كانوا يعودون في جذورهم إلى أعماق التاريخ العربي الإسلامي وينظرون بأعينهم إلى آفاق العلوم الحديثة وطرائق التفكير العلمي الحديث الآتية من الغرب, فلا يجدون بين هذه وتلك أي تناقض أو تنافر. كانوا في الحقيقة ضمامة من المتنورين الذين أنبتتهم على عادتها طرابلس, مدينة العلم والعلماء. أما أمي, رحمها الله, فقد كانت من النساء القليلات اللواتي دخلن المدرسة وتعلمن. كانت تجيد العزف على البيانو, وتتكلم الفرنسية والإيطالية, كما كانت ماهرة في التطريز وفنون الطبخ. أذكر أنها كانت تردّد قائلة لأبي: (لديك أشبال وأنا الكفيلة بأن يصبحوا أشدّ من الأسود). لكن المرض عاجلها واستبدّ الموت في أوصالها فأطفأ في عينيها نور الحياة وغادرت الدنيا وأطفالها لايزالون صغاراً لم يقوّ عودهم ولم يعتادوا بعدُ الأنواء التي تعصف بسفينة الحياة. وما أحفظه في صدري عن والدي هو أنه كان يجلس دائماً على (الدشكة) ورأسه مرفوع والنظارتان فوق أرنبة أنفه, وهو يقرأ مجلة (العربي) أو كتاباً من كتب (الهلال), وكان يفخر أنه يملك أعداد (العربي) كلها, من العدد الأول وحتى آخر ورقة صدرت منها, وأنه يشتري كل إصدارات (كتاب الهلا ل) ويقرأها منذ سنين عدة. في مثل هذا الجو ترعرعت, فنشأت وجذوري ضاربة في أعماق تراثنا الإسلامي ولغتنا العربية, وعقلي منفتح للغات الأجنبية ومناهج الفكر الحديث. الحقيقة أنني كنت بين اتجاهين. كان هناك, من جهة, أبي الذي كان يقول لي (العربية يا أبي, لا تنسها فهي قلبك وينبوع وجودك وأساس دينك), وأخي الأكبر (ماجد) الذي كان يحدّثني دائما في بلاغة الشعر العربي ودقة معانيه ويفاضل بين معاني هذه القصيدة وموسيقى تلك. ومن جهة أخرى, كانت هناك الموجة أو موضة أواسط الستينيات التي كانت تحبب اللغة الأجنبية, والفرنسية خاصة, إلى قلوب الناس. وقد كان لهذين الاتجاهين أن أصابني شغف القراءة في اللغتين. فقرأت أمهات الكتب في الأدب الفرنسي, من أعمال فلوبير وبلزاك إلى روايات كامو وأندريه جيد وأنا مازلت يافعاً. ولكنني لم أنس أن أقرأ أيضاً لطه حسين وأحمد أمين وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة, وخصوصاً للمنفلوطي وتوفيق الحكيم. وكان كل ذلك قبل أن أدخل الجامعة اللبنانية حيث استغرقني تخصصي بآداب اللغة الفرنسية فابتعدت عن العربية وأدبها. ولكن إلى حين. عندما كنت صغيراً كنت أريد أن أصبح طياراً أو أستاذاً جامعياً ومؤلفاً. فتحقق الحلم الثاني, فأنا اليوم أستاذ في الجامعة اللبنانية أدرس فيها منذ أكثر من ربع قرن, وباحث في مجالات علوم اللغة والترجمة وعلاقاتهما بالفكر والنفس والمجتمع, ومؤلف أكتب الأبحاث وأنشر الدراسات. لكن الحلم الأول لم يخب تماماً. ذلك أنني أضطر غالباً إلى ركوب الطائرة للمشاركة في الندوات والمؤتمرات في مختلف أصقاع العالم. مساحة فرنسية إذا كان لطرابلس, مسقط رأسي, الموقع الرئيس في طفولتي ومراهقتي, فإن لمدينة (ليون) بفرنسا مكانة أخرى في حياتي, ولهذا - بالطبع - خصاصة في قلبي. عندما وصلت إليها لأول مرة, كان الطقس مكفهراً, والسماء تمطر, والغيوم متلبدة تكاد تلامس رأسي. ولم يكن اللقاء الأول بيني وبينها جميلاً. لكنني أحببتها شيئاً فشيئاً. أو لنقل إنها قدّمت لي من الإغراءات ما جعلني أتعلق بها وأعود إليها كلما سافرت إلى الخارج. هناك الأشجار الخضراء المصطفة على نهر (السون) الذي يجري بطيئا لا تسمع له هديراً ولا تعرف في أي اتجاه يسير. إنه النهر الحالم حيث يتنزه العشاق ويتقابل المتواعدون. وعلى العكس منه هناك نهر (الرون) الذي يجري مندفعاً باتجاه الجنوب تملأه الأمواج الغاضبة ويتسارع على جسوره أناس يزحمهم العمل ويلاحقهم الزمن. وعلى العكس مما يجد الطالب في العاصمة باريس, وجدت في مدينة ليون الهدوء الذي يحتاج إليه الباحث, والسكينة التي يبحث عنها كل عالم. فقضيت فيها أياماً وسنين, بين مكتبة الجامعة التي تزخر بالمخطوطات والدراسات والمجلدات وغرفتي في المدينة الجامعية حيث كنت أنقر على الآلة الكاتبة نتائج أبحاثي. ولم أنس نصيبي من الدنيا, ففي هذه المدينة الكثير من الحدائق, والمتنزهات, وشوارع المشاة, ودور السينما والملاهي, وكذلك عدد من الأصحاب والصويحبات. وإذا كان أهل هذه المدينة الأصليون من الطبقة البورجوازية الغنية المعروفة بانكماشها وابتعادها عن الاختلاط بالغرباء, وهم قلّة, فإن معظم قاطنيها من مدن فرنسية أخرى أو من الريف, وهم بذلك وافدون عليها, كما كنت أنا. لذلك لم أجد صعوبة في الاختلاط بعدد لا بأس به من سكانها, فنمت بيني وبينهم أواصر الصداقة والأخوّة الدائمة. وكان من أهمهم الأستاذ الذي حضّرت شهادتَيْ الدكتوراة (الحلقة الثالثة ودكتوراة الدولة) تحت إشرافه والذي أصبح فيما بعد من الأصدقاء الحميمين, وهو ميشال لوغوارن, صاحب نظرية التحليل الدلالي للصور المجازية وصاحب الدراسات العميقة في لسانيات الخطاب الأدبي وعلم منطق الدلالة. مداعبة اللحظات دخلت لأول مرة إلى القاعة التي كانت تعقد فيها الندوة الأسبوعية في جامعة ليون الثانية, وكانت بعنوان: (علوم اللغة ولسانيات الخطاب). كان قلبي يخفق من الرهبة مما ينتظرني. جلست في نقطة من الدائرة الكبيرة, وأخذت أنظر إلى الحضور. كانوا كلهم من أساتذة الجامعة, وكان من بينهم, وهم قلّة, عدد من الطلاب الباحثين الذين يحضّرون مثلي شهادة الدكتوراة. وجوه شاحبة, وعيون غائبة عميقة تنظر في عالم بعيد عني, أو أنه قريب ولكنني لا أراه, هناك إلى يساري وجه كحدّ السيف, الشفتان دقيقتان لا تكادان تلامسان الغليون الذي تطبق الأسنان عليه بعصبية. تخيلت أن صاحبه خرج من المستشفى لتوّه أو أنه مصاب بمرض عضال. على يميني, كان كبيرهم ذو الشعر الأبيض الكثّ. كان يضع في فمه, هو كذلك, غليوناً أبيض كبيراً على شكل رأس شيخ هرم. كان معظم الحاضرين يدخنون الغليون. حتى الفتاة ذات الرأس الصغير التي تجلس أمامي, كانت تضع أمامها غليوناً صغيراً. الحقيقة أنني لم أفهم شغفهم جميعاً بهذه الآفة إلا في وقت لاحق, أي عندما أخذتني أنا كذلك - أنا الذي أكره الدخان والذي كنت أسمع والدي يقول إن الدخان لو كان موجوداً في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمنع تجارته واستعماله, عندما أخذتني أنا أيضاً - الرغبة في تدخين الغليون, تماماً مثلما يفعل الأستاذ ذو الرأس الأبيض الكبير. تساءلت: هل سأصبح مثل هؤلاء? عيون هائمة في عالم مجهول, وأجسام ضامرة, وأفواه مشدودة لا تعرف الابتسامة إلا إذا وجد صاحبها في نظرات الآخرين الاعتراف بأنه فاقهم في تحليل, أو بزّهم بفكرة, أو سبقهم إلى استنتاج. كان انطباعي الأول نفوراً من هذا الجو واستنكاراً له. خصوصاً بعد أن سمعت أحدهم يقول: (والله لم أنم ليلة البارحة, لقد كانت كدسة الكتب التي عليّ أن أقرأها قد تعدّت عشرة مؤلفات. فبقيت الليل قائماً حتى انتهيت من قراءة كتابين منها). كذلك قال آخر: (لو لم يكن من واجبي قراءة كتاب فلان لرميته من النافذة, لكنني بقيت حتى الرابعة صباحاً وقرأته حتى آخر صفحة. والله إنه لا يُحتمل). تساءلت عندها: ولماذا هم مجبرون على قراءة هذه الكتب? أفلا يستطيعون طرح هذا الكتاب الذي لا يستسيغونه جانباً وقضاء الأمسية أمام التلفاز? ولم أستطع الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد مرور أشهر عدّة, عندما أصبحت لا أرى كتاباً في اللسانيات إلا وقرأته, وعندما أصبحت أغادر باكراً قاعة التلفاز المخصّصة للطلاب في المدينة الجامعية حتى أستطيع أن أقضي الليل في قراءة أمهات الكتب اللغوية وتتبع أحدث الدراسات اللسانية. وأستطيع القول إن إقامتي في هذه المدينة قد علّمتني الكثير, وخصوصاً فيما يتعلق بمنهجية التفكير ودقّة التحليل. وأضيف أنها علّمتني أن العمل الفردي ناقص دائما, وأن أفكار الباحث تزداد عمقاً واتساعاً إذا عرضها وناقشها على زملائه من ذوي الاختصاص. لذلك اعتدت منذ تلك الفترة أن أعرض مشاريع الكتب التي أود تأليفها على زملائي حتى يشاركوني فيها, أو أسألهم عن المشاريع التي يفكرون بها عارضاً عليهم المشاركة. حرقة الأفئدة الموت حقّ. وردّه من المُحال. لكنه عندما يأتيك في أوقات لا تنتظره فيها, وعندما يخطف أشخاصاً في ربيع العمر أو أناساً تتعلق حياتك العاطفية أو العملية بهم, عندها يكون الموت موجعاً وأليماً يزرع الحرقة في الأفئدة والجزع في النفوس, فيضطرب النظر وتتشوش الرؤية وتنطبع في القلب بقعة سوداء لا يقوى مرور الزمن على محوها, ولا ملذات الدنيا على النيل منها, ولا الجدّ والعمل الدءوب على نسيانها. أول محطة للموت في حياتي كانت وفاة أمي وأنا في الثامنة من عمري, لا أذكر من تلك الفترة سوى أنني كنت كفارس رأسه في السماء يناطح السحاب وصدره مرفوع يصارع الرياح, فإذا بضربة قوية تصدم جبينه وتطيح به أرضا فلا يدري ماذا جرى ولا أين كان ولا كيف سيكون. ثم جاءت المحطة الثانية, كانت وفاة ابن عم لي وهو زهرة لم تكن قد أينعت. كنا في عمر واحد لا يمر يوم إلا وذهبت لرؤيته أو جاء هو لزيارتي. كنا نقضي أوقاتنا معا نذهب إلى المدرسة, نتنزّه في حقول الزيتون المجاورة للمدينة أو في شوارعها المكتظة بالمارة والبائعين, وكنا نتحدث في الدراسة والحياة والمستقبل ومغامرات المراهقة والشباب. ثم اختفى. اختفى وهو لايزال على مقاعد الدراسة الجامعية. فذهب وكأن جزءاً من نفسي قد قضى. وأخيراً, منذ سنوات عدة, كاد الموت أن يخطف زوجتي, وهي أم لثلاث بنات لم تبلغ كبراهنّ الحادية عشرة من عمرها. لكن الله لطف بما جاءت به المقادير, فعادت إلى الحياة الطبيعية بعد أن يئس الأطباء وأعيتهم الحيلة من شفائها. * * * تلك هي أماكن نشأت فيها, وتلك هي أزمنة أساسية وحوادث رئيسة خطرت ببالي عندما بدأت أفكر فيما أثر في تكوين شخصيتي العلمية والذاتية. وإذا ما أردت أن ألقي نظرة شاملة على حياتي لوجدت أن اقتراب الموت ممن أحب جعلني أؤمن بأن العمل الدائم والنشاط الدءوب هما ما يعطي للحياة معناها وما يجعل من الدنيا طريق الإيمان الصحيح. كذلك, فإن نشأتي في عائلة عريقة في العلم وفي مدينة معروفة قديماً وحديثاً بأنها منبع المثقفين والمفكرين, من ناحية, ومن ناحية أخرى, انتقالي إلى مدينة كبيرة في أوربا ومواكبة العلماء فيها, هما قطبان جعلا مني جسراً يصل في الصميم بين الشرق والغرب, فأنا اليوم أجمع في داخلي بين الإيمان والجديّة, وبين الدقة في التحليل والمنهجية في التفكير. أن تُقبل على مرفأ ما, يقتضي أحد أمرين: إما قدوماً ورسواً, وإما إبحارا وسفرا, فأيهما أختار وأنا الآن في مرحلة متقدمة من العمر (أربعة وستون عاماً)? هل أبدأ من موقعي الراهن وقد نيّفت كتبي المنشورة على الخمسين, وأمضيتُ في مهنة التدريس, في جميع مراحله, اثنتين وأربعين سنة? أم, من ذلك الزمان الغابر الذي كنت فيه أسلةً رقيقة, على ضفاف طفولة باهتة, خافتة? وأراني منقاداً للاتجاه الأخير, لأن واضع هذا العنوان, كان يرمي إلى كشف الصفحات المخبوءة في حياة هذه الشخصية أو تلك, من شخصيات المجتمع بعد أن اتخذتْ لها موقعاً مميزاً في حاضرها. فإلى هاتيك الكوى الموصدة في جدران الماضي السحيق, وإلى أبرز المحطات الفارقة التي تشكّلت فيها شخصيتي الأدبية, وارتسمتْ ملامحي وقسماتي الخاصة!! طفولة خجولة ـ ولدت في بلدة (الهري = El-Hہry) التي تقع على الساحل الشمالي لقضاء البترون في محافظة لبنان الشمالي, عند سفح جبل يعلو ما بين مائتين إلى ثلاثمائة متر عن سطح البحر, هو جبل الشقعة الذي يعتبر أطول الرءوس الجبلية الداخلة في البحر, على طول الساحل اللبناني من جنوبه إلى شماله. ونشأتُ في بيت يقع وسط سهل أخضر من بساتين التفاح والرمان وكروم التين والعنب والزيتون, وتشكيل آخر من الفواكه اللبنانية. إضافة إلى مساحات متنوعة من الخضار والحقول التي كانت تُزرع فيها الحنطة والشعير والتبغ والتنباك. وأكاد أقول, لم يكن هناك شيء من الفواكه والخضار والحبوب إلا كان له حضوره الموسمي في تلك الحقول والبساتين. فنعْم الطفولة, ونعم النشأة الغنّاء! ـ تلقيت علومي الأولى في مدرسة القرية التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت, وهي كناية عن غرفة كبيرة, تنتهي لجهة القبلة, بتجويف جداري لإقامة الصلاة, وكثيراً ما كنت أؤمُّ رفاقي في أوقات الصلاة. وتضم المدرسة في داخلها خمسة صفوف ابتدائية, ومعلما واحدا لا يحمل غير شهادة واحدة هي الإعدادية الأولى (السرتفيكا) لكنه أفضل من كثيرين غيره من حملة الشهادات العليا اليوم. فقد تعلمت عليه قواعد العربية, وختمت قراءة القرآن الكريم أربع مرات وأنا دون الثالثة عشرة من عمري. ـ أسهمت حياة القرية, بحقولها وبراريها, وبساتينها, وشاطئها البحري الساحر, في إغناء الطبع الأدبي, وتلوينه الرومانسي, فعرفت الحب مبكراً, في حدود الثانية عشرة. كان ذلك وأنا أرشف القُبلة الأولى البريئة من على شرفة منزلي. من هاتيك الشرفة, خرجتُ إلى الكون أبحث عن معنى الحياة وطعمها ووقعها. أمام هذه الشرفة, منحتني الحبيبة الأولى شرف الانتساب إلى صفوة الخلق. نقتاتُ بالبوح, ونستـــظلّ بالخفق, ونبتـــرد بالوصــــال, ونتراشف برذاذ الشخوص إلى لقاء أزلي عابق بشذا كل الحفافي والأودية. مرحلة جديدة ـ بعد ذلك بقليل, انتقلت إلى طرابلس الفيحاء, وانتسبتُ إلى مدرسة النموذج الرسمية للصبيان, ومديرها آنذاك, المربي الكبير أنور المقدِّم, وناظرها العام الشيخ نصوُّح البارودي شيخ المقرئين الذي توج ثقافتي القرآنية بأصول التجويد والقراءات المعروفة. أمضيت في طرابلس ست سنوات حزتُ في نهايتها الشهادة الإعدادية العالية (البروفيه), ثم انتقلت إلى بيروت ودار المعلمين والمعلمات, أتيح لي فيها تحصيل قدر كبير من العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنية, على أساتذة كبار أمثال المربي العالم ورائد التأليف التربوي في لبنان, واصف البارودي, والباحث الفلسفي الدكتور خليل الحرّ, والشاعر سعيد عقل, والشاعر جوزيف نجيم (اللذين أثّرا تأثيراً عميقاً ومباشراً في إبداعاتي الشعرية) والملّحنَيْن, المقدَّم محمد فليفل وجورج فرح, والرسام الطبيعي قيصر الجميّل, والأديب الموسوعي فؤاد أفرام البستاني, وغيرهم الكثير ممن ترك غير بصمة في حياتي وتكويني الأدبي والفكري. ـ في هذه المرحلة عرف القلب مرحلةً جديدة من الحياة العاطفية المشبوبة. هناك ولجت صرح الحب, ونهلت من معينه الرقراق, وصدح صوتي عاليا, أغني مواجع الأصيل, ولطائف الأنسام ترتاد أعطاف الجداول والسواقي. ورقيت الدرجة فوق الدرجة, نحو قمم الارتواء, وأبهاء العناق البيلساني. سنوات خمسٌ عمرناها بشذا رياحين المرج وأعشابه الدائمة الخضرة التي كانت تضُّمنا بين أحضانها هُزُعا (ج: هزيع) من الليالي, وتمنحنا الدعة والأمان!.. خمسة أصياف متتابعة, أنا و(فتاة المروج), لم نُلْق فيها مرساة, ولم نُبْحر بعيداً. حبنا البحر, وقُبَلُنا المجاذيف, وانعصاراتنا المختنقة, قبيل الرواح: رذاذ الموج المتكسّر عند أقدام الشاطئ قبالتنا, متنهدا من خدر الأحداق وتزاحم الأنفاس. أأعيد الآن وقع خطاي الليلي الوئيد, قاطعا بُعيد العشاء, انطلاقا من (الشاطئ الأزرق), مسافة رملية طويلة, ثم انحرف صعدا في رحاب المرجة الداكنة, وأمكث ردحا أنتظرها, حتى يمثل شخصها في الأفق البعيد, عنقود دالية جبلية, وحفيف قمرية برّحها الشوق وشفّها الوصال? دعيني يا نفسي! فأنا لا أملك من طاقات التعبير وأفانين التصور, ما يرقى إلى حقيقة ذلك المهرجان الفردوسي الخالص! دعيني, لا توقظي فيّ مواجع هاتيك الليالي الهاجعة في أقبية الذاكرة, تضوى شيئاً فشيئاً في سباتها الموحش!! انتماء قومي ـ في خريف سنة 1959 تخرجت في دار المعلمين, والتحقت بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية, ثم بمعهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف, ثم بمدرسة الآداب العليا التابعة لجامعة ليون بفرنسا. وسبب هذا التنقل والتغيير, رسوبي المفاجئ في الامتحان الأخير للسنة الأولى في كلية الآداب, أو ما يعرف آنذاك بـ (الثقافة العامة). فأحببت أن أعوض هذا الرسوب بشهادات أخرى معادلة, وأحوز في نهاية العام 1965 إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها. وقبلها: شهادتين عاليتين في علم النفس العام وعلم نفس الطفل والمراهق وأربع شهادات عليا من الجامعة اليسوعية. ـ طبعت هذه المرحلة بطابعين متوازيين, الأول: طابع التحصيل العلمي, والثاني: طابع النضال الفكري القومي, المتجسد بانخراطي في صفوف القوميين العرب الذين خاضوا حركة نضالية منظمة في مختلف أرجاء الوطن العربي بهدف استرجاع الأرض السليبة في فلسطين. أضافت التجربة الحزبية هذه بعداً فكرياً في حياتي, ألا وهو الإحساس العميق بانتماء قومي جعلني أرنو إلى وطنٍ عربي كبير تمَّحي فيه الحدود وتنصهر الإقليمية والقطرية, ونغدو مواطنين موحّدين في دولة كبرى يحكمها نظام سياسي واحد, ويعمل على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. ولكنّ ذلك تلاشى في نهاية المطاف, عندما انشقّتْ (حركة القوميين العرب) إلى جبهتين أو جناحين: جبهة قومية, وأخرى ماركسية.. فخرجتُ منها وأنا خالي الوفاض إلا من إيماني الراسخ بوحدة الشعب العربي, وعراقة تاريخه وتراثه, وقيمه الإنسانية التي لا تزال حاضرة في وجداني, في كل كلمة أكتبها وألقيها, وفي كل كتاب أنشره. ـ في هذه الأثناء أي نهاية العام 1966 ومطلع عام 1967, دخلت ملاك التعليم الثانوي, بعد قضاء سبع سنوات في التعليم الابتدائي والمتوسط, كما انتسبتُ مجدداً إلى جامعة القديس يوسف لإعداد دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي. تخرجتُ في الجامعة صيف سنة 1969 بعد مناقشة رسالتي الموسومة: (صفي الدين الحلّي: قطب شعراء العصرين المغولي والمملوكي).. ولهذه الرسالة ذكرى طريفة ومعبّرة وهي أن الدرجة العلمية التقديرية التي مُنحتها عل يها هي: (حسن) أي 12 ـ 13 من عشرين. وهي درجة لا تومئ إلى التفوق. ومع ذلك, فاجأني الأستاذ المشرف, في اليوم التالي, وهو الدكتور سعيد البستاني, بخبر سار مفاده: ضرورة الذهاب فوراً إلى دار الكتاب اللبناني للتعاقد معها لنشر الرسالة في كتاب. فقلتُ مبهوتاً: كيف تمنحني درجة متواضعة هي: (حسن) ثم تسعى جاهداً لنشر مخطوطتي? فقال: لأنك كنت عنيداً في مواقفك وطروحك الفكرية. أما الرسالة فهي في غاية الحسن والجودة. ـ لم يمض عام على تخرجي هذا, حتى وجدتُني مسافرا بحرا وبرا إلى فرنسا لملاقاة المستشرق الفرنسي المعروف أندريه ميكال, والانتساب بإشرافه, إلى جامعة السوربون, في موضوعة (معجم الشعراء في لسان العرب), أنجزتها وناقشتها بنجاح ملحوظ خريف سنة 1975.. أتْبعْت ذلك ـ ولكن بعد خمس عشرة سنة ـ بمناقشة أطروحة دكتوراه ثانية في الجامعة اللبنانية, بعنوان: (الشعر السعودي الحديث في الميزان: حسن عبد الله القرشي نموذجاً) نلت عليها الدرجة العليا. ـ بين عامي 1970, موعد رحلتي الأولى إلى باريس لإعداد أطروحة الدكتوراه الأولى, وسنة 1990, عام حيازتي الدكتوراه الثانية, شريطٌ من الأحداث والوقائع شكّلت محطات مصيرية في حياتي, وهي الآن تتدافع بازدحام إلى مرفأ الذاكرة, وتأبى إلاّ أن تطلّ من ثقوب الذاكرة محملقة في الزمان, لا يخبو لها ضوء ولا تجفُّ عصارة. ولئن قدرت على سد بعض هذه الثقوب, أو تأخير إطلالها, فإن ثقباً واحداً يزداد وهجه مع الأيام, ويطّرد تأثيره كلما تطاول العمر, لا يستمهلني دقيقة واحدة, ألا وهو قصة حبي الأكبر التي جرت أحداثها في الشهور الستة الأولى من العام 1971... أي كلام يقال ههنا يا نفسي? وأيّ صفحة من التاريخ الزاهر الآسر, تنفتح الآن? وأية كوة من النور المتلجلج نثقبها معا, ونحن نعلم يقينا أن قطار العمر الوجدي, توقف عندها, ولم يغادر إلى محطة أخرى? تعالَيْ إذن نكفكف الخلجات, ونستأني في ولوج العتبات, عسانا نتلمس جنبات المكان, ونتحسس شهقات الزمان العالقة بين عساليج الصنوبر, ورفيف الحساسين المستوطنة هناك! هل أطيل النظر, وأخترق المدى, وأصف دبيب الخدر يسري في أعطاف الجلاميد, في احتفالية خارقة? هل أتجاسر وألج عتبة الأسرار, حيث الانكشاف الكلي لما وراء الحقيقة والخيال? لا أجرؤ على ذلك... فأنا مقطورٌ في فيلق من الصمت والتأمل, مصحوبٌ بجحافل من الهمس والسكون, لا تبرحني حتى أخلد إلى النسيان... فلأتوقف إذن عند التخوم معافى من كل خلل أو انزلاق ولأشح بوجهي عن كل ما يرتسم خلف الستائر والحجب!! ـ ومن الوقائع والأحداث التي تستعصي على النسيان والانطواء, المحنة الشديدة التي ألمّت بي إثر مقتل والديّ صيف سنة 1976 على يد مسوخ الحقد الطائفي في لبنان. ففجّر ذلك في نفسي كوامن الحزن والشعر, بعد كوامن الحب والحنين المتأصلين في أعماقي منذ الطفولة. فكانت بارقة صدور ديواني الشعري الأول: (مسافر للحزن والحنين) عن المكتبة العصرية في صيدا, صيف سنة 1977. وأعترف ههنا بأنه لولا تلك المحنة القاتلة, لما حزمت أمري وأقدمت على نشر هذه المجموعة الشعرية التي ضمت قصائد وجدانية متفاوتة التواريخ, ضننت بها عن النشر في سوق الشعر السياسي القومي, وموجة القصائد (الأدونيسية), وزمرها التي عبثت كثيراً بجوهر الشعر وقيمه الفنية والجمالية باسم الحداثة. لم أُلْهَم كتابة القصيدة السياسية, ولا انسقت وراء النظم العبثي السائد, فظللت متمسكاً بمعمودية الشعر وعموديته, مؤمناً في الوقت عينه, بأنّ الأقدار ليست موكلة فقط بإنجاز ما كُلّفتْ به من أحداث جسام كالموت والولادة, وخراب المدن والبلدان أو ازدهارها, وصعود أناس إلى أعلى المناصب أو هبوطهم منها إلى الحضيض.., بل هي معنيّة كذلك بأقدار أهل الفكر والأدب والثقافة, فترفع من لا يستحق العلوّ إلى أرفع المقامات, وتضع الأكفاء والموهوبين في الظلّ إلى ما شاء الله. وهذا لا يعني أن هؤلاء يلفهم النسيان ويغمرهم الإهمال.. فهم كالجواهر الثمينة التي تبقى طيّ التراب والبحار حتى يقيّض لها حفّارٌ مقتدر, أو غواص محترف يكشف عن وهجها وجمالها الأخاذ, واضعاً إياها في موضعها الذي حرمته في زمانها. والذي يمنح العزاء لرجالات الفن والثقـافة الذين لا يحالفهم التقدير في حياتهم, هو إيمانهم الدفين بأن الإنصاف سينالهم حتماً في يوم من الأيام. لذلك تجدهم مقبلين باستمرار على تجويد أعمالهم, لا حبّاً بالبريق الإعلامي, بل إرضاء لذواتهم, ولأجيال أمتهم التي تحرص على احتضانهم ووضعهم في المراتب اللائقة بهم. ولو توقف الأمر فقط, عند قوافل الأشخاص الذين يرفعهم الإعلام, هم وأعمالهم, بغضّ النظر عن منازلهم ومستوياتهم, لضاع من تراث الأمم معظم نتاجها ومأثورها, ولما كان لهذه الأمة أو تلك, ما تفاخر به أو تُسهم به في موكب الحضارة الإنسانية. ويحضرني في هذا المقام, قول ابن دقيق العيد, شيخ الإسلام وقاضي القضاة في زمانه (ت 702هـ/1302م), شاكياً متذمراً من إسناد المناصب لغير مستحقيها: أهل المناصب في الدنيا ورفعتها أهل الفضائل مرذولون بينهم قد أنزلونا, لأنّا غير جنسهم منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قَدَرْنا أن نعرِّفهم مقدارهم عندنا, أو لو دَرَوْهُ هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى وعندنا المتعبان: العلم والعدم في مرفأ الذاكرة ـ وبعد هذه الوقفات التلقائية أمام مرافئ الذاكرة, وشخوص بعض الأطياف من ثقوبها, يشدّني القلم إلى زوايا وخواب عُتّق فيها حضور الذات بأبهى تجلياتها, عبر بعض الطباع والرغبات التي تسكنني منذ بدايات وعيي ومواكبتي الحياة.وفي طليعة هذه الطباع: حب الوحدة والانفراد. لا أدري ما إذا كنت شققت طريقي بنفسي نحو ما أردت أن أكونه ـ وأنا كائنه الآن ـ أو أنّ الظروف والأقدار, قد وضعتني في هذه الطريق. ولا أخص بذلك التحصيل العلمي أو الترقي الأدبي, بل الوحدة والانفراد اللذين لفّا حياتي في معظم مراحلها وأحاطا بي إحاطة محكمة. فإذا أنا لا أسكن إلا وحدي, ولا أتنزه ولا أمارس السباحة الطويلة, أو أسافر بعيداً... بعيداً... إلا وحدي, من غير غضاضة أو مرارة أو وحشة! هل هي الموافقة الطبيعية ما بين الرغاب المكبوتة والمقادير الموقوتة, عملاً بمضمون الحديث النبوي الشريف: كلٌّ ميسّر لما خُلِقَ له!؟ ذلك ما أنا فيه حتى الآن, على الرغم من تقادم العمر, وبناء العائلة, والتقلب في الحياة والمجتمع. بلى, كانت لي فُسحٌ كبيرة وعديدة ترافقتُ فيها مع غيري, وساكنتُ رفاقاً أخلاّء, وصادقت أناساً هم الآن محط سعادتي الغابرة, ومشاعل لياليّ الخائرة. انخرطتُ في مجالس ومؤسسات ثقافية وأدبية وتربوية, وانتظمتُ في حركات حزبية سياسية شديدة الانضباط, أورثتْني سلوكاً شريفاً ومواقف جريئة وشجاعة لا مهادنة فيها ولا مجاملة. ولكن ذلك كله لم يغير من طبيعتي المستوحدة, أو يقلّل من درجة التوق الدائم إلى الانفراد. فقد كانت المساكنة عرضيّة وعابرة, وكنتُ وأنا في قلب المؤسسات والهيئات والتنظيمات, أسلك سلوكاً مغايراً: أعمل بعقلي وإحساسي بالمسئولية, وأنجز ما يعهد إليّ بنجاح. لكن مشاعري, وتأملاتي, وانسراح وجداني.. تأخذني بعيداً, وتلقي بي حيث يهدأ الخاطر, ويرتع الخيال, وتستوفي النفس دَعَتَها ورخاءها. أما الأسفار فالحديث عنها ذو شجون.. قمتُ بسفرتَيْن بريّتين, بحريتين, طول كل واحدة منهما شهر ونيف, لم يشاركني فيهما أحد. وأما السكنى فقد اتخذت الوحدة فيها واقعاً قائماً, لم تفارقني سمتُهُ حتى بعد الزواج, والإنجاب, والمسئولية. وكنت قد سكنتُ وحدي مع والديّ الراحلين ـ نضّر الله ثراهما وعفا عنهما ـ لكنهما كانا في دنياهما الخاصة وسعيهما الحثيث لتحصيل لقمة العيش, وادّخار ما لا يُسمن ولا يُغني.. وكنت وحيداً في دنياي الضاجّة في حركة داخلية لا تهدأ. ويستوقفني هنا سائل لبيب قائلاً: هل يعقل أن تستمرئ هذه الوحدة ولا تجد فيمن حولك من يُسعدك ويبعث فيك جمال العيش? فأُجيبه على الفور, بما يشبه التفلسف والتبـصر: لا وجود لوحدة خالصة مطلقة, ولن تجد واحداً يعيش وحده بالمطلق! دائماً هناك رفيق أو أكثر مع الإنسان الفرد, يخاطبه ويناجيه ويحاوره ـ حتى إذا لم يحاور أحداً البتّة, يحاور نفسه. من هنا كانت المخاطبة الاثنينية في مهد الشعر العربي, مع امرئ القيس ومن تلاه في مناسبات الوقوف على الأطلال, والإقبال على الشراب, وما شابه. أما أنا فلم أشعر بالوحدة المطلقة حتى في أشد الأوقات العصيبة, والانفراد الموحش. الوحدة عندي مناجاة سحيقة الغور, لا متناهية المدى, متماوجة الأرجاء والأصداء. وكيف تكون وحدةٌ, وسلاحي ورفيقي ثلاثة: قلم, ومداد, وكتاب? أضربُ بالقلم أديمَ الفراغ, وأجعل من المداد صوراً وهيئات لها نبضاتها وملامحها وقسماتها, وأخوض بالكتاب غمار الوجود الموحش فيأتنس, وتدبّ فيه الحياة من كل لون وطعم. وهكذا فإنّ الكتابة بهذا المعنى تحول دون الفراغ, وتقف في وجه الوحشة الوعرة, ليصبح كلّ شيء حولي حركة دائمة الخصب والتجدد, تارة هي ذاتية, إنشائية, إبداعية, وتارة أخرى, وصفية, نقدية, تحليلية. في الجانب الأول انطلاق متعدد الاتجاهات والمذاقات, ما بين شعر, وخواطر وتأملات في تداعيات الوجود والعدم, ومذكرات الأيام والأحداث . وفي الجانب الثاني, تعلّق مباشر بآثار الكتاب والشعراء والمصنفين, من نقد, ودراسة, ومراجعة, وتحليل, وتقويم, ومقارنة, وما شابه. فكانت لي تآليف ودراسات وتصانيف, أكتفي بعرض بعضها, دون الوقوف عندها, تبياناً للخطوط العريضة للصورة التي أنا فيها. الدراسات والتآليف: ـ مذاهب الأدب: معالم وانعكاسات, صدرت في كتابين كبيرين درستُ فيهما كلا من الكلاسيكية والرومنطيقية والواقعية والرمزية في مظانها الغربيّة وما انعكس منها في أدبنا العربي منذ بداياته حتى اليوم. ـ فصول في نقد الشعر العربي الحديث. ـ الشعر السعودي الحديث في الميزان, أو حسن عبد الله القرشي في مسار الشعر السعودي الحديث. ـ آفاق الشعر العربي في العصر المملوكي. ـ كوامن الفن والإبداع في تراثنا الأدبي. ـ في محراب الكلمة: بحوث ودراسات نقدية في الأدب العربي الحديث والمعاصر. ـ واقعية الأدب وبلاغة الحبك القصصي في رواية آنّا كارينا. ومن التصانيف: ـ معجم الشعراء في (لسان العرب). ـ شرح الواحدي لديوان المتنبي. (خمسة مجلدات: 2700ص). لم أخرج, في جميع ما كتبت, في هذا الجانب, عن الموضوعية والتجرد, في إطار من الأكاديمية الجادة, والمنحى الذوقي المصاحب الذي جعل لدراساتي وبحوثي طعماً خاصاً, لا هو صارم ولا هو مزاجي متقلّب, بل كانت الذات حاضرة في أكثر الموضوعات رصانةً وتجرداً. فأنا الآن أقيس قامتي بما صدر لي من كتب وآثار, ما بين تأليف, وتصنيف, ومراجعة وتقديم, ونقد وتحليل, إضافة إلى نتاجي الذاتي الإبداعي.. وأزِن نفسي بقيمة هذه الكتب والآثار, وبفائدتها وحاجة المكتبة إليها.. وأسبر غور حياتي وحقيقة وجودي, بما رشفته من رحيق الكتابة والتأليف, وما تناثر فيّ من لآلئ الجمال, وتنامى من قيم الحق والخير والمثل العليا, فضلاً عن المتع المصاحبة لكل أثر على حدة. منها ما هو آنيٌّ مباشر أقطفه وأنا أكتب وأدوّن, ومنها ما هو دائم, بما يُشيعه من إعجاب وتأمل واعتبار. وليس عندي ما أكتبه للمتعة وحدها.. إنني أكتب لغرضَيْ المتعة والفائدة: المتعة من الكتابة بذاتها, لأنها لعبة الفكر بواسطة القلم, ونزوةُ الوجدان بواسطة الانفعال, وحرفة العقل بواسطة البصيرة المستنيرة وملكة التقييم التي لا تستقيم الأمور من دونها. وأما الفائدة, فلأجل التواصل والتلاقي, والتثاقف والتلاقح, وإلاّ اعتورنا البوارُ, وجاحتنا قائظة العقم والانشطار. وآخر دعواي, في نهاية كل نتاج أدبي, كائناً ما كان, بعد حمد الله: دوام العافية لقلمي, وسريان عصارة الحياة فيه, والاستمتاع الكلّي بكل كلمة وصورة صاغتهما ملكة الكلام. آخر دعواي, في هذا المقام, أن يشهد القارئ لي أمام التاريخ, أنّ ما كتبتُه, لم يكن عبث المتطفلين, وتبجّح الأدعياء الحاقدين, وتجشُّؤ الثقلاء المتخمين. أول دعواي وآخرها, ألا تخرج كلمة من لساني, وألا يتمخض كياني ووجداني, إلا عن القيِّم المؤثِّر, والنيِّر الباهر, وأن يصدر كل ذلك عن قلب خاشع, وفكر ساطع, ونفس مثقلة بالرضا والحبور, متبتلة لولوج محراب الحقيقة, لا تحسب حساباً إلا لجميل الوقع, وجليل الأثر, ولا تسعى إلا لرضا الحق والحقيقة, وتُعْرض عما عداهما من ثناء برّاق, وإثابة مزيّفة, وإعجاب هشّ!.. وخير ما يُختتم به مثل هذا الكلام, قوله جلّ شأنه: فأَمّا الزَّبَدُ فَيَذّهَبُ جُفاءً وأَمَّا مَا يَنْفَعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض . سبر الذات والكتابة لمدة خمسين عاما مضت من حياتي, كشفا لي عن مفارقة جوهرية تلازمت مع السيرتين معاً, وهي تتلخص في أن ما كنت أطلبه وأجدّ السير إليه, غالبا ما أخطأته, ووصلت إلى سواه, وأن ما وصلت إليه, لم يكن في الكثير من الأحيان, من طلبي. وحين أخذت المعول, وبدأت الحفر, وصلت إلى مناطق كثيرة بيضاء من الماضي, غير ممسوسة بأثر, كما لو أنها غير معيشة أو غير محروثة, وطالعتني فجوات في الأعماق, مملوءة بالنسيان. فأنا لا أملك الادعاء, مثلاً, بأنني شاركت في اختيار ولادتي عشية يوم ما من أيام شتاء العام 1942, في قرية من قرى الجنوب اللبناني هي قرية (بيت ياحون), من أعمال جبل عامل, وأن يكون أبي هو الشيخ علي شمس الدين نفسه, وأمي آمنة بنت الشيخ زين العابدين, فهي حادثة حدتث بنتيجة قرانات فلكية وإلهية غامضة. وأسأل نفسي أحياناً: هل أنا اخترت حقا أن تكون زوجتي هي (خديجة), وأبنائي هم أبنائي, وبناتي بناتي? بناتي الأربع: سمر ورباب وسوزان وآسيا, وابني الوحيد (علي). وها عشرون عاما من حياتي الأولى في الريف الجنوبي تمضي, ولا تترك سوى ذكرى صوت, وذكرى مشهد. ذكرى صوت: الجدّ / الطاحونة أما الصوت فصوت جدي الشيخ, وهو يردد تراتيله الدينية وأشعاره الحزينة على مسمعي, فتشربها روحي كإسفنجة. وكان الرجل, غالبا ما يتكلم, مغمض العينين, على غرار عرّافي (دلفي), يتمدد على طرّاحته المعهودة في صحن الدار, يسند ظهره بمسندين, يضع ساقا فوق ساق, ويبدأ بالكلام, مغمضا عينيه. سألته عن ذلك, قال: هكذا أرى أكثر. كان يروي كمن يغرف من جوف حلم. وكان طاحونة كلام. يبدأ بالصلوات والأوراد في الفجر الباكر, ولا ينتهي النهار إلا ويكون ضخّ في منزلنا الكائن على كتف النهر, ما يعادل تدفقات المياه الهادرة في أسفل الوادي, وكان في فم الوادي, على النهر, طاحونة تتحرك رحاها بقوة دفع المياه.. فكان يخيل إليّ وأنا في أيام الصبا (عائشا في كنف الجد), أنني أعيش بين طاحونتين: واحدة في الأعلى وثانية في الأسفل. الأيام العميقة التي قضيتها في كنف الجد, تتجاوب في رأسي وفي مكان ما بين الحنجرة والقلب, مثل خفق أجنحة وأدعية وتلاوات حزينة, وكربلائيات وأشعار, غالبا ما التقطها سمعي, وأُشْرِبتها نفسي, إشرابا, حتى غاصت في الداخل مثل مياه الآبار الجوفية. ولم أكن أفهم لماذا كان يخاطبني بصيغة الجمع, حيث لا يكون سوانا في المجلس, إلا أنني أفترض أنه كان يوجّه خطابه إلى جيل.. جماعة.. أكثر من واحد, ويعتقد أنه ليس ثمة من أمر في هذا العالم, سوى الصلاة. قلت له, بعد أن عشنا الحرب الأهلية في لبنان: والحرب? قال: وهم.. الحرب عابرة. قلت له: والذين يموتون هنا وهناك في الشوارع, وعلى الحدود.. والمعارك? قال: وهم.. بلاء وابتلاء.. بلاء وابتلاء.. عليكم بالصلاة. وكانت تأتي إليه نساء القرية ورجالها وأطفالها, ليكون لهم الطبيب وصاحب الرقية وكاتم الأسرار. تمّت غالبية ولادات القرية بين يديه, وأعراسها عقدت بيديه أيضا, والموتى الذين غادروا إلى ظاهر البلدة, شيّعهم وكفّنهم وأودعهم في التراب, والأغنام الشاردة, أو تلك التي ندّت عن القطيع, فضاعت في شعاب الجبل, كان يعقد عنها (لسان الوحش), والمرضى من صغار القرية, يحملهم إليه آباؤهم أو أمهاتهم, فيرقي جبينهم بكلام الله. وهو الآن, إذ ينام نوم التفّاح تحت بلاطة ناتئة في حديقة منزلنا, تتناهى من قبره إليّ, أصوات خفية, همسات سفلية, أدعية, كلمات,... وحين أجلس في المنزل القديم, على كتف النهر, وحدي, عند المساء, أحس تنبعث من زوايا المنزل نداءات قديمة, وينفتح مجرى في الجدار, تحت صورته هناك, وهي لا تزال معلقة وشاخصة. وِجاقُ النار لا يزال مشتعلاً. وجاق كبير تلتمع فيه الأحطاب وهي تتحول إلى جمرات متقدة يتطاير منها الشرر, ويستلقي الشيخ أمامه كما لو أنه ينام على أيامه, وأنا قربه, وهو يروي لي سِيَراً كثيرة. ولأنه يلقي بالكلمات إلى وجاق النار, ليزيدها اشتعالا, ويطعّم كل حكاية من حكاياته بأبيات من الشعر.. حتى كأنه كان لا بد من الشعر من أجل الحكاية. من هنا كانت الأشعار, على الأرجح. ومن هذا الصبا العميق تكون حبي للكلمات والموسيقى. أذكر من غنائه قوله: بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا وخلّفوا في سويدا القلب نيرانا نذراً عليّ لئن عادوا وإن رجعوا لأفرشنّ طريق الطفّ ريحانا وكان يردد هذين البيتين بصوته الكربلائي الشجيّ فتصعد الدموع إلى عينيّ, حتى حسبت أن الأرض رحيل وأن الشعر ليس سوى الرحيل. لم تكن لديّ, في صباي, أفكار واضحة عن الحياة والموت والحب والله والحروب والخديعة, وما يحيط بي في عالم القرية من أحوال وحياة بدائية, فنشأت على أرض يتقاطع عليها الدين بالمعتقدات الشعبية الواصلة لحد الخرافة والسحر. وقد ظهر ذلك في شعري فيما بعد, على ما أحسب, حيث اللغة والصورة تصعدان من أرض الواقع ومكانه في اتجاه السحر. والأمر لم يكن حزيناً جداً في تلك الآونة. فأحزان الماء والقرى الجنوبية كانت حزناً جميلاً: القرويون الفقراء والدموع والآنية المملوءة بالماء والسوق والليل والساحرات, وأول وجه مدوّر أحببته في حياتي (وجه نوال..) كل ذلك ينساب الآن أمام عيني كشريط من سنونو معلقات على سلك في طريق القرية. ذكرى مشهد الغيوم على الأفق شريط الفيلم على الأفق السائل, في أيام الخريف والشتاء, من جهة الغرب, هو في أساس مخيلتي الصورية. أشكال الغيوم, على الأفق, وهي تتساحب أمام عيني تجعلني كأنني جالس وحدي في سينما الكون, وعروض السماء تخلب لبي, وتفتح مخيلتي لحكايات أشكال الغيوم المتغيّرة, وتجعلني على صورة الكائن المسحور بموسيقى ما أرى وأسمع وحدي, في هذا العالم, تحت خلاء القبّة, وأنا على مقعد من حجر. وكنت مشغوعاً برصد تحولات الفصول والطبيعة وهي تبدل جلدها, وتتقلب مع الأيام تقلّب الإنسان على درجات العمر, فمفاصل الفصول كانت مدعاة حزن وتأمل وتفعل بي فعل البحار ببحار وحيد على مركب في اللجج البعيدة. في الشتاء, أتلصص من وراء النافذة على المطر العظيم الهادر كاسح الحقول, فحل الفضاء النازل على الأرض, وربما تقطّع المطر على الزجاج وكَرَجَتْ حباته كدموع حقيقية, وأنا, مثل السنجاب, أربض وراء الزجاج, والمطر ينقر في قاع النفس نقراته الرتيبة التي لا تزال حتى اليوم, تنقر هكذا: طق طق طق... وأعجب ما حملته من تلك الطبيعة الجبلية القاسية, شغفي بل هوسي بأن أمشي ضد العاصفة حين تهب في الأعالي. أغافل أهلي حين تبدأ الرياح بالهبوب, والمطر ينسف البراري والحقول, والعاصفة تتحرك وتحدث أصواتها الوحشية بين الأشجار, ما يشبه سيمفونية القوة التي كتبها فاجنر, وتتسلل بين القصف والغزار, فأخرج إلى البريّة, أخرج إلى العاصفة, وأمشي وحدي في الحقول مبتهجا بما لا يمكن وصفه من الأصوات والمشاهد, ومن كان يراني على هذه الحال, كان يقول هو ممسوس بالمطر والرياح. ولم يكن ذلك بالنسبة إليّ سوى نداء العاصفة. من هنا, على الأرجح, أتى عنف اللغة التي كتبتُ بها قصائدي في مجموعتي الأولى الصادرة عن دار الآداب العام 1975 بعنوان (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) وربما كان المقطع الأوّل من قصيدة (ارتعاشات اللحظة الأخيرة) (كتابة 1972) يشير الى هذا العنف: تهبّ الريح من فلواتي الجرداء, تقلع من منابتها جذور الرعشة الأولى وتلقيها على فلوات صدرك برعما من دم أنا: لا الري يرويني, ولا نهر فيسقيني, وبي ظمأ, وما لي فم حملت الجرح والإعصار في كبدي حضنت العشب والأطفال وحين رجعت من ترحالي الأبدي غسلت الجرح في نيل من الكبريت والأوحال من هنا تأتي اللغة غير المدجّنة التي كتبت بها قصائد دواويني الأولى, فظهرت مثل أحصنة وحشية بلا أعنّة ولا ساحة. وهي خرائب الجسد عينه, عليها ينزف شيء ما من الدم الأول, فأرفعه كجرح يشخب من نافورة, يشخب للنسور الجائعة والبلابل في الأمطار, والأطفال المذبوحين على عتبات النهر, وموسيقى الأفلاك المختلطة والفوضى الكونية, وأشقّ ضريح النار بحنجرتي, فأنا أحسّ هكذا بروحي مأسورة في آبار عميقة, وبالشعر, رغبت في إطلاقها. ولو شئت اليوم أن أعيد ترتيب تلك الأيام, لأشرت إلى المكان الأول: المنزل البدائي الموصول بالوعر, هذا الصحن الطبيعي بعنفه وجماله, ما زال يحفر في كتابتي حزوزا لا تندمل. في وسط الدار, ساحة وبعض أشجار التين والعنب. وكانت تربط إلى جانب التينة, حمارة كانت صديقتي في أيام الصغر, كما كان يربط البقر في إحدى غرف المنزل, وننام معاً نحن والأبقار والقطط, ولا يفصل بيننا سوى مصطبة ومعلف, وكانت القطة صديقتي وتنام معي في الفراش وتتمسح بي كبنت. وفي الدار كان ثمة تنّور لصنع الخبز والكعك ودجاج وبيض وعصافير كثيرة وبعض الأفاعي. هذه البدائية السحرية للمنزل الأوّل في القرية, تجعلني ألتفت التفاتة الحالم إلى هناك. في الشعر والخطاب: أقول: آه ما أجمل الحيوان. من بعد ذلك جئت إلى بيروت. عشت في المدينة كالغريب. صحيح أنها كانت بالنسبة إليّ المدرسة والجامعة, المكتبة والسينما ومركز العمل, إلاّ أن عنقي بقيت ملويّة إلى هناك: إلى الريف الجنوبي المبتعد ولم تستطع الأيام أن تمحو من نفسي ذاكرة الحب والقلق وتوفّز الحواس والجسد والخوف ومتعة العناصر والانجراف نحو الصمت الديني العميق. التهمت مكتبات بكاملها في أكثر من مكان. قرأت مكتبة الجدّ في القرية, وباكراً عرفت المعرّي والمتنبي والشريف الرضي والتوحيدي, والجاحظ, واستولى عليّ المعرّي بشكّه وقلقه, فصنع لي أشعار الصبا. وأول ما كتبت, من ناحيته, وأنا في الخامسة عشرة من عمري, هذه القصيدة: (1) (بحّ قيثاري فلا لوم عليّا أن يموت الوجد في الدنيا وفيا فجري المشحون سحراً أسوداً لم يلد بعد ولم يشرق عليّا والرمال الحمر صلّت في دمي والحراب السود غشت ناظريّا استدرّ اللعن حتى أنني بتُّ أخشى رحمة الله عليّا (2) أنا مجهول وحسبي أنني عشت هذا العمر في اللازمن أقطع الأيام وحدي كي أرى نفسي الولهى وألقى بدني ذرّة الرمل التي لم أرها في صحارى الأرض كانت وطني تشرب الماء مزيجا عكرا من وحول الشمس فوق القنن وباكرا قرأت ألبير كامو, وتأثرت بروايته الشهيرة (الغريب), حتى كدت أتقمّص شخصيته, وكان لي فيما بعد, تماسّ قويّ مع ديك الجنّ الحمصي وجبران والسياب والماغوط, وفان جوخ وجوجان ودالي وفرنسيس بيكون, وتأثرت بالسينما الأمريكية, وبالروايات والمسرحيات الحديثة, كما أخذت من السريالية بنصيب.. إلا أنني, في كل حال, لست شاعرا مدرسياً, وأعتبر كل معطى مدرسي أو غير مدرسي في الحياة والثقافة, مادة يمكن أن تدخل في ملكوت القصيدة وتغتسل بمائها. في بيروت, وعن دور نشرها المعروفة (دار الآداب, والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار الجديد), صدرت مجموعاتي الشعرية على التوالي بين عامي 1975 و2001. ومنها انطلقت إلى العواصم العربية وبعض العواصم العالمية. فقد قرأت شعري في جميع العواصم العربية, وعدت بالشعر من خلال ذلك إلى أوله في الرحيل. وأسأل نفسي: هل وجه الذات هو وجه القصيدة? وأجيب: لا ونعم. يوما عن يوم, يتكشف لي أنّ للكلمات أسراراً وأسفاراً قد تتقاطع مع أسرار وأسفار الذات في حياتها ووقائعها أو تتباعد عنها. فليس بالضروري أن يكون وجه القصيدة هو عينه وجه الحقيقة. أعني أن سرد الذات في علاقتها الحية والعملية بحياتها, قد يختلف عن سرد القصيدة, وقليلاً ما تكون القصيدة وصفاً شعرياً للحياة, فالقصيدة ما هي إلا وصف شعري لذاتها, وهنا مسألة لا بد من التوقف عندها بشيء من التفصيل. إنه من الثابت أن تفاصيل الحياة ووقائعها إنما تحصل في أطر تاريخية واجتماعية محددة من الزمان والمكان لكن القصيدة تأتي بخلاف ذلك في الأغلب, ففي وجه موضوعية الحياة في (السيرة), تنهض العوامل الإيحائية في القصيدة, ولعله في القصيدة (بخلاف التاريخ) غالباً ما تخون النتائج أسبابها. ففي أشدّ حالات الصفاء الطبيعي والاجتماعي (حالات السلم الاجتماعي في لبنان ماقبل 1974) كانت النفس مضطربة وكتبت تفاصيل حرب مقبلة وكأنها ماضية, وفي أشد حالات الحرب اشتعالاً وأزمات, كتبت قصائد الجد واللطف والتصوف... كما في ديوان (أميرال الطيور). يضاف إلى ذلك أنّ اللغة, وهي جسد القصيدة, فإنها تختلف عن جسد السيرة الحياتية, من حيث كونها قابلة للتأويل وحمّالة أوجه. إن الأقنعة المستعملة في النص الشعري تجعل منه نصا يكاد يكون قائما بذاته. لذا, فإنني أقول: في القصيدة لا واقع في الواقع, وأميل في النتيجة إلى اعتبار الشعر كتابة حلمية ونص القصيدة نصا سحريا. إنني شديد الشغف بكتب التاريخ والسيرة والفلسفة. أعتقد أن الشعر يطلع من هذا القاع وليس من اللغة. لكنني أقول إن الشعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة. فثمة صراع تخوضه القصيدة مع ذاتها ومع المحيط الذي يحتويها ومع الأفكار أيضاً. وقد مرّت القصيدة, من حيث جوهرها وأداء كتابتها (تقنيتها) لديّ, بمراحل شتّى, وكانت في الدواوين الأولى (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) و(غيم لأحلام الملك المخلوع) و(الشوكة البنفسجية). من كتل هندسية وإيقاعية تحملها لغة أصولية ذات أصل ديني, قرآني على الأغلب, وتتدافع في كل اتجاه كفحول المياه. ثم, في الدواوين التالية, مثل (أما آن للرقص أن ينتهي?) و(أميرال الطيور) و(يحرث في الآبار) و(منازل النرد), اكتشفت أن اللغة, التي هي أجنحة القصيدة, عبء عليها. فما العمل? هذا الصراع مع اللغة بدأت تظهر علاماته منذ ديوان (أناديك يا ملكي وحبيبي) (العام 1979) وعبرت عنه في ديوان (طيور إلى الشمس المرّة) حيث أقول في قصيدة (ذكر ما حصل للنبي حين أحبّ): (كان يلزمني كي أفسّر) هذا العذاب قليل من الشعر, لكنني لم أكن شاعراً, ما الذي كان يفعله الشعراء قبلي لكي يصلوا? إنها حالتي: أرى لا أقول)... ما قادني إلى مغالبة الحال, والوصول إلى قصائد الصمت أو الرماد وأخيراً إلى قصائد الوجد العرفاني: (يا مولاي/ أمرتني شفتاكْ/ حين أهاجر نحوك في موكب أسراري بالصمت/ ولهذا فأنا أكتب أشعاري بدم أبيض). ولا أنسى الرماد أيضاً أو العدم: (يأتي من جهة البحر ومن جهة الصحراء/ طفل بدم أبيض/ بقنابل ضوء فوسفورية/ بحمام أو بطباشير/ ويدوّن فوق اللاشيء هواجسه: لا شيء). لعلّني لستُ نوتيّ هذه السفينة أخيراً: للذات حياة, وللكلمات حياة. ما يستلزم سبراً مزدوجاً لأعماق هذه وتلك, وقد تلتقيان. والأمر شبيه بالغوص على الأجسام الضخمة لسفن غارقة في المحيط, ولا يطفو على سطح الماء منها, سوى بقع من زيت, أو أخشاب قليلة, وفي غالب الأحيان, لا شيء منها على السطح ليطفو, أو ليشير إلى وجودها في القاع. سوف يكون من الصعب الوقوف على محطات راسخة في ظاهر حياة سرديّة لايفصل الليل عن النهار فيها سوى حجاب مستور. فالأيام من البعيد, تتشابه كموج البحر, ومع ذلك, فثمة مركب ما, مائل, ويتقدم, في مقدمته رجل يمسك بمجدافين, ويحمل معه عائلة وعلماً واسماً ودواوين, والذي يراه من بعيد, يقول إنه يتقدم, والحقيقة أنّ الماء يتقدم به, واتجاهات الرياح أيضاً. ولعلّني لست نوتيّ هذه الرحلة. ولو طرحت الآن ساعات النوم والطعام والكسل والعمل الذي لا أرغب فيه من مدة هذه الحياة, لبقي لي أقلُّ من خمسها. نعم لقد عشت خُمس الحياة. إنها تكفيني إنها حياتي الداخلية. عندما تم اختياري معيداً بالجامعة بعد حصولي على درجة الليسانس بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى سنة 1967, كان القسم الذي قدّر لي أن ألازمه بقية العمر, باحثاً ومدرساً وأستاذاً هو قسم البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن, وأدركت بعد هدوء موجة الفرح الأولى, أنني في ورطة لأنني لا أملك الوسائل الضرورية للتفوق في هذه المجالات المتعددة التي يحملها عنوان القسم المتشعب, وإذا كان مجال البلاغة يمكن ارتياد مراجعه ومصادره بطريقة أو بأخرى من خلال ما كتب باللغة العربية وحدها - وقد تبين لي فيما بعد عدم دقة هذا التصور - فإن المجالين الآخرين النقد الأدبي والحديث عنه خاصة, والأدب المقارن لا يمكن تثبيت الأقدام في مجالاتهما وإضافة شيء ذي بال إلا من خلال اتصال وثيق بإحدى لغات الثقافة العالمية الحديثة وهو ما لم تكن دراساتي في الأزهر ودار العلوم قد وفرته لي بطريقة مُرضية, وكان واقع روّاد هذه الفروع في الدراسات العربية يؤكد ذلك بدءاً من حركة رفاعة الطهطاوي ووصولاً إلى مندور وغنيمي هلال وتلامذتهما في الجيل السابق علينا, وكان واقع الذين لا يتصلون بلغة أجنبية ممن يعملون في هذا المجال, تجسّده عبارة سمعتها من د. غنيمي هلال وهو يتحدث عن التقارير العلمية التي كتبت عن منافسه على درجة أستاذية النقد الأدبي والأدب المقارن, حين كتب مهدي علام عن هذا المنافس: (إن عدم معرفته بلغة أجنبية يجعله يدلي بدلوه في هذا المجال فيخرج الدلو في معظم الأحايين فارغاً لا شيء به, ويخرج في أحيان قليلة وبه وشلٌ لا يفيد). حلم يتأجل ومن هنا كان حلم الابتعاث وإكمال الدراسات العليا في إحدى الجامعات الأجنبية وقد توهج ذلك الحلم في أواخر فترة الدراسة الجامعية عندما عاد إلى دار العلوم سنة 1965 عدد من الحاصلين على الدكتوراه من الجامعات الإنجليزية والإسبانية, (الطاهر مكي) و (السعيد بدوي) و(عبدالحكيم حسان) و(محمود الربيعي) و(حمدي السكوت) و(أحمد مختار) فضخوا دماء جديدة, وقدموا نماذج باهرة حلمنا باقتفاء آثارها من خلال البعثات التي كانت تتاح للمعيدين, لكن سوء الحظ جعلنا نتخرج في عام النكسة (1967) الذي أوقفت بعده كل البعثات ووجهت كل الميزانيات إلى (المجهود الحربي), ونام الحلم مؤقتاً, وشرعنا في إعداد الماجستير تحت إشراف رئيس القسم الدكتور بدوي طبانه حول (الصورة الأدبية في البلاغة والنقد العربي) والتدريس في دار العلوم, ومواصلة العمل في الصحافة, ومتابعة المترجمات والمؤلفات المتصلة بمجالات بحثي, والمشاركة في الحياة الأدبية بقدر ما أستطيع, وعندما حصلت على درجة الماجستير سنة 1972 كان قرار البعثات مازال مجمّداً فيما عدا بعض المنح التي كانت تقدمها الجامعات الروسية ودول الكتلة الشرقية آنذاك, ولم تكن سمعتها العلمية في مجال التخصص الذي ننتمي إليه ترضي ما كنا نحلم به في الجامعات الغربية, وسجلت لدرجة الدكتوراه في دار العلوم تحت إشراف الدكتور محمود الربيعي حول (الصورة عند شعراء التجديد في العصر العباسي), وتقدمت في العمل فيها نحو عامين قطعت خلالهما شوطاً لابأس به, وفجأة فتح باب البعثات سنة 1973, ونشرت الصحف إعلاناً عن (الخطة الأولى للبعثات) وبها بعثة عن (النقد الأدبي الحديث) إلى فرنسا, واستيقظ الحلم من جديد, وتوارد على الذهن أسماء الذين اتصلوا بالثقافة الفرنسية في مجال الإبداع والنقد وحققوا علامات بارزة في تطور الفكر والأدب العربي الحديث, رفاعة الطهطاوي, أحمد شوقي, طه حسين, خليل مطران, توفيق الحكيم, محمد حسين هيكل, محمود تيمور, محمد مندور, إبراهيم سلامة, إبراهيم مدكور, محمود قاسم, غنيمي هلال... إلخ, لكن العقبات كانت تقفز كذلك أمام العين, فالمرشحون الذين ينتظرون هذه البعثة كثيرون يتراكمون منذ أوقفت الحرب البعثات, ونصيبي من اللغة الفرنسية منعدم, وطوال المدة التي يقضيها طالب (دكتوراه الدولة) في فرنسا تشكّل شبحاً مرعباً يصل إلى خمسة عشر عاماً في بعض الأحايين, والرصيد الوظيفي الذي ادخرته خلال سبع سنوات من العمل في الجامعة عليه أن ينسحب لأنني سأبدأ من جديد, ومكاني في ترتيب الأقدميات عليه أن يتراجع وسأعود لأجد تلاميذي رؤساء لي, والأسرة التي بدأت في تكوينها عليّ أن أحملها معي فتثقل حركتي حيناً وتتحمل معي حصاد الأحلام والأوهام حيناً آخر, واستهنت بكل هذه العقبات وتقدمت إلى البعثة مع غيري, وحين ظهرت النتيجة كنت مرشحاً احتياطياً, وكان المرشح الأصلي زميلاً يسبقني في التخرج بثلاث سنوات, وكان على وشك إنهاء رسالته للدكتوراه, ولم تكن البوادر توحي بعزمه على خوض مشاق الدراسة بالخارج, ومع ذلك فقد قبل الترشيح, وظل يسافر مع المرشحين الآخرين في جولات داخلية سياحية كانت تعدها الدولة لهم إلى مدن القناة في أعقاب انتصار سنة 1973, والمدن الأثرية في الجنوب, وفي الوقت نفسه كان يشمر عن ساعديه لإكمال رسالته في الداخل ومناقشتها, كان يبطنها للعمل في الداخل كأنه سيستقر فيه أبداً, ويظهر العمل للبعثة كأنه سيسافر إليها غداً, وسافر كل أعضاء الخطة الأولى للبعثات إلا هو, وظل يعطّلني عاماً كاملاً لا يسافر ولا يريدني أن أسافر, حتى كتبت رسالة مفتوحة إلى مدير البعثات في صحيفة يومية, فاستدعوه لكي يخيّروه بين السفر الفوري أو التنازل, وفي أعقابها استدعوني على عجل لكي يطلبوا مني أن أرتب أمور سفري إلى فرنسا في أسبوع واحد وإلا ألغيت البعثة, ولم يكن أمامي مفر من القبول دون أي فرصة للتأهب, بعد أن أضاع عليّ زميلي فرصة التأهب التي حظي بها الآخرون, ومن العجيب أنه ناقش رسالته للدكتوراه بعد أسابيع قليلة من سفري!! ووجدتني في الطريق إلى باريس وحيداً محمّلاً بعشرات الوصايا, وبالملابس الثقيلة والخفيفة, وحتى ببعض الأطعمة, وقبل هذا كله وبعده بطموح عظيم ممزوج برهبة عظيمة, ولم يستقبلني في المطار أحد, وخضت مع بعض الذين التقيت بهم من الحائرين أمثالي ربكة الدخول إلى مدينة كبرى كباريس دون دليل, وكدنا نقضي الليل بعد جولة مضنية على الفنادق في عراء بدايات الخريف الباردة, لولا أن آوانا طالب هندي في المدينة الجامعية الدولية في حجرته الصغيرة على أن نغادرها مع خيوط الفجر الأولى, وانسحبنا دون هدى, لنلتقي بباعة التفاح والورود وهم يرتبون بضائعهم على عرباتهم مع ندى الصباح المبكر, وقضمنا التفاح وشممنا الورود, ونسينا متاعب الليلة الأولى. لم تمض عليّ أيام قليلة في باريس حتى بحثت عن أستاذي القديم الدكتور محمد فتحي عبدالمنعم الذي كان قد قاد خطاي ببصيرته المتوهجة, رغم بصره المكفوف, في المرحلة الثانوية في الأزهر, وكان مقيماً في باريس على منحة من المركز القومي للأبحاث (C.N.R.S) يهتم خلالها بدراسة مقارنة الأديان والتقريب بين أتباعها, وكان ذائع الصيت في أوساط المستشرقين بما يمتلك من غزارة معرفة وسرعة بديهة وسعة أفق وسيطرة رائعة على اللغة الفرنسية, ولقد سعدت كثيراً بلقائه في باريس, وأحسست لديه بفرحة الأب بابنه العائد, وقاد خطاي هذه المرة على المستوي الحسّي والمعنوي في باريس وكان يحدّثني في جولاتنا الكثيرة على الأقدام في شوارع مدينة النور عن آفاق الفنون الرحبة ومجالات الإبداع المختلفة ومناحي تذوق الجمال في شتى تجلياته, ثم قادني في النهاية إلى المستشرق الكبير أندريه ميكيل فقدمني إليه وزكّاني عنده ورجاه أن يقبل الإشراف على بحوثي لنيل درجة دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية, فقبل رغم كثرة مشاغله وأعبائه. أستاذ كبير كان أندريه ميكيل وقتها على مشارف الخمسين, أكاديمياً لامعاً, يشغل منصب عميد معهد الدراسات الشرقية والهندية بجامعة السوربون الجديد (باريس3), وقد اكتسب شهرة في الأوساط العلمية بدراسته عن (الجغرافيا الإنسانية عند العرب) وهي الدراسة التي اهتمت بالروح التي كانت تسود في الإمبراطورية الإسلامية في أوج مجدها واتساعها, ونظرتها إلى بقاع الأرض المترامية من وجهة نظر (الدولة العظم ى) المشبعة بالإخاء الإنساني, وفي هذا المجال رصد نمطاً من الأدب الشعبي الجغرافي وأدب الرحلات لم يكن يجد اهتماماً كبيراً عند مصنفي الأدب العربي, وكانت تجربة أندريه ميكيل في المشرق العربي عميقة, فقد أقام في سوريا فترة طويلة, وعمل في مصر مستشاراً ثقافياً لفرنسا في عهد عبدالناصر في فترة مباحثات استقلال الجزائر, وقد استمرت صحبتي العلمية والشخصية أحياناً لأندريه ميكيل نحو ثماني سنوات قضيتها في باريس, وكانت قد بدأت منذ لقائي به وهو عميد لمعهد الدراسات الشرقية في مكتب واسع فخم, به ثلاث من الفتيات الجميلات يتحركن في رشاقة الغزال ويرسمن ابتسامة دائمة, ولا يتوقفن عن العمل والإجابة على التساؤلات, وحسدت ميكيل عليهن, ولم تساعدني لغتي المتعثرة إلا على اختزان الانبهار باللحظة وتمثله وتحويلها إلى أول قصيدة كتبتها في باريس, لكن هذا النعيم الذي حسدت عليه ميكيل, مالبث أن تنازل عنه مختاراً بل ومبتهجاً إلى مكتب آخر شديد التقشف عندما تم اختياره عضواً بالكوليج دي فرانس في كرسي الدراسات المصرية الذي خلا برحيل هنري لاوست, وظننت أنه سينتقل إلى مكان أكثر فخامة وأبّهة, وعندما زرته للتهنئة في مبنى الكوليج دي فرانس القديم المتداعي بجوار مبنى جامعة السوربون القديمة, فوجئت, كان مكتبه عبارة عن كرسي ومائدة في وسط صالة مكتبة واسعة كبيرة بها آلاف المجلدات عن الدراسات العربية والإسلامية, وقبله بخطوات تجلس على مائدة أكثر تواضعاً, سكرتيرة عجوز - لا تثير شعراً ولا نثراً - تنظم مواعيده مع طلابه وزائريه, وكان من مقعده المتواضع الرفيع يحلق في سماء الفكر والإبداع بعد أن تخفف من بعض مظاهر أبهة المكاتب. وتابعت عن قرب نظام المحاضرات في الكوليج دي فرانس, بعد أن قضيت زهاء عام في دراسة اللغة والحضارة كان مشحوناً بالتوتر والطموح والتعثر والنهوض, لكنه ساعد في هز كثير من مظاهر الرضا عن النفس التي كانت قد تراكمت عبر منصّات المحاضرات والندوات وألقى الضوء على فراغات كان لابد أن يندفع لها هواء جديد, وكان ميكيل قد أوصاني في كلامه الموجز بأن أضع خبرتي السابقة بين قوسين فسأحتاج للعودة إليها عندما أكتسب مزيداً من الخبرة في طرح التساؤلات, ومزيداً من الدقة في رؤية درجات اللون الفاصلة بين الأبيض والأسود. كان نظام (الكوليج دي فرانس) التي أسست سنة 1529 يقوم على نظام الجامعة المفتوحة, وكان ينتخب لها في كل فرع من فروع المعرفة أبرز عالم في فرنسا, وإليها ينتمي أشهر الباحثين في مجالات المعرفة مثل باستير وشامبليون وكلود برنارد وفاليري, وهي جامعة حرة, لا تمنح شهادات - ومن أجل هذا ظلت رسائلنا للدكتوراه مقيدة في جامعة السوربون الجديدة - ومحاضراتها مفتوحة للراغبين دون قيود, وليس بها طلبة مسجلون, ويعرض الأستاذ موضوع محاضراته في الصحف ليحضرها من يشاء, وعبء الأستاذ في الأسبوع ساعتان إحداهما محاضرة عامة, والأخرى حلقة بحث للنقاش, ولا يزيد موسمه السنوي على أربعة أشهر وكانت حلقة البحث عند ميكيل ملتقى كثير من أساتذة الجامعات في باريس إلى جانب الطلاب الفرنسيين والأجانب الذين يعدون رسائلهم للدكتوراه, وكان النقاش فيها ثرياً وممتعاً ومفيداً, وكان التواضع العلمي سمة النقاش ورئيس الحلقة يصغي باهتمام لكل ما يوجه إليه من ملاحظات, ولا يتردد في الاعتراف بالخطأ وتصحيحه, والعودة في الأسبوع التالي ليعلن لأناس جدد لم يكونوا من حضور الحلقة السابقة, أنه كان قد وقع في استنتاج خاطئ, وأن أحد الباحثين - وقد يكون من تلاميذه - نبّهه إلى ذلك, وأنه يعتذر ويشكر الملاحظة, ويعود فيطرح استنتاجاً جديداً. ولم تكن حدود الاهتمام بالمحاضرات تقف عند الكوليج دي فرانس وحدها برغم التنوع الكبير لفروع المعرفة التي تهتم بها, ويكفي أن بها قسماً للمصريات يمتد إلى شامبليون مكتشف حجر رشيد ويقدم سيلاً من الدراسات عن الحضارة المصرية الفرعونية التي يولع الفرنسيون بها ولعاً شديداً, ويعتبرون أنفسهم شركاء في صنعها من خلال فك رموزها وتقديمها للعالم, لكن المحاضرات كانت متابعتها تمتد إلى السوربون القديمة المجاورة وفيها (اتيامبل) شيخ الأدب المقارن, و(شارل ببللا) شيخ المستشرقين إلى جانب (مونان) ومحاضراته عن علم اللغة ومشاكل الترجمة, وهنالك مدرسة المعلمين العليا حيث محاضرات (جيرار جبنيت) عن قضايا الشعرية ومناقشة آراء (رولاند بارت) في تقنيات التحليل الشعري والقصصي و(جون كوين) حول (بناء لغة الشعر) ومناقشة آراء (جاكوبسون) ومدارس اللغوبين المحدثين, وهنالك المكتبات التي يتم ارتيادها بانتظام, ومنها (المكتبة الوطنية) الكبرى, بنظامها الدقيق الذي تحجز من خلاله مقاعدها المحدودة والمرقمة وفقاً لترتيب الحضور, وكان يدهشنا أن نجد عبدالرحمن بدوي في شيخوخته يحرص على أن يكون من أوائل الحاضرين, وأن يحجز مقعداً ثابتاً في المقاعد الأولى لا يغيره ويبذل من أجل المحافظة عليه, ضريبة الحضور المبكر بانتظام, وإلى جانب ذلك كانت هناك عروض (الكوميدي فرانسيز) التي تقدم بأسعار مخفضة للطلاب, وندوات الشعر التي تعقد في الجاليريهات ومداخل الفنادق وشاشات التلفزيون وقنوات الإذاعة التي تبث حواراً فكرياً وفنياً وسياسياً ثرياً وحياً ومتنوعاً على امتداد اليوم. كانت باريس كلها مدرسة متنوعة يستطيع كل مذاق أن يجد فيها ما يروي ظمأه, وعليك أن تحسن الاختيار, وأن تحدد الهدف, وألا ترتبك أمام كثرة الأضواء وغنى الموائد, وأن تظل النقطة البعيدة الرئيسة أمام عينيك لا تشغل عنها بإغراءات النقاط التفصيلية التي تظهر دونها. ومع التقدم في إعداد رسالة الدكتوراه حول مدرسة خليل مطران الشعرية وتأثراتها الفرنسية, بدأ النشاط العلمي والفني الموازي, اكتشفت ميلاً إلى (الترجمة) من الفرنسية إلى العربية, وحين قمت بتجربتي الأولى في ترجمة دراسة حول (تأثر لافونتي بابن المقفع) وجدت صدى طيباً لدى ميكيل وكان مؤلفها, ولدى فتحي عبدالمنعم قبل أن يرحل عن باريس وبعدها بشهور قلائل عن عالمنا, وحين وجدت المقال على صفحات مجلة الثقافة, تشجعت في ترجمة مقال آخر لبلاشير حول تأثير القرآن في نشأة المعجم نشرته مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة, وتتابعت المقالات مركزة على الأدب العربي من وجهة النظر الفرنسية, وقد صدرت بعد ذلك في كتاب (رؤية فرنسية للأدب العربي) عن (الثقافة الجماهيرية) وكتاب (الاستشراق الفرنسي والأدب العربي) عن (هيئة الكتاب), وخضت تجربة ترجمة الشعر الفرنسي إلى شعر عربي, ونشرت في الصحف العربية قصائد متفرفة لـ(فكتور هيجو) و (جاك بريفير), ثم ركزت على (بريفير) فترجمت له ما يكاد يشكل مجموعة متوسطة من ديوانه (كلمات) وكان يواكب هذا كتابتي للشعر بين الحين والحين حتى كان حصاد باريس ديواناً نشرت بعض قصائده لكنه لم ينشر كاملاً, ونشرت كذلك ترجمة للملحمة الشعرية الفرنسية (أنشودة رولاند) التي تتحدث عن صراع الإسلام والمسيحية في إسبانيا وفرنسا, وضمنتها بعد ذلك في كتابي (الأدب المقارن النظرية والتطبيق) الذي صدر بعد عودتي من البعثة في منتصف الثمانينيات, وكنت قد عقدت الألفة أثناء إعدادي لرسالة الدكتوراه مع مجموعة من المؤلفات وضعتها على قائمة مشاريعي للترجمة بعد الانتهاء من الرسالة, كان في مقدمتها كتاب (بناء لغة الشعر) الذي استثار مخزوني من النحو والبلاغة العربية في تمازج رائع مع البنيوية الحديثة, فترجمته مع تعليقات كثيرة, وصدرت منه ثلاث طبعات (إحداها عن دار المعارف) ولقي رواجاً كبيراً في العالم العربي, وأعتقد أنه كان مصدر فائدة لكثير من الدارسين, وقد أثارت لغة ترجمته قضية للمناقشة, خاصة أنه صدرت له ترجمة مغربية لاحقة ولاحظ الناس أن المسافة بين وضوح مستوى الترجمة في الكتابين, تكاد أحياناً تعادل المسافة بين لغتين, ثم شفعت هذا الكتاب بترجمة الجزء الثاني منه تحت عنوان (اللغة العليا) (وقد صدر في المشروع القومي للترجمة عن المجلس الأعلى للثقافة) ثم ضممت الكتابين في مجلد واحد بعنوان (النظرة الشعرية) (صدر عن مكتبة غريب) ثم أضفت إلى قائمة المترجمات كتاب (ــفنــ التراجم والسير الذاتية) لأندريه موروا (في المشروع القومي للترجمة). هدف الترجمة كان الهدف الذي يوجه انتقائي لما أترجمه هو مدى قدرته على التأثير في واقع الأدب العربي والارتقاء به والمساعدة في إلقاء ضوء على ماضيه الذي تحتاج الكثير من صفحاته إلى إعادة قراءة ومحاولة إيجاد تلاحم خلاق بين القيم الجمالية المشتركة سواء كانت تنتمي إلى لغتنا أو إلى اللغات الأخرى, إلى حاضرنا أو تراثنا, وفي هذا السياق جاءت مجموعة مؤلفاتي: (دراسة الأسلوب بين التراث والمعاصرة) (مكتبة غريب) و(النص البلاغي في التراث العربي والأوربي) (مكتبة غريب) وكان اهتمامي بالتطبيق يوازي اهتمامي بالتنظير إن لم يزد عليه, كنت أرى وماأزال أن التحدي الحقيقي في مجال النقد الأدبي, لا يكمن في أن نملأ مؤلفاتنا ومقالاتنا وأحاديثنا بأسماء المنظرين الأجانب ومصطلحات نظرياتهم والفلسفات الكامنة وراءها, ولكن أن نواجه بما نختزنه من هذه المعلومات, نصنا الأدبي الراهن أو القديم دون أن نفرض عليه شبكة التصوّر المسبق أو أن نكبّل مجراه بمربعات الجداول الإحصائية المحكمة ولا أن نغلفه بلهجة ممزوجة من الغموض والتعالي يصير معها النص أكثر انغلاقاً, ويشعر معها القارئ بعد الانتهاء من قراءة المقال النقدي حول النص الأدبي أنه أصبح يواجه صعوبتين بعد أن كان يواجه صعوبة واحدة, وتولد لديه الإحساس الذي كثيراً ما يخامرني بعد قراءة مقال لبعض أصدقائي من أعلام النقاد المعاصرين, بأنه مثل الطبيب الذي وقف أمام جسد يعاني, فألقى على مسامعه ومسامع الحاضرين درساً في النظريات الطبية التي حفظها وأسماء الأدوية التي يعرفها دون أن يصف الحالة التي بين يديه. وفي مجال اهتمامي بالتطبيق قدمت مجموعة من المؤلفات حول تحليل الشعر والرواية والقصة سواء أكان النص تراثياً لعنترة أو الشنفرى الأزدي أو أبي العلاء أ و أبي فراس أو أبي حيان التوحيدي أو الدميري أو غيرهم أو معاصراً لمطران وشوقي والعقاد ومحمود حسن إسماعيل وفاروق شوشة والفيتوري وحجازي, وأبو سنة وأمل دنقل ومحمود درويش وحامد طاهر, وقد تجمعت هذه الدراسات التحليلية في كتب مثل : (الكلمة والمجهر) (دار الشروق) و (النقد التحليلي للقصيدة المعاصرة) (دار الشروق) و(متعة تذوق الشعر) (غريب) و(تقنيات الفن القصصي بين الراوي والحاكي) (لونجمان) والذي اهتم إلى جانب تقنيات الحاكي القديم بتقنيات الراوي والقاص الحديث عند علي مبارك وهيكل ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف الشاروني وغيرهم, ومازلت أعتقد أن مواجهة (النص) بالتحليل النقدي الموضوعي, أجدى من مواجهة المبدع, سواء من خلال موجة التصدي لفكره الأيديولوجي الذي قد يكون رجعياً عند الناقد أو موجة التشجيع التي تلبس أحياناً ثوب مناصرة التقدمية والتنوير والدفاع عنهما بأي ثمن حتى لو كان القذى الموجود في النص يملأ محجر العين, وعندما نوقشت أخيراً رواية متواضعة تتهكم في وضوح بالقيمة الدينية, أقسم أحد النقاد البارزين أن الرواية في جوهرها تكرم الدين وتعلي من شأنه وجمع قدراً من الأدلة لا بأس به!! تجربتي في السلطنة إلى جانب تجربة العمل الجامعي في دار العلوم قبل البعثة وبعدها, والعمل الجزئي في كلية الآداب - جامعة القاهرة, والجامعة الأمريكية بالقاهرة, عشت تجربة جامعية ثقافية مثمرة في سلطنة عمان التي فكرت في إنشاء جامعة حديثة منذ أوائل الثمانينيات, كنت وقتها ماأزال أكمل رسالتي للدكتوراه في فرنسا, ووصلتني بطاقة تحية من الدكتور الطاهر مكي, من عُمان التي كان قد سافر إليها عضواً في اللجنة الاستشارية للجامعة الجديدة هو والدكتور حمدي السكوت, وكانت البطاقة على أوراق (فندق الفلج) وقد تعجبت عند قراءة الاسم, واعتقدت أنه يشير إلى الصفة الجميلة المحببة في أسنان المرأة, ولكنني علمت أن الأفلاج في عمان هي القنوات المائية الصغيرة التي شقت بإحكام منذ أقدم العصور لكي تضمن عدالة التوزيع لماء الأمطار القليلة, وبعض العمانيين يعتقدون أن الذي شقّها نفر من الجن جاءوا مع سليمان, فشقوا هذه الأفلاج في يوم واحد ورحلوا, وبعد نحو ست سنوات من وصول البطاقة, كنت في عمان, رشحني الدكتور حمدي السكوت مع أول مجموعة من الأساتذة تعمل في الجامعة قبيل افتتاحها سنة 1986, وتشكل لدي شعور بالارتياح منذ الأيام الأولى, أحسست أن الناس (طيبون) وفيهم ألفة ومودة, وأنهم كذلك (متحضرون) تلمس منهم لين الجانب وبعد النظرة وقلة الكلام, وتراجع الشبح الذي يولد شعوراً لمن يسافرون للعمل في هذه المنطقة الممتدة على سواحل الخليج, بوجود بعض مظاهر (الترفع) وخشونة الجانب, واستقبلنا طلاب الجامعة عندما فتحت أبوابها, فأحسسنا أنهم يحبون العلم ويقدرون أهله, وامتد الحوار شيئاً فشيئاً إلى المجتمع الثقافي الناهض في هذه الفترة, وامتدت القراءة والألفة إلى حاضر هذه البقعة وماضيها, وامتد القلم ليعالج بعض قضايا تاريخ الفكر والأدب هناك, وأحسست أن الذين سارعوا بالمجاملة لكي ينالوا الرضا جوبهوا بانكماش غريزي, وأن الناس يرغبون في أن توضع الأشياء في أحجامها الطبيعية, ويقبلون الرأي الموافق أو المخالف, بشرط أن يصاغ في لغة تراعي الأعراف ولا تسعى إلى تجريح أحد وأن يحسن المرء التأتي إلى هدفه, وبعد نحو عام من افتتاح الجامعة دعيت للمشاركة في إعداد (موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب) وتم اختياري عضواً في (اللجنة الوطنية للموسوعة), وقد صدرت بعد ذلك في سبعة مجلدات, ثم دعيت لتأليف أول كتاب في مشروع (أعلام عمان) وكان عن التابعي الجليل (جابر بن زيد) وقد صدر الكتاب في عمان, ثم صدر بعد ذلك في سلسلة أعلام العرب بالهيئة العامة للكتاب, ودعيت مرة أخرى بعد نحو عامين إلى تأليف كتاب في المشروع ذاته عن ابن دريد, وقد صدر بعنوان: (ابن دريد الأزدي ودوره في تجديد الدرس والنص), وخلال هذه الفترة من الاشتغال بتأسيس مناهج الدراسة الأدبية والنقدية, أصدرت كتابي: (مدخل إلى دراسة الأدب في عمان) الذي اعتبر أول كتاب منهجي يؤسس لتاريخ الأدب في هذه المنطقة, وقد تنامت البحوث الواردة فيه, فظهرت طبعته اللاحقة بعنوان (تطور الأدب في عمان) (دار غريب). دور ثقافي ولم يكن الدور الثقافي الذي سعدت بالقيام به في عمان أقل أهمية من الدور الأكاديمي سواء في جانب محاورة المتخصصين في الصحافة الأدبية أو الإصدارات الشعرية والنثرية أو محاورة جمهور المثقفين عبر قنوات الإذاعة المرئية والمسموعة, ويشعر الإنسان بالسعادة والامتنان, وهو ينظر إلى رصيد برنامج إذاعي يومي قدر لي أن أقدمه على امتداد أكثر من ثماني سنوات حتى الآن, وقدمت من خلالها نحو ثلاثة آلاف حلقة تحت عناوين: (إن من الشعر لحكمة) و (إن من البيان لسحرا) و(من كنوز الثقافة العربية) إلى جانب البرنامج التلفزيوني (شعاع الحضارة) وبرنامج (في رحاب المكتبة) ومن خلال هذه البرامج وطوّعت كثير من القيم الجمالية والفكرية والأدبية في تراثنا العظيم لذوق وفكر المشاهد والمستمع على مختلف المستويات. لقد تتوج عملي في عمان بتولي عمادة كلية الآداب وعلى مدى ثلاث سنوات متصلة من الجهد, انتقلت الكلية بمناهجها وخريجيها من دائرة الإعداد التقليدي القديم إلى دائرة الإعداد الحديث, وانفتحت أبوابها على المجتمع وعلى الحياة الثقافية المحلية والإقليمية والدولية, وأظهر الشباب العمانيون مقدرة فائقة في النهوض بالأعباء وتحدي المشاكل والعمل بروح الفريق, ثم توليت مستشارية رئاسة الجامعة ثقة بإمكان محاولة تعميم التجربة من دائرة محددة إلى محيط أكثر اتساعاً. حصاد الرحلة لقد استرشدت خلال هذه الرحلة الطويلة بمجموعة من الأسس كنت أحرص عليها دائماً, كان اهتمامي بالكليات أكبر من اهتمامي بالجزئيات, وكنت أحرص على ألا أغرق في التفاصيل, وإن كان ذلك يدفعني أحياناً إلى إهمال ما لا ينبغي إهماله من هذه التفاصيل, والوقوع في بعض الأخطاء والخسائر, وإن كانت أهون من فقدان الهدف الكلي البعيد. وكنت ومازلت أعتقد أن التنافس والغيرة يحتلان أهمية كبرى في تحريك مسيرة حياتنا إلى الأفضل, ولكن مكمن الخطر يكمن عندما نحاول دفع المنافس أو تشويهه أو إسقاطه, وكنت ومازلت أعتقد أن الجهد الذي يبذله المرء في هدم منافسه, لو بذل نصفه في بناء نفسه لكان أجدى له وأقوم لمسيرته, وكنت ومازلت أحب الهدوء أملاً ألا يصل ذلك إلى حب العزلة وأحب القدر الضروري من العلاقات الاجتماعية على مستوياتها المختلفة حريصاً على ألا تلتهم من وقتي ما يحول بين نفسي وبين سد حاجاتها المتجددة من الظمأ إلى المعرفة. * * * لقد نما البيت, وكبر الأولاد, وأصبحوا على مشارف الاستقلال, وطويت كثير من الصفحات, ولم يعد ما بقي منها موازياً أو قريباً مما مضى, ورغم كثرة المحاولات في التعلم, فقد بقي الحنين إلى أشياء بسيطة كثيرة كنت أحلم بأن أتعلمها ولم أستطع, فقد كنت أحلم أن أجيد السباحة ومنعتني تعليمات (سيدنا) شيخ الكتاب من أن أتعلمها في ترعة القرية, وكنت أحلم أن أتعلم صيد السمك, ومازالت حلاوة السمكات الصغيرة التي اصطدتها بجانب جسر القرية أيام فيضان النيل عالقة في قلبي, ولكن حال دون تعلم الصيد خوفي من الماء, وكنت أحلم بأن أتعلم العزف على العود لأفرغ شحنة الاستجابة إلى النغم التي تسكن جسدي تجاوباً مع مثيرات الإيقاع, ألم تكن هذه الأشياء السبيطة أجدى مما ظننت أنني تعلمته?!.... ربما. ابتسم المدير العام لمنظمة اليونسكو السابق فريدريكو ماير وقال لي وهو يشير بإصبعه إلى لوحة عليها كتابة بعدة لغات وضعتها منظمة اليونسكو في مدخل معرضي الذي كنا نفتتحه في صالة (الغراند باليه) في ساحة الكونكورد في باريس في 9/2/2000 وقال: أعجبتني كلماتك وطلبت ترجمتها إلى عدة لغات. والتفت إلى البروفيسور أرنست أوليفر عضو الأكاديمية الملكية في لندن, الذي أشرف على رسالتي للدكتوراه في علوم الفن في 3/6/1996, وقد تابع أعمالي ومعرضي خطوة خطوة باعتباره مكلفا بذلك من قبل اتحاد الفنانين في الاتحاد الأوربي, التفت إليه وقال له: اقرأ ماذا يقول الخالدي: (حتى أدافع عن الوطن, يجب أن أحبه, وحتى أبرهن عن هذا الحب.. لا بد أن أرسم أجمل ما في هذا الوطن). ابتسم البروفيسور أوليفر وتابع قراءة الجملة الثانية بحب كبير, قرأها بصوت مسموع: يقول الخالدي أيضاً: (رسمت لوحات كثيرة, ولم أرسم اللوحة التي أريدها بعد) في هذه اللحظات انضمت إلينا الدكتورة كارين دابروسكا أستاذة النقد وعلم الجمال في (بوزار باريس) وفي عينيها دهشة.. قالت متسائلة: تصوروا.. إن الخالدي لا يعرف عدد المدن التي عرض فيها معرضه في دول الاتحاد الأوربي منذ افتتح أول مرة هنا في هذه الصالة نفسها (غراند باليه) في باريس في 3/6/1995. لوحاتي في دول الاتحاد الأوربي ثلاث سنوات ولوحاتي تطوف دول الاتحاد الأوربي, وكل ما أذكره هو أن ختام الجولة كان في صالة المتحف الوطني في برن/ سويسرا في 30/9/1998. وبدأت د. كارين تعد على أصابعها ثم قالت: لقد عُرضت لوحات الخالدي في جميع عواصم دول الاتحاد الأوربي. إضافة إلى مدينتين في كل دولة وذلك بناء على طلب فروع اتحاد الفنانين في هذه المدن! سألني المدير العام: ما انطباعك عن هذه الجولة للمعرض في كل دول الاتحاد الأوربي? قلت: لقد أدهشني إقبال المثقفين على لوحاتي الخاصة بدمشق القديمة وحاراتها.. وبيوتها.. وعاداتها وتقاليدها.. التراثية..ولا انسى كلمة البروفيسور زوركين في استوكهولم: الفنانون عندنا الآن في حالة ضياع وتردد وخوف نتيجة انسلاخهم عن تراثهم وابتعادهم عن حضاراتهم وتاريخهم.. إنهم يتخبطون بين صرعات التجديد والدعوات إلى عولمة الفن! إنهم لا يعرفون ماذا يريدون!! وأردف يقول: ما رأي اتحاد الفنانين لو نكلف الخالدي إلقاء محاضرة عن أعماله ورؤيته عن الفن الأوربي المعاصر.. في المكتبة الوطنية في باريس.. خلال وجوده معنا في هذه الفترة. لوحاتي في مدريد وباريس وتم ذلك بعد أربعة أيام من معرضي في باريس في 13/2/2000 تحدثت عن خطورة التخلي عن الهوية الخاصة بالوطن, والمتمثلة بالتاريخ الحضاري العريق الذي يعطي لكل بلد طابعه الخاص وسماته. وأكدت أهمية الفن التشكيلي العربي المعاصر وتطوره.. وأثره على مسيرة الفن التشكيلي في العالم. لاحظت أن الغرب متلهف وبشغف غير عادي لمعرفة المزيد عن فنوننا وعن آدابنا وعن حضارتنا وعن إنساننا.. كيف يفكر.. كيف يعمل.. وماذا يعمل.. وما هو موقعه من العالم! صحيح أن الوطن يكبر بمواطنيه وأن المواطن يكبر بوطنه.. خاصة في بلاد الغربة خارج الوطن, لاسيما إذا كانوا يمثلون الوطن خير تمثيل.. وكم شعرت بالفخروالاعتزاز. وبعد انتهاء المحاضرة التي تحولت إلى ندوة وحوار مع الناس.. أعلمني مدير المكتبة الوطنية في باريس عن رغبة إدارة المكتبة باقتناء لوحة (سوق ساروجا) من معرضي..وكان متحف البرادو في مدريد قد اقتنى لوحتي (أرض الديار في البيت الدمشقي). تأملات في مسيرة العمر وقفت أتأمل مسيرة عمري مع الفن والفنانين والثقافة والمثقفين.. عبر اثنين وخمسين عاماً.. صدر لي فيها عشرة كتب عن الفن.. وأكثر من مائة معرض فني فردي في مختلف دول العالم.. وساهمت في تأسيس منظمات محلية وعربية وعالمية.. ومارست النقد الفني والكتابة في القصة.. وترأست منظمة نقابة الفنون الجميلة لدورتين متتاليتين 1974 - 1980 ممثلاً لجميع فناني سوريا التشكيليين. وكتبت الكثير الكثير من الكلمات في الفن وفي الفنانين وحاولت أن أعمل جاهداً للتعريف بالفنان العربي السوري..وبالفن العربي السوري في مؤتمرات عربية ودولية, وسعدت كثيراً بالمساهمة في تأسيس أول اتحاد عام للفنانين التشكيليين العرب عقد في دمشق عام 1971.. وأعتز بأنني كنت عضواً في لجان تحكيم معارض ومؤتمرات عربية ودولية.. ومستشاراً للفن التشكيلي في أكثر من مؤسسة عربية وعالمية.. وعملت صحفياً ورساماً ومدرّساً للفن.. وهويت المسرح ومثلت على خشبته أدوار البطولة.. في مطلع شبابي.. كنت أشعر بأنني ألتهب حماسة للعمل بالفن مهما كان نوعه أتحرق إلى النجاح وإلى التفوق.. وإلى تأكيد أهمية دور الفن في الحياة والمجتمع. وقفت على عتبة هذا الزمن.. أتأمل هذه المسيرة من عمري.. وجاءت إلي صورتي الأولى طفلاً (أشخبر أول ما أشخبر) بالألوان على ورقة صغيرة.. رسمتها أمام أمي.. في بيتنا في الشام في حي الحريقة - الدرويشية - قرب باب الجابية من دمشق القديمة.. لم أصدق. لم أصدق من شدة فرحي أن أمي بيدها حملت أول (شخبرة) ملونة لي على الورق وعلقتها على طرف الباب بدبوس تناولته من صدرها.. وعندها جاء أبي المتعب من عناء عمله اليومي, والساعة تقارب العاشرة ليلاً سألها: ما هذا? قالت: هذا من رسم ولدي غازي! خرجت من وراء الباب الذي كنت أختفي وراءه خوفاً من غضب أبي, وقفزت كالعصفور النشوان وتعلقت برقبة أمي.. لا تسعني الدنيا كلها.. من الفرحة الغامرة التي عشتها في تلك اللحظات. وفي اليوم الثاني رسمت لوحتين, حاولت أن أجودهما أكثر.. وألونهما أكثر.. وعلقتهما أمي أيضاً.. وفي اليوم الثالث رسمت ثلاثاً.. ثم أربعاً.. إلى أن قالت أمي رحمها الله: إذا نجحت في هذه السنة.. فسأقيم لك معرضاً لرسومك! أول معرض اعتبرت هذا وعداً منها.. وبدأت أدرس وأجتهد رغم كسلي وعدم انسجامي مع مواد العلوم والفيزياء والكيمياء والرياضيات. ونجحت بأعجوبة ووفت أمي بوعدها وكان لي أول معرض في بيتنا في حي الحريقة شارع ابن خلدون, الطابق الثالث, دعت إليه الجيران في الحارة.. وطبعت على الآلة الكاتبة بطاقة الدعوة والتي أحتفظ بها إلى الآن وقد مضى على ذلك المعرض أكثر من نصف قرن.. نعم افتتح المعرض في 16/3/1950. وجاء الصيف, وكبرت أحلامي خاصة بعد أن زار المعرض اثنان من كبار فناني سوريا في ذلك الزمان, محمود جلال وصلاح الناشف وسمعت منهما كلاماً شجعني, وشد أزري وجمّل طموحاتي وأغنى أحلامي ولوّن آمالي.. بالفرح.. والتفاؤل. وأخذتني أمي إلى بيت ابن عمتي محمد العاقل في حي الميدان بدمشق القديمة.. وأنا أسمع عنه أنه (رسام بالزيت).. وهيأت نفسي.. وعقلي وقلبي يخفق من السعادة وأنا أرى لوحاته ومرسمه وألوانه وزادت فرحتي عندما وعدني أن يعلمني الرسم بالألوان الزيتية.. واشترط هو أيضاً علي أن أنجح في دراستي. وتعلمت ونجحت.. وصرت أقيم كل عام معرضاً في بيتنا في الحريقة ومعرضي الثالث شاركني فيه نذير نبعة واسكندر لوقا وأخي الأصغر رجائي.. وكتب عنا أحمد جفان مقالاً في جريدة الميادين بدمشق بعنوان في معرض هواة الرسم لعام 1952. ونجحت في الثانوية العامة, وبدأ حلمي يكبر وأصبح هاجسي السفر إلى القاهرة وقال لي نشأت التغلبي وكان رئيساً لتحرير مجلة الجندي بدمشق وأنا أودعه: أرسل لنا مقابلات مع الكتاب والفنانين والشعراء في مصر.. ننشرها لك في المجلة, وتساعد والدك على مصروفك.. لأنك ستدرس كما فهمت منك على نفقتك! وسافرت إلى القاهرة عام 1957.. محملاً بالأحلام والطموحات والمشاريع والأفكار.. وم ن حسن حظي أنه عقد في القاهرة أول مؤتمر للأدباء العرب برعاية جمال عبدالناصر.. ووصل وفد الجمهورية العربية السورية مؤلفاً من الدكتور سامي الدهان رئيساً وحنا مينه ووداد سكاكيني وعادل أبوشنب وجودة الركابي.. أعضاء.. وانضم إليهم في القاهرة عبدالهادي البكار. ولا أدري كيف قبلني الوفد وسميت عضواً ملحقاً بهم! ولأول مرة أصافح عبدالناصر بطوله وقامته الفارعة.. ووجهه الأسمر.. وقفت إلى جانبه وبالكاد أصل إلى وسطه.. وسعدت كثيراً أن رأيته وتعرفت إلى طه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي.. وعباس محمود العقاد.. وإحسان عبدالقدوس والسيدة فاطمة اليوسف.. وعبدالرحمن الخميسي وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالقادر القط. ووضعت برنامجاً لزيارة كل واحد منهم على حدة.. لأكتب عنهم وأحاورهم.. وأرسل هذه المقابلات إلى مجلة الجندي بدمشق.. وقابلتهم جميعاً.. وكتبت عنهم ونشرت لي مجلة الجندي كل ما أرسلته من القاهرة. بيكار والألوان استأجرت قبواً في شارع الجزيرة الوسطى بالزمالك قريباً من كلية الفنون الجميلة, وبدأت أتمرن على الرسم بالفحم وبالقلم الرصاص.. حتى لا أضيع فرصة عمري بدراسة الفنون على أصولها الأكاديمية في الكلية العريقة التي أسست في القاهرة عام 1908 هكذا قال لي الأستاذ بيكار الذي تعرفت إليه من خلال رسالة حملتها له من تلميذه الذي يحبه برهان كركوتلي.. وأصبح بيكار بعد لقائي الأول معه في بيته من أغلى أصدقائي.. وأعظم أساتذتي.. وأحب الناس إلى قلبي.. كنت أزوره كل خميس وأجلس معه على الأرض في مرسمه في بيته ويجلس على ركبتيه.. يناقش الرسوم واللوحات والدراسات التي أحضرها له.. ويوجهني.. تعلمت من الأطفال ومن خلال تأمل طويل لتجربتي مع الأطفال.. وجدت أن هناك قواسم مشتركة عديدة بين فنون الأطفال وفنون الكبار.. وأتذكر قول هنري ماتيس: إنني أتمنى أن أعيش بعقل الطفل وقلب الرجل! لماذا.. لأن المفاهيم الخاصة بالفن عند الطفل أساسها العفوية والتلقائية والجرأة.. وسبب ذلك أن الطفل ليس له خلفيات من تراكم المعارف والخبرات. وأول شيء وجدته بين هذه القواسم هو الحرية, فالفنان الذي يستطيع أن يقول (لا) لكل التراكمات التعليمية والثقافية والمعرفية التي سمعها أو قرأها أو درسها في كلية الفنون هو الفنان الذي يتحرر من كل هذه القيود ليبحث عن نفسه ويبدأ من ذاته التي صنعها بنفسه وبإرادته.. لذلك أقول لطلابنا تعلموا في الكلية واحصلوا على أكبر كمية ونوعية ممكنة من الخبرات.. وما إن تتخرجوا.. عليكم أن تنسوا كل ما تعلمتموه.. لأن الطالب في الكلية يتعلم صناعة أبجدية الفن.. أما عندما يتخرج فعليه أن يعرف كيف يصنع لوحته بأسلوبه هو وطابعه هو. القاسم المشترك الثاني هو الذكاء.. فذكاء الفنان هو الذي يساعده في الاختيار وفي اتخاذ القرار وتحديد الرأي الأكثر أهمية وجمالاً وفائدة أكثر له ولفنه.. ومن أهم شروط الذكاء القدرة السريعة على التكيف والتأقلم مع المحيط, سواء كان هذا المحيط بشراً أم طبيعة.. أم موضوعات حياتية يعيشها الفنان يوماً بيوم. والثالث هو الخيال, فما أحوج الفنان إلى الخيال الذي يساعده على إضفاء الجمال المتفرد على لوحته سواء باستعارات شكلية أو لونية للوصول إلى محصلة خاصة بالتعبير الذي يتمناه لعمله الفني, وما أغنى خيال الأطفال. الذي يصل إلى الأسطورة وإلى اللامعقول دون أي عناء, ودون أي تخطيط مسبق.. فالخيال عند الطفل جزء من أحلامه, وأحلام يقظة بشكل خاص. والرابع هو التجديد.. وهذا مطلوب من التجربة الفنية, والتجديد يعطي للعمل الفني الحياة.. والحيوية والحركة ويرشحها للبقاء أكثر من تكرارالتجربة واجترار الحلول التشكيلية التي تعود عليها أو عوّد عين المتلقي عليها.. ولنا أقرب مثل في بيكاسو الذي قال عنه دوغسال دونكن: إن بيكاسو لا يرسم أبداً على طريقة بيكاسو, إنه متجدد دائماً.. كل يوم لديه شيء جديد يفاجئنا به! الفن إبهار والخامس هو الدهشة أي الإدهاش, والمفاجأة التي تحدث عنها ليوناردو دافنشي عندما قال: (الفن إبهار) أي أن المفروض في اللوحة أن تستوقفك وتدهشك.. وتشدك إليها لتسأل.. والسؤال أول باب المعرفة, وسؤال اللوحة - كما قال دولاكروا - هو تكريم اللوحة ومحاولة لاكتشاف سر المفاجأة فيها! وكم كنت أغطي بعض لوحاتي لأنني أجد فيها كلاماً مكرراً, وأفكاراً مستهلكة فأعود لأفكر وأعود لأرسم.. وأجد أحياناً أن التفكير يعيق الإبداع أحياناً لأن التفكير الطويل قد يوصلني إلى التردد.. والقلق.. ثم الخوف.. والخوف لا يمشي مع الفن! أرسم بشكل مباشر, أول ما يخطر على بالي.. أهجم على المساحة البيضاء بألواني وأشكالي.. وعناصري التي تتدفق عفوياً وتلقائياً.. فأجد نفسي أنني أكثر صدقاً مع إحساسي وأكثر بساطة مع نفسي.. وأكثر عفوية مع مشاعري.. وأكثر قرباً إلى لوحتي وأسلوبي ومنهجي في الفن. أما القاسم المشترك السادس بين فنون الأطفال وفنون الكبار فهو التقنية وهذا يأتي بالتجريب.. والتدريب.. والصبر.. والعمل اليومي.. الذي لا ينقطع فيه الفنان عن عالمه وعن دنياه.. وكلما ازداد تدريباً وتجريباً في أسلوب استخدام ألوانه وخاماته ومواده ازدادت تجربته عمقاً وأسلوبه نضجاً.. وتكاملاً بين المضمون والموضوع والشكل.. المضمون غير الموضوع والمضمون عندي غير الموضوع, فأقول موضوع لوحة الجيوكندا هو امرأة جالسة ووراءها منظر, وتضع يدها على حجرها.. وألوانها.. كذا.. وكذا.. أما مضمون اللوحة فهو البعد النفسي العميق الذي نستدله أو نقرؤه في عينيها.. ماذا يقصد الفنان بهذه الجلسة.. وبهذه النظرة.. وبهذه الألوان.. وبهذا المقطع من اللوحة? لماذا لم يرسمها على طولها واقفة?! له هدف! له غاية!! أما الشكل فهو الخطوط والألوان والمساحات التقنية البحتة في بنية تكوين اللوحة. كل ذلك لا يعني أن نرسم بقلب بارد, بل بالعكس في الفنان كما قال سوريو: يجب أن يكون بعقل بارد وقلب دافئ.. فالفن الحقيقي الذي يصل إلى قلب المتلقي, لا بد أن ينطلق من قلب الفنان, وما يخرج من القلب يصل إلى القلب.. وأكبر دليل على ذلك ما رسمته عن الانتفاضة, رسمته من قلبي فشعرت أنه وصل إلى قلوب الناس.. كنت أتمزق ألماً عندما أرى الصهاينة يكسرون عظام أبطال الحجارة, أبطال الانتفاضة. رسمت أكثر من لوحة عن بطولات هؤلاء المناضلين الذين أعطوا للأمة العربية شهادة براءة ووسام الوفاء والتضحية, لم يحدث مثله في تاريخ الثورات ولا في تاريخ الحروب, كيف لا.. وكل يوم بمعدل ثلاثة شهداء!! ألا يكفي هذا? طقوس الرسم واللون لكل فنان طقوسه الخاصة وهو يرسم.. أو ينحت تمثالاً.. أو يؤلف لحناً موسيقياً.. أو قصيدة شعر! تعودت أن أغادر مرسمي إلى الأحياء القديمة.. في الشام.. كلما أردت أن أجد نفسي.. وأعيد إلى روحي فرحها.. وتفاؤلها.. وإلى أعصابي نشاطها وهدوءها. أقف في الحارة بين دفء قلوب الناس الذين أشعر بهم ويشعرون بي, معجباً بعالمهم السحري الشرقي.. التراثي العريق الذي يمتاز بخصوصية تختلف من حارة إلى أخرى, ومن منطقة سكنية إلى أخرى, من باب الجابية إلى باب السلام.. إلى القيمرية إلى المناخلية.. إلى الميدان إلى سوق ساروجة. كثيراً ما أنسى أنني مع أم الود (وديعة الحافظ) زوجتي التي ترافقني في كل مشاوير الفن خاصة خارج المرسم.. وبين أحضان الطبيعة.. أنسى كل من حولي يقدمون لي الشاي فأغمس فرشاتي الملونة فيه, على عادتي بأن أغمسها بفنجان زيت الكتان مع التربانتين.. لا أستريح ولا أجلس ولا أتحدث مع أحد. ولا أرد على تساؤلات الفضوليين إن وقفوا إلى جانبي وأنا أرسم.. إنني أستغرق كثيراً في تأملي جزئيات الحارة.. وتنوع الأبواب والنوافذ وغنى الألوان التي تبدو على الجدران التي تآكل عليها الزمن.. أعصابي مشدودة تماماً إلى الحارة.. ولادة الفكرة أما في المرسم.. وهو الجانب الثاني في حياتي مع اللوحة.. فغالباً ما يكون بل دائما تكون لوحاتي التي أرسمها في المرسم, ذات طابع مختلف تماماً عما أرسمه بالهواء الطلق, ذات موضوعات فكرية تحتاج إلى تأليف, ودراسة مسبقة.. وكروكيات, واسكتشات عديدة.. وهذه اللوحات تشغلني لفترات طويلة ومتباعدة أحياناً.. وأصعب مرحلة عندي هي بناء اللوحة.. واللحظة التي أقف فيها أمام المساحة البيضاء التي تتحداني أن أقتحمها.. فقد تبدأ الفكرة معي في الشارع, في المكتب, في الحديقة, في البيت, في أي مكان ما, أجد فيه موضوعاً هزني وأثار مشاعري وشد إحساسي, فتولدت عندي فكرة بسيطة صغيرة, ثم تتنامى في خيالي وفي أعماقي.. إلى أن أصل إلى مرسمي وأوراقي وألواني.. وقد تأتي الفكرة من مشهد أو من قصة أو من قصيدة.. أو من حادثة.. وأحاول أن أثبت فكرتي على وريقات صغيرة أحملها معي أينما كنت أضع النقاط الأولى الأهم التي تذكرني بالفكرة! وتتجمع الوريقات في جيوبي.. حتى أجلس وراء حامل اللوحات في مرسمي.. وأتأمل..وأسأل ذاكرتي.. ماذا.. وكيف.. ولماذا? ولا أجد نفسي إلا وفرشاتي انغمست وحدها بالألوان المفروشة على (الملونة) المعروفة باسم (باليته) وتبدأ لحظات استعادة الصور التي اختزنتها في ذاكرتي. اللوحة التي لم أرسمها والزمن هنا لا أحسب له حساباً, في ساعات النهار والليل, فأنا مستغرق في لوحتي.. وأم الود زوجتي تقدر ذلك جيداً.. بل تقول لي: انزل إلى مرسمك وارسم! أريد لوحة جديدة! وبالطبع هذا لا يعني أنني أرسم بناء على طلب.. بل بالعكس تماماً أكثر ما أكرهه في عملي الفني أن أرسم حسب طلب الزبون.. إنني لا أرسم إطلاقاً تنفيذاً لطلب من أي شخص كان.. إلا إذا كانت الفكرة رسم لوحة جدارية كبيرة لمؤسسة أو لمدرسة أو لمكتبة.. فه ذا الأمر مختلف ويحتاج إلى حوار مع صاحب العمل.. ونقاش يستلزم شكلاً وقياساً وموضوعاً محدداً. عندما أنتهي من لوحتي, أتمنى أن أضم كل الناس وأقبلهم.. ومشكلتي الكبيرة تبدأ بعدما انتهي تماماً من اللوحة, وبعد أن أضع توقيعي عليها.. إذ أقف وأتأملها خاصة بعد مرور يوم أو أكثر على اللوحة.. فأشعر بإحباط حقيقي لأنني وأنا صادق مع نفسي لم أستطع أن أحقق حلمي وطموحي الذي تمنيته وتخيلته لهذه اللـــوحة.. لا.. لا.. لا ليســــت هذه اللوحــة التي كنت أتمـــناها.. فأبدأ من جديد إنها أقل من طموحي.. بكل تأكيـــد فأقـــلبها على قفاها وأقول لنفسي.. إنني لم أرسم اللوحة التي أريدها بعد. مـــــاذا تــقــول الــتــســعــون? أحرجتني الدعوة الكريمة التي تلقيتها من (العربي) الغرّاء, للمشاركة في الكتابة لـ (مرفأ الذاكرة)... مرتين: - الأولى لأنها ستضطرني للتحامل على نفسي, وعلى مرضي, وعلى أعوامي التسعين, فأخطُّ شيئاً من السيرة الذاتية. - والثانية لأنني لم أكن لأتوقع أن أكتب, أنا, هذه السيرة, بعد الرفض المتواصل لطلبات الزملاء والأصدقاء أن أكتب سيرتي الذاتية والفنية التي اخترقتُ بها القرن العشرين على طوله, فلم أكن يوماً من المتحمسين لكتابة المذكرات, وكنت أفضّل ألا أضع نفسي في صيغة المتكلم, بل أترك للآخرين أن يتحدثوا عني, ويقوّموا تجربتي, حتى لا أكون مثل (مادح نفسه الذي يقرئك السلام). ولكني, أمام هذا التكليف من المجلة التي تتصدر بجدارة مسيرة الثقافة العربية على امتداد أكثر من أربعة عقود من الزمن, والتي دخلت كل بيت, واكتسبت ثقة القارئ واحترامه على امتداد الوطن العربي وخارج حدوده, لا يسعني إلا أن أنهض من فراش المرض, ومن الحالة التي هي أقرب إلى الكساح, لأحمل القلم بيد مرتعشة, وأدخل (مرفأ الذاكرة), وأنا أتساءل, كما قد يتساءل قارئ سيرتي: ترى... ماذا ستقول التسعون? البداية مع زوربا قد يفاجأ القرّاء بأن اسمي الحقيقي ليس عدنان قريش, بل هو (خير الدين عدنان الداغستاني), ويمكن أن نعتبر الاسم الذي اشتهرت به.. أي (عدنان قريش) هو الاسم الفني, إذ كان احتراف الفن في بداية القرن العشرين نوعاً من الخروج غير المقبول, على عادات وتقاليد الأسر المحافظة التي كانت تعتبر الفن (رجساً من عمل الشيطان). كان ميلادي عام 1911, أي أنني الآن قد تجاوزت التسعين, ولهذا أجد الكثير من الصعوبة في محاولة لملمة أفكاري, والوقوف عند المحطات الرئيسة في مسيرتي الحياتية والفنية, ولكني سأحاول الاعتماد على الذاكرة الواهنة, وعلى ما كتب عني في بعض الصحف والمجلات, فإن أغفلت ذكر اسم أو حادثة, فلي عذري لأن السن لها أحكام. كنت منذ اليفاع أميل إلى الموسيقى والطرب, وكنت أمتلك كما يقولون (أذناً موسيقية).. أي أن اهتماماتي الموسيقية بدأت في سن مبكرة, وتشاء المصادفات أن أتعرف إلى التركي (شوقي بك زوربا) وكان من أعلام الموسيقى الشرقية في تلك المرحلة, ولما لاحظ تعلقي بالموسيقى, أخذ يدربني وعلمني العزف على أكثر من آلة موسيقية في مقدمتها آلة العود. علمني الموسيقي زوربا أسس التدوين الموسيقي (كتابة النوتة) أيام كان الكثيرون يعتمدون على السماع في العزف والتلحين.. وهكذا كان زوربا أستاذي الأول. تجمع موسيقي أحب أن أستدرك لأقول إن من أسباب ولعي بالموسيقى, كان الجو الذي يحيط بي, والبيئة التي أعيش فيها, فقد كان أخوتي الثلاثة الذين يكبرونني سناً من هواة الموسيقى, والعزف على الآلات الموسيقية كالعود والكمان.. وكنت أسعى لحضور السهرات والحفلات والأعراس, كما كنت المستمع الوحيد لهم عندما كانوا يعزفون في البيت ولهذا, عندما قرر الموسيقار زوربا أن يرعاني ويوجهني ويدربني, وجد بين يديه خامة طيعة وفتى متشربا بروح الموسيقى في تربيته البيتية وبين عامي 1920 - 1923 بدأ ولعي الجديد بحضور الأذكار الدينية التي كانت تقام في البيوت, في حيّنا وفي الأحياء المجاورة, وأصبحت من المدمنين على حضورها, في الوقت الذي كنت أستغل فيه غياب أهل البيت لأواصل تدربي في العزف على آلة العود. وقام في دمشق أول تجمع موسيقي فني عام 1928 باسم النادي الموسيقي السوري, وقد انتسبت إلى هذا النادي الذي لقيت فيه من أعضائه كل رعاية, وكنا جادين في العمل مما أهّلنا للمشاركة في أعمال المؤتمر الأول للموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة عام 1932. وقد نال أحد أعضاء فرقة النادي الجائزة الأولى في المهرجان, وكان الأستاذ شفيق شبيب, أما المقطوعة التي فازت بالجائزة, فقد كانت باسم (معزوفة الصباح) التي قدمت في إحدى أمسيات المؤتمر في دار الأوبرا بالقاهرة. فنان رائد في العام 1932 تعرفت إلى الفنان الكبير والممثل المعروف باسم (القصاص الشعبي) حكمت محسن (أبورشدي) وكان من سكان حي المهاجرين بدمشق, وهو الحي الذي أقطن فيه حيث ولدت وترعرعت فيه ولا أزال أسكنه, وكان حكمت محسن من هواة التمثيل الفكاهي, وقد كتب أول ما كتب رواية من النوع الفكاهي, وكوّن فرقة من أبناء الحي, وقرر أن تقدم الفرقة هذه الرواية, واختارني للمشاركة في التمثيل, ولكني كنت أميل للموسيقى التي أجد فيها نفسي أكثر من التمثيل. قدمنا المسرحية أمام الجمهور على مسرح أقمناه في حديقة المنشية التي كانت تابعة لبلدية (قطنا), وقد اقترحت عليه أن نقدم في العرض فرقة للموسيقى والغناء, وهكذا كان, أسسنا الفرقة الموسيقية مني, ومن عمر النقشبندي الذي أصبح فيما بعد أشهر عازف عود في سوريا, كما ضممنا للفرقة فيما بعد شابين موهوبين هما: جورج حبيب, وعادل المالح. وقد حقق العرض المسرحي, ومعه العرض الموسيقي نجاحاً جماهيرياً بادياً, مما شجعنا على الاستمرار في العطاء الفني إلى الإذاعة محطة أخرى مهمة أقف معها بإيجاز, كانت عام 1940 عندما ساهمت مع بعض الزملاء في تأسيس معهد جديد أطلقنا عليه اسم (معهد أصدقاء الفنون) الذي عملت فيه باندفاع دءوب على مدى عامين, وفوجئت بعد ذلك بدعوتي للعمل في إذاعة راديو الشرق ببيروت.. وفي الوقت نفسه دعيت للعمل في إذاعة الشرق ببيروت, وقد اشتركت مع النوادي الموسيقية القائمة في دمشق آنذاك, في تقديم برامج موسيقية وغنائية على أثير الإذاعتين, وكان التقديم (على الهواء مباشرة) إذ لم يكن بالإمكان تحقيق عملية التسجيل على أشرطة لم تكن متوافرة آنذاك, وهكذا نجد أن فكرة البث المباشر على الهواء, فكرة قديمة وليست من ابتداع هذه الأيام. وبعد الاستقلال.. أي في عام 1947, ومع قرار افتتاح الإذاعة السورية الوطنية رسمياً طلب السيد شكري القوتلي, رئيس الجمهورية آنذاك, إلى السيد فخري البارودي, الإشراف على ترتيب دائرة الموسيقى في الإذاعة, فاختار للمهمة الموسيقي شفيق شبيب الذي كان يشغل آنذاك وظيفة رئيس ديوان في الدائرة العقارية, وأصبح الفنان شفيق شبيب أول رئيس لدائرة الموسيقى في الإذاعة السورية, كما تم اختياري ومعي السيد حمدي الزركلي, أحد مدرسي الموسيقى, للعمل في الدائرة, بالإضافة إلى مساهمتنا في العزف والتلحين. نقلة جديدة ورأى السيد فخري البارودي أن الإذاعة الجديدة بحاجة إلى كوادر موسيقى أكاديمية, فعمد إلى افتتاح معهد, أطلق عليه اسم (مدرسة) تابعة للإذاعة, في شارع العابد بدمشق لتعليم أصول الموسيقى والغناء للموهوبين من الشباب ليكونوا في المستقبل موسيقيين ومطربين بعد دراسة هذه الفنون بأصولها العلمية. وكنت أطمع دائماً إلى المساهمة في إحياء وتطوير الموسيقى الشرقية وإحياء التخت الشرقي, فعمدت في عام 1966 إلى تأسيس فرقة موسيقية باسم (الفرقة الشعبية) التي أثبتت وجودها, وبخاصة في الحفلات حيث عملنا على تقديم الألحان التراثية والفولكلورية. أحب أن أستدرك هنا, للمرة الثانية وأنا أستعيد ذكرياتي من الذهن أن الأستاذ فخري البارودي كان قد اختارني لتولي إدارة المدرسة الموسيقية التي افتتحها في شارع العابد, وكان معي من الأساتذة أسماء لامعة منهم: إبراهيم النصر, وعمر البطش, وشوقي بك زوربا, وسعيد فرحات, ومجدي العقيلي, ومطيع الكيلاني, وعزيز غنام, وفوزي القلطقجي. ولعل الذين تابعوا تاريخ الموسيقى والغناء في سوريا, يعرفون أن هؤلاء من أعلام الموسيقى العربية في سوريا, وقد خلفوا لنا تراثاً موسيقياً غنياً, إن في التأليف أو التلحين , أو في كتابة البحوث والدراسات الموسيقية. أما عدد تلاميذ تلك المدرسة فكانوا قرابة الخمسين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخامسة عشرة, وهم من أصحاب المواهب الواعدة والأصوات الجميلة, وقد تفوق بعضهم في هذا المجال وكان في مقدمتهم مطربنا الكبير, اليوم, صباح فخري. ومن هؤلاء أيضاً برز: أديب طويلة, وفخري الغزي, وعدنان منيني, وزهير منيني, وبهجت الأستاذ, وعمر العقّاد. وأُلحقت المدرسة بعد ذلك بوزارة المعارف, وأصبحت (معهداً) وتوسع التدريس فيه, واستقدم له أساتذة من الخارج, من تركيا وألمانيا, ودول أخرى, للتدريس فيه, وعلى الرغم من أنني كنت مديراً للمدرسة الموسيقية الإذاعية, فإنني حاولت أن أزيد علمي الموسيقي من بعض أساتذته فأخذت الكثير مثلاً عن الموسيقي الكبير الأستاذ سعيد فرحات. أخذت عنه أصول الغناء العربي والنغمات, وخاصية التواشيح وغناء الموال. وأذكر الموسيقي الكبير الأستاذ فؤاد محفوظ الذي كنت أتردد عليه قبل أن أنتسب إلى نادي الموسيقى أو الإذاعة وأزداد منه تعلماً للعزف الصحيح على العود, ومعرفة النغمات الشرقية. كما أخذت الكثير من العلاّمة الموسيقي عمر البطش, وكان من أشهر أساتذة الموشح السوري, وكان يذهب إليه كثيرون حيث يقيم في مدينة حلب ليتعلموا منه وهو الذي قال عنه محمد عبدالوهاب (ده الأستاذ الكبير), كما أذكر الموسيقي الراحل عزيز غنام الذي أخذت عنه الكثير من أصول الموسيقى الشرقية وكنت مأخوذاً ببراعته في العزف. وقد كللت مسيرتي العملية في الإذاعة عام 1967 عندما تم اختياري لرئاسة دائرة الموسيقى في إذاعة دمشق حتى عام 1975 حيث أحلت إلى التقاعد. وعلى الرغم من إحالتي للتقاعد, فقد بقيت حريصاً على تقديم برنامجي الإذاعي الذي قدمته سنين طويلة باسم (من تسجيلاتنا القديمة) حيث كنت أختار لكل حلقة منه مجموعة من تسجيلاتنا القديمة, أذكر بها جيل الشباب من المستمعين, وكان الإقبال على الاستماع إلى هذا البرنامج كبيراً, وتشهد على ذلك الرسائل العديدة التي كان البرنامج يتلقاها من سوريا ومن بقية أقطار الوطن العربي. الهودج... والزين في الخمسينيات انطلق من إذاعة دمشق صوت قوي لمطربة شابة اسمها جميلة نصور, أطلق عليها الملحن والمطرب الفنان رفيق شكري اسم كروان. انطلق صوت كروان بأغنيتين هما: - زين يابا زين - شدّولي الهودج كانت سوريا كلها ترقص على ألحان هاتين الأغنيتين عندما تذيعهما المذيعة الشهيرة عبلة الخوري, رحمها الله, في برنامج (ما يطلبه المستمعون). وفي يوم فاجأني أحد الجيران في الحي بقوله: أنت تعمل في الإذاعة.. هلا سألت لي عن اسم الملحن الذي وضع لحني هاتين الأغنيتين اللتين تغنيهما كروان من إذاعة دمشق? فوجئت بسؤال الجار, وأسقط في يدي, إذ لم أرغب في أن أخبره أنني ملحن الأغنيتين, فوعدته بأنني سأسأل في الإذاعة عن اسم الملحن وأوافيه به, ومرّت أيام جاءني بعدها معتذراً: أرجو أن تعذرني يا جار, فقد علمت أنك ملحن الأغنيتين, وأنا أهنئك من كل قلبي. وإلى جانب كروان لحنت لأكثر مطربي عقدي الخمسينيات والستينيات أمثال المطربة الكبيرة السيدة نورهان, والمطربين ياسين محمود, ومعن دندشي وغيرهم, كما قمت بكتابة وتلحين الأغاني الضاحكة للفنان الكبير فهد كعيكاتي (أبي فهمي) والفنان أنور البابا (أم كامل), ولحنت لفنان الشعب رفيق سبيعي (أبي صياح) وخاصة الأغنية الشهيرة (زينوا المرجة).. ووجهت اهتماماً خاصاً إلى موضوع إحياء التراث الغنائي الشعبي ونشره,كما قدمت برنامج (حكواتي الفن) مع الفنان رفيق سبيعي. وتعاملت مع عدد كبير من الشعراء, وخاصة شعراء الأغنية ومنهم أشهر ثلاثة في تاريخ تأليف الشعرالغنائي السوري, وأقصد رفعت العاقل, وعمر الحلبي, وحكمت محسن, بالإضافة إلى المونولوجست الشهير سلامة الاغواني. وفي لقاءاتي مع إخواني وزملائي الفنانين كنت أحذرهم دائماً من التقليد, فالتقليد في الفن, إن كان في الغناء أو التمثيل, ظاهرة ضعف, وقد يكون التقليد نوعاً من التسلية, أما الفن الحقيقي فهو, في جميع أنواعه, فن الإبداع الأصيل. بين الماضي والحاضر شاء الله العلي القدير أن أعيش إلى هذه السن, فأشهد جملة من التحولات في المجتمع وفي الخيال, لم يكن بعضها ليخطر على البال, وخاصة ما يفاجئنا في عالم التقنيات الحديثة, وثورة الاتصالات التي تتجلى على الفضائيات, بالإضافة إلى أمثلة كثيرة يضيق بها المجال. واليوم, وأنا أقف على قمة أحاسيسي المترعة, وقد جاوزت التسعين, ولزمت سريري بسبب الشيخوخة والمرض, أحاول أن أستطلع, من مكاني هذا ما حدث من تطورات في عالم الموسيقى والغناء والفن ليس بعين الناقد الأكاديمي المتفحص, بل بعين الفنان الذي يحاول أن يستمع ويتذوق ويستوعب. أجل.. علي أن أستوعب مثلاً مقدرة (الأورغ) الذي يؤدي وحده جميع النغمات, وبأصوات مختلف الآلات, فقد قال لي أحد الموسيقيين وهو يسمعني على شريط آلة تسجيل أغنية المطربة السيدة وردة (بتونس بيك): هل لك أن تقدر لي عدد عازفي الفرقة التي شاركت السيدة وردة في تسجيل هذه الأغنية? وقبل أن أجيب, رد أحد الجلوس الذي كان يشاركنا السهرة: أنا سأجيب عن الأستاذ عدنان.. فعدد العازفين المشاركين في تسجيل هذه الأغنية لا يقل عن العشرين, ولكن الصديق أصرّ على أن يقف على جوابي, فطلبت إليه أن يعيد الأغنية على آلة التسجيل.. ففعل, وفوجئ بأنني أجبته بأن تسجيل الأغنية تم بمشاركة عازف واحد هو عازف الإيقاع.. أما بقية الألحان المعزوفة والتي رافقت صوت المطربة فكانت آلة الأورغ وحدها. لا أدعي التفرد والعبقرية في هذا الجواب, فقد عرفته بحكم الممارسة والتعامل الطويل مع الموسيقى, ومع الآلات الموسيقية قديمها وحديثها. وكانت هناك دائماً حوارات تدور بيني وبين الزملاء, وخاصة بعد اختراع الأورغ ودخوله على عدد من فرق التخت الشرقي حول موضوع التخوف من أن تقضي هذه الآلات الإلكترونية المتطورة على وجود الإنسان العازف في الفرقة لتستعيض عنه بالآلة التي يمكن أن يسجل عليها أكثر من إيقاع لأكثر من آلة بحيث تعزف مثلاً العود والكمان والناي وغيرها في آن واحد. لست متشائماً في هذا المجال, فمهما تطورت الآلة, فإنها لا تستطيع أن تقضي على الإنسان المبدع ولا أن تحل محله إلا في حالات محدودة. فهي لن تستطيع أن تقدم سيمفونية مثلا, ولا تستطيع أن تقدم الليونة والرخامة التي نشعر بها من خلال ألحان العزف الحي.. فاللمسات التي يشعرنا بها عازف العود وتتغلغل من آذاننا إلى بقية خلايا جسدنا, لا يستطيع أن يقدمها لنا التسجيل الآلي للعود والذي نشعر كأنه عزف على آلة يابسة, فالإصبع تحن على الوتر, والوتر يتجاوب مع هذا الحنان الحي, على عكس الآلة. وأذكر بالمناسبة أن ظهور الكمبيوتر والفضائيات وبرامج الإنترنت كان ينذر باختفاء الكتاب والمجلة والجريدة وغير ذلك من وسائط القراءة المباشرة, ثم تبين أن ذلك لم يحدث إلا بنسبة قليلة بدليل صدور هذا الكم الهائل, كل يوم, وليس كل شهر, من الكتب والمجلات والصحف بأعداد متزايدة. وأذكر بالمناسبة أن إحدى الصحفيات, زارت أديباً كبيراً في منزله لتجري معه حواراً, فرأته جالساً إلى طاولة خشبية متواضعة يكتب بالقلم, فسألته مستغربة: ألا تزال يا أستاذ تكتب بالقلم... أليس من الأفضل أن تؤلف وأنت تضرب على أصابع الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر? فأجاب: في الكتابة بالقلم على الورق متعة لا يحققها لي الكمبيوتر, ولا تحققها لي الآلة الكاتبة, وهي متعة صرير القلم على الورق وهو يحكه كأنه يريد أن يحرثه ليرمي في خطوطه بذور الإبداع. شبابية... أو غير ! لا أدري كم هي المرات التي سألنا فيها بعض الشبان والشابات وقد طلعوا حديثاً على عالم الصحافة: - ما رأيك بالأغنية التي نعرفها اليوم باسم الأغنية الشبابية? هذا السؤال طرح قبلي على أعداد كبيرة من المطربين والمطربات, ابتداءً من المطربة الناشئة (بنت اليوم), ووصولاً إلى مطربنا الكبير صباح فخري. وكانت أكثر الأجوبة تختصر في كلمات قليلة: ليست هناك أغنية شبابية وأغنية غيرشبابية.. هناك أغنية جيدة وأغنية فاشلة. وقد يتورط أحد الفنانين في الجواب فيقول: إن الأغنية الشبابية هي أغنية الإيقاع.. وحتى يستعرض ثقافته الموسيقية يتبع جوابه بجملة: (ذات الرتم السريع).. ناسياً أن (الرتم) هي الكلمة الأجنبية لكلمة (إيقاع). والواقع أن الإيقاع موجود, أو يجب أن يكون كذلك, في أي أغنية, إن كان بطيئاً أو سريعاً.. وليس بالضرورة أن تكون الأغنية ذات الإيقاع البطيء تطريبية أصيلة, والأغنية ذات الإيقاع السريع شبابية أو مهجّنة. لقد تداخلت عوامل وعناصر كثيرة في واقع الأغنية في السنوات الأخيرة, وخاصة بعد أن خلقت الفضائيات, وقبلها برامج التلفزيون العادية مشهدية بصرية جديدة تستقطب اهتمام المشاهد والمتفرج, حتى في الأعمال الدرامية, وهذا ما نتج عنه ما يسمى أغاني الـ (فيديو كليب) بحيث تراجع الاهتمام بالكلام واللحن لحساب الأداء الحركي من المطرب أو المطربة, فطغت الصورة على المشهد وشغلت المتابعة بالإثارة المعروضة عن معاني الكلام ومستوى اللحن. خلاصة التجربة بعد هذا, ما الذي بقي لدى (ابن التسعين) ليقول? يسألونني دائما ما نصيحتك للجيل الجديد من الفنانين? هل هناك أزمة في الأغنية العربية, وهل هي أزمة نص أم أزمة لحن, أم أزمة أصوات جديدة?! ويقفز البعض بالأسئلة إلى حياتي الخا صة,وإلى طلب رأي محدد بالمطرب الفلاني, أو بمطربة معروفة, وتتشعب الأسئلة لتصل أحياناً إلى علاقة العولمة بالأغنية العربية. ولست - بحمد الله - عاجزاً عن الإجابة حول هذه الأسئلة جميعها, ولكني بطبعي لا أحب (التنظير) ولا الإدلاء بالنصائح للمبتدئين, إن كانت النصيحة بجمل, أو بالمجان, فالجيل الجديد لا يحب الاستماع إلى آراء ونصائح الشيوخ أمثالي, لأنه يعتبرهم (بضاعة بائتة) تجاوزها الزمن بل يعتبرهم خارج إطار الزمن الحديث. أما عن الأزمات, فالعالم في أزمة, بل أزمات, منذ بدء الخليقة... وإلا فماذا نسمي واقع الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة وهو يتعرض للذبح اليومي منذ أكثر من نصف قرن من الزمن?! قال المخرج المصري الكبير صلاح أبوسيف رحمه الله: منذ أن عملت في السينما والصحافة تسألني: هل تعاني السينما المصرية أزمة? وأنا أذكر أن هذا السؤال طرح عليّ منذ ثلاثين عاماً ولا يزال هناك من يطرحه حتى اليوم. أما الأسئلة عن الحياة الخاصة للفنان, فهذه مجرد إثارة للتسويق, وإذا كان الفنان شخصية اعتبارية بشكل أو بآخر, فأنا أرى أن اهتمام الصحافة والإعلام بعطائه وإبداعه أكثرأهمية من الاهتمام بحياته الخاصة. بقيت العولمة... سأعترف لكم, بأنني في عزلتي هذه المفروضة علي بسبب المرض قرأت عشرات المقالات عن العولمة, وأرجو أن تصدقوني بأنني لم أستطع أن أكون فكرة واضحة ومحددة عنها, لا حاضراً ولا مستقبلاً.. أما عن علاقتها بالأغنية العربية, فأنا أحيلكم إلى مصنفات الندوة التي أقيمت منذ مدة بدمشق, مرافقة لمهرجان الأغنية العربية الذي نظمه اتحاد إذاعات الدول العربية, حيث كان محور الندوة حول العولمة والأغنية العربية, ففي تلك المصنفات قد يكون الخبر اليقين, وليس لدى إنسان مريض تجاوز التسعين عاملتني الحياة برفق أحيانا, وبقسوة أحيانا أخرى. لكنني حين أقيس قسوتها إلى رفقها أرجح رفقها على قسوتها, هذا مع أنني ذو طبيعة ميّالة إلى الانطواء والتشاؤم. مات أبي وأنا في العاشرة فتجرعت جرعة من قسوة الْيُتْم, لكن أمي - الحازمة الحنون - تقدمت فوراً لجبر الصدع, وحملت المسئولية ماديا ومعنويا, فردتني بسرعة إلى طريق الأمان. لم يكن أبي موظفاً أو تاجراً, وإنما كان يمتلك أرضاً يعيش عليها, ولما كان الإنسان لا يأخذ أرضه معه في نهاية حياته, فقد بقيت أمورنا المادية بعده هي هي, دون تغيرقليل أو كثير. وأنا حريص على ذكر هذا لأقول إن هذا الوضع هو وحده الذي أتاح لي, ولأخي, فرصة التعليم, في وقت كانت الحياة الاقتصادية العامة صعبة جدا في الريف المصري, إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية. منّ الله عليّ بصوت جميل وولع بالغناء, فكنت أغنّي لزملائي الصبيان وقت الفُسَح المدرسية, ولزملائي الشبان في أمسيات السكن الداخلي في معهد أسيوط الديني, مرددا الأناشيد الصوفية, وأغاني عبدالوهاب القديمة. وليلة تحلّق زملائي حولي إثر انتهاء أيام الامتحانات, واستعداد كلّ منا للعودة إلى قريته, وغنّيت لهم: (ليلة الوداع طال السهر) لم أنج من عقاب الشيخ شحاتة - مشرف السكن. وخلال مراهقتي وصدر شبابي طالت قامتي بشكل مفاجئ, فواجه أهلي حاجتي إلى ملابس إضافية خارج موسم (الكسوة) السنوية. كانت ملابسي تقصر عني على نحو سريع, فبدا وكأنهم يلومونني على هذا, أمّا أنا فكنت أفرح بالملابس الإضافية, ولا أضع اللوم على الطول, بل على ما يصحبه من النحافة - وهكذا صحبني الطول, والميل إلى النحافة, مدة عمري. تعليم متوازن جرى تعليمي الرسمي على نحو متوازن أهّلني لأستاذية الأدب العربي. بدأت من (الشرق) (الأزهر), مروراً بالوسط (دار العلوم), وانتهيت بالغرب (لندن), وأستخدم لذلك لغة لا هي (أزهرية), وذلك لأنني (درعمي لندني), ولا هي (درعمية), وذلك لأنني (أزهري لندني), ولا هي (لندنية), وذلك لأنني (أزهري درعمي). إنها لغتي التي استخلصتها من كل ذلك, وأضفت إليها ما استخلصته من قراءاتي التي هدفتُ بها إلى تثقيف نفسي - وهذا أمرٌ أنا فيه عصامي مائة في المائة. وأرتاح في لغتي هذه إلى الدقة, والمنطق, والبساطة (على قدر الإمكان), والوضوح (على قدر الإمكان), والصحة (على قدر الإمكان), وأعزف عزوفا شديدا مقصودا عن التقعر, والتضخيم, والإنشائية, كما أعزف عن الإغراب والغموض. ولغتي هي صورة حقيقة فكري, وبها أدير صراعي من أجل التعبير عن ذاتي المستقلة, وهي مصدر رصيدي الروحي, كما أنها - بالجملة - الشريان الذي يربطني بالحياة, ويبقيني على قيدها. معنى للحب خلال رحلة حياتي الطويلة توحّدت روحي القلقة أنا مع الصوفيين, وأنا مع العذريين, وأنا مع الرومانسيين, وأصبحت في غضون ذلك كله عاشقا لفن الكلمة, والإبداع الشعري, وفَتَنَنِي الفَنَاء في الآخر, والتضحية من أجل الغير, وحب الطبيعة, وقلت مع القائل: (الحياة الحب والحب الحياة), ولكنني - وأظنني في هذا كغيري - لم أقع على صيغة مُرضية لذلك المجهول المراوغ الذي هو الحب, وذلك لأنني رأيته في تاريخه الطويل يحاط بستائر كثيفة من المنفعة والنفاق, وقد انتهى بي الأمر إلى أنّ أقرب صيغة أرتضيها لنفسي في معنى الحب أن أجعله مرادفا لمعنى (تجويد العمل). قضيت حياتي العملية كلها في التدريس والبحث, أعمل وسط الشباب. قضيت في دار العلوم عشرين عاماً طاب لي فيها العمل مع شباب من كل أرجاء الوطن, ومع آخرين كانوا يفدون إليها من البلاد العربية والإسلامية, ورحلت للمهمة ذاتها سنين عديدة إلى جامعات الجزائر والكويت, ولي في كل مرفأ من هذه المرافئ فيض من الذكريات, سجّلت معظمها في كتاب صدر لي منذ عقد من الزمان هو كتاب (في الخمسين عرفت طريقي). وقد وصلت في علاقتي بالشباب إلى صيغة اتبعتُها طول حياتي, وإنْ قبلها كثير منهم على مضض: إنني في خدمتهم, ولكنني لست خادما لهم. ويعني هذا أن وقتي وجهدي وقلبي وفكري كل ذلك لهم, ولكن على طريقتي الخاصة في العمل. أعمل ما أراه في مصلحتهم, فإذا جنحوا إلى تحقيق أغراضهم الخاصة, التي لا أراها صالحة, عن طريقي, استعصيت على ذلك, وقد أكون في استعصائي عنيفا. وقد ترتب على هذا أنني عند من لا يصبر عليّ (متشدد) بل (متعنت), وعند من يصبر عليّ قليلا (الدواء المر), وعند من يصبر عليّ كثيرا, فيصحبني على طريق الحياة, (الحنان المغلف بطبقة سميكة من القسوة), وأنا أقبل العبارة الأخيرة بصفة خاصة, وأرتاح لها كل الراحة. النص أولا وأخيرا أدين في تكوين وجهة نظري النقدية إلى أصول مدرسة: (النص - كل النص - ولا شيء غير النص),وهي مدرسة يُساء فهمها كثيرا, وتقابل بالسخرية أحيانا, والاتهام بالتخلف أحيانا, من جانب دعاة الحداثة المولعين بالبنيوية والتفكيكية. وهي تبقى غرامي الأول والأخير, وتحقق عندي القول المأثور (قيمة كل امرئ ما يحسن), وكلما راودتني نفسي بأن أغازل المناهج الأخرى يردّني إليها قول مأثور آخر هو (ما فائدة أن يخسر الإنسان نفسه ويربح الآخرين). وبالإضافة إلى هذا راقني أيام دراستي في لندن ما كان يدعو له برتراند رسل من أفكار فلسفية, ومن مواقف سياسية, ومن إيمان بمستقبل الشباب, وفُتنت بآراء جماعة (بلومسبري) التقدمية, وقارنت بين عملهم الجاد, شبه التعبّدي, والانغماس في العمل, بغية الوصول بفكرهم الأدبي إلى أنقى صيغة ممكنة, وما كنت خلفته ورائي من آراء, كثير منها يحكمه التعجرف والغرور, فصح عندي أن أي تخفّ وراء الدرجة العلمية أو الوظيفة الرسمية, إن هو إلا بضاعة مغشوشة, من شأنها أن تثمر ثمرات مُرة, فيما يتعلق بالتثقيف العام, وتربية المجتمع, وخدمة الأدب. وحين أنظر إلى الخلف وأسترجع ذكرياتي عن المعارك التي افتُعلتْ في الأدب, وبخاصة صراع الأيديولوجيات, والأدب الرسمي, والأدب الشعبي, وما أشبه, أدرك أن ما هدتني إليه فطرتي من الابتعاد عن (الشلل) كان الطريق الصحيح, كما أدرك أن الاهتمام بتحليل النصوص الأدبية - عوض التهويم حولها أو (الغناء مع الجوقة) - هو المنهج السليم للإسهام في ازدهار الأدب. وقد قرأت حديثاً كتاباً لسليمان فياض مكتوبا بأسلوب جميل تحت عنوان (كتاب النميمة - نبلاء وأوباش) ذكر فيه أن بعض من يملأون الدنيا ضجيجا الآن من (النجوم الساطعة في سماء الأدب), لم يكونوا أكثر من حملة حقائب للمسئولين الرسميين عن الأدب في حقبة الستينيات, وإذن فما أعمق الخديعة التي يتعرض لها الشباب, وبخاصة بصيرتهم الأدبية التي هي في طور التكوين. أكثر من مرفأ ثمة جزء كبير من ذكرياتي يرقد عميقا في تربة (جهينة), قريتي التي فارقتها مغتربا لطلب العلم حين كنت في الثالثة عشرة. وهذا الجزء أدخر له ركنا حميماً في قلبي, وأعمل على تخليصه من شتى الشوائب التي كانت تعلق به, وأستخدمه وسادة طرية أدفع بها قسوة الصخور الناتئة في حياتي بفعل المدينة, وأجدد بها البيعة لولائي للرومانسية التي أعتقد أنها لا تفنى أبدا. وبالإضافة إلى هذا الجزء الكبير من ذكرياتي ثمة أجزاء أخرى موزعة على الأماكن التي عشت فيها من دنيا الله الفسيحة: القاهرة, والإسكندرية, وأسيوط, والجزائر, والكويت ثم فرنسا, وإسبانيا, وأمريكا وإنجلترا. وسأخص كل واحدة من هذه المجموعة الأخيرة بكلمة, تقصر أو تطول, باعتبارها مرفأ من مرافئ الذكريات. أما فرنسا وإسبانيا فلم أقم فيهما إلا سائحا. لكنّ ثمة فرقاً في المذاق بين إحساس مثلي باللوفر, والأنفليد, والشانزيليزيه وفرساي, وبين إحساسه ببلنسيه, واليكانت, وطليطلة, وغرناطة, والحمراء. وأما أمريكا فلم تستوعبني ولم أستوعبها, وأنا أعلم أنها حلم الجميع, وبخاصة فيما يتعلق بالحصول على (الكارت الأخضر), ولكن تلك قضية أخرى. وأما البلد الذي عشت فيه انتصارات الروح وانكساراتها فهي إنجلترا, وهي مرفأ من مرافئ ذكرياتي لا يخيب: الخضرة الغامرة, والمطر الذي يخلب لبّ إنسان مثلي تربى في بيئة معدومة المطر, والنظام, والنظافة, والانضباط وهي كلها أمور تلائم طبعي, ثم التميّز الذي كانت روحي ولاتزال تهفو إليه, والدرس العلمي الذي هو وليد الحنين إلى المعرفة, والذي كان في إنجلترا إلى ذلك الوقت نقيا, رفيع المستوى, والمكتبات العامة التي قضيت فيها أحلى أيام عمري, من أصغر مكتبة في الحي تعجّ بالعجائز, إلى مكتبة الجامعة, وهي خلية نحل بشري لشباب الباحثين من كل جنس ولون, إلى مكتبة المتحف البريطاني التي تحتضن قاعة الاطلاع الشهيرة, حيث قرأ لينين, وبرناردشو. هنا تطورت رؤيتي للدنيا, ونضجت أحاسيسي نحو المسكن والملبس والمشرب, وما أرتاح إلى رؤيته وسماعه, ومَنْ أرتاح إلى صحبته, ووجهة نظري التي أتبناها في مسائل الثقافة, وأصول المهنة, ومعنى الأدب, وهموم الوطن. هنا تحددت أشواق عقلي وروحي, وتأكدتْ لي - حين عدت إليها منذ تركتها أواسط الستينيات مرة بعد مرة - ثوابتُها التي لا تلين, كما عزّ عليّ تفريطها في صفات عزيزة تحت هبّات رياح التغير من الشرق والغرب. طريقان أم وجهان لعملة؟ خضعت لخداع (اللغة المزدوجة) مرات قليلة في حياتي, وفي كل مرة من هذه المرات دفعت الثمن غاليا. ومن حديث تلك اللغة المزدوجة أنك تسمع كثيرا أن (الأستاذية) هي الغاية القصوى التي تتوج جهد عضو هيئة التدريس بالجامعة, ولكنك في الواقع العملي ترى السعي الحثيث - فور الحصول على هذا (التتويج) - للوظائف الإدارية. وتبلغ حالة التشويش حدا يظن فيه أن السلم يبدأ من (مدرس) وينتهي بـ (عميد) مثلا, وهذا يجعل من هذا الخلط بين (العلمي) و(الإداري) مأساة بمعنى الكلمة في كثير من الأحيان, فعوضا عن التنافس العلمي على التجويد في مدارج السلم الأكاديمي, يحتدم الصراع غير العلمي على الفوز بدرجة في السلم الإداري. قدّمت بهذه المقدمة لأقول إنني لم أُفلت من هذا الخداع, ورضيت أن أكون وكيلا لدار العلوم, فأقمت في هذا المنصب الإداري سنتين كانتا من أتعس سنوات حياتي. أدركت فورا أنه من تقاليد البيروقراطية المستقرة - الله أعلم من أي عهد - أن من يوقّع قرار تعيينك يفترض أن يمتلك ناصيتك إلى الأبد, وأن ثمة فجوة هائلة بين حديث اللسان, وحديث النفس, وأن دولاب العمل يدار على افتراض نظرية (المؤامرة), وتربص كل قبيل بالآخر, وإذا لم يكن هذا القبيل موجوداً فعليك أن تتخيله أو توجده. وعلى ذلك يمكن أن أقول إن كل ما حدث لي في هذه الفترة الإدارية يدخل في باب الذكريات المرة, ولكنني أحب أن أذكر هنا (طرفة مرة) تعينني - وتعين قارئي - على عبور هذا الجزء سريعا, وتجعله سائغا في حلقه وحلقي: دخل مكتبي مرة نائب من نواب رئيس الجامعة, يفترض أنه يرأسني بدرجات, ومن ثم أنا مسئول أمامه عن تطبيق اللوائح والقوانين, وطلب إليّ أن أتخذ قرارا معيّنا في أمر من أمور العمل, ولما ذكرت له أنه على هذا النحو يكون القرار مخالفا للقانون, قال لي بكل بساطة: وهل تظن أنني كنت سأطلب إليك ذلك أصلا لو كان متفقا مع القانون؟ كانت دهشته كبيرة, وكانت كذلك دهشتي كبيرة, وتجلت أمامي مفارقة الرؤية المتنافرة بين شخصين من المفترض أن يعملا متعاونين. وهكذا توالت الأمور حتى تيقنتُ أن بقائي في موضعي أمر عبثي, لكن للحق أقول إن هذه الحادثة لم تكن (القشة التي قصمت ظهر البعير). يعج مرفأ ذاكرتي بالبشر, وقد صحبتهم طول عمري على السراء والضراء, ولا أطيق الوحدة, وأجد نعيمي في صحبة الآخر, وسأذكر من الأسماء - فيما يلي - ما هو مجهول تماما للقارئ, وبخاصة في الجزء المبكر من حياتي, تاركا نفسي على سجيتها, ومؤديا بعض الضريبة الشعورية لناس أحسنوا إليّ كل الإحسان, ثم أتدرج إلى ذكر أسماء أخرى لها مكانتها في تاريخ المعرفة الإنسانية هنا وهناك, ومنهم الذين علموني, وسهلوا لي طريق المعرفة, كما أن منهم أصدقائي الذين جعلوا الحياة سائغة لي. وللأسماء مكان وأبدأ بأمي - الحانية الحازمة - التي لا أحتاج إلى سياق أضعها فيه, كما أذكر من طفولتي وصباي ابن عمي (عمر) الذي علمني السباحة, في الترعة السوهاجية, فمكنني من أن أسبح بعد ذلك مطمئنا في مياه البحر في كل المصايف المصرية, وفي حمام السباحة الدافئ المغطى في جامعة لندن, وابن عمي (أحمد) الذي كان يقود أفراد عائلتي - وأنا منهم - في المعارك الجسورة مع صبيان العائلات الأخرى, ويدفع عني بصفة خاصة ضربات لم يكن تكويني الدقيق قادراً على تحملها, والشيخ (هرون) أول من علمني الحروف, وسمح لي في يومي الدراسي الأول بالانصراف مبكرا والعودة إلى حضن أمي, في وقت كانت فيه النظم المدرسية - حتى في المرحلة الأولى الإلزامية - شبه عسكرية, والشيخ (علي) من حفظت على يده القرآن كله, وأعطى أسرتي وعدا بأنني مؤهل للالتحاق بالأزهر - وصدق وعده, وشقيقي الأكبر (محمد) الذي كفكف - أول عهدي بالأزهر - من غلواء روحي الجامحة, وأعادني في رفق أخوي إلى جادة الطريق, وصفية, ونعيمة, وفاطمة, ورابعة, صبايا في عمر الزهور, كن يصحبننا مثرثرات صباحا في الطريق إلى المدرسة, ومساء في طريق العودة, فيملأن حياتنا - نحن الصبيان - سعادة ومرحا وأوهاما, وابن خالتي (محمد الصغير) الذي قرأت في خزانته - وأنا في السادسة من عمري - (الأهرام), و(المصور), و(الإثنين), و(السمير الصغير للهراوي), وقصص (شرلوك هولمز), ثم تعهّدني في دروس الحساب دون مقابل طوال سنواتي, وقدمني إلى طعام البندر وحلواه. ومن مرحلة الأزهر المتقدمة أتذكر محمد عبداللطيف, ومحمود حماد, وعبدالخالق نجاتي, ومأمون ياسين. عشنا معا أحلى مشاعر مرحلة الشباب المبكر, وسعدنا بالصداقة التي ساعدتنا على عبور المراهقة بأمان, وكوّنا حلقة قراءة في مكتبة الأمير فاروق, وثرثرنا حول المستقبل المشرق, وكانت لنا مغامرات صغيرة بريئة في شارع الحمراء في أسيوط, وتبادلنا الرسائل المشبعة بالشاعرية في عطلات الصيف, معتمدين على العبارات التي (تقطّع القلب) من (العبرات) و(النظرات), و(الشاعر), وبقية كتب المنفلوطي. وإلحاقاً بعهد المراهقة وأول الشباب لا أنسى (صاحبة الرداء الأبيض) - فراشة لاحت لي في شرفة تحت ضوء مصباح خافت, يحول بيني وبين ملء عينيّ منها ظل الشجر. كنت أعد نفسي للشهادة الابتدائية سنة 1949, وهي تستذكر لامتحاناتها. تبادلنا النظرات والابتسامات - دون الكلام - وجاء من حملها ذات مساء ناعم حزين إلى قريتها. لا أعرف لها اسما, أو مدرسة, أو اسم قرية, ولكنني حملت منها في ذاكرتي نظرة وداع طويلة لاتزال ترسل إشعاعها في روحي على مدى نصف قرن من الزمان. من الشرق إلى الوسط ومن مرحلة القاهرة المبكرة أتذكر محمدأبو المجد وعبدالرحمن حسين, صديقين قدماني إلى دار الكتب المصرية في باب الخلق, وإلى دار الشبان المسلمين في شارع رمسيس, وإلى قهوة الفيشاوي, وشاطئ النيل, وحملاني إلى تخوم الثقافة وآمال المستقبل, ولكنهما لم ينجحا في جعلي أستمر في (مشروع) رياضة كرة السلّة - وقد مارستُها زمنا - لأن (المشروع الثقافي) كان قد بدأ يجتاحني اجتياحا. كذلك أتذكر من هذه المرحلة أحمد مختار عمر, وعمر أبو العز, ووجيه جلال, ومحمد طربوش, وصدقي الشحات, الذين عبروا معي من مرحلة (الشرق) إلى مرحلة (الوسط) - وقد أشرت إليهما - وكوّنوا في حياتي (بنية عميقة) لم أكن من دونها قادراً على الاستمرار ومن مرحلة دار العلوم أتذكر فـــاروق شوشـــة, وأبو المعاطي أبو النجا, وإسماعيل هاني, وإسماعيل الصيفي, وبقية شعراء (الدار) الذين شاركتهم التعلق بأحلام المجد الأدبي. ثم مجموعة الطالبات اللاتي أحدثن زلزالا في نفوس الأزهريين الريفيين الذين فاجأهم - على الكبر - هذا النوع من التعليم المختلط. لقد كان لذلك ضحايا وقصص تشبه أحوال العذريين الأوائل, فسمعنا عن الموت عشقا من الطرفين لا من طرف واحد, وهذا من أعاجيب القرن العشرين. ومن مرحلة لندن أتذكر السعيد بدوي - الذي لا أنساه حتى أقول إنني أتذكره - أول وجه طالعته على رصيف المحطة حين وصل بنا القطار قادما من رصيف (تلبري) إلى رصيف (كنجز كروس). وقد أخذ بيدي, وهدّأ مخاوفي, وحمل عني أعباء كثيرة, وأصبح (توأم روحي) الذي أشكّل معه منذئذ (1960) (ثنائيا) في الحياة, وأسمع الناس بأذني يقولون: (السعيد بدوي ومحمود الربيعي). ويوم تقدمت باستقالتي من وكالة دار العلوم قبل عام كامل من انتهاء المدة التي صدر بها قرار تعييني, قال القائل: لكننا نعلم أن السعيد بدوي مسافر خارج الوطن هذه الأيام!. كذلك أتذكر أستاذي في جامعة لندن - الصبور الحكيم الحليم الحازم - (روبرت سارجنت): لم أكن أملك حين قابلته سوى كلمات قليلة جدا من اللغة الإنجليزية, ومع ذلك كان ينصت لي كأنه يفهم عني, وكأنني أبين! رعاني بعطف لم أجد له نظيرا, وقسا عليّ مرات (لأزدجر), ورفض في غضب أن أتركه إلى جامعة أخرى - حين طلبتُ إليه ذلك في فترة من فترات اليأس - قائلا لي: (ليس بعد الجهد الذي بذلتَه أنت من أجل نفسك, والجهد الذي بذلتُه أنا من أجلك). جاء إلى القاهرة بعد ربع قرن من تتلْمُذي عليه, فدعوته - أنا وأصدقائي - إلى عشاء في (نادي الصيد), وذهبت أحضره بسيارتي من فندقه المتواضع, وحين رآني هتف بدفء لم أعهده فيه من قبل (وهو الأسكتلندي): (يا بنيّ العزيز, كأنك لم تتغير قيد شعرة), قالها على نحو وضعني - وقد قلت إنني فقدت أبي وأنا في العاشرة - في جو أبوي يشع عطفا ورحمة وحنانا.وأخيرا - وليس آخرا كما يقولون - أتذكر من مرحلة لندن (مستر فيلونج), قلب مكتب البعثات المصري النابض, الذي لا يوجد دارس مصري إلا ويطوّق عنقه بجميل. أدى نحونا الواجب الروتيني بهمة, ثم انعقدت بيننا وبينه صداقة, شاركنا فيها طعامنا المصري, وأمتعنا بأحاديثه الساحرة, ونهلنا من م عينه الثقافي الذي لا ينضب. وفي مكتبتي هدايا منه ثمينة من عيون التراث الإنجليزي. أهداني مرة - وقد أصبحت قادراً على فهم الإنجليزية - معجم (أكسفورد) الوجيز, وكتب عليه عبارة: (كتابٌ من ألف إلى شخص من ألف), فنظرت إلى الإهداء نظرة صامتة طويلة وأنا أبتسم, فسحب الكتاب من يدي بسرعة, وأضاف عبارة استدراكية تقول: (بل كتاب من مائة إلى شخص من مائة) - وهكذا نعمتُ بروحه المرحة الساخرة اللعوب سنين طويلة. ذروة الروح ويبقى للكتل البشرية المجهولة الصامتة مكان واسع في مرفأ ذاكرتي, وفي حاضري. تلك الكتل التي أتحرك بينها في الأسواق المزدحمة, وفي محطات القطارات, وفي المصايف, وفي الطرقات العامة, أناجيها, وأحيا حياتها, وأستخدم ما تستخدمه من طعام وشراب ووسائل تنقل. هنا أجد نفسي, وأشعر بجذوري, فتصبح روحي المعنوية في ذروتها, وأنفض عني كثيرا من الشعور بالإحباط, والتشاؤم, وخيبة الأمل. ومع أنني هفوت دوما - وأهفو - إلى الرفعة والتميز, وأن أكون واحدا من الآحاد, لا عنصرا مجهولا في كتل الملايين, فإن شوقي العظيم إلى الالتحام بهذه الكتل المجهولة يتعمق مع الأيام عندما كرمت بإطلاق لقب (فنان الشعب) علي.. ظننت أنني يجب أن أخلد إلى الراحة, وأكتفي بما قدمت للفن على مدى سنين طويلة, ولكني وجدت نفسي في اليوم التالي أبحث عن كلمات أغنية شعبية جديدة أقدمها لجمهوري. وعندما كرمت أواخر القرن العشرين بذهبية مهرجان الأغنية السورية في حلب, انتابني الشعور نفسه, ولكني وجدت نفسي أتوجه في اليوم التالي إلى مبنى الإذاعة لأتابع عملي كمخرج إذاعي. وهكذا أيقنت أن الفنان لا يتقاعد.. بل يظل في حالة عطاء دائم مادام قادرا على ذلك. وعلى الرغم من مرور أكثر من ستة عقود وأنا أمارس الغناء ثم التمثيل ثم الإخراج, لم أفكر يوماً بكتابة مذكراتي علماً أن أصدقائي وزملائي كانوا يلحون عليّ لكتابتها وإصدارها في كتاب كي يطلع الجيل الجديد من الفنانين على أنموذج من تجارب الجيل المخضرم الذي سبقهم والمعاناة التي كان يعيشها هذا الجيل وهو ينحت في صخر, ويلقى صنوف التعنت والاضطهاد من الأهل ومن المجتمع في سبيل إرساء دعائم الحياة الفنية التي أصبحت مزدهرة هذه الأيام, وهكذا صدرت مذكراتي عام 1998 في كتاب يحمل عنوان: (ثمن الحب.. من السيرة الذاتية) بالتعاون مع الكاتب وفيق يوسف وبرعاية من وزارة الإعلام في سوريا. واليوم, وأنا أتلقى دعوة كريمة من مجلة (العربي) الغراء للمشاركة في ركن (مرفأ الذاكرة), من خلال كتابة شهادة أو سيرة ذاتية ركبتني الحيرة ورحت أتساءل: هل ألخص مذكراتي المنشورة في الكتاب لتلائم الحجم المخصص لنشر مثل هذا الموضوع? أم أصرف ذهني ونظري عن الكتاب وأحاول استعادة أهم محطات سيرتي الذاتية لتقديم ما يمكن تقديمه من حصاد هذه السنوات الطويلة من التعامل مع الفن? وفضلت الخيار الثاني.. رحلة المعاناة الطويلة لعل القاسم المشترك بين سيرة زملائي من الفنانين المخضرمين, الذين رحلوا عن دنيانا رحمهم الله, والذين لايزالون على قيد الحياة, أمد الله في أعمارهم أمثال عبداللطيف فتحي, وأحمد أيوب, وسعد الدين بقدونس, ومحمد علي عبده, وموسى العكرماوي, وصبري عياد, وأنور المرابط, وغيرهم.. الذين سبقوني في السن أو كانوا من جيلي, هو أنهم, جميعاً, عانوا مرّ المعاناة من المجتمع الذي كان يرى في الفن أمراً معيباً وغير مألوف, وخارجاً على تقاليد المجتمع, ومسيئاً لأسماء ومكانة الأسر العريقة والمحافظة ولكن (سوسة) الفن كانت تستهوينا ولهذا قد يجد القارئ في تفاصيل سيرتي التي أحاول أن أكثفها في هذا المقال حكاية مدهشة عن رحلة شاقة وطويلة, عاشها فنان خرج من القاع الاجتماعي, واتخذ قراره بأن يكون فنانا وحسب, في زمن لم يكن فيه المجتمع قد اعترف بالفن وبرسالته وبأهميته, ومن هنا كان علي أن أشق طريقي في أقسى ظرف ممكن وأن أواجه أياماً قاسية بعد أن لفظت العائلة هذا (الولد العاق). حكومية ودينية بالتوازي مع دراستي في المدرسة الحكومية الأميرية (كما كانت تسمى آنذاك) انتسبت إلى مدرسة دينية كان يديرها الشيخ شريف الخطيب, وكان هذا الشيخ قاسياً, حاد الطبع, عصبي المزاج, وكان إبريق الشاي الأخضر لا يغيب من أمامه طوال النهار, وكان كل أب لديه ولد متمرد ويريد تربيته أو (إصلاحه) يذهب به إلى ذلك الشيخ, الذي كان يتفنن في أساليب العقاب حتى أنه ابتدع ثلاثة أنواع من (الفلقة), كل نوع أشد من الآخر وأكثر قسوة. وبالنسبة لنا, نحن التلاميذ الصغار كنا نرتجف أمامه هلعاً وخوفاً من مجرد سماعنا رنة (قبقاب) الشيخ وهو يقترب. في هذه المدرسة تعلمت فروض الصلاة, وحفظ القرآن الكريم وتجويده, والتوحيد, وحسن الخط, وكان كل طفل ملزماً - حين يأتيه الدور - بأن يرفع الأذان وأن يؤم المصلين ظهراً وعصراً, وفيما بعد أدركت مقدار الخدمة الجليلة التي قدمتها لي تلك المدرسة الدينية, إذ تعلمت فيها - إضافة لكل ما سبق - سلامة نطق الأحرف, وصحة مخارج الألفاظ, ومد أحرف العلة, والجزر, والوقف الناقص, والوقف الكامل, والوقف الجائز غير الناقص, والوقف الجائز الناقص, والإدغام بغنة, والإدغام بلا غنة. هذه الأشياء كلها شكلت ذخيرة مهمة لي في المستقبل, لقد حفظت ذلك كله وأنا طفل في الثامنة واستثمرته جيداً حينما عينت في المسرح القومي, في الستينيات. وكنت أواصل سماع الأسطوانات وحفظ الأغاني, واستمرت هذه المرحلة حتى نلت الشهادة الابتدائية, وكان ميلي قد بدأ يتضح, فطلبت أمي من أخي الذي كان يهوى الأذكار وإحياء الموالد أن يأخذني معه, وقد حقق لي تلك الغاية المنشودة تماماً, ففي الحضرات كنت أقف مع المنشدين وأنشد معهم, فحفظت جميع الأناشيد والابتهالات الدينية, ووصلت إلى مرحلة كنت أقول فيها (الصولو) وكانت الابتهالات في الغالب جماعية, وأصبحت أملك حساً سماعياً جيداً, وخاصة بعد مشاركتي في الذكر والنوبة (أناشيد دينية تعتمد الإيقاعات الصاخبة). وكان أبي واقفاً على كل ما يحدث معي, ولم يعارض توجهي نحو الإنشاد الديني ولكن حينما شببت أكثر وأردت العودة إلى المدرسة لاستكمال دراستي, لم أفلح.. كان أبي في حالة يرثى لها, وكنا في ذروة الحرب العالمية الثانية وفي ذروة الفقر أيضاً وقررت أن أترك المدرسة لأعين أبي, وقرر أبي أن أتعلم (صنعة) فاختار لي الخياطة ولم أنجح كخياط. وانتهت الحرب ونالت سوريا استقلالها ولكن إثر الحرب بقي يتجسد في حالة العوز والفاقة فكان علي أن أضاعف جهودي في مساعدة العائلة. غنيت في السابعة فاتني أن أقول لكم أنني من مواليد عام 1930.. رأيت النور في حي البزورية, وهو حي شعبي داخل سور مدينة دمشق القديمة.. كانت عائلتي في فقر مدقع.. اثنا عشر شخصاً يعولهم رجل واحد هو أبي, وكان يعمل أجيراً لدى أبناء عمه في شركة النقليات التي يمتلكونها, أي أننا كنا من الفرع الفقير في عائلة (السبيعي) ومن حسن حظي أننا كنا نمتلك في البيت آلة فونوغراف, ومجموعة أسطوانات لمحمد عبدالوهاب وأم كلثوم ومطربين آخرين من تلك الفترة, وكنت أكتب وظائفي المدرسية على أنغام أسطوانات الفونوغراف, وحفظت جميع الأغاني التي كنت أستمع إليها فتطلب إلي أمي أن أغني لنساء الجيران, وكنت في السابعة من عمري. إلى جانب هذا كنت أقف أمام مقهى (النوفرة) في دمشق القديمة أتابع قصص حكواتي المقهى.. عن عنترة وكليب والزير سالم. وكنت أنفق (خرجيتي) على حضور المسرحيات أو الأفلام السينمائية, وكانت دور العرض في بداياتها. وكنت أتابع الأعراس والأفراح أستمع إلى المطربين وأحفظ أغانيهم, ثم أصبحت أنشد في (الحضرات) مع المنشدين. وقد تركت المدرسة مبكراً لأساهم في إعالة الأسرة الكبيرة والفقيرة. النقلة الأولى في أول الشباب, انخرطت في النوادي الكشفية لأمارس هوايتي في الغناء والعزف, ورحت أتنقل بين سهرات البيوت الشامية وألقي المنولوجات التي حفظتها من أفلام شكوكو, وإسماعيل ياسين, ثم دخلت عالم الفن مع مجموعة من الهواة, حيث أنتجنا أول فيلم سينمائي. ورحت أتابع نشاط الفرق السورية واللبنانية في سينما النصر التي كانت الفرق تقدم فيها حفلاتها وأذكر من نجومها آنذاك عبداللطيف فتحي, وأحمد أيوب, ونجاح سلام, وفايزة أحمد, ومحمد سلمان, وشكوكو. وطالت رحلة التشرد حتى عام 1948 حيث بدأت أعمل على المسرح في الفرق الأهلية لقاء ليرة سورية واحدة في اليوم. خطيب في المظاهرات في فترة اليفاع تلك, حرصت على المشاركة في جميع المظاهرات التي كانت تخرج إلى شوارع وساحات دمشق, تندد بالاحتلال الفرنسي, وتطالب بالاستقلال, وكان لي زميل اسمه بديع السيوفي (أصبح فيما بعد محامياً شهيراً) يكتب الخطابات الحماسية, وأقوم أنا بإلقائها, حيث كانت تلهب مشاعر الجماهير. وفي ع ام 1951 تعرفت على الفنان عبداللطيف فتحي الذي كنا نعتبره (نجيب الريحاني سوريا), وعملت معه (ملقناً) في الفرقة, ثم انتقلت إلى التمثيل والتجوال مع الفرق الخاصة التي كانت تقوم بجولات في المحافظات وقد ساهمت آنذاك في تأسيس عدة فرق. وهناك محطات أخرى مهمة في حياتي, منها بداية رحلتي مع إذاعة دمشق عام 1954 بتشجيع ورعاية من الفنان الشعبي الرائد حكمت محسن. وفي عام 1960 تم تعييني مخرجاً إذاعياً بعد دورة تدريبية في القاهرة, وفي العام نفسه انتسبت إلى المسرح القومي الذي كان ضابط إيقاع الحركة المسرحية وعنوان ازدهارها وشاركت في معظم عروضه ومنها: الأخوة كارامازوف, لو رآنا الناس معاً, الاستثناء والقاعدة, أبطال بلدنا - الأشباح, مروحة الليدي وندرمير, وغيرها. رحلة مع الغناء الشعبي في النصف الأول من عقد الستينيات بدأت رحلة مع الغناء الشعبي الانتقادي الذي اشتهرت به من خلال برنامج (نهوند) التلفزيوني الذي أعده الفنان حكمت محسن, والذي عرفت فيه باسم (أبو صياح), وكانت البداية مع أغنية (حبك بقلبي دوم ساكن مطرحو) و(داعيكم أبو صياح معدل عالتمام) من تأليف وتلحين عدنان قريش. أما أغنيتي الشهيرة (يا ولد لفلّك شال) فكانت الثالثة من تأليف وألحان شاكر بريخان, مما شجعني على متابعة العطاء في هذا النوع من الغناء فقدمت بعد ذلك (لا تدور عالمال) لشاكر بريخان, و(حبوباتي التلموذات, عمي الراوي, بالعربي الفصيح, شيش بيش) من ألحان سهيل عرفة, وأغنيات (الخنافس, الهوى رماك يا ناعم, صفّر صفّر يا بابور) من ألحان عدنان قريش, وأغنية (مالي فاضي) من ألحان سليم سروة, وأغنية (يا ست الدار) من ألحان عبدالفتاح سكر وأغنية (كل شيء فرنجي) من ألحان سعيد قطب, وأغنية (شرم برم كعب الفنجان) من ألحان جورج يزبك, حتى أصبح رصيدي مائة أغنية. أما في السينما فقد شاركت في خمسة وأربعين فيلماً منها: (سفر برلك, سفاري, الشمس في يوم غائم, أحلام المدينة, الليل), كما شاركت في عدد كبير من المسلسلات التلفزيونية منها ثلاثة مع الفنان دريد لحام (مقالب غوار, حمام الهنا, وادي المسك). حكواتي الإذاعة أطلق علي أحد الصحفيين لقباً جديداً هو (حكواتي الإذاعة) فأنا مصنف كمخرج في إذاعة دمشق وقد أخرجت عدداً كبيراً من البرامج والمسلسلات والتمثيليات الإذاعية, ثم كانت نقلة أخرى إلى الإعداد والتقديم حيث فاجأت المستمعين ببرنامج أسبوعي جديد من إعدادي وإخراجي, أقدم في كل حلقة من حلقاته السيرة الفنية لعلم من أعلام الموسيقى والتلحين والغناء أمثال: (سيد درويش, أم كلثوم, محمد عبدالوهاب , رياض السنباطي, ليلى مراد, وديع الصافي, صباح فخري, نجاة , عبدالحليم حافظ... وآخرين..). للوهلة الأولى تبدو فكرة البرنامج مستهلكة, أو على الأقل مكررة, ولكني انطلقت في برنامجي من فكرة أن هؤلاء الكبار لا يعيشون مع الناس بعد رحيلهم بتقديم أعمالهم الإبداعية فقط, بل لابدّ من أن يقدموا بإطار شامل من الدراسة والاستطلاع والتحقيق, فالذين هم شباب اليوم لم يكونوا قد ولدوا عندما رحل عن عالمنا المطرب والموسيقار فريد الأطرش مثلاً, ولهذا لابد من تقديم برنامج معلوماتي عن حياة هذا الفنان وغيره, لكي يعرف الجيل الجديد شيئاً عن تاريخ هؤلاء العمالقة الذين أعطوا الفن عطاءات كبيرة ومتميزة. هذا هو منطلقي في برنامجي, وحتى يكون هناك تشويق في إعداده وتقديمه, عمدت إلى أسلوب (الحكواتي) وهو أسلوب محبب للمشاهد والمستمع, وقد سبق أن استخدمه الفنان الكبير الراحل حكمت محسن (أبو رشدي) في تمثيلياته الإذاعية التي لاتزال تعيش في وجدان الناس حتى الآن. وأنا أعلن باعتزاز أنني اقتبست من الحكواتي الذي يجلس في المقاهي الشعبية شخصيته وأسلوبه في الحديث كما أنني أستخدم جملاً حرفية من القصاص الشعبي حكمت محسن الذي اعتبره أستاذي, استهلاله للبرنامج (أحبابي ونور عيوني الكرام... أسعد الله أوقاتكم). وأحب أن أستدرك لأقول إنني حاولت أن أرصد في هذا البرنامج الجوانب الإنسانية والخاصة في حياة هؤلاء الفنانين الاعلام, بالإضافة إلى الجوانب الفنية, إذ يجب ألا تظل تلك الجوانب مجهولة, وقد بذلت جهوداً مضاعفة في الحصول على معلومات دقيقة وأذكر بالتقدير مساهمة الموسيقي الكبير الأستاذ عدنان قريش في تزويدي بكثير من المعلومات الخاصة عن عدد كبير من هؤلاء الفنانين. الشخصية والممثل هناك موضوع أحب أن أدرجه هنا في (مرفأ الذاكرة) وهو جواب عن سؤال طرح علي كثيراً ويقول: إلى أي مدى يمكن الربط بين حضور الشخصية وحضور الممثل, خاصة إذا كانت الشخصيات نمطية مثل دور (الزكرتي) في مسلسل أيام شامية, ودوري في مسلسل (يا بسمة الحزن) وشخصية أبي صياح في أعمال أخرى. أقول باختصار: إن حضور الممثل هو من أهم مقومات نجاح الشخصية التي يؤديها, فإذا كانت الشخصية نموذجاً مقنعاً بالنسبة للمشاهد (سلباً أو إيجاباً) فهذا يعني نجاح عملية التشخيص. إن حضور الممثل هو الأساس لإيصال القيمة التي تحملها الشخصية, بالإضافة إلى أنه يجب أن تنطبق أبعاد الشخصية على الممثل المختار من قبل المخرج وهذه الأبعاد هي الخلقية والنفسية والفسيولوجية, وباختصار الحضور المقبول. وأنا أحرص على أن أقدم من خلال أعمالي ومن خلال الشخصيات التي ألعب أدوارها القيم والمثل العليا, وأدعو للتمسك بها, ولقد وجدت في شخصية (الزكرتي) مثلاً كل القيم التي كنت دائماً أحاول أن أجسّدها في أدواري. من هنا, فأنا حريص - عندما يقدم لي أي عمل - أن أقرأ السيناريو كاملاً - وليس الدور وحده, ولا أهتم بطول الدور أو قصره, بقدر ما أهتم بفاعلية هذا الدور. وأحاول الآن أن أسترجع من الذاكرة, وليس من مذكراتي المطبوعة بعض الأحداث التي وضعتني في حالات لم يكن يخطر لبالي يوماً أن أقع فيها, ومنها التحقيق من رجال الشرطة والسجن. سأتجاوز الكثير من هذه الأحداث التي كانت تقع - مع الأسف - بسبب دسائس من بعض الزملاء الذين كانوا يضيقون ذرعاً بنجاحي كفنان, فيكيدون لي لدى السلطة لإعاقة عطائي ومسيرتي. سأقف عند حادثة واحدة وهي أنني تعرضت في النصف الثاني من عقد الستينيات لتحقيقات رسمية من المسئولين في وزارة الداخلية وكانت التهمة الموجهة لي بأنني (مخرب), دون تحديد هذا (الخراب) الذي أحدثته. استدعاني وزير الداخلية آنذاك وعرض علي خمسة تقارير كان قد تلقاها ضدي, وتبين لي أن هذه التقارير مرسلة من بعض زملائي الفنانين الذين كانوا يغارون حتى من المعاملة الطيبة التي كنت أعامل بها في السجن وكانوا يسمّونني (المعتقل المدلل) ذلك لأنني لم أتعرض لأي نوع من أنواع الضرب أو الإهانة أو التعذيب. وكانت التهمة الرئيسة من بين التهم التي وجهت لي أنني أطلقت نكتة سياسية, وعلى الرغم من أنني لم أطلق أي نكتة من أي نوع, فقد شعرت بالحرج ذلك لأنني أعرف الذي أطلق تلك النكتة وهو زميلي الفنان ياسين بقوش, ولم أرغب أن أعرضه للمساءلة, وبعد مداخلات ووساطات أطلق الوزير سراحي. وإذا كانت مثل هذه الحوادث تقع في الوسط الفني, كما قد تقع في أي وسط آخر, فأنا أرى أن على الفنانين والكتّاب والمثقفين والإعلاميين والذين يشكّلون كوكبة قيادية متقدمة في المجتمع, أن يترفّعوا عن مثل هذه الحزازات, وأن ينصرفوا إلى التطوير في أعمالهم, وإلى المتابعة اليومية لما يقع حولنا من أحداث, خاصة وأننا أمة مستهدفة من كثير من الأعداء, وأن هناك مساحات من وطننا العربي لاتزال محتلة, وإخواننا في الأرض المحتلة, في أرض فلسطين يتعرضون إلى أقسى ما يمكن أن يتعرض له شعب من احتلال واستلاب وقتل وتدمير وتهجير. لقد سعدت - مثلاً - بما حققته الدراما السورية من حضور وانتشار على الفضائيات العربية إلى جانب بقية الأعمال الدرامية العربية الأخرى, في مصر والخليج ولبنان والكويت والمغرب العربي والأردن وغيرها. وسعدت كثيراً بروح التنافس البادية بين العاملين في مجال الدراما العربية لتحقيق المزيد من المنجزات, ولكن ما حزّ في نفسي, هو تحويل هذه المنافسة الشريفة إلى ما أطلقوا عليه اسم الصراع بين الدراما السورية والدراما المصرية.وشهدت الصحف نوعاً من (مبارزات الديكة) بين بعض حملة الأقلام من الصحفيين والنقاد والفنانين, وخاصة المخرجين, بحيث تحول الحوار إلى ملاسنات وشتائم سوقية وتبادل اتهامات ملفقة. لم يدرك هؤلاء أن نجاح أي عمل فني في أي قطر عربي هو نجاح للفن العربي بصورة عامة وأن هناك مواقع كثيرة تبث على المحطات العربية الأرضية والفضائية والتي تجاوز عددها الخمسين. والمؤسف أن بين حملة أقلام هؤلاء المتناحرين أسماء لامعة لمؤلفين ونقاد ومخرجين وفنانين كبار. أما المعركة التي فتحت لها بعض الصحف والمجلات صفحاتها فلم تكن - في النهاية - سوى زوبعة في فنجان مادام المطلوب ليس مرفأ الذاكرة بأكمله، بل بعضاً منه فأنا لا أجد أفضل من أن أتحدّث عن أهم ما يرسو في هذا المرفأ - بالنسبة لي على الأقل - من سفن ومراكب لها رحلاتها وتجاربها، بصفتي شاعراً قبل أن أتحلى بأي صفة أخرى. لقد كان الشعر هو حياتي باختصار شديد، وبتواضع أبلغ، كان صورة طموحا عن حياتي الشخصية، بحلوها ومرّها. غير أنه يجب الاعتراف مسبقاً أن التجارب الأدبية لا تورّث، وعلى صليب الإبداع لا يمكن أن يعلّق أكثر من مسيح واحد. لكل صليبه إذن. إننا نتحدث عن تجاربنا للآخرين وكأنه من الممكن أن يبدأوا من حيث انتهينا. وهذا مستحيل، وإذا كان ثمة جدوى من هذه المراجعة، فإن صاحبها هو المستفيد الأول وبعده - بمسافة تطول أو تقصر - يصل الآخرون. قد تكون هي متعة الاعترافات، وفي كل اعتراف متعة ما، وتنفّس مريح، ونفاذ جديد في البصيرة، فالمعترف، أو المستعيد ذكرياته، محتاج من حين لآخر إلى محطة استراحة يتوقف فيها كي يراجع حساباته، ويحصي الخسائر والأرباح في مسيرته، وهذه الحاجة بقدر ما تكون صادقة أصيلة تقتضي الكثير من النزاهة في التقصّي، والمزيد من الجرأة في اكتشاف الحسنات والسيئات. وربما كانت الحاجة إلى هذه المكاشفة مع الذات جهاراً أبلغ وأعمق ضرورة في تحسين تقنياتها الفنية وأدواتها في التعبير. أما الآخرون، فلقد تختلف المسألة من حيث دورها في تحريض فضول الذين يجهلون الشخص للتعرّف عليه، أو الذين يعرفونه إلى مراجعة قراءاتهم السابقة له في ضوء ما سمعوا أو قرأوا منه. وربما بهذا المعنى وحده تتواصل التجارب البشرية، وتتقاطع، وتتداخل، ويغدو الإبداع بمعنى من المعاني محصّلة جهود كثيرة معقّدة يصعب فيها التفريق بين ما هو جماعي وما هو فرديّ. لا أحد من المبدعين - إذن - يستطيع الإدّعاء أنه بدأ من نقطة الصفر، وأنه صنع نفسه بنفسه، وأن لغته بكر أو هبطت عليه بوحي من الآلهة كلغة أولى تخصّه وحده. إننا نتوهّم - ولأمد طويل - أن الواحد منا مختلف متميّز عن الآخرين منذ سطوره الأولى، وهي حرية قد لا نمارسها بمعناها المطلق طوال وجودنا على قيد الحياة، فمنذ أن نُقذف من دهليز رحم الأم المعتم إلى فضاء الوجود المشع، تبدأ فوراً على يد الآخرين عملية اغتصاب روحنا إلى أن ندرج في أكفاننا كي نتخلى عن خصوصيتنا ونغدو نسخة نظامية عنه. يبدأ هذا التدخل في حياتنا الخاصة ضمن إطار الأسرة أولاً، ثم تتسع دائرته كي تشمل الشارع، والمدرسة، والنادي، ومكان العمل، والحزب وبيوت العبادة، حتى يكاد لا يبقى للفرد فسحة يطلق فيها روحه على هواه كي يكون هو ذاته فعلاً لا غيره. وهو تدريب يتطوّع لإخضاعنا له جميع من حولنا دونما استثناء تقريباً، وبكثير من حسن النيّة، كي نتحوّل إلى أعضاء نظاميين مدجّنين حسب الأصول والتقاليد والأعراف السائدة في ظل النظام الاجتماعي الذي ننتمي إليه بالولادة. وهكذا سوف نتشابه ونتماثل إلى حد بعيد، ليس في تجمّعنا وتكاتفنا فقط، وإنما أيضاً في تنابذنا وصراعاتنا. لن ينجو أحد من هذه الآلة الجبّارة التي تتقن عملها جيّداً في صهر البشر وتحويلهم إلى كتلة متجانسة وهم يتوّهمون أنهم أفراد أحرار في مجتمع حر. لن ينجو أحد حتى الموهوبون إبداعياً في التعبير الأدبي أو الفني عامة. لن ينجو أحد منهم من طغيان هذه الآلة، بل ربما كان هؤلاء الموهوبون أكثر من غيرهم تعرّضاً لحماسة الآخرين في الوصاية عليهم خوفاً على مواهبهم من الضياع - كما يزعمون - والموهوب هو أكثر الناس إحساساً بهذا المأزق وضرورة التحرّر منه. وقد ينقضي العمر من دون أن يُتاح له أن يستقل بوجوده الخاص وكيانه الشخصي كي يكون هو ذاته فيما يكتبه أو يقوله أو يصوّره. وحين ينتبه أحدهم إلى لعبة التماثل الرهيبة هذه، سيجد - عادة - أنه قد غدا صعباً عليه إعلان عصيانه وتمرّده على السلطة الخارقة للنظام السائد، كي يمارس حقه الطبيعي في خصوصيته المتفرّدة، ولكي يغدو (عدنان) هو (عدنان) ذاته فعلاً، و (سعاد) هي (سعاد) ذاتها وليس أيّ شخص آخر. إن خير ما يقال في تلخيص السيرة الإبداعية لأي مبدع موهوب هو أنها المحصلة للصراع الأبدي والمتوارث بين (الذات) و (الموضوع) أو بين (الأنا) و (الآخر)، وأين وكيف تتوازن المعادلة بين الطرفين في أن لا يطغى أحدهما على الآخر، وصولاً إلى إبداع حقيقي أصيل. إن طغيان (الذاتي) على (الموضوعي) يهدد بالغموض المجّاني والميوعة العاطفية أو الفكرية والتسيّب، بقدر ما يهدد طغيان الموضوعي على الذاتي بالنمطيّة، واليباس، وفقدان النكهة. ومن هن يكتمل القول بأن تجربتي الإبداعية كشاعر كانت صورة نموذجية لهذه المسيرة محتدمة الصراع، فبالرغم من أنني بدأت أكتب في الثانية أو الثالثة عشرة ما يمكن تسميته بالشعر بالنسبة لتلك السن المبكّرة، فلقد كانت البدايات مثقلة بأصوات الأوصياء الكبار الذين حفظنا أشعارهم عن ظهر قلب بكثير من المتعة، وإلا فكيف أستطيع نكران عباءة أبي فراس الحمداني - أو المتنبي إذا أردتم - وهي تغطي هذه الأبيات التي نظمها الطالب الإعدادي أو الثانوي الذي كنتُه ذات يوم: ولي همّة شمّاء يشعلها الدهر فلا هو يطفيها، ولا الصد والهجر تمور بألوان الإباء كأنما عوالمها بحر، وشاطئها سرّ وكيف أخفي النزعة المجونية الظريفة التي استهوتني لدى أبي فراس فيما كتبته آنذاك بكثير من السذاجة: ثلاث كؤوس على المائدة تراق على معد واحدة وحول الخوان ثلاث رجال من السكر كالجثث الهامدة مع أنني كنت في ذلك العهد لم أحضر إطلاقاً مجلساً للسكارى كي أصفه. وهل تخفى نبرة ابن الرومي، أو خليل مطران في هذا الوصف الذي نظمته وأنا غرّ لغروب الشمس: بحنان قبلت شمس السماء الأفقا ثم ذابت بهـدوء وسـكون للقـا وامتحت من عالم الأحياء إلاّ شفَقا أو بدوي الجبل وعمر أبو ريشة معاً في هذه القصيدة الرنّانة التي نُظمت كي تُنشد في احتفال مدرسيّ لتحيّة العلم الوطني وأنا بعد في صفّ الكفاءة: أسفر الصبحُ باسماً في حمانا بعد ليل، لو لمْ نُفق لطـوانا نَفَحـتنا أنفـاسـُه فنهضنـا ننفضُ النوم، فاستحال دُخانا فمضى الريحُ بالدخان، فبانتْ رايةُ النصر عند ذاك وبانا... إلخ.. هذه أبيات أستقيها لا على التعيين من دفاتر مدرسية قديمة ماأزال أحتفظ بها حتى الآن، كي أثبت أنه كان عليّ أن أنتظر أيضاً كي أخلّص صوتي الداخلي من دوّامة الأصوات الأخرى. وكان الشعر حتى ذلك الحين لايزال لعبة أسلّي بها فطرتي المتحفّزة، غير أن لعبة الشعر لم تبق هواية مسلية أمداً طويلاً، إذْ سرعان ما شرعت تتحوّل إلى مغامرة خطرة في مرحلة (الثانوي) عبر الوطنيّات التي كتبناها عهدئذ ونحن نخوض معاركنا الطلابية مع السلطة الوطنية في بدايات عهد الاستقلال أواخر الأربعينيات، فأتحرّر نسبياً - بالطبع - من سلطان أصوات الشعراء والكبار، ربما بسبب من التأثير الفاجع للمعاناة الشخصية للطالب المشاغب النشـيط الذي كنـته آنئذ،حين واجهت لأوّل مرة في حياتي صدمة الموت المباشر في مشهد رفيق لي في المدرسة يسقط أمامي مضرجاً بدمائه بعد إصابته بطلق ناريّ من مسدس لأحد رجال الشرطة، وكنا في مظاهرة طلابية، وركضي نحوه لحمله مع آخرين إلى ثانوية تجهيز البنين الأولى بدمشق التي انطلقنا منها، حيث أسلم الروح بين أيدينا، فكتبت بعد أيام قصيدة كي تلقى في حفل تأبينه الحاشد يوم الأربعين في المقبرة التي دُفن فيها، حيث اعتليت قبراً وألقيتها في ألوف الطلبة حولي متهّماً السلطات التي قتلتْه: الأربعون وهل فيها سوى ألم يحزّ بالذكريات السود وجداني من للمسدس والبغضاء تُطلقه حجارة الأرض أم تلويح صبيان ربّما بسبب من هذه المعاناة، وما حدث بعدها من صراعات وطنية شاركت فيها بحماسة تسرّبت إليّ فيما بعد نزعة الالتزام، حين تأثّرت بالفكر الاش تراكي، وأنا بعد طالب في كلية الآداب، فأومن وقتئذ بما كان يسمّى تيّار (الواقعية الاشتراكية) في الأدب الملتزم، فتتفاقم خطورة الوصاية الفكرية وقد ازدادت قداسة وكأنها دين من الأديان، لاعتقادنا أننا نُسهم تحت قيادتها في تغيير العالم القاسي إلى جنّة وادعة تكاد تفتح أبوابها لنا جميعاً على أرض البشر، وتتفاقم معها بالتالي خطورة اللعبة الشعرية أفدح فأفدح، وأدفع ثمنها باهظاً حين حُشرت في الحبس أكثر من مرّة بسبب من المواقف أو القصائد التي أنشدتها أو نشرتها، ولم ترض عنها السلطات الحاكمة في تلك العهود. كانت معارك الحياة القاسية وحدها كما يبدو هي الأقدر على تحرير أصواتنا الداخلية وليس القراءات وحدها. أو كما قال الكاتب الفرنسي المعروف كطيّار استُشهد في الحرب العالمية الثانية (أنطوان ده سان أكسوبري) في رائعته (أرض البشر): (تُعلّمنا الأرض عن نفسها أكثر مما تعلّمنا الكتب، ذلك أنها تقاومنا...)، وبتعديل بسيط ومن دون أن نبتعد عن هذا المعنى، يمكن القول إننا نكتشف أنفسنا، أو أسلوبنا الخاص في التعبير من خلال اصطدامنا مع ذاتنا وهي تبحث عن فجوة للخلاص من كابوس المعاناة اليومية المباشرة أكثر مما تقدّمه لنا النظريات المكتوبة والتجارب المنشورة. كنت أنضج - إذن - فكرياً ونفسياً وممارسة، وأتحرّر يوماً بعد يوم من طغيان الوصاية (الأبوية) - إذا صحّ التعبير - في الفكر والإبداع، ولكن دونما نجاحات كبيرة. ربما تحرّرت قليلاً أو كثيراً من سلطان المتنبي وأبي تمام وأحمد شوقي وبدوي الجبل وأبي ريشة وآخرين من الأصوات الشعرية العربية الكبرى، ولكني لكي أنتقل يساراً في اتجاه شعراء أجانب عالميين، ويساريين على الأغلب، مثل ناظم حكمت، وبابلو نيرودا، وأراغون وبول إيلوارد، ولو كان في هذا المجال متسّع لإجراء المقارنات الميدانية - إذن - لفككتُ - من التفكيك - عدداً من قصائدي في ذلك العهد كي أشير إلى بعض التناص هنا أو هناك بين ما كنت أكتبه في الخمسينيات ونماذج شعرية معيّنة لأولئك الشعراء العالميين. وحتى في شعر الحب، لم يتخل الآخرون عن وصايتهم، فإذا كانت البدايات قد تمّت بصحبة عشّاقنا العذريين القدامى، فلقد أفسحت فيما بعد لتيّار الرومانسية أن يشغل بإخلاص ركناً من وجداني مع جبران وعلي محمود طه وأمين نخلة والياس أبي شبكة وسعيد عقل وغيرهم، كما لم أنج بعد كل هذا من وصاية نزار قباني الذي كان صديقاً شخصياً عدداً من السنوات بالرغم من تفاوت الأعمار بيننا، ومَن يقرأ بعضاً من النماذج الشعرية التي نشرتها في مجلة (النقّاد) في مطلع الخمسينيات، لابدّ أن يلاحظ بوضوح تأثّري بألاعيب نزار في تواصله مع الأشياء الأنثوية، وحين تحرّرت من هؤلاء - نسبياً بالطبع دائماً - كنت أعوّض عنهم بالمهارات المحدثة التي بهرتني وقتئذ لدى قراءتي جاك بريفير وبول جيرالدي وقبلهما بودلير بالفرنسية، مع تباين هذه الشخصيات، بل أكاد أقول إنني في عدد من قصائد الحب حين تحوّلنا إلى خانة اليسار الماركسي وقعت أيضاً - بشكل أو بآخر - تحت تأثير الشعراء العشّاق من اليساريين مثل أراغون ونيرودا ولوركا. كنا نكتب في الخمسينيات وقد غُصنا في بحران الكتابات الجدانوفية والوصايات الأيديولوجية، ولكن الطريف في الأمر أنني حين أراجع إنتاج تلك العهود، أجد فيه الكثير من النماذج الطليقة التي لا يمكن إدراجها في خانة الجدانوفية إطلاقاً، بل ربما كانت خارجة عليها في الشعر كما في القصة، وفي استطاعتي أن أبرهن على ذلك بالشواهد الكثيرة، غير أن المجال لا يسمح هنا إلا باستخلاص المغزى العميق والأساسي لأي تجربة إبداعية أن هذه الشواهد من غزل رومانسي مثلاً خال من خلفيات الصراع الطبقي أو التفاؤل الثوري، وغيرها من مستلزمات المدرسة الجدانوفية كانت محكومة بمضاعفات الصراع الفني - وليس الطبقي وحده - بين الذاتي والموضوعي، وأنه لم يحدث أبداً أن استطاع الموضوعي - أو المؤدلج بتعبير آخر - حين أراد أن يحلّ محل الموضوعي الواقعي- أي دونما أي مزايدات أو أوهام - لم يحدث أبداً أن استطاع هذا (الموضوعي) إزاحة الذاتي جانباً. وهذا ما يعزّيني الآن أن صوتي الجوّاني لم يختف تماماً، بل كان حاضراً باستمرار، وبقوة ملحوظة في بعض الأحيان، وأن شوقي بغدادي كان هو فعلاً شوقي بغدادي حتى في أقصى حالات الانتماء أو الالتزام العقائدي. وخير مثال على هذه الحقيقة أنني اضطررت مرّة بعد لجوئي إلى لبنان في أواخر الخمسينيات هرباً من التعسّف السلطوي، اضطررت إلى استخدام اسم مستعار أوقّع به قصائد جديدة نشرتها في إحدى الصحف اللبنانية، فكتب عدد كبير من القرّاء إلى الجريدة يسألون عن صاحب الاسم الحقيقي لهذه القصائد لاعتقادهم أن الاسم المنشور مستعار، بل لقد صرّح بعضهم أنه يظن بأنها لشوقي بغدادي بسبب التشابه الكبير بين أسلوب تلك القصائد وأسلوب الشاعر المذكور. وهذا عزاء آخر، غير أنه صار قديماً الآن. هذا الحديث لا ينطبق على المضامين وحدها، بل على الشكل الفني أيضاً، مما يثبت أن العلاقة بين الشكل والمضمون علاقة جدلية بحق، وبخاصة حين ألاحظ تحوّلي أكثر فأكثر من إطار الرائد الخطيب المحرّض أو المعلّم، إلى إطار المغني البسيط المتوحّد أو بتعبير آخر من دور الممثل المسرحي المتوجّه بحديثه نحو الجمهور إلى الممثل الذي يلقي مونولوجاً لنفسه. لن يتغيّر الأسلوب مع هذا التحوّل تغيّراً كلياً، هذا مستحيل، وغير مطلوب أصلاً، فالأسلوب هو الإنسان - كما قال (بوفون) - وإنما قد تتغيّر طريقة الأداء، أو أنماط التخيّل والتوجّه أو درجة تكثيف اللغة، أو كلها معاً، فيكتسب الأسلوب بعضاً من الغموض الشـفّاف، ويغتني أعمق فأعمق بالرؤية الذاتية، غير أن الروح تبقى واحدة، ولا أحد يدري كيف، وبهذا المعنى ينسحب الموضوعي قليلاً أو كثيراً إلى الخلف كي يترك الواجهة للذاتي ويكتفي بالكمون وراءه كمهد يحتضنه من دون أن يبتلعه. وحين اخترت هذا العنوان (شيء يخصّ الروح) لمجموعتي الشعرية، فلربّما كنت أعبّر بشكل عفويّ عن هذه التحوّلات من دون أن أعني - بالطبع - أن إنتاجي السابق كان خالياً من الروح أو لا يخصّ الروح، وإنما للتنبيه فقط على أن الصوت الداخلي للشاعر بات أكثر قدرة على التحرّر من الجاهز، والموصى عليه، والمألوف، وبالتالي أقوى في التعبير عن خصوصيته. وهاهوالقطار يقترب من محطته الأخيرة، فما عساني صنعت بعد كل هذا العناء الممتع المديد? يخيّل لي وأنا أراجع شريط العمر أنني شاعر - أو إنسان - لا يُطيق الخضوع الأعمى لأي سلطة، غير أنني في الوقت ذاته لست من الشعراء الذين يتباهون بتمرّدهم متعمّدين خرق النظام مجّاناً في أغلب الأحيان. إننا أولاً وأخيراً، وبالرغم من تميّزنا كأفراد، لا يمكن لوجودنا الشخصي، وبالتالي الفني أن يكتمل من دون إطاره الاجتماعي. ولكن إلى أيّ حدّ يُسمح لهذا الإطار أن يبسط سلطته على الموهبة الفردية. تلك هي المسألة كما يقولون. إن عزائي الأكبر هو أنني أومن كل الإيمان بالتغيّر والتجدّد، وإنني أتصـرّف مـدفوعاً بهذه القناعة بشكل تلقائي تمليه طاقة ذاتـية تسـاعدني باسـتمرار على أن أعترف بعثراتي وأخطائي من دون الوقوع تحت كابوس أيّ من مركّبات النقص أو التفوّق. إنني - باختصار - أحبّ الشعر قراءة وإبداعاً، وأشعر حقّاً بنشوة الولادة الأولى مع كل نصّ جـديد، ولا أطمح فيما تبقّى لي في الحياة بأكثر من أن أكتب شعراً يُشْبهني أكثر فأكثر. لا أدري لماذا تبحر بي الذاكرة دائماً إلى ذاك المرفأ هناك حيث كان بيتنا على الطرف الجنوبي من مدينة صيدا القديمة، حيث ولدت وأمضيت سنوات طفولتي، قريباً من البحر. كلما سئلت عن أمر يتعلق بحياتي، بما هو ناتئ في سيرتي وحاضر في ذاكرتي، يتقدم عالم ذاك المكان القديم، تتشكل صوره بسرعة فائقة، كما الخطوط والحروف على شاشة الكمبيوتر، كما الشريط المنفلت من آلية ضوابطه. تعود إليَّ معالم سكان دارتنا الكبيرة: وجوههم وما انحفر عليها من تعابير، تحركاتهم وهم يدفنون في زوايا الأمكنة حكاياتهم. • لماذا اخترت الكتابة في مجال النقد الأدبي سئلت في أكثر من مناسبة. ـ (بحثا عن المعرفة). أقول. ولا أقول كي أكسر الصمت الذي كان يغلف وجوه الكثيرين من سكان تلك الدار القديمة، ولا أود لهذا الصمت أن يستمر. ولا أقول كي لا يبقى الكلام ـ كما بقي كلامهم ـ في العتمة. عتمة تغيب فيها الأسباب فترد ظواهرها إلى المجهول، إلى الطلسم، إلى ما لا يعرف، وتقبل المصائب دون السؤال عن أسبابها، ويغرق الكلام في صمتٍ تموت معه المعرفة. اخترتُ النقد بحثاً عن المعرفة. أقول. أختزل الكلام بمقتضى المناسبة، فلا أشير إلى تلك المطارح من الذاكرة، ذاكرتي المشحونة بصور عالم طفولتي، صور تلح وتفتح حاضر زمني. كنت لا أحكي عنها. ولكن ها أنا اليوم أتوقف عند ذاك المرفأ لكلامٍ يخص الذاكرة، ولا يخص مجال النقد والدراسة. *** وتعبرني الصور، أتوقف عند بعضها، أحيل بحثي عن المعرفة إلى بعض أسبابه. • صورة فاطمة وهاجر تجلسان عند عتبة غرفتهما، تراقبان بصمت، بلا سؤال، ما يجري في فناء الدار الواسعة، الفناء المفتوح على رحابة السماء. • تراقبان، أو تتطلعان ولا تبصران! فالوجهان يبدوان لي، اليوم أشبه بمنحوتتين تشهدان على زمن خانته المعرفة فخانهما الكلام. • صورة أحمد يعبر تحت قنطرة الباب، نحيلاً، شاحباً، مطبق الشفتين على لسانه، لا أسمع صوته إلا تمتمة، أو كلاما مرتجفا، كأنما مس صوته تيار كهربائي ضعيف، فتلعثم النطق وخان صاحبه التدفق الفصيح. • صورة الحاج عبدالقادر يداوي ابنه الصغير من آلام ضربة على بطنه. مغطس ماء ساخن يشفيه. يظن.. ولا يعرف أنه بذلك سيبكيه، وأمه، بدل الدموع دماء. لقد التهبت أحشاء الطفل ومات في الصمت. هي صور تنهض في ذاكراتي شاهداً على غياب هذه العلاقة بين الأسباب وظواهرها، بين العوامل ونتائجها فيعالج المريض بما يُفضي بحياته إلى الموت. وتعجز فاطمة وهاجر، ويعجز من حولهما، عن فهم سبب تحديقهما الساهي، والدائم في الفراغ. ولا يدري أحمد لماذا ترتجف شفتاه كلما همَّ بالكلام! كانت الحياة تمر بلا أسئلة تدق جدران المعرفة المغلقة. كأن هؤلاء الناس كانوا يأتون إلى الدنيا، فقط لينتظروا رحيلهم عنها. *** يوم هدموا حينا، وفيه دارنا الكبيرة، كنا مثل قبيلة عصفت بمضاربها الرياح فتفرقنا أيدي سبأ. وكنت شخصياً، كمن يخرج من مغارة باحثاً عن خيوطٍ من الضوء تعينه على قراءةالعالم. وكانت بداية الطريق نحو الاختلاف. لا أريد أن أكون مثلهم. رفضت التماهي بهم. لكني كنت أحملهم داخلي. ألهذا تعود بي الذاكرة، اليوم، إليهم، إلى ذاك المرفأ، الأول، القديم؟ ألهذا عادت حـجارة دارنا تبـني ـ بعد أن هدمت ـ صورة لها في الذاكرة لا تنـهدم، ولا تهدم؟ في المدرسة كرهت مسطرة المعلمة، ورفضت درس الاستظهار، كرهت أن نطيع دائماً، أن نحفظ دون أن نفهم، أن نسمع دون أن نعبر، دون أن يتاح لنطقنا البري أن يتفجر، دون أن نسأل، دون أن نسأل لنرد ونناقش، لنقول ونحاور. السؤال هو المدخل إلى المعرفة. والمعرفة هي مسافة للاختلاف. *** وكنا نتشابه. يشتري والدي نصف (توب) (لفة كبيرة) من القماش الواحد، وتقصه أمي أمتاراً متساوية، وتوزعه على بنات خالتي وأعمامي (كان لي خالة واحدة وأكثر من عم). وكن يلبسن أثواباً لا تختلف، لا تتمايز، كان على الأثواب أن تتشابه كي تعدل وترضي، كي لا تعرف وتثير الغيرة أو الحسد. كانت الأثواب تمحو الرغبة في الاختلاف. وعندما كان يزورنا بعض الأقارب القادمين من بيروت، أو من خارج البلد، كان ما يشغلني هو التأمل بشكل الفتيات اللواتي كن من عمري. كنت أبحث في هيئاتهن وفي ما يلبسن عن المختلف. المختلف يلفتني، يجذبني، يحزنني التشابه. يحزنني أن لا أرى لي وجها خاصا في المرآة، وجها هو وجهي أنا لا وجوه الآخرين. كيف أكون أنا؟ الكبيرات: الأم، الأخت الكبيرة، الخالة، مثال نموذج. والمثال إذا دام وتكرس، إذا لم تترك العلاقة به مسافة للتنفس، لنمو الذاتي المختلف، يصبح مثل عباءة سوداء تلف المشهد أمام العيون الباحثة عن الضوء. وكانت صور الكبيرات تحتل مرايانا، وتقيد حريتنا، وتلج قدراتنا على صوغ ذواتنا المتميزة. كيف لنا أن نتبرع، ونحلم؟ كيف لطاقاتنا أن تبدع صورا لأمنياتنا، ورغباتنا، وأحلامنا؟ *** المعلمة ناديا التي كانت تدرسنا اللغة العربية أتاحت لي فرصة السؤال عن معنى المفعول لأجله، والمنصوب على الحالية. وكان جوابها بداية الطريق نحو المنطق استناداً إلى تفسيرها الذي عللت به المفعولية، أو قواعد التركيب للغة وللكلام. المنطق الخاص بقواعد التركيب اللغوي فتح باب التفكير أبعد من اللغة، التفكير في السبب، أو الأسباب.. وصولاً إلى المعرفة. *** أذكر، عندما دخلت سـلك التعليم الجامعي سألتني إحدى الطالبات والدموع في عينيها: (أستاذة. كيف يمكنني أن أكتب أو أن أبحث في موضوع دون أن تكون كتابتي مجرد جواب على سؤال، يطرحه علينا بعض الأساتذة ويريدون عليه جواباً هو عبارة عن حفظ وتكرار لمادة المحاضرات التي كانوا قد أملوها علينا)؟. كانت هذه الطالبة برعم كاتبة، باحثة، أو أديبة، تريد التحرر من قيود الحفظ والمحاكاة لتكتب ما تفكر فيه، وتعبر عما تشعر به. لم يكن بإمكانها أن تتجاوز واجبات الدراسة كما يطلبها الأستاذ، أو كما يحددها كشرط للنجاح. كانت بحاجة إلى النجاح لنيل شهادة هي سبيلها إلى العمل وتأمين مصدر رزق لها ولعائلتها. *** كيف نكوِّن ذواتنا؟ المشوار، مشوار بناء الذات بعيدا عن التقليد والمحاكاة، يبدأ من ذاك المرفأ الذي تعود إليه ـ دائماً ـ ذاكرتي: البيت بيت الطفولة بكل ما يعنيه من علاقات وأجواء يتأثر بها الطفل وتشكل اندفاعاته للأولى نحو الحياة. بيتنا القديم أعود إليه ناقدة. لكنه يبقى مرفأ جميلاً، أحنُّ إليه حنيناً غير وردي: فلـقد كان حقاً جميلا بقنـاطره وأقواسـه التي هدمت ،أزالوها، وكانت معنى من معـاني هويتي وانتمائي. وكان حقا جميلاً بتلك الأماسي أماسي الصيف فوق السطوح المتقاربة ننتقل بينها بقفزة صغيرة فوق جدار مشترك. لم نكن نعرف الهوة التي أبعدت بعضنا عن بعضنا وحوَّلت السطوح إلى متاريس. نلتقي، كنا، فوق السطوح المتقاربة المفروشة أرضها الباطونية بحصر عكاوية. الوقت بُعيد غروب الشمس، مازالت آثار الأشعة الراحلة في قلوبنا وأبصارنا. نتأمل زهرة (ليلة القدر) التي لا تشبه أي زهرة أخرى، تتفتح لليلة واحدة، وتطبق أوراقها على ذاتها، تنتهي في الصباح، دون أن تستعيد شكلها في الليلة التالية. ترحل زهرة (ليلة القدر) الفريدة، لكن رائحة الفل والياسمين تبقى، تصر على أن تسكن فضاءنا. مرفأ للذاكرة، أعود إليه، أمر بذاك المكان. لا أجد بيتنا القديم. لقد هدم. إني أسكن اليوم بيتاً مختلفاً، لكن رائحة الفل والياسمين تفوح من تحت القناطر والأقواس التي كانت، تفوح من روحي.. روحي المحلقة فوق مرافئها. لم أكن أتصوّر، حتى في الأربعين من عمري، أنني سأصبح كاتباً معروفاً، فقد ولدت، كما هو معروف عني، بالخطأ، ونشأت بالخطأ، وكتبت بالخطأ أيضاً لنبدأ بالكلام عن حياة الطفولة، هذه التي أصبحت بعيدة جداً الآن، وكل ما أذكره عنها أنني بدأت رحلة التشرد وأنا في الثالثة من عمري، وهذه الرحلة، من حيث هي ترحال مأساوي في المكان، عمرها الآن سبعون عاماً، أما رحلتي في الزمان، فهي أبعد من ذلك، وستبقى ما بقيت، بسبب أن التأمل، التلفت، الاستشراف، تمثل الوعي الأول للوجود، وكل هذه الذكريات التي تنثال في الخاطر، أصبحت مرنقة الآن، وأنا ألعنها لأنها تغتالني بلا رحمة. والدتي اسمها مريانا ميخائيل زكور، وقد رُزقت بثلاث بنات كنّ، بالنسبة لذلك الزمان، ثلاث مصائب، عانت منهن الكثير الكثير، فالوسط الفقير إلى حد التعاسة، كان يشكّل عقلية سلفية بالغة القسوة، وقد تعاون هذا الوسط، وما فيه من ظلم ذوي القربى، على إذلال والدتي، باتهامها أنها لا تلد إلا البنات، وكان المطلوب أن تلد المرأة الصبيان، وفي الأقل الأقل، أن تلد صبياً بعد بنت، لكن القدر شاء أن تحمل وتلد البنات الثلاث بالتتابع، الأمر الذي كان يحمل إليها مرارة الشقاء، بالتتابع أيضاً. وستقول لي أمي، حين أكبر: (اسمع يا حنا! أنت ابن الشحادة، فقد شحدتك من السماء، منذ تزوجت أباك، وفي كل مرة كنت أحمل فيها، كانت السماء تعاقبني، فأرزق ببنت، أنا التي كنت أسألها الصبي، أسألها أنت، وأنت لم تأت إلا في الحمل الرابع، الذي بكيت فيه من الفرح، بينما كنت، قبل ذلك، أبكي من الحزن. لقد منحتني السماء إياك بعد طول انتظار، وطول معاناة، لكن المنحة كانت، حتى مع الشكر، منحة مهددة بالأمراض، والخوف عليك منها، ثم الدعاء إلى الله، في أن تعيش، كرمى لي، حتى لا أعيش الخيبة من جديد، وهذا ما حدث، فقد ولدت عليلاً، ونشأت عليلاً، وكان الموت والحياة يحومان حول فراشك، الذي كان طرّاحة على حصيرة في بيت فقير إلى حد البؤس الحقيقي، كنت شمعة تنوس ذبالتها في مهب ريح المرض، وكنت أسأل الله، وأنذر النذور، وأسأل الريح، بكل ما في الابتهال من ضراعة، ألا تنطفئ الشمعة التي كنتها، حتى لا أفجع فجيعة تودي بي إلى القبر، وشاء الله، سبحانه وتعالى، أن تعيش، في قلب الخطر، وهذا الخطر، لازمك حتى الشباب، وعندها تحوّل من خطر الموت إلى خطر الضياع، في السجون والمنافي، هذه التي أبكتني بكاء مضاعفاً، خشية ألا أراك، وأنت تعطي نفسك للعذاب في سبيل ما كنت تسمّيه التحرر من الاستعمار الفرنسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية!). هكذا ولدت في قلب الخطر، وترعرعت في جوف حوته أيضاً، وناضلت ضد هذا الخطر بلا هوادة، فكان المبدأ الذي شببت عليه، عاملاً أساسياً في شفائي الجسدي والنفسي، لذلك قلت يوماً، بعد أن صرت كاتباً: (أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين) فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوات الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن، في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها، بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضاً. إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي، وكانت التجربة الأولى في حي (المستنقع) الذي نشأت فيه في اسكندرونة، مثل التجربة الأخيرة، حين أرحل عن هذه الدنيا، ومثل تجربة الكفاح ما بينهما، منذورة كلها لمنح الرؤية للناس، لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل، والسير بهم ومعهم نحو المعرفة، هذه التي هي الخطوة الأولى في (المسيرة الكبرى) نحو الغد الأفضل. تحقيق الإنسانية لقد تقضى العمر، في حلقاته المتتابعة، بشيء جوهري لدي: هو تحقيق إنسانيتي، من خلال تحقيق إنسانية الناس، أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة، ولئن كان الشقاء قد فُرض علي من قبل المجتمع، فعشت حافياً، عارياً، جائعاً، محروماً، من كل مباهج البراءة الأولى، فإن السياسة نقشت صورتها على أظفاري بمنقاش الألم، فتعلمت، مبكّراً، كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي، وأنتصر على رذيلة الأنانية، وكل إغراءات الراحة البليدة، التي توسوس بها النفس، فكان الإنسان في داخلي، إنساناً توّاقاً إلى ما يريد أن يكون، لا إلى ما يُراد له أن يكون. وكان المحيط الاجتماعي الذي نشأت فيه، بتمام الكلمة، أميّاً، متخلّفاً، إلى درجة لا تصدّق، لم يكن في حيّ المستنقع كله، مَن يقرأ ويكتب، كان سكان هذا الحي، والأحياء الفقيرة الأخرى في مدينة اسكندرونة، يتلمّسون في الظلمة سبيلهم إلى النور، والذين ساعدوهم في ذلك كانوا المناضلين الأول، ضد الانتداب الفرنسي والإقطاع، وكان لي - وأنا فتى في الثانية عشرة من عمري - حظ التعرف على هؤلاء الحاملين المشاعل، وشرف الانتماء إليهم، والتعرّف إلى حقيقة الكلمة وشرفها من خلال إرشاداتهم، هذا المجتمع، في الطفولة واليفاعة والشباب، أعطاني تجارب لا تُنسى، أفدت منها في كفاحي بالقلم على امتداد حياتي الأدبية التي قاربت الخمسين الآن. وكي أختصر الكلام عن المحيط السياسي أقول: عرفته، رافقته، كنت قريباً من أبرز رجاله، منذ هجرة عائلتي من اللواء العربي (الاسكندرونة) إلى اللاذقية، وقبل ذلك بقليل، وبعد ذلك إلى الوقت الراهن، غير أن كفاحي، على الجبهة الثقافية، وما فيها من كرم الكفاح، قد جعلني أكتشف حقائق كثيرة، ومنذ وقت مبكّر، لذلك تركت الانتماء الحزبي، منذ منتصف الستينيات، وكرّست حياتي للأدب، وللرواية تخصيصاً، وسأبقى كذلك، دون أن يعني ذلك نسيان الماضي، أو عدم الأمانة للمنطق، فأنا أعرف أن اليوم الذي أنسى فيه ناسي، أو أدير لهم ظهري، أو ينقطع حبل السرّة الذي يربطني بهم، سيكون يوم توقفي عن الكتابة، وتالياً عن الحياة. ولندع الكلمات الكبيرة، فإنني لا أنسجم معها، رغم أن الحديث قد اضطرني إلى مقاربتها، فما أقوله لقرّائي أنني ولدت في حيّ فقير بائس في مدينة اللاذقية، وفي دار تتقاسم عائلات فقيرة غرفها، وقد اضطرت أمي إلى حرماني من نصف حليبها، وبيع النصف الآخر إلى ابن عائلة ثرية كانت تعمل عندها، يُقال إن أخي في الرضاعة كان (جول فيتالي) وهو من الأغنياء الذين عاشوا حياة ترفة، ولم أر له وجهاً، لأنه ارتحل قبل سنوات. لقد صوّرت وضعي الصحي العليل في سيرتي الذاتية، ومنها تعرفون وضعي العائلي الغارق، حتى الاختناق، في حفرة شقاء تدافعناه، بكل ما نملك من إرادة، فلم يندفع! أمي وأخواتي الثلاث، عملن خادمات، عملت أنا الصبي الوحيد، الناحل، أجيراً، كذلك عمل الوالد، سليم حنا مينه، الخائب في كل أعماله ونواياه، حمّالاً في المرفأ، بائعاً للحلوى، وللمرطبات، مرابعاً في بستان قاحل إلا من أشجار التوت، ومربيّاً لدود القز، ثم عاود، بين كل هذه الأعمال وأثناءها، سيرته في الترحال، كأنه (موكل بفضاء الله يذرعه)، كان أبي، رحمه الله، رحّالة من طراز خاص، لم ينفع ولم ينتفع برحلاته كلها، أراد الرحيل تلبية لنداء المجهول، تاركاً العائلة، أغلب الأحيان، وفي الأرياف، للخوف والظلمة والجوع، ولطالما تساءلت: وراء أي هدف كان يسعى؟ لا جواب طبعاً، إنه بوهيمي بالفطرة، وقاص بالفطرة، يصنع من أي مشهد حكاية شائقة، وقد أفدت منه، في هذا المجال فقط، كان رخواً إلى درجة الخور أمام شيئين: الخمر والمرأة! لم يفز بالمرأة ولم يستمتع بالخمر. كان يسكر إلى درجة التعتعة والسقوط والنوم حيث يسقط. لمجرد شرب كأس أو كأسين. يا للأب المثالي، الذي كافأته، في السنوات الخمس عشرة الأخيرة من عمره، مكافأة حسنة، متجاوزاً عن كل ما ألحق بالعائلة من أذى، وليس في ذلك منّة، بل واجب البنوّة وحده. متاهة الضياع من اللاذقية، حيث ولدت، تشرّد الوالد، وجرّ العائلة معه، إلى متاهة الضياع، وهذا التشرد فرض علي البحث عن اللقمة أولاً، وفرض علي، ثانياً، العمل الشاق في السياسة، وأمنيتي، الآن، أن أتشرّد من جديد، لأنني أكاد أتعـفّن بين الجدران الأربعة من مكتبي في الوظيـفة، ومن مكتـبي في البيت، الذي أعمل فيه وسط شروط لا إنسانية! الرحلة، في الخطوات الأولى، انطلقت من اللاذقية إلى سهل أرسوز قرب أنطاكية، مروراً باسكندرونة، ثم اللاذقية من جديد، وبيروت، ودمشق، وبعد ذلك تزوجت، وتشردت مع عائلتي لظروف قاهرة، عبر أوربا وصولاً إلى الصين، حيث أقمت خمس سنوات، وكان هذا هو المنفى الاضطراري الثالث، وقد دام، هذه المرة، طويلاً، حتى قارب العشرة من الأعوام، لم أكتب فيها حرفاً واحداً، وبذلك ضاع استواء رجولتي بين الثلاثين والأربعين من عمري، سدى، فالنبتة قلّما تعيش إلا في تربتها! هناك استثناءات كثيرة طبعاً، لكن غربتي، وهي مهنتي الشاقة، تختلف جداً، بسبب ما ترتّب عليّ من كدح لإعالة أسرتي، التي كان نصفها معي، والنصف الآخر في اللاذقية. لقد تزوجت مريم دميان سمعان، أصلها من بلدة السويدية، مصب نهر العاصي قرب أنطاكية، وكانت مقيمة في اللاذقية عندما التقيتها وتعارفنا بعد هجرة العائلة من اللواء العربي السليب، إنها إنسانة طيبة، شعبية، لم تتجاوز دراستها الصفوف الابتدائية، أي أنها مثلي من ناحية التحصيل العلمي، لكنها بذكائها الفطري، تفهّمت ظروفي كمناضل سياسي ضد الانتداب الفرنسي قبل الزواج، كما تفهمت ظروفي بعد الزواج ككاتب، فوفّرت لي، في الحالتين، جوّاً أسرياً سعيداً، قوامه نكران الذات إلى حد التضحية، في سبيل إنشاء الأسرة، ومشاطرتي آلام الغربة، وتوفير الهدوء والصفاء اللازمين لي ككاتب، وإني مدين لها بنجاحي، وهذه مناسبة أتحدث فيها لأول مرة عن هذه الإنسانة الرائعة، التي كانت معي على الدهر، لا مع الدهر علي، وهذه مأثرة المرأة الرائعة دائماً، التي تتحلى بصفات نبيلة، ومنها الصبر، والتدبير، والخلق الكريم، حتى أجد نفسي عاجزاً عن الكلام الذي يفيها حقها، بسبب أنها تفانت، ولاتزال، لإسعادي، وللسهر على الأسرة في غيابي وحضوري. إننا، هي وأنا، نقترب من نصف قرن من الزواج الناجح، والفضل في نجاحه يعود إليها حصراً، لأنها تتيح لي حرية اكتساب التجارب من جهة، والمناخ الملائم للكتابة عن هذه التجارب من جهة أخرى. رزقنا خمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولادي، وهو ممثل ناجح جداً الآن، شارك في بطولة المسلسل التلفزيوني (نهاية رجل شجاع) المأخوذة عن رواية لي بهذا الاسم، فأبدى مقدرة غير عادية، في أدار دور (مفيد الوحش) عندما كان صغيراً، وهذا المسلسل لقي إعجاباً مثيراً، وبث إلى كل أنحاء العالم، كما شارك بدور البطولة (شاهين) في المسلسل التلفزيوني المهم (الجوارح) وكلا المسلسلين من إخراج نجدت إسماعيل أنزور، هذا الإنسان الموهوب إلى درجة الإبهار. لدينا ثلاث بنات: سلوى (طبيبة)، سوسن (مخدرة وتحمل شهادة الأدب الفرنسي)، وأمل (مهندسة مدنية) وقد تزوجن، ولم يتبعنني على طريق جهنم: طريق الأدب! شكاوى الناس بداياتي الأدبية الأولى كانت متواضعة جداً، فقد أخذت، منذ تركت المدرسة الابتدائية (هذه التي تعلمت فيها فكّ الحرف كما يقولون) بكتابة الرسائل للجيران، وكتابة العرائض للحكومة، كنت لسان الحي إلى ذويه، وسفيره المعتمد لدى الدوائر، أقدم لها، بدلاً من أوراق الاعتماد، عرائض تتضمن شكاوى المدينة ومطالبها، هنا كنت صدامياً ومنذ يفاعتي: إننا جياع، عاطلون عن العمل، مرضى، أميّون، فماذا يريد أمثالنا؟ العمل، الخبز، المدرسة، المستشفى، رحيل الانتداب الفرنسي، مطالبة الحكومة، في فجر الاستقلال، أن تفي بوعودها المقطوعة لأمثالنا. هذه كانت بدايتي، وقد دفعت الثمن، لأن المسئولين، آنذاك، وجدوا فيّ مخلوقاً يطالب بقوة، بإلحاح، بجرأة، مع أمثاله، بما هو حق لهم، وماذا كنا نخشى؟ في السجن نجد اللقمة، وفي تحقيق هذا المطلب أو ذاك نلقى العزاء، ولم يكن لدينا ما نخاف عليه، لأننا، أصلاً، مخلوقات العالم السفلي. بعد ذلك، وأنا حلاّق في اللاذقية، كنت أبيع جريدة (صوت الشعب) الناطقة باسمنا ونيابة عنا، وعن المسحوقين من أمثالنا، كان ذلك خلال الحرب العالمية الثانية، وكنا ضد النازية، وضد الاحتلال الفرنسي، وضد آغواتنا، وقد تدرّجت، من كتابة الأخبار والمقالات الصغيرة، في صحف سوريا ولبنان، إلى كتابة القصص القصيرة. بدأت حياتي الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية، صرخت فيها على كيفي، غيّرت العالم على كيفي، أقمت الدنيا ولم أقعدها، ضاعت المسرحية ومنذئذ تهيّبت الكتابة للمسرح، ولاأزال. القصص ضاعت أيضاً، لم أشعر بالأسف، وكيف أشعر به وحياتي نفسها ضائعة؟ المهم أنني لم أفكر، وأنا حلاق، وسياسي مطارد، بأنني سأصبح كاتباً، كان هذا فوق طموحي، رغم رحابة هذا الطموح، صدّقوني إنني، حتى الآن، كاتب دخيل على المهنة، وأفكر، بعد هذا العمر الطويل، بتصحيح الوضع والكف عن الكتابة، فمهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني، وبسخاء، يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاراً، مع نجيب محفوظ بعد نوبل، ومع نزار قبّاني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين. يطالبونني، في الوقت الحاضر، بمحاولاتي الأدبية الأولى، التي تنفع النقاد والدارسين، لكنها، بالنسبة إلي، ورقة خريف سقطت! وقد كنت، كما هو معروف، يسارياً وسأبقى، أما لماذا الأمر كذلك، فإن هذه (اللماذا) في غير محلها! تصوّروا ابن العالم السفلي، العاري، الحافي، الجائع، مثلي ومثل ناسي، ثم نكون في اليمين، الذي يتغذى أطفاله بالشيكولاته، ويركبون الكاديلاك! مفارقة أليس كذلك؟! مصابيح زرق الرواية الأولى التي كتبتها كانت (المصابيح الزرق) لكنني لم أفكر بشرارتها، أهي حمراء أم زرقاء؟! وهل أنا نيرودا حتى تطلق قصائدي شرارات؟! إنني بابا نوئيل أوزع الرؤى على الناس، كي أفتح عيونهم على الواقع البائس، وأحسب أنني ناجح إلى حد ما، لأن كلماتي التي أكلت عيوني، على مدى نصف قرن، لم تكن مجانية، لقد حرصت دائماً على شيئين: الايقاع والتشويق! وكتبت لغايتين: توفير المتعة والمعرفة للقرّاء، وهذا سر نجاحي الكبير، فلا أبوح به إلا للنشر! تأملوا!! يقال إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول: في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر! أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟ إنه يتعمّد بماء اللجة لا بماء نهر الأردن، على طريقة يوحنا! أسألكم: أليس عجيباً، ونحن على شواطئ البحار، ألا نعرف البحر؟ ألا نكتب عنه؟ ألا نغامر والمغامرة احتجاج؟ أن يخلو أدبنا العربي، جديده والقديم، من صور هذا العالم الذي هو العالم، وما عداه، اليابسة، جزء منه؟! البحّار لا يصطاد من المقلاة! وكذلك لا يقعي على الشاطئ، بانتظار سمكة السردين التافهة. إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحّار لا عن فتى الميناء! الأدباء العرب، أكثرهم لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب. لا أدّعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحّارة، هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحّار على المراكب. كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي، بعد ذلك، وفي الحرب العالمية الثانية، توقف العمل في البحر، اشتغلت في مهن كثيرة، من أجير مصلّح دراجات، إلى مربّي أطفال في بيت سيد غني، كان يسومني العذاب مرّاً إذا بكى طفل، أو مرضت طفلة، إلى عامل في صيدلية، إلى حلاّق، إلى صحفي، إلى كاتب مسلسلات إذاعية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، مع كل ما تقوم به الوظيفة من تدجين بطيء، إلى روائي، وهنا المحطة قبل الأخيرة، أي قبل غزل الظلمة في حضن الثرى. هذه المسيرة الطويلة كانت مشياً، وبأقدام حافية، في حقول من مسامير، دمي سال في مواقع خطواتي: أنظر الآن إلى الماضي، نظرة تأمل حيادية، فأرتعش. كيف، كيف؟! أين، أين؟! هناك البحر وأنا على اليابسة؟! أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي الشام الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات. روايات البحر هذا كله جميل، لكنني غريب في غربته، قولة أبي حيان التوحيدي، غريب عن البحر: بيتي، حديقتي، ملعبي، فكيف تكون الهناءة والحبيب الأزرق بعيد؟ تعويضاً أسترجع الماضي، أكتبه، أعوّض بما هو كائن، عمّا كان، أهدم العالم وأعيد بناءه، أستحضر تجارب البحر، أشدّها هولاً، أكتب وأكتب: ثماني روايات عن البحر، ولم أزل في المقدمة من هذا السفر الذي سيكتبه الآتون بعدي من الأجيال الشابّة، إذا لم تكن قلوبهم من تراب! أكره الطرق المعبّدة، دأبي اكتشاف المناطق المجهولة في أدبنا: البحر، الغابة، الجبل، الثلج، المعركة الحربية، البلدان البعيدة، النضال الوطني السري، الموت، الجنون، الشجاعة، البطولات الشعبية، الموروثات والمأثورات والصور الغريبة، أكره، أيضاً، نصفي العاقل، لماذا، نحن الأدباء العرب، في العقلاء جداً، ولماذا في القعدة؟ وأين الجنون والانتحار وعدم الانتماء؟ لا أحب الذين يستريحون على مؤخراتهم؟ في أعمالي الأدبية (30 رواية حتى الآن) شخصيات كثيرة جداً: هناك عالم متكامل من مخلوقات متنوعة متباينة، على أرضية واقعية، تمتزج معها الر ومانتيكية وتتبلور في تصرّفاتها والأقوال، (روائي واقعي رومانتيكي)، هذا هو عنوان دراسة الدكتورة نجاح العطار، التي نُشرت في (الطريق) و (المعرفة) ومجلات أدبية أخرى، ذلك أن الواقعية، كما ترى الناقدة الدكتورة العطار، تتسع وتستوعب، كل المدارس الأدبية. أذكّر هنا بطرفتين: أولاهما أنني كلفت صديقاً بأن يجمع لي أسماء شخصيات رواياتي، قبل أن أبدأ كتابة رواية (النجوم تحاكم القمر)، فقام بالمهمة حتى عجز عنها. قال لي: (هناك أكثر من (560) شخصية، في عشر روايات فقط، فكم يكون العدد في الروايات العشر الأخرى؟ إنني، وأنا أقرأ الرواية، تستهويني الأحداث، فأنسى إحصاء الشخصيات، ويكون علي أن أعود من جديد، وهذا مالا أستطيعه، يا للغرابة إن ضحكت طبعاً وقلت: (أنا تلميذ بالنسبة لأستاذي نجيب محفوظ، فكيف لو كلفك هو بما كلفتك أنا به؟). متحف بشري الطرفة الأخرى أن أديباً من اللاذقية، هو الأستاذ سمير سكاف، قام بمحاولة من هذا النوع، دون تكليف طبعاً، وقد كتب إلي، بعد أن أعياه الجواب عن السؤال التالي: (من أي متحف بشري جئت بهذا الحشد من المخلوقات، الذين لا يشبه أحدهم الآخر؟! إنني ألجأ إليك، وأنتظر الجواب!) ضحكت ولم أجب، أنا نفسي لا أعرف، وأحسب أن هذا السؤال من باب التعجيز، وأشهد أنني عاجز! إذن، بمقياس كهذا، كيف أحصي الشخصيات الروائية التي تركت بصماتها في ذاكرتي؟ كيف أعد الشخصيات التي لم أكتبها بعد، والتي لاتزال حبيسة في طاسة رأسي، تدق على صدغيّ طالبة الخروج إلى النور؟ أحيلكم، في الجواب، إلى روايتي (النجوم تحاكم القمر)، و(القمر في المحاق)، ففيهما متحف مخلوقات أكبر بكثير من المتحف الذي سألني عنه الأديب سمير سكاف، عرفتم الآن، لماذا أنا معذّب، ولماذا أفكّر باعتزال الكتابة؟! إنها (ملهاة إنسانية) كاملة! وإنها لسخرية أن تحاكم الشخصيات الروائية مبدعها الروائي، بكل ما تعنيه المحاكمة، التي يتهم فيها المؤلف عناد الزكرتاوي بقتل ديمتريو، بطل (مأساة ديمتريو) ويُحكم عليه بالإعدام مع وقف التنفيذ، حتى يكمل كتابة ما تبقى من روايات وقصص! وهو، المؤلف، يصرخ ناشجاً: (نفّذوا! نفّذوا!) ذلك أننا، بعبارة واحدة، محكومون جميعاً بالإعدام مع وقف التنفيذ، حتى نواصل حياة الأديب العربي التي هي، مع التخفيف والرحمة، حياة تعاسة دراماتيكية بامتياز! أحب أكثر شخصياتي. إنها منقوشة في الذاكرة. ليتها لم تكن كذلك، وليتني أصاب بفقدان الذاكرة حتى أنساها، مرة واحدة وإلى الأبد! تعرفون لماذا؟ لأن مصيرنا إلى الجلجلة، وعندئذ نصلب فنموت، ونُننزل صليبنا الذي نحمله منذ أمسكنا القلم! هذا ليس من التشاؤم، فالمعروف عني أنني بائع تفاؤل، إلا أن الكاتب، الذي يرى مالا يراه الآخرون، يعرف أن كل إنسان يحمل صليبه في هذه الحياة، مع الفارق في حجم الصليب وثقله، فالمليونير، وبالدولار كوحدة نقدية، يحمل صليب الشره للاستزادة من جمع المال، بينما نحن، الأدباء الفقراء، وكذلك أبناء الشعب الذين مثلنا، نحمل صليب الركض وراء اللقمة! الإنسان ابن تاريخه الاجتماعي، والتاريخ حقب ومراحل، ونحن الآن في مرحلة المجتمع الاستهلاكي، حيث النفعية عنوان كبير وبارز له، مع كل ما ينطوي تحتها من شرور وآثام، لكننا، في الوطن العربي مكتوب علينا أن نواصل الكفاح، في سبيل التحرير واسترداد الحقوق، وضد التطبيع الثقافي، وكل تطبيع، مع إسرائيل، التي تحتل أرضنا وتقتل وتشرّد إخوتنا في فلسطين، وهذا الكفاح مجيد، وسيكون مجيداً أكثر، ومجدياً أكثر في مناخ الحرية التي يريدون وأدها، كما في حادثة التفريق الجائرة والظالمة بين نصر حامد أبو زيد والسيدة زوجته.الإبداع رسالتنا إلى العالم، به وحده نجبه التحديات الثقافية في الجوار وفي العالم، لكن الإبداع نبتة تحتاج إلى الشمس، وهذه اسمها الحرية الفكرية. عندما يستعرض المرء شريط حياته، يعجب كيف أن الظروف البيئية تتدخل في تحديد مسار حياته، مما يدفعه أحيانا الى اتخاذ قرارات لها تأثيرها المباشر في مسار مستقبله. مازلت أتذكر أنني في عصر يوم من الأيام، وأنا في مقتبل العمر، ربما كنت في الثالثة عشرة أو نحوها، لا أدري على وجه التحديد، ولكن الذي أدريه هو أنني كنت أتصفح كتاب (العبرات) لمصطفى لطفي المنفلوطي، في إيوان مدرسة الوالد في سكة بن دعيج الكائنة في مدينة الكويت. وخلفت الاسطر القليلة التي قرأتها انقلاباً جذرياً داخل نفسي. بل إنها قررت مصير مستقبلي منذ تلك اللحظة. سحرني أسلوب المنفلوطي الجميل، بفصاحته، وعذوبته، وعباراته المنتقاة، وحسن معانيه، فصرت أتقصى كتبه لأشبع نهمي، مستمتعا بقراءتها متأملا أحداثها، متأثرا بها أيما تأثر. فقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتبه. واقتنعت وقتها بأنني أمتلك المؤهلات اللازمة التي يحتاج إليها الأديب من حس صادق مرهف، وفهم للنفس البشرية، وإدراك أن ما نراه من مظاهر التصرفات الخارجية للإنسان، ما هو الا ردود فعل في الواقع لانفعالاته الداخلية. وكرست منذ ذلك الوقت حياتي للأدب، ولم أحد عن هذا الاتجاه في تحديد مستقبلي فيما بعد في دراساتي الأكاديمية. وعندما وقع علي الاختيار لأكون أحد طلاب البعثة عام 1943، وبعد ان استقر بي المقام في القاهرة، اتسعت دائرة اهتماماتي الأدبية لتشمل النجوم البارزة آنذاك في سماء الأدب، طه حسين، وتوفيق الحكيم، والزيات، والمازني، ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء المرموقين. كما استهوتني كتابات الدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور أحمد أمين، وبعض كتب العقاد، وخصوصا عبقرياته، وعلى الأخص عبقرية عمر. كما كنت أترقب مجلتي الرسالة والثقافة كل أسبوع لألتهم ما تشتملان عليه من مقالات أدبية. وفي خضم تلك التجربة طرأت على بالي فكرة جديدة، فقد أيقنت في داخلي، أنني حتى أصبح أديبا يشار إليه بالبنان، فإنه لابد من الاطلاع على الآداب العالمية. وهذا لا يتيسر لي إلا إذا أجدت لغة أجنبية، بجانب لغتي العربية، التي لاشك أنها كانت الوسيلة للاطلاع على الآثار الأدبية العربية، سواء أكانت شعراً أم نثراً، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الراهن. ولذلك فإنني حينما أنهيت المرحلة الثانوية في المدرسة السعيدية بالقاهرة، التحقت بكلية الآداب ـ قسم اللغة الإنجليزية، إيمانا مني بأن هذه اللغة ستكون مفتاحي للاطلاع على آداب اللغات الأخرى. هذا إلى جانب اطلاعي على عالم الأدب الإنجليزي، وهو غني بأفكاره، واتجاهاته. لا أدري كيف. فإنه في هذه الفترة من عمري استولت على اهتماماتي الأدبية كتب إبراهيم عبدالقادر المازني، أكثر من غيره من الأدباء. كنت مأخوذا بأسلوبه الفذ العميق، الذي تستوقفك عباراته، وتلزمك بالتأمل لإدراك أبعادها ومغازيها. كما كنت متأثرا بنظرته الفلسفية الواقعية لحياتنا، وتفاهة الكثير مما نتظاهر بالاحتفال به، باعتباره خلقاً أو إبداعاً. إن المتأمل في أعماله الأدبية لاشك يدرك هذا الاتجاه الذي يعكس صفحة نفسه المجبولة على التواضع الجم، وأن جل ما يبذله الإنسان في دنياه الطارئة لا يعدو أن يكون قبضا للريح، أو حصاداً للهشيم. ولعل العبارات التالية تلخص مجمل رؤاه في الحياة:(الفرق بيني وبين هملت، أنه معني بالحياة والموت، وبأن يكون أو لا يكون، وبأن يبقي على نفسه أو يبخعها، أما أنا فلا يعنيني شيء من هذا، ولست أراني أحفل لا بالحياة، ولا الموت، ولا الوجود ولا العدم، أو لعل الأصح والأشبه بالواقع أن أقول أني لا أرى وقتي يتسع للتفكير في هذا). وتأمل في عناوين كتبه: صندوق الدنيا، من النافذة، ميدو وشركاه، عود على بدء، إبرهيم الكاتب، إبرهيم التاني. ولاحظ أنه لم يعن حتى بإضافة الألف إلى اسمه، فكان يكتبه (إبرهيم) وليس (إبراهيم). بل إن ديوانه الشعـري لم يعن به، ولم يُعد طبـعه إلا قريبا، ذلك لأنه يعتقد في قرارته أنه لم يكن شاعراً مجيداً، مع نقده اللاذع لأشعار شاعرين كبيرين هما: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم. استعداد فطري وفي القاهرة، وأنا في خضم هذه الاهتمامات الأدبية، قرر بعض طلاب بيت الكويت الذي أسسه المرحوم الأستاذ عبدالعزيز حسين، تلقي دروس خصوصية في الموسيقى على يد أستاذ مصري. وعُرضت علي الفكرة، فقبلتها على الفور، لاستعدادي الفطري لإشباع هذه الهواية القابعة في الأعماق. ولاحظت بعد فترة قصيرة من الزمن، أن حلقة الطلاب الملتحقين بهذه الدورة الموسيقية أخذت تتقلص شيئا فشيئا، حتى وجد أستاذ الموسيقى أن من الأجدى عدم الحضور كلية. إلا أنني وبعد أن اشتريت عودا من شارع محمد علي كلفني آنذاك ثلاثة جنيهات مصرية، واصلت طريقي من غير أستاذ، ودون الاعتماد على النوتة الموسيقية. واكتفيت بالاستماع إلى الأغاني الشائعة ثم تقليدها عزفا على العود. وتأكدت هوايتي للموسيقى، ولكنها لم تغير من تصميمي على الاستمرار في تخطيطي الأدبي. وهكذا كان الأمر معي حينما تخرجت من كلية الآداب بالقاهرة، والتحقت بجامعة (اكستر) في المملكة المتحدة عام 1952، حيث قضيت سنتين فزت بعدهما بدبلوم عال بعد أن كللت رسالتي بالنجاح، والتي كنت قد كتبتها عن (جين اوستن) الكاتبة الإنجليزية المشهورة، والتي عاشت في القرن التاسع عشر. كنت مفتونا بأسلوبها الرشيق، المقنن، والمتزن. وعدت بعد هذه التجربة إلى الكويت لأبدأ حياتي العملية، فمن أستاذ للغة الإنجليزية، إلى وكيل لمدرسة ثانوية إلى مفتش للغة الإنجليزية، ثم إلى ملحق ثقافي في لندن. وفي هذه الفترة التي امتدت من عام 1954 إلى عام 1959 في الكويت التقيت الأستاذ عبدالرؤوف اسماعيل، الذين كان أستاذا لمادة الموسيقى في مدارسها. شاقني عزفه المتميز والمعبر على العود، فتعلقت به أيما تعلق. واستطاع بتمكنه من الموسيقى العربية، واطلاعه الواسع على مقاماتها، وصوته الجميل، أن يبعث في نفسي من جديد هذه الهواية، وأن يبصرني أكثر بمواقع الجمال فيها، وأن يعمق حبي لها. واتفقنا على أن نلتقي يوم الجمعة من كل أسبوع في سكني. كنت أسجل المقطوعات الموسيقية المقررة بعوده، ثم أعيد عزفها على مسامعه في الأسبوع القادم. وكانت بيروت هي محطتي الأولى في وزارة الخارجية، حيث كنت وزيراً مفوضاً ومساعداً للسفير. وهناك تعرفت على عازف العود الشهير منير بشير. كنت أعجب بعزفه الدقيق، وتحكمه بالريشة، وقدراته الفنية المتعددة، التي تنتقل بك من أجواء هادئة حالمة، إلى أجواء مشحونة بالإثارة، حتى يتحول العود بين يديه إلى ما يشبه الأوركسترا الهادرة والمعبرة عن أشد الانفعالات قوة. وعندما تم نقلي إلى جنيف في أواخر عام 1969 مندوبا دائما في مكتب الأمم المتحدة، وبعد أن استقر بي المقام، تعرفت البروفيسور سيمون جارجي أستاذ الأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة جنيف، وعلى مدى الأيام توثقت هذه العلاقة وصارت صداقة متينة واستمرت حتى اليوم، نظرا لتشابه اهتماماتنا الأدبية والموسيقية. والحق يقال، أنني استفدت كثيراً من علمه الغزير في الموسيقى العربية. وكان يجيد اللغة العربية كأحد أبنائها، بالإضافة إلى اللغة الأم (الفرنسية)، كما أنه يجيد الإنجليزية. وقد أصدر كتابه المعروف (الموسيقى العربية) عام 1971 باللغة الفرنسية. وكان الناشرون الغربيون يعتمدون كثيراً على معلوماته وآرائه في مجال الموسيقى العربية في دورياتهم ومجلاتهم ومراجعهم العامة باللغتين الفرنسية والإنجليزية. وفي أحد الأيام اقترح علي أن نقوم برحلة استطلاعية عن أحوال الموسيقى الإسلامية، وتسجيل الممكن منها لتثبيت مختلف اتجاهاتها. فوافقت على اقتراحه فوراً. وفي أبريل من عام 1973 قمنا برحلتنا الأولى بالسيارة، ابتداء من جنيف وانتهاء بلبنان، مروراً بالأصقاع التركية والسورية. والحقيقة أننا كنا نقصد بشكل خاص مدينة (قونيا) لزيارة متحف المتصوف الإسلامي المعروف جلال الدين الرومي، للاطلاع على ما خلفه من مخطوطات شعرية ومن آلات موسيقية. وبينما كنت والبروفيسور جارجي منهمكين في الاطلاع على مخطوطاته الشعرية، وعلى الأخص مثنويته، وكذلك الآلات الموسيقية التي يستخدمها، فوجئنا بعزف منفرد على الناي، صادر من ضريح جلال الدين الرومي، القائم في وسط المتحف، عن طريق سماعات مثبتة على جانبي القبر، غير ظاهرة للعيان. كان العزف شجياً، حزيناً ومؤثراً هزنا من الأعماق، كما لو كان مرثية لشخص مات تواً. وأصخنا بكل جوارحنا إلى عزف الناي حتى نهايته. ومعروف أن جسد جلال الدين الرومي قائم في قبره، وليس مسجى كما هي العادة. ومن فرط إعجابنا بعزف الناي الشجي، توجهنا إلى مدير المتحف، لمعرفة المزيد عن العازف. واستطعنا عن طريقة تعرف اسم العازف، وعنوانه. واتضح أنه كان صيدلانيا اسمه حسين أوكسوس. ودعوناه إلى الفندق، فلبى الدعوة، واخترنا غرفة هادئة، منعزلة لتسجيل عزف الناي المعبر على آلة الناجرا التي لا تفارقني في رحلاتي. أغاني شعبية أما في رحلتنا الثانية فقد توجهنا إلى البحرين بالطائرة في شتاء 1975، وتمكنا من تسجيل بعض الأصوات والأغاني الشعبية للمرحوم يوسف القوني، المغني البحريني المعروف، وكذلك للمغني آدم عبدالوهاب. ثم قمنا بعد ذلك بزيارة (دار جناح) في المحرق، حيث كان في استقبالنا عدد كبير من البحارة المتقاعدين وعلى رأسهم النهامون: سالم العلان (الكفيف)، وهلال بوخالد وأحمد بوطبنية. وسجلنا لهم (فن زمية وفن مخموس وفن مجيلس وعدساني وحدادي). وأذكر أنني دعوت الموسيقار السوفييتي المعروف خاتشادوريان إلى حفلة عشاء في منزلي بموسكو. وأدرت التسجيل أمامه، فقام من مقعده وتوجه إلى جهاز التسجيل وكله آذان صاغية. وقال بعد أن استمع : إنه تأثر بغناء النهمة، وبجمال الإيقاعات الغريبة عليه، والمصحوبة أحيانا بالتصفيق، وبتناسق أصوات المجموعة التي تشكل خلفية رائعة. وغادرنا بعد ذلك إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي منزل السفير الكويتي ـ وقتها ـ سليمان ماجد الشاهين، الذي عرف غايتنا من الزيارة، وأكرم وفادتنا، أقام لنا مأدبة عشاء دعا إليها المغني المعروف محمد زويد مع عازف المرواس راشد بن سند، وحضر مع زويد المغني السيد خالد، الذي أشجانا بصوته الرخيم، ومن بعض الأغاني التي استمعنا إليها وسجلناها تلك الليلة: لمع البرق اليماني (صوت شامي)، وحشاشة نفس (صوت عربي). أما رحلتنا الثالثة فكانت عام 1976 طرنا فيها إلى عاصمة اليمن (صنعاء)، وكانت غاية زيارتنا تسجيل الأغاني الشعبية اليمنية، ذات الايقاعات المتعددة، وكان السفير الكويتي إبراهيم البحوه كريماً معنا، فدعانا إلى وليمة عشاء، وكان من ضمن المدعوين اليمنيين المغنيان علي أحمد الخضر ومحمد الحارثي، فتمكنت من تسجيل بعض الأغاني اليمنية ذات الإيقاعات المميزة ومنها: الصوت الصنعاني، وايقاع السارع والمطول والوسطي. كما اطلعنا على العود الصنعاني المشهور في زيارة أخرى في دار الشيخ عبدالله شايف زهرة، حيث حضرنا جلسة (قات) عند العصر. واستمعنا في هذه الدار إلى أغاني صنعانية قديمة الإيقاع، من قبل المغني اليمني محمد الحارثي. وفي عام 1973 ألقت بي مقادير العمل إلى موسكو، عاصمة الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهنا يجب التوقف قليلاً، لأن السنين الخمس التي قضيتها في موسكو، أحدثت انقلابا جذريا آخر في حياتي، وأحيت ناحية مهمة قابعة في أعماق الروح، وهي تعلقي بالموسيقى. ولكن أي نوع من الموسيقى أستمع إليه هنا? إنها من النوع الراقي الذي يجمع بين الفن والعلم والتجربة. وأتيحت لي الفرص لمشاهدة الأعمال الأوركسترالية العظيمة في مسارح البولشوي والكرملين وتشايكوفسكي وغيرها. بهرني بالذات، هذا التعاون التام بين أعضاء الأوركسترا، واستجابتهم لإشارات المايسترو بانتباه ووعي ونظام. هذا إلى جانب ما أسمعه من تراكيب موسيقية مركبة لم أتعودها، والتي أبدع فيها المؤلف الموسيقي، بما بذله من جهد عظيم في اختيار نسيجها الموسيقي، المبني على قواعد، وعلى ذوق، وعلى خبرة واسعة. وبهرني أيضا هذا الاستثمار الذكي للمساحة الفسيحة المتيسرة في الآلات الموسيقية في الأوركسترا، فمن آلات حادة، يرتفع مداها إلى الأعلى، كاليكولو والفلوت، إلى آلات ينخفض صوتها كالتيوبا والكاونترباص. هذا إلى جانب توظيف آلات الإيقاع وهي متعددة لخدمة الأفكار الموسيقية. تراث وتقنيات وطرأت على بالي فكرة، وألحت علي مع الأيام، حتى ترسخت في الذهن. هل من الممكن أن ننقل إلى الغرب في المستقبل، موسيقانا المطورة، عن طريق أوركسترا عربية قادرة على نقل روح موسيقانا، ذات الشفافية الروحية، بشكل متقن وراق? ولكن كيف الطريق? وما الوسائل? واقتنعت في داخلي بأن أبدأ بنفسي رغم تقدم السن، وعدم وجود خلفية موسيقية لدي. وقد تعودت دائما أن أسبح ضد التيار إذا ما تملكني الشعور بسلامة رأيي، يؤيدني في ذلك استعداد فطري، وحب للموسيقى، وعزيمة صادقة. وقررت أن أبدأ من الصفر. وأن أتعلم النوتة الموسيقية، وأن أكتب بها، وأن أغتنم فرصة وجودي في موسكو حيث تتوافر الإمكانات لدراسة الهارموني والبولوفوني والتأليف الموسيقي وما يتطلبه من تقنيات لابد منها في العمل السيمفوني. كنت أصحو والناس نيام، لأؤدي واجباتي الموسيقية، كأي طالب مجد قبل أن أتوجه إلى مكتبي لمزاولة أعمالي الدبلوماسية. وقد عاهدت نفسي منذ البداية على ألا تؤثر هوايتي الموسيقية المتمكنة في قلبي على عملي الرسمي. وقد وفيت بهذا العهد والحمد لله. وعلى مدى السنوات الخمس التي قضيتها في موسكو، تعرفت خاتشا دوريان المؤلف الموسيقي الكبير، والمعروف عالميا. بل إنني حضرت بعض دروسه. كان ديكتاتورا في مهنته الموسيقية. لا يجامل، أو يتنازل عندما يكتشف خطأ ما عند طلابه. وكان طلابه يحسبون له ألف حساب. وقد تمخضت جهودي الأولى في تأليف موسيقى وطنية قائمة على المقطوعة الشعرية للمرحوم أحمد مشاري العدواني (يا دارنا يا دار)، والتي لحنها الموسيقار رياض السنباطي. وقد ساعدني البروفيسور ميخائيلوف في التوزيع الموسيقي، وتم تسجيلها في استديو الإذاعة والتلفزيون في موسكو بتاريخ 13/9/1977 من قبل الأوركسترا السيمفوني للراديو والتلفزيون بقيادة المايسترو فلاديمير فيدوسييف. إلى البرازيل وعندما تم نقل خدماتي من الاتحاد السوفييتي إلى البرازيل عام 1978، كانت الأسس السليمة قد ترسخت في ذهني، مما ساعدني على مواصلة مهمتي الموسيقية، فعندما استقر المقام بي في برازيليا، عاصمة الاتحاد الفيدرالي للبرازيل، اتفقت مع أستاذ من أصل إنجليزي، كان يدرس في كلية الموسيقى في برازيليا. وعن طريقه استطعت أن أواصل ما سبق وأن بدأت به من هارموني وألحان معارضة وتقنيات موسيقية أخرى تعينني في التأليف الموسيقي. وكالعادة، اخترت مساء الجمعة من كل أسبوع، لتلقي الدروس، وذلك لكي أستفيد من يومي السبت والأحد في القيام بواجباتي الموسيقية، إضافة إلى استلهام أفكار جديدة وكتابتها بالنوتة، ثم التخطيط لتنظيمها في إطار ما تعلمته من مهارات فنية في جمل موسيقية مركبة ومتناغمة. وأذكر أننا دعينا إلى افتتاح مسجد في بونتاجروسا، وهي ثاني أكبر مدينة في ولاية بارانا، ويقطنها الكثير من المهاجرين العرب، وكنت ضمن وفد من السفراء العرب. وفي إحدى الأماسي في بونتاجروسا، دعانا رئيس البلدية إلى حفل موسيقي، وصادف وجودي بجانب مقعد مدير الأوركسترا وهو جوزيف القنواتي، من أصل عربي سوري. وفي مجرى الحديث العام عن الموسيقى، ذكرت له أن لدي محاولات في التأليف الموسيقي، فانشرح صدره وقال: إننا في شوق لعزف موسيقى عربية مطورة، وطلب مني إرسال النص الموسيقي، وإن لم تخني الذاكرة، كان ذلك في أبريل من عام 1981، وواصل حديثه قائلاً: إننا في نوفمبر القادم سنقيم حفلاً موسيقيا، فإذا أرسلت ما لديك من موسيقى، كان لدينا الوقت الكافي للاطلاع عليها وتنفيذها، ويمكن أن تحضر هذه المناسبة. وبعد عودتي إلى مقر عملي في برازيليا، أرسلت إليه النص، وكان تحت عنوان (عود على بدء) وقد غيرته فيما بعد ليصبح (الخضوع للقدر). واطلع عليه المايسترو (هاس) وكان من أصل ألماني، وقبله. إلا أنني راجعت القطعة الموسيقية فيما بعد مع أستاذي الإنجليزي، وأضفت إليها آلات أخرى، وبعض اللمسات الفنية التي رأيت من المناسب إضافتها، ثم جعلتها الحركة الأولى لعمل سيمفوني مكون من ثلاث حركات سميته (رحلة حياة)، في ذكرى صديق عزيز قريب، اختطفته أيدي المنون وهو في مقتبل العمر. وعندما أتيحت لي فرصة إعادة تسجيل هذا العمل السيمفوني في لندن خلال مارس 1998، كنت قد راجعته بحكم ما اكتسبته من خبرة في العمل الأوركسترالي، كما أضفت إليه حركة رابعة، وأصبح بذلك متكاملا حسب رأيي الخاص. وتجمع لدي، بعد فترة من الزمن، عدد من الأعمال السيمفونية التي كتبتها بتأن، ومراجعة مستمرة من قبلي، ومن قبل أستاذي الإنجليزي الذي كان خبيرا في التحليل الموسيقي. كان يطلعني على أخطائي الفنية، فأبادر إلى تصحيحها، كما أنه يوجه مسيرتي بالذات في الألحان المصاحبة، وفي الهارموني، ويبصرني بعمليات الإبداع في بعض الأعمال الموسيقية العظيمة، وبالذات لبتهوفن وتشايكوفسكي. ودفعني النجاح إلى أن أقوم بعمل سيمفوني أكثر طموحا ولأوركسترا متكاملة. وبدأت بهذا العمل المحفوف بالمخاطر، والذي استغرق مني أكثر من ثلاث سنوات، في عمل متواصل ساعات الصباح الأولى، وأيام العطل والإجازات وأحيانا في المساء حينما يخلو برنامجي من أي ارتباطات رسمية. كنت مدفوعا بقوة خفية، أبتدع اللحن ثم أعيد النظر فيه بعد فترة، مبدلا، مغيرا حتى ترتاح نفسي لترتيبه المنطقي، فأبدأ في توزيعه على آلات الأوركسترا، ثم أعرضه على أستاذي الإنجليزي، فيبدي ملاحظاته الف نية التي آخذها بعين الاعتبار. ويساعدني في كثير من الأحيان في تنظيم الخلفية الموسيقية، وأحيانا يتفتق ذهني عن لحن جديد مناسب، أثناء بلورة اللحن الأساسي، ومحاولة كسائه، فأسجله بالنوتة قبل أن أنساه، وأثمرت هذه الجهود، بعد صبر وعناء عملا سيمفونيا من ثلاث حركات أطلقت عليه (السباحة ضد التيار). وعرضت ما لدي على المايسترو دي كارفاليو. وبعد أن درس العمل، أقره، وأبدى استعداده لتنفيذه. ولكن لابد في هذه الحالة من موافقة المؤسسة الثقافية للراديو والتلفزيون في البرازيل، ومقرها سان باولو. وبعد مراسلات مع المسئولين في هذه المؤسسة الحكومية، وعلى رأسهم (لويس)، المدير المالي للمؤسسة، وهو نفسه شاعر معروف، وافقت المؤسسة على تنفيذ العملين السيمفونيين، (رحلة حياة)، و(السباحة ضد التيار) بحركاتهما الثلاث، في أبريل عام 1985، وأبدت المؤسسة استعدادها لعرض هذه الأعمال في محطات الراديو والتلفزيون التابعة لها في البرازيل. أما بالنسبة لتكاليف تسجيل هذه الأعمال على فيديو كبير فتبلغ (5000 ORTN)، وهو ما يعادل في لغة الأرقام 800،37 دولار أمريكي. وكتبت بهذا العرض إلى وزير الإعلام آنذاك معالي الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح، الذي أجاب مشكورا بالموافقة. وفي 7 أكتوبر من عام 1985 تم تسجيل (رحلة حياة) بحركاتها الثلاث، في حفل حي بمسرح الفن والثقافة في مدينة (سان باولو)، وقوبلت الموسيقى باستحسان كبير، وقالت لي شخصية بارزة في المجتمع البرازيلي من أصل عربي إنه اهتز تأثرا عند سماع هذه الموسيقى، التي تذكره بانتمائه العربي. أما العمل السيمفوني الآخر (السباحة ضد التيار)، فقد تم تسجيله في استديو المؤسسة الثقافية في شهر يونيو 1985 من دون جمهور، وبقيادة المايسترو دي كارفاليو. ووصلتني رسائل فيما بعد تمتدح هذه الأعمال السيمفونية، ومنها قصيدة للشاعرة البرازيلية (تريزي دي جودوي). وبينما كنت أعد نفسي للانتقال من البرازيل إلى الهند عام 1986 حيث تقرر نقل أعمالي إليها، تسلمت رسالة من ابني معن، في الولايات المتحدة الامريكية، والذي يعرف عشقي للموسيقى، ذكر لي فيها أن هنالك اختراعا جديدا في عالم الموسيقى، يتيح لك كتابة النوتة على الكمبيوتر، لأي آلات موسيقية تراها، وأنه عن طريق (الميدي) أو (الواسطة) التي توصل بين الكمبيوتر والأورج أو (Synthesizer)، فإن الكمبيوتر يستطيع التمييز بين الآلات الموسيقية التي تحمل كل منها رقماً يشير إليه، ويحوله إلى أصوات مسموعة عن طريق السماعات. ولم أصدق بادىء ذي بدء، وبدا لي الأمر كالسحر، وطلبت من ابني تفاصيل أكثر مطبوعة، مع العناوين اللازمة. وجاءني الرد بأن المصنع موجود في بوسطن، وأنه سيكون هناك في التاريخ الذي أحدده، إذا توافرت لدي الرغبة. وهكذا قررت أن ازور بوسطن قبل توجهي إلى الهند، لرؤية المصنع عن كثب، ودراسة إمكان تشغيلي لهذه الآلات الإلكترونية واستعدادي لدفع الثمن مهما كان باهظا. وسكنت في أحد الفنادق القريبة من المصنع في بوسطن، مع ابني معن، الذي سبق أن عاش أيام دراسته في أمريكا. وكان قد استأجر سيارة، مما سهل لنا مهمة تنقلاتنا إلى المصنع، وإلى غيره. وعندما شاهد المسئولون في المصنع رغبتي الأكيدة في امتلاك هذه الآلات الإلكترونية، قرر تزويدي بها في غرفتي بالفندق، وأرسل بعض خبرائهم لتلقيني الدروس الأساسية في تركيب وتشغيل هذه الآلات. وبعد قضاء حوالي عشرة أيام، بدأت فهم المبادىء الأولى في كيفية استخدامها. وقررت شراءها. وكانت فعلا باهظة الثمن. ولكن هذا يهون في سبيل امتلاك ما يشبه الأوركسترا في سكني. احتفاء بالفن أما في الهند التي قضيت فيها خمسة أعوام، فكانت لي تجربة أخرى مع الموسيقى، وهي مختلفة تماما عن تجاربي السابقة. والحقيقة هي أن الموسيقى الهندية، ترتكز على أسس سليمة يتوارثها الأبناء عن الأجداد. إن عازف أي آلة موسيقية هندية متوارثة يعكف على التدريب ساعات وساعات، ليعود أصابعه العزف السليم لكي يتمكن بالتالي من نقل أحاسيسه على الآلة الموسيقية التي اختارها. وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم الموسيقى الهندية، على الأخص الراج الهندي، الذي يتميز بقالب موسيقي معروف لدى الهنود. فاتفقت مع عازف سيتار بارز هو (بيدي سنج)، على أن أتلقى دروسا في الموسيقى الهندية مساء كل جمعة. وقد لاحظت تشقق أصابع (سينج) وتصلب أطرافها من فرط التدريب الذي قد يمتد إلى خمس ساعات أو أكثر كما قال لي. كنت أصغي إلى ما يعزفه، ثم أكتبه بالنوتة الغربية التي تعلمتها. وأحاول عزف ما أكتبه على العود للدرس القادم. وكان أغلب تركيزي منصبا على موسيقى (الراج الهندي). وحينما حان وقت التقاعد عن العمل الرسمي عام 1994 وآن الأوان لعودتي إلى الكويت، وصار الوقت ملك يدي، عاد شوقي إلى الكتابة الأوركسترالية وبادرت إلى شراء آلات موسيقية أكثر تطورا مما سبق، وباشرت العمل، وبعد دروس قليلة بدأت معالم الطريق تتضح شيئا فشيئا، واستطعت بعد زمن قصير أن أواصل الأمور بنفسي، وبدأت في مراجعة العملين القديمين السابقين (رحلة حياة) و(السباحة ضد التيار)، وكتبتهما على الكمبيوتر من جديد، مصححا أحيانا، مضيفا أحيانا أخرى، وكتبت الحركة الرابعة لكل من هذين العملين السيمفونيين. وفي عام 1995 وبمناسبة الاحتفالات بمهرجان القرين الثاني الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت دعيت الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان في بولندا إلى الكويت للمشاركة في هذه الاحتفالات، وكان من ضمن ما قدمته أوركسترا الأكاديمية، عملان سيمفونيان هما: (الطموحات المبكرة) و(السراب). وفي عام 1998، وبمناسبة العيد الوطني لدولة الكويت، وبالتعاون مع الأمين العام للمجلس الوطني الدكتور سليمان العسكري تقرر إقامة حفل موسيقي في لندن في القاعة الموسيقية لسان جون. وكان من ضمن الأعمال السيمفونية التي قام بأدائها الاوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني المعروف، (رحلة حياة) بحركاتها الاربع، وكذلك (نبض حالم)، والتي كان العود فيها الآلة الرئيسية، وقام بأدائها ابراهيم طامي، المدرس في المعهد العالي للموسيقى بالكويت وكنت قد عرضت على البروفيسور ستانلي جلاسر هذه الأعمال السيمفونية، قبل إرسالها إلى أعضاء أوركسترا فريق موزارت اللندني، الذي أبدى ملاحظات فنية قيمة، أخذتها بعين الاعتبار. وقام المجلس الوطني بإصدار أسطوانتي ليزر. وكانت الأسطوانة الأولى تشتمل على: (1) رحلة حياة بحركاتهـا الأربع، (2) نـبـض حالم، (3) سيمفونية التحرير بحركاتها الثلاث والسبق أن قدمتها الأوركسترا السيمفوني للأكاديمية الملكية للموسيقى في قاعتها في حفل عام في يناير .1994 أما أسطوانة الليزر الثانية فقد اشتملت على (السباحة ضد التيار) بحركاتها الأربع، والتي استغرقت 53 دقيقة، وسجلت في قاعة سان جون من دون جمهور. وكان قائد الأوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني هو سيمون ماكفيه، رئيس قسم الموسيقى في كلية جولد سميث التابعة لجامعة لندن، وهو أستاذ محاضر في الكلية، وعازف كمان من الدرجة الأولى. أعمال سيمفونية وفي عام 2000 كان قد تجمع لدي أعمال سيمفونية أخرى كتبتها على الكمبيوتر وهي: (1) انعتاق، (2) تساؤلات في الداخل، (3) دوافع خفية، (4) لحظات سكينة، بالإضافة إلى عملين تراثيين للموسيقار الموهوب المرحوم عبدالله الفرج وهما: (الحمد لمن قدر خيراً وجمالاً)، و(ملك الغرام عنا ليَّ). وقد رأيت تقديمها بأداء سيمفوني جديد إحياء لذكرى هذا الفنان المبدع. وصادف أن قابلت السفير البولندي في إحدى الحفلات الروتينية، وجرى الحديث عن الموسيقى، وعرضت عليه فكرة تسجيل هذه الأعمال السيمفونية من قبل الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان. فوعدني بالكتابة إلى رئيس الأكاديمية ريتشارد جيماك ليرى رأيه. وبعد فترة من الزمن جاء رد البروفيسور جيماك، طالبا النوت الموسيقية للاطلاع عليها. وقد سبق للبروفيسور جيماك أن رافق الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان عند حضورها إلى الكويت عام 1985، وكانت لديه فكرة عامة عن إمكانياتي الموسيقية. وبعد أن اطلع على النصوص الموسيقية، واستمع إلى التسجيل من الكمبيوتر الذي أرسلته إليه، جاءني الرد بالقبول، وتطوع أن يقود الاوركسترا بنفسه. وبعد مراسلات معه، تم تحديد الموعد في شهر يوليو من عام 2000، وطرت إلى وارسو، وحضرت التدريبات والتسجيل. ووعدت شركة (DUX) التي تولت التسجيل بتزويدي بأسطوانات الليزر حالما تنتهي إجراءات الدبلجة، وإتمام طبع التعليقات على الموسيقى باللغتين: العربية والإنجليزية. أما الخطوة التالية، التي اعتبرها أكثر جرأة وتطورا، فهي تأليف مقطوعات موسيقية عربية استخدمت فيها ربع التون، من مقامات عربية معروفة من رصد وبيات وهزام وصبا.. إلخ.. وقد سهل لي هذه المهمة الأورج الشرقي الذي اخترعته اليابان. وعلى مدى حوالي السنوات الثلاث الأخيرة، تجمع لدي مقطوعات موسيقية ألفتها من مقامات عربية، لأوركسترا سيمفوني عربي ليست موجودة أصلا. وهي: (1) لمسات عاطفية، (2) عطر من الماضي، (3) في هوى بدري وزيني، مستوحاة من أغنية قديمة للموسيقار والشاعر الموهوب المرحوم عبدالله الفرج، (4) رؤى تصوفية. كما ضمت هذه المجموعة عملاً سيمفونيا تحت عنوان (ذكريات مبكرة) مكون من أربع حركات هي: الحركة الأولى: انفعالات غامضة، الحركة الثانية: صراع في الداخل، الحركة الثالثة: احتجاجات مكبوتة، الحركة الرابعة: آمال. إن كل أملي أن تتمكن هذه الموسيقى، ذات المذاق العربي الصرف، من أن ترى النور قريبا، لأنني بصدد محاولة تنفيذها في القاهرة، ويمكن اعتبارها استمرارا لعملية تطوير الموسيقى العربية، على أسس علمية سليمة، تاركة المجال لجيل الشباب القادم من الموسيقيين الموهوبين، الطموحين، للمضي في الطريق إلى نهايته القصوى. حتى تصبح لدينا موسيقى عربية عالمية، بأداء سيمفوني سليم. لم أعرف يوسف إدريس (1927-1991)* بشكل شخصي طوال الخمسينيات والستينيات. ذلك على الرغم من أنني قرأت له كل ما نشره في هذه الفترة من مجموعات قصة قصيرة وروايات, ابتداء من (أرخص ليالي) مجموعته الأولى التي نشرها سنة 1954 حتى نهاية أعماله. لاأزال أذكر كيف كنت أحصل على أعمال يوسف إدريس التي جذبتني إليها منذ الخمسينيات, وكنت أجد بعضها في مكتبة المدرسة, وبعضها الآخر على عربة عم كامل ومساعده طلعت قنديل ثم محمد أبي العلا. وكان عم كامل - رحمه الله - يبيعني النسخ المرتجعة من سلسلة الكتاب الذهبي والكتاب الفضي وغيرهما من السلاسل بقرشين أو ثلاثة على الأكثر, وكنا نتبادل هذه النسخ في مدينة المحلة الكبرى التي شهدت صباي البعيد, والتي تعرفت فيها على المجموعة التي صار أفرادها كتابا كبارا: محمد صالح ونصر أبو زيد وسعيد الكفراوي وأحمد عسر, رحمه الله, ورمضان جميل ثم فريد أبو سعدة وجار النبي الحلو والمنسي قنديل وغيرهم من الذين تبادلت وإياهم أعمال يوسف إدريس الأولى: وتناقشنا حولها, وتعلقنا به بوصفه نموذجا لكاتب القصة القصيرة التي سرعان ما حاكاه بعضنا الذين مضوا في طريق القصة القصيرة. وعندما دخلت جامعة القاهرة, وجمعتني سنوات الجامعة الأولى بالأقران المشغولين بالحياة الثقافية, خصوصا الذين أدركتهم حرفة الأدب, ازددت تعلقاً بيوسف إدريس, أولا: لأنه كان يواصل كشوفه الرائعة في فضاء الكتابة السردية, ويضيف إليها جسارته التي ظهرت في مقالاته التي كنا نتابعها بشغف في الجرائد السيارة. وفي هذا السياق, عرفت الكثير عن حياة يوسف إدريس, وذلك ضمن دائرة الاهتمام بكاتب كبير لم يكف عن تفجير القضايا واقتحام المواقف الصعبة, ولم يرض عنه اليمين قط, وظل على خلاف مع بعض فصائل اليسار التي لم تغفر له ما رأته سقطات, حتى بعد موته, على نحو ما نرى في كتاب فاروق عبدالقادر (البحث عن اليقين المراوغ: قراءة في قصص يوسف إدريس) الذي صدر ضمن سلسلة كتاب الهلال في أغسطس سنة 1998. وأتصور أن اهتمامي بإبداع يوسف إدريس وشخصه, خصوصا بعد أن أصبحت معدودا من معارفه ثم أصدقائه منذ السنوات الأخيرة للسبعينيات, هو الذي دفعني إلى متابعة ما كتب عنه باللغة العربية أولا, وباللغة الإنجليزية ثانيا, الأمر الذي قادني إلى قراءة كتب لمؤلفين ومؤلفات من أمثال نادية رؤوف فرج: يوسف إدريس والمسرح العربي الحديث - القاهرة 1976, وعبدالحميد القط: يوسف إدريس والفن القصصي - القاهرة 1980, وناجي نجيب: الحلم والحياة في صحبة يوسف إدريس - القاهرة 1985, وعبدالعزيز محمود: يوسف إدريس والتابو - القاهرة 1986. وأضيف إلى ما ذكرت غيره من الكتب العربية التي لاتزال تصدر, جنبا إلى جنب الكتابات الأجنبية التي يبرز من بينها ما كتبه ساسون سوميخ الإسرائيلي, وروجر آلان البريطاني الأصل الأمريكي النشاط, وكربر شويك الذي كتب كتابا متميزا عن الإبداع القصصي عند يوسف إدريس. وكنت أوّل من عرّف بهذا الكتاب بترجمة بعض فصوله في عدد (القصة القصيرة) الذي أخرجته مجلة (فصول) وكنت - في ذلك الوقت - أعمل نائباً لرئيس تحريرها الدكتور عز الدين إسماعيل. خبرات متراكمة وبالطبع, عرفت في سياق اهتمامي بالكاتب المبدع الذي لاأزال على إعجابي بكتاباته, أنه ولد في التاسع عشر من مايو سنة 1927 بقرية البيروم - مركز فاقوس بمحافظة الشرقية, وتلقى دراساته الابتدائية في مدينة فاقوس التي تتبعها قريته إداريا, وفرضت عليه تنقلات والده الذي كان يعمل باستصلاح الأراضي التنقل ما بين المدارس الثانوية لمدن الدلتا: دمياط والزقازيق والمنصورة وطنطا, إلى أن حصل بتفوق على شهادة إتمام الدراسة الثانوية سنة 1947, وكان ترتيبه الثالث عشر على مستوى كل طلاب القطر المصري في ذلك الوقت, وأتاح له مجموعه المرتفع الدخول إلى كلية الطب التي كانت تموج بالنشاط الثوري, ولليمين واليسار حضور قوى فيها, فجذبته المجموعات اليسارية بواسطة من سبقوه إلى اليسار وإلى كتابة القصة القصيرة في الوقت نفسه, فتفجّرت موهبته الإبداعية في موازاة ممارساته اليسارية, سواء في المظاهرات ضد الاستعمار, أو تولي مسئولية السكرتير التنفيذي للجنة الدفاع عن الطلبة. وكان ذلك في السنة الأخيرة من دراسته بالكلية التي تخرج منها طبيبا واعدا. ومثقفا يساريا مناضلا, وكاتب قصة قصيرة انضم إلى القافلة التي استهلها سلفه الروسي أنطون تشيكوف (1860-1904) الذي تأثر به يوسف إدريس, وتعلم منه أن أول الإبداع الحقيقي هو تمثل الميراث العالمي للقصة من منظور الهوية الوطنية, والإبداع الجسور بما يعيد تجسيد هذه الهوية وتقديمها بما يلقي الضوء على أصالتها ولا يتردد في الكشف عن سلبياتها. وأتاحت الحياة العملية ليوسف إدريس مادة وفيرة لكتاباته التي عرفناه بها طوال الخمسينيات والستينيات, فقد عرف تجربة السجن لأكثر من سنة بعد صدور مجموعته الأولى (أرخص ليالي) فأفاد من التجربة, كما أفاد من رفقة اليسار في جريدة (المصري) التي سرعان ما أغلقتها يوليو 1952 في توجهها المعادي للديمقراطية, وتقلبت به المهنة الطبية ما بين طبيب امتياز في القصر العيني, وطبيب تراخيص للمحلات العامة ببلدية القاهرة, وطبيب عمال النظافة بوزارة الأشغال, ومفتش صحة بكل من الدرب الأحمر والسيدة زينب وحلوان ومصر القديمة والجديدة على السواء, الأمر الذي أتاح له ذخيرة بالغة الغنى من الخبرات الإنسانية على كل المستويات التي اتصل بها, والتي عرفها طبيبا ومثقفا ومناضلا, فظهر أثر ذلك في الكتابة التي اهتمت باعتقال المثقفين وعمليات تعذيبهم في السجون الناصرية, ثم الساداتية, وحياة المناضلين المليئة بالمفارقات والتناقضات والتمزقات, وغاصت هذه الكتابة في تفاصيل حياة الفقراء والبسطاء, كما عرفت ضباط الجيش الوطنيين, والحراك الاجتماعي بين الطبقات في كل من القرية والمدينة, حيث يتكرر معنى العيب والحرام في أرخص الليالي التي لم تخل, قط, من لغة الآي آي, أو من سياط العسكري الأسود, أو حضور البطل الذي يتحدى قدره ويمضي إلى آخر الدنيا. علاقة الحب والكراهية وكان من الطبيعي أن يكتب يوسف إدريس, النجم الصاعد منذ الخمسينيات, في جرائد الثورة ومجلاتها, بعد خروجه من المعتقل, وبعد قراره التخلي عن العمل السري والانصراف إلى الكتابة التي رأى فيها وسيلته المثلى والوحيدة في مقاومة ما يراه باطلا وظلما وزيفا, وهو قرار أدى إلى الاصطدام بالرفاق القدامى الذين اتهموه بالتقرب إلى السلطة السياسية مقابل السماح بالكتابة في جرائد الدولة ومجلاتها. وكانت البداية مجلة (التحرير) التي سرعان ما أغلقت, ثم جاءت (روز اليوسف) و(الجمهورية) بعدها. وفي (الجمهورية) توثقت الصلة بأنور السادات الذي توسط لانتدابه من وزارة الصحة إلى وزارة الثقافة, ومن وزارة الثقافة إلى المؤتمر الإسلامي الذي كان يتولاه السادات, وظل هناك إلى أن طرد منه بسبب مقال شهير عن (الاتحاد القومي). ولكن سرعان ما تصالح يوسف إدريس والدولة, وأثمر الصلح تعيينه كاتباً في جريدة (الأهرام) وكانت أولى قصصه المنشورة (سنة 1969) هي قصة (الخديعة) التي كانت تهكما مريرا من الحضور الطاغي المخيف لجمال عبدالناصر الذي رمزت له القصة برأس جمل يظهر للبطل في كل مكان, ويطارده في كل مكان. وأدّت القصة الرمزية إلى فصله من (الأهرام) الذي سرعان ما عاد إليه بعد مصالحة مع الدولة, ولكنه لم يكف عن المشاغبة وإنطاق المسكوت عنه بواسطة الكتابة الرمزية, وذلك في السياق الذي انتهى بموت عبدالناصر الذي ارتبط به يوسف إدريس بنوع من التضاد العاطفي الذي يجمع بين الحب والكره, الإعجاب والنفور, شأنه في ذلك شأن كثير من كتّاب جيله الذين هاجموا عبدالناصر - رمزيا على الأقل - طوال حياته, وبكوا عليه بكاء حاراً كشف عن حبّهم الدفين بعد وفاته. ولا غرابة - والأمر كذلك - في أن يكون يوسف إدريس الذي كتب (العسكري الأسود) (1961) لمهاجمة المعتقلات الناصرية وأتبعها بقصص من مثل (مسحوق الهمس) و(العملية الكبرى) وغيرهما من القصص التي تتحدث عن المعتقلات الناصرية كما تحدث عن نتائج تسلط القيادة أو سقطاتها, أقول: لا غرابة في أن يكون يوسف إدريس الذي هاجم عبدالناصر أعنف الهجوم بقصصه الرمزية هو نفسه يوسف إدريس الذي يكتب في (الأهرام) بعد رحيل عبدالناصر, مناجيا الزعيم الخالد بقوله: (يا أبانا الذي في الأرض - يا صدرنا الحنون الكبير), ويتابع النبرة نفسها قائلا: (أصبحت الدنيا لأول مرة بلا عبدالناصر, ونحن لم نتعود أبدا أن نتنفس هواء لا يتنفسه هو, ولا أن ننام إلا ونحن نحس أنه هناك في كوبري القبة, ولا أن نستقبل الصباح إلا على صورة له وابتسامة). زمن السادات وقد ظلت علاقة يوسف إدريس بالزمن الساداتي علاقة شد وجذب, حاول الطرفان الإبقاء على شعرة معاوية, وذلك بما أتاح لجسارة الكاتب أن تواصل تعريتها لكثير من السلبيات إلى أن توفي السادات في أكتوبر 1981, على أيدي الجماعات التي رعاها ليقمع بها اليسار القومي والناصري والماركسي على السواء. ولم يكف يوسف إدريس عن مشاكساته وتقلباته, طوال السنوات التي عاشها في زمن مبارك, فأخرج قنبلته المدوية (البحث عن السادات) سنة 1983, فأقام الدنيا ولم يقعدها, وتصدت له الأقلام الساداتية التي هاجمته أعنف هجوم, ومنع (الأهرام) كاتبه الكبير - يوسف إدريس - من نشر ردوده على الحملات الشرسة المضادة, فاضطر إلى أن ينشر في جريدة (الأحرار) خطابا موجها إلى الرئيس مبارك بعنوان (أشكو إليك منك) وانتهى الخصام بالمصالحة كالعادة, ولم تتوتر العلاقات بسبب الخصومة مع وزير الثقافة عبدالحميد رضوان, أو مع الشيخ الشعراوي, وإن كان كل خصومة منهما شغلت الدنيا والناس. هكذا, كانت صورة يوسف إدريس الإشكالية تتشكل في مخيلتي حتى قبل أن أعرفه شخصيا, وذلك بفضل المعارك التي خاضها والعواصف التي أثارها والمواقف التي اتخذها. وأذكر بدايات تشكل هذه الصورة بأربعة ملامح. أولها ما عرفته من أنه انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال, واشترك معهم في بعض العمليات العسكرية لمعارك الاستقلال, وأنه بقى مع المقاتلين في الجبال لستة أشهر إلى أن أصيب, وكسرت ساقه, فأهداه الجزائريون وساما رفيعا تقديرا لإسهامه بالكلمة والفعل في تحرير الجزائر. وكان ذلك في السياق الذي اشتعل فيه الوجدان القومي بالغضب على الاستعمار الفرنسي في الجزائر, وتعاطف القوى الوطنية مع نضال الأبطال الجزائريين في بلد المليون شهيد. وهو السياق الذي شهد فيلم يوسف شاهين (جميلة) سنة 1958, تعبيرا عن التعاطف القومي اليساري مع النضال الجزائري للتحرر من الاستعمار. الجائزة المشبوهة ويرتبط الملمح الثاني بسنة 1965 التي تخرجت فيها من الجامعة, والسنة اللاحقة التي شهدت نهاية قصة مجلة (حوار). وهي مجلة بيروتية, صدرت عن الدار نفسها التي نشرت مجلة (شعر) البيروتية, وقد سعت المجلتان إلى تبني حركة طليعية ليبرالية, ومضت في اتجاه قادها إلى الصدام مع القوى القومية التي كانت تمثلها في لبنان, في ذلك الوقت, مجلة (الآداب) التي صدرت سنة 1953, ورأس تحريرها سهيل إدريس, مؤكدة البعد القومي للأدب الطليعي الجديد لجيل نازك الملائكة وصلاح عبدالصبور وأحمد حجازي وغيرهم, مصطدمة مع مجلة (شعر) التي صدر عددها الأول في شتاء 1957. وكانت مجلة (حوار) آخر إصدارات المجموعة نفسها, في اندفاعها الليبرالي المستفز للمجموعات القومية التي تمثلها مجلة (الآداب) وغيرها من المجلات المشابهة. وقد أعلنت المجلة عن جائزة كبيرة تمنح لأبرز الكتاب العرب, وقررت منح جائزتها ليوسف إدريس الذي قبل الجائزة, وأجرى حوارا مع مراسلها في القاهرة: غالي شكري. وما إن أعلنت المجلة عن الجائزة حتى ثارت الأقلام القومية فاضحة ارتباط القوى الاستعمارية بالمجلة, وكشفت عن مصادر تمويلها التي كان على رأسها (المنظمة العالمية لحرية الثقافة) التي ثبت أنها غطاء ثقافي لنشاط حلف الأطلنطي الذي قام بتمويلها ضمن سياق تمويل المخابرات الأمريكية للحرب الثقافية الباردة المضادة للقوى الاشتراكية وحلفائها بين قوى التحرر الوطني على امتداد العالم كله. (وقد تكشفت خبايا هذه الحرب في كتاب ف.ن. سوندرز (الحرب الثقافية الباردة) الذي ترجمه ترجمة متميزة طلعت الشايب, وأصدره المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة سنة 2002) وعندما تكشف الجانب السلبي لجائزة (حوار) وعلاقة المجلة بالقوى الاستعمارية, وأصبح ذلك حديث آلاف المثقفين الوطنيين والقوميين, قرر يوسف إدريس الاعتذار عن الجائزة ورفضها, تضامنا مع الموقف القومي العام المعادي لتوجهات المجلة التي سرعان ما أغلقت بعد ذلك بسنوات معدودة من افتضاح أمرها. وقد كافأت القوى الوطنية يوسف إدريس على موقفه, واحتفى به الجميع. وقرر الرئيس جمال عبدالناصر صرف مبلغ الجائزة له. وبالفعل, استدعى سامي شرف - سكرتير الرئيس والرجل القوي في النظام الناصري - يوسف إدريس, وتولى تسليمه ما يعادل قيمة الجائزة التي كانت عشرة آلاف ليرة لبنانية, تساوي ألفين وخمسمائة جنيه مصري في ذلك الوقت الذي كان الجنيه المصري ثروة صغيرة لأمثالنا من خريجي الجامعة. وكان مرتبنا في السنة الأولى من عملنا حوالي ستة عشر جنيها بالتمام والكمال. وكان يوسف إدريس خارجا من عاصفة مسرحيته (الفرافير) 1964 التي انتهت معركتها نهاية مظفرة, خصوصا بعد أن ثار فيها يوسف إدريس على القالب المسرحي الأوربي, بادئا من حيث انتهى برتولت برخت (1898-1956) في مسرحه الملحمي الذي شهدنا منه (دائرة الطباشير القوقازية) ثم (الأم شجاعة وأولادها), وقد كانت المسرحية تجسيدا للآراء التي ذهب إليها في مجلة (الكاتب) بعنوان (نحو مسرح مصري), والتي دعا فيها إلى هجر القوالب المستوردة, وصياغة قوالب مسرحية نابعة من هويتنا وتراثنا, تطويرا للتراث الشعبي كالسامر وحلقات الذكر والكوميديا المرتجلة. ولذلك كان الفرفور شخصية شعبية, ماكرة, مرحة, فهلوية, مطحونة, خفيف الظل وسليط اللسان. ورغم أن المسرحية كانت تحولا عن اتجاه الواقعية وانقلابا عليه, في تأكيد العلاقة الأزلية بين السيد والعبد, فإنها حققت نجاحا مدويا. دفاع عن لغة الفن ويقترن الملمح الثالث في ذاكرتي بلغة الكتابة الأدبية. وكان ذلك سنة 1965 التي تخرجت فيها, والتي صدر فيها كتاب لويس عوض (1915-1920) (مذكرات طالب بعثة) الذي كتبه سنة 1942 باللغة العامية, وضاع منه لسنوات طويلة, وظل مجهولا إلى أن أصدره أديب سكندري باسم مستعار - (كناري) فأثار نشر الكتاب ضجة كبيرة لصراحته في الكشف عن حياة طالب بعثة في إنجلترا, ولأن المذكرات كلها مكتوبة بالعامية التي كان ينظر إلى الكتابة بها شزرا في سنوات المد القومي الصاعد. وقد حضرت مناقشة الكتاب بعد أن أعاد لويس عوض طبعه مع مقدمة كاشفة, فرغ من كتابتها في الثلاثين من يوليو 1965. وكانت المناقشة في (نادي القصة) الذي ذهبت إلى مقره مع بعض زملائي الذين كانوا قد تخرجوا معي في الشهر السابق على صدور الطبعة الكاملة. واستمعنا إلى آراء عدد من الكتاب الكبار في ذلك الوقت, على رأسهم أستاذتي سهير القلماوي (1911-1997) التي هاجمت الكتابة بالعامية في المذكرات, وأنكرت على لويس استخدامه لها, معتمدة في ذلك على مبررات قومية, كانت استمرارا للمبررات التي ساقها من قبل أستاذها طه حسين (1889-1973) في كتبه ومقالاته. وجاءت المفاجأة التي لم نتوقعها بتعقيب يوسف إدريس الذي كان حاضرا, مستوفزا طوال الوقت, متوترا بما لا تخفيه ملامح وجهه من انفعالات لم نلحظها إلا بعد أن تكلم. وانطلق مفندا آراء أستاذتنا, محللا المذكرات وطبيعتها, مدافعا عن الكتابة بالعامية, ما ظلت الكتابة تحمل تبريرها الفني, مؤكدا ضرورة الفصل بين الحجج القومية والتقنيات الفنية.وظل يوسف يتحدث بحماسة صادقة, سرعان ما انتقلت عدواها إلى نفوسنا, فإذا بنا نميل تدريجيا إلى موقفه كلما مضى في حماسه الدفاعي عن حرية الكاتب في اختيار لغته, وعن قدرة العامية على تجسيد مواقف ومشاعر لا يمكن تجسيدها إلا بها. وانتهى من كلامه بعد أن اقتنعنا بوجهة نظره, وتذكرنا أن رفض الكتابة العامية سوف يؤدي إلى رفض أجمل قصائد فؤاد حداد (1927 - 1985) وصلاح جاهين (1930 - 1986) التي حفظناها عن ظهر قلب, خصوصا بعد أن قرأنا قصائد ديوان فؤاد حداد (أحرار وراء القضبان) (1952) وصلاح جاهين (كلمة سلام) (1955) و(موال عشان القنال) (1956) و(الرباعيات) (1962) ومعها (قصاقيص ورق). وكان يوسف إدريس في ذلك الوقت رمزا من رموز التمرد في الكتابة, خصوصا بعد أن قرأنا له رائعته (العسكري الأسود) في مجلة (الكاتب) سنة 1961, وتعلمنا منها كيفية الكتابة الرمزية التي تقصف براثن الوحش, وتنتزع أنياب القمع بكناياتها التي تشير إلى زمن مضى على سبيل التقية, بينما تعني زمنا قائما على مستوى الواقع الذي كنا نعانيه, ونسمع عما حدث فيه, وما كان لا يزال يحدث في معتقلاته, فكانت (العسكري الأسود) البداية التي رأينا امتدادها في رواية صنع الله إبراهيم (تلك الرائحة). وقد صدرت عن مكتب يوليو للطبع سنة 1966, حاملة مقدمة يوسف إدريس التي تشيد بالرواية, وتشيد بشجاعة كاتبها الخارج من المعتقل, وتؤكد قيمة تمردها على أشكال الكتابة التقليدية. وكان دفاع يوسف إدريس عن هذه الرواية أحد أوجه علاقته بالأجيال الجديدة التي انجذبت إليه, وتأثرت بكتاباته, ودفعت بعض أفرادها علاقة التضاد العاطفي التي ربطتهم بيوسف إدريس إلى التمرد عليه, ومحاولة البدء من حيث انتهى. وكان مسارهم الصاعد شهادة لأصالة نقطة البداية التي انطلقوا منها, واعترافا بفضل الأستاذ الذي علمهم إنطاق المسكوت عنه واقتحام الممنوعات. الواقعية السحرية والطريف في الأمر كله أنني لم أقترب من يوسف إدريس إلا في أواخر السبعينيات, وكان السبب في ذلك هو حرصي على الابتعاد عن الع لاقة الشخصية بالأدباء, توهما أن ذلك يجعلني محايدا في الكتابة عنهم. وأحسبني أدين لصديقي أمل دنقل (1940 - 1983) بانقشاع هذا الوهم, والتخلي عنه إلى الأبد, خصوصا بعد أن أدركت أن الصداقة لا تحول دون الموضوعية, وأن سلامة المنهج كأمانة الكتابة وصدق الممارسة تنجي من مزالق المجاملة. وقد دفعني أمل دنقل إلى معرفة يوسف إدريس الذي كانت تربطه به صداقة عميقة, قائمة على الاحترام المتبادل والمودة الخالصة وأوجه التشابه بين شخصيتين تنطوي كل منهما على النزعة الحدّية نفسها, وعلى تلهب التمرد المتصل, وعلى القلق الإبداعي الذي لا يكف عن التوهج كأنه الوجه الآخر من شعلة الرفض التي لا تترك مسلمة او فكرة أو مبدأ إلا وامتدت إليه بلهبها. وكان اقترابي من يوسف إدريس مع أمل بعد عودتي من الولايات المتحدة, حيث عملت أستاذا زائرا في إحدى جامعاتها, وأتاحت لي الإقامة بها معرفة التيارات الجديدة من الكتابة القصصية في العالم كله, خصوصا تيار (الواقعية السحرية) الذي قدمته إبداعات أمريكا اللاتينية, وأبرزته كتابات جابرييل جارثيا ماركيز المولود سنة 1928, وعلى رأسها رائعته (مائة عام من العزلة) التي صدرت سنة 1967, فجلبت لصاحبها الشهرة التي انتهت بصاحبها إلى الحصول على جائزة نوبل سنة 1982, قبل حصول نجيب عليها بست سنوات فحسب. وأذكر أنني قرأت الترجمة الإنجليزية للرواية أكثر من مرة, وعدت بها مع ما عدت به من كتب, وأعطيتها لزميلي سليمان العطار, دافعا إياه إلى ترجمتها إلى العربية عن اللغة الإسبانية التي يتقنها, ونجحت بعد سنوات قليلة في دفعه إلى إكمال الترجمة التي نشرتها هيئة الكتاب في القاهرة. وكان من الطبيعي أن تمتد المناقشة مع يوسف إدريس حول (مائة عام من العزلة) وحول تيار (الواقعية السحرية). وهو التيار الذي لاأزال أرى فيه محاولة موازية لمحاولة يوسف إدريس خلق كتابة وطنية أو قومية, تحمل ملامح هويتها الثقافية الخاصة, وتجسد خصوصيتها المحلية دون أن تتنكر قط للموروث العالمي والتيارات المعاصرة التي لا بد أن ينفتح عليها الكاتب, ولا يكف عن الإفادة منها أو التفاعل معها, وإلا انغلق على نفسه, وضاعت أصالته الإبداعية في المدارات المغلقة للتقوقع في صدفة الذات. وما أكثر الحوارات التي دارت بين جماعتنا ويوسف إدريس, على امتداد ليل القاهرة التي لا تظهر فتنتها إلا بعد منتصف الليل, ومع احتدام النقاش الذي لم يكن يخلو من عتاب ليوسف إدريس على ما رآه بعضنا تكاسلا منه في مجال الحفر في طبقات الوعي المعتمة للذات والجماعة, والمضي بعيدا في أجواء التجريب التي اندفعت إليها كتابات إدوارالخراط, فأغوت البعض باتباعه, بعيدا عن أفق يوسف إدريس الذي وصفه إدوار الخراط, ذات مرة, ظلما, بأنه أفق (الموهبة الحوشية). وقد ازداد اقترابي من يوسف إدريس حميمية إلى أبعد حد بفضل السياسة. وكان ذلك في سبتمبر سنة 1981, حين قام الرئيس محمد أنور السادات بطرد أكثر من ستين أستاذا من الجامعات المصرية, وكنت واحدا من هؤلاء الذين اقتصر العقاب على طردهم, ولم يودعوا السجن بتهم زائفة كما حدث مع أقران لهم, وكانت حجة السادات الكاذبة لطردنا من الجامعة هي اتهامنا بالعمل على تقويض الوحدة الوطنية, بينما كانت تهمتنا الحقيقية أننا كنا ضد شكل الصلح الذي انتهى إليه مع إسرائيل, والذي أدّى إلى التفريط في الحقوق العربية, والمذابح الإسرائيلية, التي لا تزال تحدث في أرض فلسطين. وقد أرتنا أزمة الطرد من الجامعة الكثير من صغار نفوس بعض زملائنا الذين أنستهم الغيرة إنسانيتهم, كما أرتنا ما انتهى إليه جبن الذين أنكروا صلتهم بنا, خشية وجبنا وتقية. دعم ومؤازرة ولكن يوسف إدريس الذي لم أكن صديقه بالمعنى الحميم, في ذلك الوقت, فاجأني بسلوكه ومواقفه, فلم يكن يكف عن الاتصال بي, والاطمئنان على أحوالي وأحوال أصدقائي المطرودين من الجامعة, وما أكثر ما كانت تنتابه نوبات الكرم الشرقاوي, نسبة إلى محافظته - محافظة الشرقية المشهورة بالكرم. وكنت أداعبه بسبب هذه النوبات بتذكيره بقصته (تحويد العروسة) القديمة. وكان يرد على مداعباتي بالضحك المقرون بالإلحاح على دعوتي لزيارته في مبنى جريدة (الأهرام) والغداء معه, كما لو كان يريد أن يعلن للجميع مساندته لكل الذين فصلهم السادات من الجامعة. وبقدر ما كنت أعتذر له عن قبول دعوة الذهاب للغداء معه في الأهرام, تحرجا وتجنبا لإحراجه, كان يحث أمل دنقل على جرّي جرا إلى جريدة (الأهرام). وعندما يئس من ذهابي إليه جاء هو إلى منزلي, وتعودنا السهر إلى الصباح, تطرز ليالينا مناقشات رائعة حول كل شيء, وقصائد أمل دنقل التي سرعان ما لحقت بها قصائد أحمد حجازي الذي أتى في زيارة إلى القاهرة من منفاه الباريسي في ذلك الوقت. ولم يتوقف يوسف إدريس عن السؤال والاهتمام, والتأييد والدعم, ولم أكن قد كتبت كلمة واحدة عنه, وظل على كرم خلقه إلى أن ذهبت إلى السويد لكي أعمل أستاذا زائرا في جامعة استوكهولم. وهناك سعدت بمعرفة أن يوسف إدريس أحد المرشحين لجائزة نوبل, وأن القسم الذي أعمل به هو الذي قام بترشيحه لهذه الجائزة, بعد أن سبق له ترشيح نجيب محفوظ الذي كانت الجائزة الكبرى من نصيبه في النهاية. وربما أكون قد ارتكبت خطأ غير مقصود بإبلاغ يوسف إدريس ذلك بعد عودتي من السويد وانتهاء عهد السادات, وإلغاء مبارك لما اتخذه السادات من إجراءات متعسفة ظالمة, ساعيا - أي الرئيس مبارك - إلى تضميد الجروح وإعادة الوفاق الوطني. ويبدو أن يوسف إدريس فهم مما نقلته له, وما أكده له الصديق عطية عامر الذي كان رئيس قسم اللغة العربية في جامعة استوكهولم لسنوات عديدة, أنه المرشح الوحيد, وأن الجائزة من نصيبه وحده. ولذلك جاءت استجابته لحصول نجيب محفوظ على الجائزة سنة 1988 حادة عنيفة, فصدرت عنه تصريحات انفعالية ما كان ينبغي أن تصدر عنه, فحصول نجيب على الجائزة تكريم لكل الكتّاب العرب بوجه عام, وأقرانه المصريين بوجه خاص. ولحسن الحظ, كان نجيب محفوظ سمحا - كعادته الدائمة - في استجابته إلى انفعالية يوسف إدريس, فانتهى الأمر بسلام, وسرعان ما هدأ يوسف إدريس, وتقبل ما حدث في النهاية بروح صافية, لم تتعكر كثيرا بمشاعر الغيرة الإنسانية رغم عنفها الذي زاد عن حده. وكنت أعرف حدة شعور يوسف إدريس بذاته وسرعة انفعاله وسهولة انفجاره نتيجة علاقتي به وتجاربي معه. ولا أزال أذكر ما حدث بعد عودتي من السويد إلى عملي في مجلة (فصول), واستعدادنا في المجلة لإصدار عدد عن (القصة القصيرة - اتجاهاتها وقضاياها). وقد صدر العدد بالفعل في سبتمبر سنة 1982. وكنت قد طلبت من أستاذي الدكتور عبدالمحسن بدر ومن الصديق صبري حافظ أن يكتبا عن القصة القصيرة عند يوسف إدريس, وهي معجزته الإبداعية الأولى. لكن مشاغل عرضت للاثنين, فلم يكتبا الدراستين اللتين اتفقنا عليهما, واللتين كانتا ضمن التخطيط الذي وضعته للعدد. ولم يكن من المعقول أن يصدر عدد عن القصة القصيرة وليس فيه دراسة عن أعمال يوسف إدريس الذي كان يقول لي مداعبا: وهل هناك أحد في القصة القصيرة سوى يوسف إدريس? لماذا لا يكون العدد كله عني? وكان الحل الذي اهتديت إليه لإنقاذ الموقف بسبب ضيق الوقت هو الترجمة. ولحسن الحظ, كنت قد قرأت في السويد كتاب كيربرشويك عن (قصص يوسف إدريس القصيرة) الذي صدر سنة 1981 عن دار نشر بريل, ليدن, فقررت ترجمة القسم الخاص بالتحليل المضموني لقصص يوسف إدريس في الكتاب, ونشره في العدد, وساعدني في سرعة الإنجاز كل من سامي خشبة الذي كان يعمل مديرا لتحرير المجلة واعتدال عثمان التي كانت تعمل سكرتيرة للتحرير, فترجما بعض الأجزاء. ونجحنا في الانتهاء من الترجمة في زمن قياسي, ونجحت في تجنب قصور أن يخلو العدد من دراسة كبيرة عن يوسف إدريس, وأعددت مقدمة لدراسة كيربرشويك التي لم يُحذَف منها سوى فقرتين بسبب ما كان يمكن أن يترتب عليهما من مشكلات رقابية. وخرج العدد بما أرضى يوسف إدريس, بل بما دفعه إلى تشجيع رفعت سلام على إصدار ترجمة كاملة لكتاب كيربرشويك بعد ذلك. وبالفعل, صدرت الترجمة بعنوان (الإبداع القصصي عند يوسف إدريس) في القاهرة سنة 1987. العتب على النظر وأذكر أن الهيئة العامة للكتاب أصدرت في ذلك الوقت مجلة (إبداع) التي تولى رئاسة تحريرها أستاذنا الدكتور عبدالقادر القط, رحمة الله عليه. وانتقل سامي خشبة من وظيفة مدير تحرير (فصول) إلى نائب رئيس تحرير مجلة (إبداع). وطلبنا من يوسف إدريس دعم المجلة الجديدة بالكتابة فيها, وبالفعل أرسل إحدى قصصه التي أضافت إلى وزن المجلة. وفي المرة الثانية, أرسل قصة خاف الدكتور عبدالقادر القط من نشرها, وكانت بعنوان (العتب على النظر) التي أصبحت عنوان آخر المجموعات القصصية التي أخرجها. وصدرت عن مركز الترجمة والنشر سنة 1988. وكانت القصة مكتوبة بطريقة قصائد الشعر الحر, وبالعامية, وفي شكل حواري بين طبيب عيون وفلاح يزوره كي يعمل نظارة لحماره, وذلك بعد أن لاحظ الفلاح أن حماره لم يعد يستطيع السير ولا العمل ولا ممارسة أدواره الجنسية. ويذهب الطبيب الراوي إلى ناجي (صاحب محلات نظارات شهير بالقاهرة) لعمل النظارة, ويفلحان في النهاية, بعد أن يقوما بتغيير العدسات المختلفة أمام عيني الحمار, إلى أن وصلا إلى العدسة المطلوبة, فتمكن الحمار من رؤية الأنثى, واندفع إليها في شهوة عارمة. ومن يومها تغير الحمار, وأخذ يطالع الجرائد, وهو يحدّق في مانشتات الصحف الحمراء, فإن لم يعجبه بعضها مضغ الصحيفة وعنوانها ثم لا يلبث أن يبصقها وينهق بشدة علامة الضيق. ولم يكن فيما ذكرته مشكلة. ولكن المشكلة كانت في الجزء الذي يصف الهياج الجنسي للحمار, ويتعدى ذلك إلى وصف انتصابه تفصيليا. ولم يكن من الممكن للمرحوم عبدالقادر القط أن يتحمل مسئولية نشر هذا الجزء في مجلته. وحاول إقناع يوسف إدريس بحذف ه, ولكن يوسف ركب رأسه, ورفض المحاولة, متمسكا بحرية الكتابة, مهاجما الجبن, ولم يستطع عبدالقادر القط الوصول إلى حل, فطلب مني التدخل بحكم علاقتي بيوسف إدريس. وقبلت, حرصا على نشر القصة الطريفة في (إبداع). وقضيت مع يوسف إدريس وقتا طويلا لإقناعه ولم أنجح إلا بعد أن سقت له العديد من المبررات التي تؤكد أن حذف هذا الجزء لن يضر القصة فنيا, بل على العكس يدفع القارئ إلى التركيز على مغزاها الساخر الذي يظهر في ذروة النهاية, خصوصا عندما يأتي الفلاح إلى طبيب العيون سائلا إياه: (مادام نضارات البني آدمين بتنفع الحمير, يا ترى نضارات الحمير تنفع للبني آدمين?). والهدف من السؤال هو الاستهزاء بالأعين الآدمية التي لم تعد ترى ما حولها, أو تتأثر به, على كل المستويات بالطبع. واقتنع يوسف إدريس في النهاية, ونشرت (إبداع) القصة بعد حذف الجزء الخطر منها بيدي يوسف إدريس الذي أعاد نشر القصة كما هي, بعد الحذف, في مجموعته الأخيرة. وأذكر أنني سألت أسرة يوسف إدريس عن المخطوط الذي يوجد به هذا الجزء, لأفيد منه في دراسة دور الرقابة على نص إبداعي, ولكن كان هذا الجزء من المخطوط الأصلي قد ضاع, وضاع بضياعه أحد انفجارات يوسف إدريس التي لم تكن ترضى بأي عائق يعوق الإبداع, وتدفع صاحبها إلى تأكيد أن كل الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتبا واحدا في الفعل الخلاق للكتابة الإبداعية. خير لسان للعروبة والإسلام ذكرى العقاد مازالت باقية. إنه الكاتب القوي الذي آمن بالإسلام كقوة للتقدم وبالعبقرية البشرية قائدة لهذه القوة. في الثاني عشر من هذا الشهر (مارس) تمر الذكرى التاسعة والثلاثون على وفاة عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد. وقد لا أجد في هذه الذكرى ما يمكن الرجوع إليه في كتابات العقاد - في هذه الفترة بالذات التي يتعرض فيها الإسلام ونبيّه الكريم للاجتراءات والتهجمات المبنية على ادعاءات وافتراءات فاسدة - أفضل من الرجوع إلى كتاباته في الإسلام, وتقديمه للصورة الحقيقية لهذا الدين الحنيف, وفي الوقت نفسه الدفاع عنه ضد هذه الادعاءات وتلك الافتراءات في كتبه عن الإسلام التي تزيد على الثلاثين كتابا. فليس صدفة أن يعد العقاد - في تاريخنا الثقافي الحديث - من أكبر المدافعين عن الإسلام بالحجة والدليل, وأن يضع حقائق هذا الدين الحنيف في مواجهة أباطيل خصومه, وأن يلتقي حول كتاباته الإسلامية عدد كبير من نقاده ومؤرخي حياته, حتى وإن اختلفوا فيما بينهم أو اختلفوا معه, وأن يتفق حول أمانة كتاباته الإسلامية عدد كبير من المتخصصين في الدين. فرأى - على سبيل المثال لا الحصر - الشيخ أحمد حسن الباقوري أن العقاد كان خير لسان للعروبة والإسلام بما كتب من دراسات, وأذاع من أحاديث تدفع عن العربية أوهام المبطلين وعن الإسلام شبهة المغرضين. كما رآه داعية الإسلام الشيخ محمد الغزالي خير من كتب عن العقيدة والدين بوعي وإيمان من غير الأزهريين, وأن يكون العقاد بين أفراد جيله من الأفذاذ صاحب أكبر عدد من المؤلفات الإسلامية يزيد على الثلاثين مؤلفا. ليس صدفة والأمر كذلك أن يصبح عباس محمود العقاد كل ذلك وأكثر, إذ كانت عيناه قد تفتحتا وهو صبي صغير على بيت يقدس الدين, وأساتذة يحترمون الدين, وبيئة تحافظ على الماضي محافظتها على الحاضر. بيتُ يقدس الدين.. فها هو العقاد يحدثنا في سيرته الذاتية (أنا) عن أبيه وكيف تمثل صورته التي رآها ألفي مرة بل أكثر من ألفين. حيث كان يراها كل يوم منذ أن فتح عينيه على الدنيا إلى أن فارق بلده أسوان بعد اشتغاله بالوظائف الحكومية, فيقول عن أبيه: (تلك هي صورته على مصلاه يؤدي صلاة الصبح, ويجلس على سجادة الصلاة من مطلع الفجر, إلى ما قبل الإفطار, ليتلو سوراً خاصة من القرآن الكريم, ويعقبها بتلاوة الدعوات). ويعترف العقاد في سيرته الذاتية (أنا) بهذه المشادة المبكرة التي حدثت بينه وبين أبيه بسبب الصلاة. فالأب يريد لابنه الذي لم يتم العاشرة أن يواظب على الصلاة في أوقاتها. وكان أثقل ما يعانيه يقظة الفجر في الشتاء,والطفل شأنه كبقية الأطفال يزين لهم النوم في هذا الوقت المبكر فلا يستيقظون إلا بعد جهد عنيف.. هنا حدثت مشادة ليس سببها أن الطفل ينفر من الصلاة, وإنما السبب شدة الأب في تكليف الابن بما لا يطيق قبل الأوان. وعلى الرغم من هذا كان العقاد يخف إلى المسجد لأداء الصلاة, في مواعيدها. وينشد - وهو طفل - على المئذنة أناشيد الجمعة, وظل ينشدها وينظمها, ولا يذكر للمؤذن أنه ناظمها حتى لا يستصغرها ويمنعه من إنشادها. وما لاحظه العقاد نفسه في أبيه, لاحظه أيضاً في أمه. فيحدثنا في صفحات طوال عن إيمان هذه الأم واعتكافها, فيقول: (ورثت عن أمي تقواها وسلامة بنيتها من أبيها وجدها. ففتحت عينيّ أراها وهي تصلي وتؤدي الصلاة في مواقيتها, ولم يكن من عادة المرأة أن تصلي في شبابها..). وفي المدرسة وفي الحياة التقى العقاد برجال كانوا بمنزلة أساتذة في المدرسة, التقى بالشيخ محمد فخر الدين مدرس اللغة العربية, ومن قبله الشيخ أحمد الجداوي الذي حضر العلم في الأزهر, وزامل الإمام محمد عبده أيام السيد جمال الدين الأفغاني. وفي سيرته الذاتية يذكر العقاد أنه كان يتردد على مجالس الشيخ الجداوي ويستفيد من علمه. وفي المدرسة رأى العقاد وهو تلميذ الإمام الشيخ محمد عبده, الذي صادف أن قام بزيارة لهذه المدرسة, ويومها أعجبت ثقافة العقاد الشيخ الإمام إلى درجة أنه تنبأ له بالمستقبل في الكتابة. ويحدثنا العقاد في سيرته عن الشيخ الإمام وتأثيره, فيقول: (والشيخ محمد عبده في اعتقادي أعظم رجل ظهر في مصر وما جاورها منذ خمسة قرون.. وأثره في نفسي من أقوى الآثار). في ميدان الحياة ويخرج العقاد إلى ميدان الحياة فيلتقي بالكثيرين, إلا أن التقاءه بالشيخ محمد فريد وجدي.. هذا الكاتب الإسلامي, كان له عظيم الأثر في حياة العقاد. وفي البيئة يفتح العقاد عينيه على بلدته أسوان فرأى التقاء التاريخ الماضي بالحاضر, وعلى حد قوله: (التاريخ حي يرزق ويتنفس الهواء, لأنه ماثل شاخص في الأحياء). وفي هذه المدينة العريقة أدرك العقاد وهو طفل صغير قيمة المناسبات الدينية من اهتمام أبنائها. وهكذا نرى أن الفكرة الإسلامية عند العقاد نبتت في الوسط الاجتماعي الذي يعاونها على النحو الذي رأيناه فيما بعد.. في هذه المؤلفات التي زادت على الثلاثين.. والتي قدمت زاداً ثقافيا للقارئ أفضل مما تقدمه هيئة علمية أو معهد متخصص, لاستيعابها جوانب كبيرة من التفكير الإسلامي. ومن هنا.. من تعدد هذه المؤلفات, ومن تنوع اهتماماتها, أصبح من الضروري تبويبها وتنسيقها حسب موضوعاتها. فالعقاد حين يكتب العبقريات, غيره حين يترجم للشخصيات الفذة في تاريخ الإسلام, غيره حين ينشئ الدراسات والأبحاث حول أهم القضايا الإسلامية. ولعل ما يربط بين عبقرياته وشخصياته ودراساته وأبحاثه في الإسلام هي صفته كأديب مؤرخ, وأدبه في التاريخ هو كأدبه بوجه عام.. أدب الفكرة الواعية. ولهذا رأينا في مجال آخر أن البحث فيما كتبه العقاد عن الإسلام يقتضي التمييز بين تناوله للعبقريات والشخصيات والأبحاث والدراسات. وهذا يقتضي أيضاً تأمل كل واحدة على حدة, حتى يمكن الاقتراب من المنهج الذي اتبعه العقاد في تناوله للمادة الإسلامية التي أمامه. وفي محاولة للكشف عن المنهج الذي اتبعه العقاد في العبقريات رأيناه يهتم بإيجاد مفتاح للعبقري الذي يتعرض له.. حتى يستطيع فتح مغاليق شخصية هذا العبقري, ليعرف مدى عظمته وحدود هذه العظمة, وما يصدر عنها من أفعال وتصرفات, وقيمة هذه الأعمال والأقوال بالنسبة للإنسانية عامة. ولكي يفي العقاد بهذا المطلب كان عليه أن يتفهم معنى مفتاح هذا العبقري, الأمر الذي جعله يقوم بالتحليل النفسي الدقيق لهذه الشخصية التي يراها عبقرية, ثم الإحاطة الشاملة لملابسات العصر الذي عاشت فيه. وقد يحدث أن يتشابه مفتاح إحدى شخصياته مع مفتاح شخصية أخرى. وهنا يبحث العقاد عن ثمة اختلافات في السلوك الإنساني لهاتين العبقريتين المتشابهتين في المدخل إلى أن يعثر على ما يميز بينهما. فمثلا: عند البحث عن مفتاح لعبقرية عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وجده في طبيعته كجندي. وهذا المفتاح نفسه - طبيعة الجندية - وجده لعبقرية خالد بن الوليد, وهنا يوضح العقاد الفرق بين العبقريتين حين يجعل عمر (رضي الله عنه)تغلب عليه من طبيعة الجندية ناحيتها (الروحية), في حين تغلب على خالد من هذه الطبيعة ناحيتها (الحيوية), أو بعبارة أخرى كانت جندية ابن الخطاب - عند العقاد - متزنة حكيمة, في حين جندية ابن الوليد مدفوعة هاجمة. لكن من هو العبقري عند العقاد? العبقري يقيس الأشياء بمقياسه الخاص, وأنه إنسان لم يخلق لخدمة نفسه أو أسرته أو عشيرته وكفى, بل هو خلق لخير إنساني عام, وأوتي من القوة ما يخدم به غيره, ولو اتخذ هذا الخير الإنساني العام صورة عالمية أو قومية أو وطنية أو قبلية. عبقرية الـ (نحن) العبقرية عند العقا د تنمو على البذل والعطاء, ولا تتورم بالنهب أو السلب أو الجور على حقوق غيرها حتى تنفجر. باختصار.. عظمة العبقري عند العقاد هي التي تقول (نحن) ولاتقول (أنا) مبتورة الجذور والفروع عما حولها, وحتى لو سمعت منها (أنا) فلا تفهم من معناها إلا (نحن). والعقاد حين يكتب عبقرياته.. لا يكتفي بالعرض الفوضوي أو المنظم تنظيماً آلياً أو شبه آلي, بل ينسق الملامح البارزة في كل صورة, وينفخ فيها من روحه, وروح العبقري موضوع الدراسة, فيحييها في نفوس قرائه حتى يتعاطفوا مع عبقريته.. فيجدوا في نفوسهم بعض فضل من فضلها, ويلموا ببعض جمل من لغتها. ومن ثمّ يشعر القارئ بالغبطة لأنه يدرك أنه ارتفع فوق نفسه, ويحلق في أفق أعلى مما اعتاد العقاد أن يحلق فيه من آفاق, بل ويمتلئ من العبقرية بأكثر مما أراد العقاد له, ويلقن عن آيات هذه العبقرية أكثر مما لقنه العقاد.. ذلك لأن العقاد في عبقرياته لا يقصر خطابه على عقل قارئه, بل يحرك كل حياته ويستجيش كل ما تشتمل عليه هذه الحياة من شعور وخيال, وبداهة وتفكير. والعقاد يبرز عبقرياته كما يبرز كتّاب المآسي أبطالهم فيستسلمون إليهم, ومن هذا التشيع لبطل المأساة تتطهر النفوس من أدرانها, وهذا الجانب هو الذي يحركه العقاد في نفوس قراء عبقرياته, فيتشيعون معه إلى جانب العبقرية التي يكتب عنها بالقدر الذي يمضي بهم إليه, وكثيراً ما يذهبون في التشيع لهذا العبقري إلى أبعد مما كان يريد العقاد, والسبب في هذا أسلوب العقاد وتعبيره عن أفكاره - كما يتفق أغلب نقاد العقاد - ومؤرخيه, فما من عبقرية من عبقرياته إلا وهي قصيدة شعرية ينقصها الوزن والقافية, ولكن لا ينقصها صدق الشعور ولا جمال التعبير الذي يكاد أن يدفع الإنسان إلى التغني بها: والعقاد لا يكتب حياة عبقري أو يصور صورته إلا وهو داخل معه, متلبس به, يحيا معه حياته بكل ما تشتمل عليه من قوة وضعف, فيقف على أسرار العبقري من داخل نفسه هو, لا من مجرد ما ينسب إليه من أخبار وأعمال وأقوال, سواء كانت صحيحة أو منحولة. لذا ترى شخصية العقاد أمامك في كل عبقرية مع شخصية صاحبها يتحركان معاً. وهناك ملحوظة أخيرة.. أشار إليها مؤرخو العقاد ونقاده, مؤداها أن العقاد لا يتحفظ في الثناء على (العبقري) أو أعماله خوفا من الاتهام بالمبالغة ولماذا يتحفظ ما دام يجد في هذه العبقرية الإسلامية ما تستحق عليه ثناء?! والسؤال هل روح الثناء هذه تعطل ملكة التقييم عند العقاد وتضعفها? والإجابة بالنفي. فهذه الملكة ناشطة عند العقاد, وروحها جياشة في كل ما يصدر من كتابات. وبهذا المنهج الذي توصلنا به إلى فهم عبقريات العقاد المعروفة, وهي: (عبقرية محمد), و(عبقرية الصديق), و(عبقرية عمر), و(عبقرية الإمام), و(عبقرية خالد).. بهذا المنهج كتب العقاد عبقرياته. لكن العقاد - كما قلنا - حين يكتب العبقريات, غيره حين يكتب الشخصيات. وربما نلمح هذا الفرق عندما نقرأ تقديمه لمعاوية بن أبي سفيان كشخصية.. فالعقاد في تناوله لهذه الشخصية فرّق بين القدرة والعظمة, بين الشخصية والعبقرية, حين قال: (أما وصف الرجل بالقدرة لأنه مقتدر على بلوغ مقاصده, واحتجان منافعه والإضرار بغيره, ولكنه إذا وصف بالعظمة فإنما يوصف بها لفضل يقاس بالمقاييس الإنسانية العامة, وخير تغلب فيه نية العمل للآخرين على نية العمل للعامل وذويه. ولعلنا نقترب من توضيح الاصطلاح إذا نقلنا التفرقة من القدرة والعظمة إلى التقدير والتعظيم. فنحن نقدّر الإنسان بمقداره عظيما كان أو غير عظيم. بل نقدّر الأشياء بمقاديرها ولو لم يكن لها عمل, ولم تكن من وراء العمل نية, ولكننا إذا عظمنا الإنسان فإنما نوجب له التعظيم علينا لأنه يعنينا, ويستحق إكبارنا ويرتفع إلى المكانة التي يلحظها علينا لأنه يعنينا, ويستحق إكبارنا ويرتفع إلى المكانة التي تلحظها الإنسانية بأسرها وتعود عليها في منافعها وخبراتها.. فكل عظيم قدير ولكن ليس كل قدير عظيما. والعظمة قدرة وزيادة, ومعاوية قدير وليس بعظيم). وبهذه العبارة حدد العقاد الفرق بين الشخصيات المقتدرة, والعبقرية العظيمة. شخصيات لا عبقريات والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن قارئ عبقريات العقاد وشخصياته الإسلامية, لماذا جعل عثمان بن عفان (رضي الله عنه) ومعاوية بن أبي سفيان من الشخصيات, ولم يجعلها من العبقريات, مثل: الإمام علي, والفاروق عمر, والصديق أبي بكر? أجاب العقاد مرتين عن هذا السؤال: أولاهما حين سأله السؤال نفسه تقريبا المفكر الإسلامي محمد كرد علي قائلا: لماذا لم تكتب لنا كتاباً عن معاوية كما كتبت عن علي, أنا أعرف أنك وصولي مع الأحياء ولكن لا أعرف أنك وصولي مع الأموات, وكان رد العقاد: (إن صاحبك معاوية أراد الدنيا وأراد منها أن يكون ملكاً فكان. ثم مات فماذا يريد بعد هذا? الذي يطمع أن يكون ملكا أو وزيرا أو نائبا, ثم ينتهك كل الحرمات ليصل إلى شهوته ماذا نفعل له?! أتريد بعد أن نخر له ساجدين في حياته وبعد موته?!). وأجاب العقاد مرة ثانية حين قدم شخصية عثمان بن عفان (رضي الله عنه), فأكد أن سيرته لا تبرز لنا عبقرية, مثل: عبقرية الصديق, أو عمر, أو علي, أو خالد بن الوليد, ولكنها تبرز لنا من جانب الأريحية صفحة لا تطوى, ولا يستطيع العقل الرشيد أن يرجع بها إلى باعث العقيدة والإيمان, لذلك فهو لا يؤمن بالعبقرية لضمان رضا الله عنه بقدر ما يؤمن بأنه ذو النورين. نور اليقين ونور الخلق الأمين. ومن هنا يتضح أن العقاد وضع العبقريات في مكان أرفع من الشخصيات. والشخصيات التي قدمها العقاد, ليست صور أعلام ذوي حظ واحد في القدرة والكفاية, ولو أنها كانت كذلك لما غض هذا من شأنها. فمن كان يعرف حرفاً واحداً من أبجدية الكفايات الإنسانية فهو على حظ كبير من المعرفة الإنسانية, ولكن لا شك يكون أقل وعياً ممن يعرف جملة حروف منها. وتراجم وشخصيات العقاد تمثل عدة أنماط من القدرة الإنسانية لعلها في العلم والإدارة والسياسة والحرب. يغلب على شخصيات العقاد الإسلامية أنها لا تؤدي أبرز ملامح صاحبها وأعماله فحسب بل تنفذ إلى حقيقة القدرة الإنسانية تلك التي تدور عليها شمائله ومساعيه وأعماله وأقواله, وتميز ملامحه عن ملامح أشباهه, واختلاف نمطها عن أنماط الكفايات الأخرى. فلا نخلط بين هذا وغيره من ذوي المواهب والملكات التي ترفع صاحبها أو لا ترفعه. في شخصيات العقاد الإسلامية يكمن سرٌّ, لعله في سهولة الأداء عن كل ذي قدرة أيا كان نوع قدرته وحظه منها, ثم اتساق أجزاء صورة كل عظيم من هؤلاء العظماء مستقلة عن غيرها. ولهذا تبدو الترجمة وكأنها خرجت من قريحة صاحبها, فتسلمتها براعته دفعة واحدة شأنها شأن بدء الحياة في خروجها من الأرحام إلى أيادي القوابل. التاريخ الأدبي إن العقاد كان يندمج مع شخصيته في أثناء كتابتها, حتى أنه يذكر أنه كان يكتب الفصل الواحد من (الحسين أبو الشهداء) وعيناه مغرورقتان بالدموع, مع أنه يفترض فيه كمؤرخ أن يكون محايداً ولكن ما العمل, وهو أديب فنان يحس ويشعر ويحلل الحدث, قبل أن يكون شاهداً ومؤرخاً يسجل ويدون?! وكتابة التاريخ بهذه الصورة الأدبية, أسلوب لم يبتدعه العقاد, فقد سبق أن استخدمه كتّاب أجانب, مثل: (بلوتارك), (وكارليل), و(أندريه موروا), و(إميل لودفيج).. وكتّاب عرب في مقدمتهم: الدكتور طه حسين, والدكتور محمد حسين هيكل, والأستاذ أحمد أمين. هذا المنهج الذي توصلنا به إلى معرفة التمييز بين العبقرية والشخصية.. بين العظمة والقدرة استطعنا التعرف على شخصيات العقاد الإسلامية, وفي مقدمتها: (فاطمة الزهراء والفاطميون), و(الصديقة بنت الصديق), و(أبو الشهداء الحسين بن علي), و(ذو النورين عثمان بن عفان), و(بلال بن رباح), و(عمرو بن العاص), و(معاوية بن أبي سفيان في الميزان). بعد محاولة الكشف عن منهج العقاد في العبقريات والشخصيات, ننتقل إلى محاولة الكشف عن منهجه في الدراسات والأبحاث الإسلامية والتي أخرجت كتبا, في مقدمتها: (الله), و(الفلسفة القرآنية), و(حقائق الإسلام وأباطيل خصومه), و(وما يقال عن الإسلام), و(التفكير فريضة إسلامية), و(الإنسان في القرآن), و(المرأة في القرآن, و(الإسلام في القرن العشرين), و(الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام), و(الديمقراطية في الإسلام), و(مطلع النور). إلى جانب بحثين في كتابين عنوانهما: (أبو الأنبياء إبراهيم الخليل), و(المسيح والكشوف الحديثة), وكتب أخرى عن فلاسفة المسلمين ومفكريهم, وفي مقدمتها: كتاب عن (ابن رشد), وآخر عن (الغزالي), وثالث عن (ابن سينا), ورابع عن (الكواكبي), وخامس عن (عبقري الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده), إلى آخر هذه الأبحاث التي تزخر بها المكتبة العربية والإسلامية. والسؤال الآن: ما النهج الذي اتبعه العقاد في كتابته لهذه الدراسات والأبحاث? بادئ ذي بدء.. يتراءى لنا العقاد في قراءته أنه يكتب وفي ذهنه فكرة يؤمن بها من الثلاثينيات أو ما قبلها, وهي أن الإسلام دين قامت على مبادئه وقيمه حضارة. فالحضارة العربية التي شهد لها أعداؤها من المتعصبين لغير الإسلام ما قامت إلا بعد الإسلام. ولعل هذه الفكرة التي كانت محور تفكير العقاد في أبحاثه ودراساته الإسلامية يعلنها المستشرقون اليوم والمفكرون الأجانب, وفي مقدمتهم الفيلسوف الفرنسي جارودي, الذي يعلن أن التبرير الوحيد لإسلامه هو أنه اكتشف في الإسلام - بعد طول تفكير وتأمل ودراسة وبحث - أنه الدين الوحيد الذي تقوم على أكتافه حضارة أنارت أوربا في عصور الظلام. فهم العقاد للإسلام الإسلام دينٌ تقوم عليه حضارة.. هي فكرة العقاد.. فهو حين يحدثنا عن الإسلام.. يقدمه - عن فهم وعقيدة - على أنه نظام كامل تت حدد فيه الخطوط لإقامة مجتمع كبير متكامل, في مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ولهذا نرى العقاد حين ينبري لكتابة هذه الأبحاث والدراسات يشغله أمران مهمان من منطلق مسئوليته كمفكر, وعقيدته كمسلم.. هما: 1 - الدفاع عن الإسلام ضد أباطيل خصومه. 2 - تقديم الصورة الحقيقية للإسلام. والأمران وجهان لعملة واحدة أو لحقيقة واحدة, مؤداها أنه حين يبحث عن الإسلام في معناه الصحيح, فإنه في الوقت نفسه يدافع ضمنيّا عن الإسلام. والحق أن أصول هذا المنهج مستمدة من فكر الإمام محمد عبده, فقد مضى العقاد في أثره.. يؤمن بأن الإسلام دينٌ عالمي صالح لكل الشعوب, إذ قرر للإنسانية مبادئ لا يمكن صلاحها بغيرها, مفوضاً للعقل الإنساني أن يختار ما يلائمه مما يتلاءم مع الأطوار الاجتماعية التي تتغير فتلعب النظرية دوراً كبيراً. وقد عبر العقاد عن ذلك صراحة في تقديمه لكتاب (الفلسفة القرآنية), حيث يقول: (موضوع هذا الكتاب هو صلاح العقيدة الإسلامية), ووفقا لهذا المنهج نرى العقاد يقدم لنا معظم دراساته وأبحاثه. وفكرة ثانية بثها الإمام محمد عبده في كتبه, وتأثر بها العقاد في كتاباته, وهي أن الإسلام يفرض على الناس التفكير, والاحتكام إلى العقل في إثبات عقائده وتعاليمه الأساسية, وأنه لا بأس من الانتفاع بالإسلام في العلم وجميع شئون الحياة. إننا نجد العقاد يتأثر بهذه الفكرة ويفرد لشرحها كتابا بأكمله هو (التفكير فريضة إسلامية) الذي يستهله بأن من مزايا القرآن الكثيرة.. مزية واضحة هي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة, وأمر التبعة والتكليف, ويقول: (إنه لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه..). وقد خاطبه بكل صوره المدركة للتصورات الإنشائية الوازعة عن المحظورات والمنكرات والاستدلالات المستخرجة للأحكام الراشدة المستبصرة. وبذلك يعم الخطاب في القرآن العقل بكل صوره وخصائصه ووظائفه, ولا يذكره عرضاً مقتضباً بل يذكره مقصوداً مفصلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان السماوية الأخرى. ومعروف أن الإمام محمد عبده عني عناية خاصة بالرد على خصوم الإسلام, وعلى ضوء هذه العناية كتب العقاد مؤلفيه: (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه), و(ما يقال عن الإسلام). وقد حاول كثيراً أن يدلل على أن الإسلام وضع للإنسانية صورة رائعة من الإصلاح الاجتماعي. وهو دائم الحديث عن ذلك في بقية كتبه, فالإسلام كفل للناس حريتهم السياسية بما شرح لهم من نظام ديمقراطي سليم, سجله العقاد في كتابه (الديمقراطية في الإسلام), كما عني في كتابه (مطلع النور) ببيان أن الرسالة المحمدية مهدت لحدوث مقدمات هيأت لها, بحيث غيرت من لوازم الإنسانية وحاجتها ودواعيها. وسوف نراه في كتابه (الإسلام والقرن العشرون) يتحدث عن قوة الإسلام الغالبة الصامدة على مر التاريخ, كما تحدث عن الدعوات التي انبعثت فيه منذ القرن التاسع عشر وأطوارها مع نهضات الإصلاح. وهو دائماً إذا تحدث عن مستقبل الإسلام ملأته الثقة والأمل. يضاف إلى ذلك تأثير الإمام محمد عبده في العقاد.. فضلاً عن قدرة العقاد نفسه على الإقناع والدفاع والرد بالحجة والدليل, وهي أمور عرف بها. في ضوء من هذا المنهج أمكننا تمييز أبحاث العقاد ودراساته من بين عشرات الكتب. هل سبق لكم أن رأيتم مدينة بكين الرائعة, عاصمة بلاد الصين? لا شك, إذن, أنكم رأيتم الجرس العملاق, الذي ينتصب في إحدى ساحاتها الرئيسة, ووقفتم, وقد عقدت ألسنتكم الدهشة, من فرط الإعجاب بهذه التحفة الفنية الرائعة. فمن هو مبدعها يا ترى? عبثا تبحثون في المخطوطات والكتب القديمة عن اسم الفنان الذي تمكن من صبّ هذا الجرس العملاق. وعبثا تبحثون في المراجع القديمة والحديثة عن السر الكامن وراء هذا الصوت الحزين, الذي يطلقه رنين هذا الجرس, لكأنه نواح ثكلى! صحيح أن الكتب لا تأتي على ذكر ذلك, لكن ذاكرة الناس أصدق أنباء من الكتب, فهي تختزن اسم صاحب هذا الجرس, وتميط اللثام عن السر الدفين, الكامن وراء نُواحه. وإليكم القصة: منذ قرون عديدة أمر الإمبراطور الصيني ببناء مدينة جديدة, وقال لرعيته: لسوف أطلق عليها اسم بكين, ولتكنْ أكبر مدينة, وأروع مدينة في قارة آسيا. لكن (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن). فقد بُنيت مدينة بكين مرتين, وفي كل مرة كان الأعداء يدمرونها, وكما أسراب الجراد كانوا يجتاحون الأرض الصينية, ويحولونها من جنات, وارفة الظلال, إلى أرض يباب, ويسوقون الرجال والنساء إلى سوق النخاسة, حيث يباعون, ويتحولون إلى عبيد وإماء أرقاء. وحينذاك قصد الإمبراطور زاهدا حكيما, يعيش وحيدا في الجبال الشاهقة. دخل الإمبراطور المغارة, حيث يقطن الزاهد, وألقى عليه التحية, ثم سأله النصيحة: - إنك إنسان مجرب وحكيم, فهلا أخبرتني ماذا أفعل لكي أتمكن من بناء عاصمة بلادي بكين, وكيف أحميها من العدو الغاصب. فرد الحكيم: دع أفضل عامل في الصين يصب لك جرسا, يكون الأكبر في العالم كله. لكي يبلغ رنينه حدود بلادك من الجهات الأربع - من الجنوب إلى الشمال, ومن الشرق إلى الغرب. ما إن عاد الإمبراطور إلى قصره, حتى صفّق بيديه ثلاثا, وأوعز إلى مستشاريه وكبار رجال حاشيته: - هاتوا لي أفضل عامل في البلاد. انطلق أفراد الحاشية يبحثون ويسألون, وعادوا بعد شهر, ومعهم ضالة الإمبراطور. ركع العامل تشين أمام عرش الإمبراطور, وأصغى إلى أوامره. - صبّ لي أكبر جرس في المعمورة, وليبلغ رنينه حدود دولتي الشاسعة. وللحال انكبَّ تشين على صنع الجرس. كان يعمل دون توقف, واصلا الليل بالنهار, تساعده ابنته سياولين, ذات الخمسة عشر ربيعا, التي انتقت له أشد أنواع الذهب صفرة, وأكثر أنواع الفضة بياضا, وأكثر أنواع الحديد سوادا. ومرت الأيام والليالي والمعادن المصهورة تغلي في هذا الفرن العالي, لكن ما إن انتهى تشين من صبّ الجرس, حتى اكتشف الجميع وجود فالق عميق على سطحه. ومن جديد انكبّ تشين على العمل بحماسة أكبر, وهمة أعلى, ومن جديد انبرت ابنته تؤازره في عمله, باذلة قصارى جهدها, لكن يبدو أن سوء الطالع كان لهما بالمرصاد, فها هو ذا الفالق العميق يزنر سطح الجرس من جديد فيشوهه ويشوه رنينه. واستشاط الإمبراطور غيظا, ثم قال متوعدا: - سوف أقطع رأسك ان فشلت مرة ثالثة. مسكين تشين, لقد عاد إلى العمل, لكنه لم يعد ذلك العامل المتحمس والسعيد, ولم تعد يداه قويتين, مطواعتين, ولا يخفى على أحد أن العمل, غير المريح, لا يمكن أن تتمخض عنه نتائج طيبة. وانتقلت عدوى الحزن والكآبة إلى سياولين, وقررت أن تساعد أباها في محنته,فانطلقت تحت جنح الظلام, الى مغارة الزاهد, في الجبال, وحدثته, وهي تذرف الدموع, عن محنة أبيها, ثم توسلت إليه الا يضن عليها بالنصح والإرشاد. فكر الحكيم قليلا, ثم قال: - صوت الجرس يجب أن ينجب النصر. ومثل هذا الجرس غير العادي, يجب أن يصب بطريقة غير عادية, وألا تقتصر مواده على الذهب والفضة والحديد, بل يجب أن يختلط بهذه المعادن دم الإنسان, الذي لا يضن بحياته في سبيل وطنه. وفي الصباح كانت سياولين تقف, كعادتها, قرب الفرن, وهي تراقب المعدن المصهور يغلي ويفور في المرجل الضخم. وفجأة شعرت بقلبها ينقبض, فهي تعرف ما لا يعرف أبوها: من جديد سيظهر الفالق في سطح الجرس إن لم يضح أحد بنفسه, ومن جديد سوف تجتاح جيوش الأعداء أرض الوطن, ويساق أبناؤه عبيدا, وتغتصب نساؤه, ويقتل شيوخه وأطفاله, وتحرق مدنه وقراه. كلا. هذا لن يحدث أبدا. فوجئ الأب المسكين بابنته, وهي تلقي بنفسها في المرجل, ويختلط دمها الطاهر بالذهب والفضة والحديد. ذرف تشين الكثير من الدموع حزنا على ابنته الوحيدة, التي يكن لها كل الحب والحنان. حين انتهى تشين من صبّ الجرس تبين انه خال من أي عيب, وأنه آية في الكمال والجمال, ولا مثيل له في المعمورة, وقد وقف الجميع أمامه فاغري الأفواه, من فرط الدهشة والإعجاب. حين قرع الجرس تردد في رنينه صوت عذب ملأ القلوب بهجة وطمأنينة. ومرت الأيام, وبنيت مدينة بكين وبدأت تزدهر. لكن العدو لم يتخل عن مكائده. وفي صباح أحد الأيام استيقظت الصين, من أقصاها إلى أقصاها, على صوت الجرس, الذي لم يقرعه أحد, إنه دم سياولين يقرع الجرس منذرا بغزو الأعداء. فهبّ الجميع للدفاع عن تراب وطنهم الأم, ملبين نداء سياولين. لا يظنّن أحدكم أن هذه حكاية, كلا, ففي قلوب أبناء الشعب يتردد أبدا صوت الشهداء الذين قدموا حياتهم لكي تحيا أوطانهم. إن صوت سياولين هو صوت المقاومة, صوت الشهيد, ليس في الصين وحدها, بل وفي فلسطين ولبنان والكويت, وكل بلد تعرض أهله للاجتياح, فهب أبناؤه يذودون عن حياضه. في ظهيرة يوم حار, اقتحم مجلس القاضي أعرابيّ, وهو يصرخ: - بعيري... سرقوا بعيري... أيها القاضي... تأمل القاضي الأعرابي الغاضب... كان هذا يلهث, وهو يحاول, دون جدوى, مسح العرق عن شفتيه وأنفه وعينيه, بطرف كوفيّته وهو يردد: - بعيري... سرقـوا بعيري... وعليه حمل عسل. شغل الأعرابي بعطسة قوية فاجأته, فاغتنم القاضي الفرصة, وقال: - إهدأ, يا رجل, وارتح, في غد ننظر في قضيتك. صاح الأعرابي: لا... لا, يا سيّدي. سأل القاضي: ألا تنتظر حتى نحضر المتهمين?! قال الأعرابي: المتهمون في الخارج ينتظرون الإذن بالدخول. سأل القاضي: من أحضرهم?! قال الأعرابي: أتوا من تلقاء أنفسهم. فكّر القاضي لحظات, ثم قال للحاجب: أدخل الرجال المنتظرين في الخارج. دخل رجال أربعة. حيّوا, ووقفوا في زاوية غير بعيدة عن القاضي. تأملهم هذا وفكّر: - (يبدون من علية القوم, يتصرّفون بأدب... أتوا إلى مجلس القاضي من تلقاء أنفسهم.. .هل يسرق هؤلاء بعيرا)?! ثم خاطب الأعرابي: ما دليلك, يا أخ العرب, على أن هؤلاء سرقوا بعيرك? فصرخ الأعرابي: دليلي واضح... شرد بعيري... لحقت به... اختفى في ديار هؤلاء الرجال... ولما التقيت بهم, وسألتهم عنه, وصفوه لي وصفا دقيقا, ثم أنكروا رؤيتهم له. سأل القاضي الرجال: هل ما قاله هذا الأعرابي صحيح? ابتسم الرجال, وتبادلوا النظرات. فصرخ الأعرابي: لا تصدّقهم, يا سيدي, مهما قالوا... قالوا لي: - بعيرك أعور بالعين اليسرى, يعرج... ذنبه مبتور, يحمل عسلا, وهو كما وصفوه تماما, ثم أنكروا رؤيتهم له, بعيري يحمل عسلا, ياسيدي, هو كل ما أملك... عاد القاضي يسأل الرجال: هل ما قاله هذا الرجل صحيح? قال كبير الرجال: صحيح. فقال القاضي بسرعة: كيف تصفون البعير وصفا دقيقا ولا تقرون برؤيته?! فقال الرجل الأول: لاحظت أن البعير لم يرع من العشب سوى القائم على يمين الطريق, فعرفت أنه لا يرى بعينه اليسرى. وقال الرجل الثاني: ولاحظت أن آثار إحدى قوائمه أكثر عمقا, فعرفت أنه كان يشد عليها أكثر فتغوص في الرمال... وقال الرجل الثالث: ولاحظت أنه عندما برك ترك خطا قصيرا مستقيما, فعرفت أن ذنبه مقطوع. وقال الرجل الرابع: أما أنا فلاحظت أن صفّا من النحل يمتد طوال الطريق, فعرفت أن البعير يحمل عسلا, وتقطر من الحمل قطرات يتجمّع عليها النحل... نظر القاضي إلى الرجال بإعجاب, وقال: فراسة تكافأون عليها وتُحمدون. فصرخ الأعرابي: وأنا ما شأني بفراستكم?! أريد بعيري وحمل العسل... فخاطب القاضي الرجال: وما دمتم تملكون هذه الفراسة فلِم لم تساعدوا الرجل في العثور على بعيره? فقال كبير الرجال: لم يترك لنا فرصة. فقال القاضي: وإن أعطيناكم هذه الفرصة? فقال الرجل الرابع, وهو يضحك: نقول للأعرابي: اتبع خط صف النحل تجد بعيرك في نهايته... قفز الأعرابي, وعانق الرجل, وهو يقول: ليتك قلت هذا الكلام من الأول...! ثم قفز إلى الخارج, وراح يعدو صوب البادية... هالة بنت ذكية,مؤدبة تحسن الكلام مع الكبار والصغار, فلا تتكلم بصوت عال, ولا تشتم أحدا, تبتسم دائما ولذا فهي جميلة ويحبها كل الناس. هي أيضا تحب النظافة وملابسها نظيفة دائما, وتحب أكل الخضراوات والفواكه وتشرب اللبن يوميا, لذا فصحتها جيدة, ولا تتعب من اللعب كثيرا مع أصحابها. حجرة هالة مرتبة ونظيفة وجميلة أيضا. أم هالة تقول: ذاكري يا هالة, حتى تعيشي فرحة النجاح والتفوق, وتذكري أن كل إنسان في الدنيا, لا بد أن يتعلم ليعيش حياة جميلة وسعيدة. هالة تقول: أنا لا أحب ان أتعلم حتى لا أتعب, أتمنى ألا أكون إنسانة حتى لا أذهب للمدرسة وأذاكر في الكتب الكثيرة, ويسألني المدرسون كل يوم إلى أن يأتي امتحان آخر العام, أنا لا أحب أن أكون إنسانة. ترد أم هالة وتقول: كلامك خطأ يا هالة, كل المخلوقات لا بد أن تتعب أولا حتى تتعلم, ولتعرف كيف تعيش وليس الإنسان فقط, كلنا لا بد أن نتعلم لكي نعيش فرحين. قالت هالة بأدب: اسمحي لي يا أمي أن أقول رأيي, والذي يختلف مع كلامك, وأعدك أن أتراجع عنه إذا كنت مخطئة, فأنا لست غبية حتى أتمسك بالرأي الخطأ. قالت هالة: ليس على كل المخلوقات أن تتعلم لتعيش فرحانة, أنا كنت أحب أن أكون عصفورة. العصفور مخلوق جميل, يعيش فرحان, يزقزق ويغني ويطير ولا يتعب لأنه لا يتعلم شيئا, إنه يلعب ويفرح طوال اليوم. تضحك أم هالة وتقول لها: من قال لك هذا الكلام, هل تريدين أن تصبحي مثل العصافير الملونة التي يشتريها الناس ويضعونها في الأقفاص وتأكل وتشرب وتنام وهي محبوسة ولا تعرف الطيران بحرية وفرحة كاملة, هل تظنين أنها فرحانة بذلك? ردت هالة بسرعة: لا لا إنني لا أقصد هذه العصافير أنا أحب أن أكون مثل العصافير الحرة. قالت أم هالة: العصفور الحر يتعب كثيرا حتى يتعلم كيف يبني عشه, وقد تأتي الرياح لتهدمه أو يستولي عليه طائر أكبر منه, كما يفتش العصفور بنفسه عن الأكل والماء ويرجع آخر النهار إلى عشه لينام, ويفعل الشيء نفسه كل يوم. وهنا تقول هالة: العصفور يتعب.. لا.. لا أريد أن أكون عصفورة, أنا لا أحب التعب ولا أحب أن أعيش في قفص, إنني أفضل أن أكون سمكة, أعيش في البحر الجميل, وأعوم طوال الوقت, فأنا أحب السباحة, وعندما أصبح سمكة سأسبح دائما وليس في المصيف فقط لأني إنسانة, إني أتمنى أن أكون سمكة بأسرع وقت ممكن حتى أعوم كما أحب ولن أتعب أبدا, نعم أتمنى أن أصبح سمكة الآن, وفورا. تبتسم أم هالة وهي تقول: السمكة تتعب حتى تحصل على طعامها أيضا, حيث تبحث عنه في البحر, كما أن السمك الكبير يأكل السمك الصغير دائما, وتضحك وهي تقول: سيأكلك السمك الكبير يا هالة لأنك مازلت سمكة صغيرة, أما إذا استطعت الهروب من السمك الكبير بذكائك, فأخبريني كيف ستستطيعين الهروب من الإنسان الذي يحب أكل السمك اللذيذ الطعم والمفيد جدا للإنسان, ولذا يهتم بصيده سواء عن طريق الشبكة أو الصنارة. قفزت هالة وهي تقول: لا لا أنا لا أريد أن يأكلني أحد, لا السمك الكبير ولا الإنسان. قالت هالة: أحب أن أكون حصانا قويا, لونه أبيض وجميل, يحب الناس رؤيته ويعطونه السكر, ويقفز بسهولة في السباقات ويفرح بتصفيق الناس له وهو يجري ويقفز دون أن يتعب. تقول أم هالة: هذا غير صحيح, فالحصان يتعب كثيرا, يكفي أن الناس يركبونه, ومنهم من يضربه أو يعامله بقسوة, بالرغم من أنه يحمل أثقالا لمسافات طويلة حتى يعطونه الطعام والماء, وأحيانا يقدمون له طعاما لا يحبه, أو طعاما قليلا. وحصان السباق يتعب كثيرا حتى يستطيع الفوز في السباق ويتدرب جيدا ولفترات طويلة حتى ينجح في ذلك. ترفع هالة يدها وهي تقول: لا.. لا.. لا أريد أن أتحمل كل هذا التعب, لا أريد أن أحمل أحدا فوق ظهري, أو أن آكل طعاما لا أحبه, أو أن يضربني أحد, أو يتركني أذا خسرت السباق. أنا لا أحب الخسارة, أحب أن أفرح فقط. تبتسم هالة قائلة: أحب أن أكون شجرة, يستريح الناس تحت ظلها, ويحبون أكثر ثمارها, ولذا يحافظون عليها ولا يؤذونها أبدا. تنط هالة وهي تقول لأمها: لقد فزت يا أمي, الشجرة تعيش حياتها فرحانة ولا تتعب أبدا, لذا فأنا اخترت أن أكون شجرة, ولن أتراجع مهما حدث. تحتضن الأم هالة وهي تقول لها: لا تتسرعي, اعرفي أولا كل شيء عن الشجرة وبعد ذلك اختاري ما تريدين, هل توافقينني? هزت هالة رأسها موافقة. ابتسمت الأم وقالت: للشجرة حكاية تبدأ مع الفلاح وتنتهي في بيوتنا. الفلاح يلقي بالبذرة في الأرض ثم يسقيها بانتظام ويرعاها باهتمام إلى أن تكبر تماما مثل الطفل الصغير تطعمه أمه حتى يكبر ويعتمد على نفسه. فالشجرة بعد أن يسقيها الفلاح, تقوم هي بتوصيل المياه لجذورها إلى كل الفروع والأوراق, ولا بد أن تفعل ذلك حتى لا تموت, وعندما تكف الشجرة عن إعطاء الثمار يقوم الفلاح بخلعها من الأرض ويزرع غيرها مكانها, ونحن نصنع من جذع الشجرة الكراسي والمكاتب وكل أنواع الأثاث. تصفق هالة بيديها وهي تقول: لا لا.. أنا لا أريد أن يخلعني أحد من الأرض, ولا أن أتحول إلى ألواح من الخشب يقطعها النجار بالمنشار الحاد لتصبح كرسيا يجلس عليه طفل مشاغب يقفز عليه باستمرار فيكسره أو أن يجلس عليه شخص سمين, ولا أريد أن أكون مكتبا لتلميذ بليد لا يحافظ عليه, لقد غيرت رأيي تماما, أنا لا أحب أن أكون شجرة بل أحب أن أكون قنفذا صغيرا, فالقنفذ لديه الكثير من الأشواك المدببة فوق ظهره ويعرف كيف يدافع عن نفسه جيدا من دون أن يتعب ويعيش فرحان. نظرت أم هالة إلى ابنتها وهي تقول لها: أنت فرحانة لاختيارك القنفذ وتحسبين أنك قد كسبت, ولكنك مخطئة, لأنك لا تعرفين أن القنفذ عليه أن يتعلم, هو أيضا, ليعرف كيف يبحث بنفسه عن الأكل, وأنه يمشي كثيرا في الغابة حتى يجد طعامه المفضل المكون من الديدان والحشرات الضارة ثم يعود ليعيش في جحره الضيق, والآن فكرت هالة جيدا هذ المرة قبل أن ترد بسرعة كعادتها. وبعد تفكير طويل قالت هالة: لا لا.. أنا لا أريد أن آكل الحشرات, ولا أن أعيش في جحر ضيق, أنا لا أحب أن أكون قنفذا, أنا أفضل أن أعيش في مكان واسع وجميل به ألوان جميلة على الحوائط والأسقف, وأستمع لأحلى موسيقى وأرقص وأؤدي أصعب الرقصات وأستمتع برؤية خوف الناس وهم يرونني أسدا راقصا في السيرك ويجلسون بعيدا, ولا أحب أن أكون أسدا في غابة فهو يتعب ليحصل على طعامه, أنا أفضل أسد السيرك الذي يعطيه مدربه الطعام ويعتني به ويرعاه. وهنا تضحك أم هالة كثيرا وهي تنظر لهالة ولا تتكلم. وتسألها هالة: لماذا تضحكين يا أمي? وما ردّك على اختياري الأخير? ترد الأم وتقول: ضحكت لأنك لا تعرفين نهاية أسد السيرك, ولا تعرفين شيئا عن حياته الحقيقية, فأسد السيرك لا يرقص فرحا بالموسيقى ولا حبا لها كما قلت, ولكنه يرقص خوفا من مدربه حتى لا يضربه بالسوط, وحتى يعطيه الطعام, كما أنه يتعب كثيرا حتى يجيد هذه الحركات, لأنه أسد وليس قردا يجيد الرقص, وعندما يكبر في السن ولا يستطيع الرقص يرسلونه إلى حديقة الحيوان ليعيش ما تبقى من عمره محبوسا في قفص حديدي. هزت هالة رأسها وقالت: لا لا.. أنا لا أريد أن يضربني أحد بالكرباج, ولا أن أعيش في قفص, أنا الآن فرحانة لأن الله خلقني إنسانة تفهم بالكلام وليس بالضرب.. أنا أحب كلا من العصفور, والسمكة, والحصان, والشجرة, والقنفذ, والأسد, ولكني أحب أن أتفرج عليهم وأنا إنسانة, فالإنسان هو المخل وق الوحيد الذي يذاكر ويستطيع أن ينجح بذكائه, ولأنه يحب النجاح وليس خوفا من أحد. أنا الأن يا أمي أحب المذاكرة, لأنها ستحقق لي النجاح والسعادة وأنا لن أتعب منها أبدا, لأنها الطريق الوحيد للنجاح والتفوق. الغراب الذي سنتحدث عنه, كان اسمه (سمارة الغامق). لونه مثل ألوان بقية زملائه من الغربان. الغراب (سمارة) كان لا يحب لونه الأسود, ودائما يحلم بتغيير لونه, ويتمنى أن يصبح ريشه ملونا بمثل ألوان قوس قزح المبهجة الجميلة, وكان دائما يتحسر كلما شاهد الطاووس بألوانه الزاهية, وأيضا كلما صادفه أحد الببغاوات الملونة, وكذلك العصافير التي تلمع ألوانها تحت ضوء الشمس. أما الدب الأبيض الصغير الذي كان يشاهده وهو يستحم في حديقة الحيوان, فقد كان يحسده أيضا على بياض لونه الذي يشبه اللبن الحليب, لذلك, جلس الغراب (سمارة الغامق) فوق شجرته المفضلة وقد قرر أن يبحث عن طريقة ما يغيّر بها لونه الأسود وخصوصا أنه كان يحلم بأن يرى الحياة من حوله - أيضا - ملونة. وتذكر الغراب (سمارة) أنه يعرف (مرسما) لأحد الرسامين له نافذة كبيرة يتركها مفتوحة بالليل والنهار, ومرسم هذا الرسام هو الذي سيحل مشكلته بما فيه من ألوان وفيرة يستخدمها في رسم لوحاته, فهبط ذات ليلة على شباك مرسمه, ثم تسلل للداخل, وأخذ يعبث في أنابيب الألوان ويلطخ ريشه دون أن يفكر في عاقبة ما يفعله! عاد إلى شجرته وهو يحس بالزهو والسعادة, يتلفت حوله وكأنه يحاول لفت نظر المخلوقات من حوله الى شكله الجديد بعد أن صبغ نفسه بالألوان الزيتية, ولكنه لم يجد أي اهتمام من أحد, فحاول الطيران للاستعراض بلونه الجديد, فوجد نفسه لا يقوى على الحركة كأن أحدا ربطه في الشجرة. فحاول مرة أخرى, ثم مرات عديدة, وظل على حاله ثلاثة أيام عانى فيها من الجوع والعطش وصعوبة تحريك جناحيه. في اليوم الرابع بدأ يصرخ مستغيثا بصوته الأجش المزعج, فجاءت الطيور التي على الأشجار من حوله, والحيوانات أسفل شجرته لاستطلاع الأمر لمعرفة سبب شكواه, فلما عرفوا الحقيقة, أخذوا يضحكون منه وعليه, فقد تأكد الجميع باليقين أن الغراب من الطيور الغبية التي لا تتقن التفكير السليم. هذه القصة لن يقرأها اللصوص, لأنهم ليسوا بين قراء مجلتنا, وإذا حدث أن وقعت بين أيدي واحد منهم, فإنه لن يستفيد منها, إذ لابد وأن يخطئ, فما من جريمة كاملة, كما يقولون. وسوف يقع يوما ما في أيدي الشرطة, ويلقى به في السجن, ونرجو القراء الأذكياء ألا ينقلوا هذه الفكرة, كي لا تصل إلى سمع أحدهم, ولقد كتم مشاهدو مسرحية أجاثا كريستي (المصيدة) سرها أكثر من عشرين عاما, وقراؤنا قادرون على أن يفعلوا هذا. عندما دعى جدو عبدو حفيده يوسف إلى بيته الخلوي الهادئ البعيد عن الزحام, سعد الصغير بالدعوة, فليس أحبّ إليه من أن يقضي بضع ساعات معه, كما أن بيت جدو هذا في حقيقة الأمر لم يعد بيتا بالمعنى القديم للبيت, لأنه تحول إلى معمل ومكتبة ودار سينما, و... وتساءل يوسف عن السر في هذه الدعوة المفاجئة, ولم يكن يدري أن وراءها خبرته الكبيرة بالكمبيوتر, وهو أمر أخفاه جدو عبدو, إذ يحاول دائما أن يبدو كأنما خبرته في هذا الجهاز لا تقل عما يتمتع به يوسف, لكنه - أي جدو - بين حين وآخر يعترف أن المسافة بينهما واسعة وكبيرة, خاصة أن الكثير من خبراته هذه علمها على يد حفيده (يوسف), الذي بدأ مع الكمبيوتر وهو ينطقه (كمبيوتل)! وعندما وصل يوسف إلى بيت جدو, استقبله في حفاوة, مرحّبا بالعبقري الصغير, الذي قام كالمعتاد بالتجول في أرجاء البيت ليرى ما أحدثه جدو من تغييرات, وكان يدهشه ذلك, إذ أنه ما من مرة إلا ورأى جديدا. - أراك يا جدو وضعت صورة (دارون) بجانب صورة (أينشتين) و(مصطفى مشرفة), ما السر؟ - جميل أن تنبهت لهذا... - أعرف... أنك لا توافقه في الكثير مما جاء به في نظريته؟ - نعم... كما لا أوافق على ما يتناقله الناس عن أنه قال إن الإنسان أصله قرد... يضحك يوسف ويقول: اللهم إلا في حالتي الخاصة جدا! يقهقه الجد, ويقول: لم يقل الرجل هذا الكلام, بالضبط, لكن ملاحظته الخاصة بالتطور جديرة بالاحترام, وأنت تعرف أني مؤمن بالله إيمانا عميقا, لكن الناس يتطورون, وأيضا عليهم أن يتطوروا ويطوّروا من حياتهم. رمى يوسف ببصره إلى جانب من الغرفة, فلمح حقائب سفر. - هل تبدأ يا جدو رحلة سفرك الصيفية مع جدتي؟ - نعم, أنت لا شيء يفوتك, وعلى فكرة دعوتك إلى هنا لهذا السبب. - ما علاقتي بالأمر؟! - أكثر ما يزعجني يا يوسف أثناء سفري أن يفكر اللصوص في اقتحام البيت عندما يتنبهون إلى غيابنا... لم يفكر يوسف طويلا, وفاجأ جدو عبدو بقوله: - ليس هناك أيسر من ذلك. هتف الجد: حقا؟ هل من سبيل لذلك؟ - نعم... - ما هو؟ - الكمبيوتر, يا جدو. تطلع إليه جدو في اهتمام كبير, وهتف... - ماذا؟ الكمبيوتر؟! - إنه أروع حارس لبيتك ليلا... - ستجعل من الكمبيوتر (خفيرا). ضحك يوسف وقال: خفيرا وعمدة أيضا! قام يوسف, بعد أن داعب أزرار الكمبيوتر, واتجه إلى لوحة توزيع الكهرباء في البيت, وقال وهو يفحصها بعينيه.... - إنها حديثة... وصالحة لتطبيق فكرتي... يا جدو. - لم تشرح لي تفاصيل ما ستصنع, الكمبيوتر لا يعمل إلا بالكهرباء, هل من صلة أخرى بها؟ - نعم, اربطه بالشبكة, واجعله يضيء كل أرجاء البيت في الساعات الأولى من الليل. - قد يستهلك ذلك الكثير من الكهرباء. - من حسن الحظ أنكم لا تسهرون كثيرا, لذلك فإن الإضاءة على هذه الصورة لن تطول, سوف أجعله يطفئها في العاشرة, أو بعدها بقليل, وبين حين وآخر يضيء المطبخ, كأنما هناك من ذهب إليه ليشرب, ثم يطفأ بعد قليل لكي يضيء الحمام. كان الجد مذهولا بهذا الذي يسمعه, وعيناه تنظران إلى (يوسف) في إعجاب منقطع النظير. - قد نحتاج يا جدو إلى عامل, كهربائي, من أجل بعض توصيلات أشير بها عليه. ضحك الجد, وقال: - عامل؟! لدينا في البيت هنا مهندس من خريجي كلية الهندسة قسم كهرباء, ألا يصلح؟ من هو؟ - جدتك... قال يوسف: فاتني هذا... استدعيت الجدة, وكانت تقرأ كتابا ممتعا, لذلك احتجت, لكن عندما علمت بالفكرة والمهمة التي ستوكل إليها ابتهجت, وقالت: - هذا عمل يتطلب السرية, يجب أن أقوم به بنفسي. أضاف يوسف: وسنجعل الراديو والتلفزيون يعملان بعض الوقت, ونملأ البيت بالموسيقى والأغنيات. هتف جدو عبدو: جميل رائع... أحسنت. وتحوّل الكمبيوتر إلى خفير رائع, وعين يقظة لحراسة بيت جدو والجدة, اللذين سافرا إلى المصيف في اطمئنان كامل إلى هذا الحارس الذي لن تغمض له عين وسيكون طيلة الليل ساهرا, ينبئ الجميع بأن أهل البيت بداخله, يتحركون, ويتنقلون ما بين حجراته ومطبخه والحمام, ويسمعون الموسيقى والأغاني والتمثيليات. يعتقد أناس كثيرون أن كل الناس في هولندا يلبسون أحذية خشبيّة. البعض لا يزال بالطبع, خاصة الفلاحين وآخرين ممن يعيشون في الريف. لكن من الصعب العثور على أحذية خشبية حقيقية, كما اكتشف جان عندما حاول الحصول على زوج منها لسائح أمريكي. في أحد أيام السبت في مارس أمام دكان تباع به شرائح البطاطس والآيس كريم. ركن جان دراجته الصغيرة بجانب الدراجات البخارية وانطلق للداخل. وضع نقوده على الطاولة وقال: (آيس كريم). وقف كيز بمعطفه الأبيض خلف الطاولة يصنع شرائح البطاطا, (في هذا الطقس البارد؟), سأل كيز (والثلج لا يزال يتساقط؟! لكن بإمكانك أن تحصل عليها). (ذلك أمريكي يجلس هناك), قال كيز (سائح). سائح!َ علم جان عن السياح من التلفاز. لكنه لم ير سائحا حقيقيا. لم يأتوا إلى هنا أبدا لأنه لم يكن هناك ما يثير لرؤيته في هذه القرية الصغيرة , فقط المستنبتات الزجاجية لزراعة الطماطم والخيار, والتوسعات الإسكانية. إلا أنه بدا عاديا (يريد أن يشتري حذاء خشبيا), قال كيز(حذاء أطفال لابنته الصغيرة. جاء خصيصا من روتردام بالحافلة ليشتري حذاء خشبيا! أخبرته أن يذهب لمحل الهدايا التذكارية). قال(لا, أريد حذاء خشبيا حقيقيا كتلك الأحذية التي يلبسها الناس هنا). (أتعرف أي محل تباع فيه الأحذية الخشبية يا جان؟) لحس جان بوظته الزهرية - إنه لسؤال صعب - أكمل كيز (لا أحد منا يعرف. يعتقد السياح أننا كلنا نلبس أحذية خشبية هنا!) (تعرف أمي محل أحذية خشبية), قال جان. (أسمعتم ذلك؟) صاح كيز بزبائنه, (هذا الولد يعلم من أين تحصلون على أحذية خشبية!) نظر الكل إلى جان باحترام, وتمنى لو أنه بقي صامتا. بعدها بلحظة وقف جان خارج الدكان بورقة العشرة جلدرات التي أعطاها إياه الأمريكي المبتسم. كما كان معه قطعة خيط بحجم الحذاء الخشبيّ الذي أراده الأمريكي. ركب جان دراجته وانطلق للبيت. تذكر فجأة أن أمه لن تكون في البيت حتى بعد العشاء. لكن قد يعرف والده أين تباع الأحذية الخشبية. كان والده في غرفة المعيشة يلعب الشطرنج مع فرِد شقيق جان الكبير. (أتعرف محل أحذية خشبية يا أبي؟) سأل جان. (لماذا تريد حذاء خشبيا؟) سأل أبوه. روى جان لوالده القصة. غضب الأب, (يا له من سخف!؟ يظن أولئك الغرباء أننا لانزال نسير بأحذية خشبية أين ذلك الرجل؟) (في الدكان), أعاد جان. (أخبره إذن بأن هذه بلاد حديثة, بالمصانع الضخمة. وبالميناء الأكبر في العالم, ميناء روتردام! أخبره بأننا لسنا فلاحين بأحذية خشبية). ضرب الأب الطاولة بقبضة يده. فقفز جان للخلف مندهشا, أعليه أن يخبر كل هذا للغريب؟ أراد أن يعود للدكان ويخبرهم أنه لا يعرف محلاً رغم كل شيء. إلا أنه تذكر أن هيني لديها حذاء خشبي. كانت هيني رفيقة صفه تقطن مركب بيت في الزودربلاس, وليست بعيدة على الإطلاق. أخذ جان طريق دايك المزدحم الذي يمر بالقرية. كانت هناك ريح معاكسة قويّة . ومن حين لآخر كانت تهدر شاحنة بجانب جان على دراجته. لكنه كان معتاداً على ذلك. شكت أمه دائما (طفل على دراجته في مثل حركة المرور هذه! عمره ثماني سنوات فقط). لكن والده قال (كوني منطقية. كل الأطفال هنا يركبون دراجاتهم عبر حركة مرور السيارات. كما أنه يتحكم بمقود دراجته أفضل منك). استدار جان لليسار وعبر الجسرالضيّق على طول القناة العريضة. سقط مرتين في حياته في القناة, مرة بينما كان يصطاد السمك, ومرة عندما كان يركب دراجته. قال له أبوه (إذا ما وقعت في القناة مرة أخرى, سآخذ دراجتك وعندها ستذهب للمدرسة ماشيا!). وجد هيني على ظهر المركب تغسل كلبها في سطل. (مرحبا), قال جان. (مرحبا), ردت هيني. (أما زال لديك حذاؤك الخشبي؟) (ماذا ؟) (حذاؤك الخشبي. كان لديك حذاء خشبيّ). (آه, نعم), قالت هيني وهي مُستمرة في غسل كلبها. (أريد شراءه), قال جان (بعشرة جلدرات). فلتت هيني الكلب وقفز بعيدا وهز نفسه. (لا أستطيع فعل ذلك) قالت (لا أستطيع قبول المال). (اسألي أمك) قال جان. (ليست في البيت, ذهبت لزيارة جدتي). ثم قالت هيني فجأة: (بإمكاني أن أبادله). (مقابل ماذا؟) سأل جان. أشارت هيني لحذاء جان. كان ينتعل حذاء رياضيا. فكر جان, إذا ما بادل حذاءه بالحذاء الخشبيّ سيتمكن من الاحتفاظ بالجلدرات العشرة التي كانت في جيبه. (احضري الحذاء الخشبي الآن). قال جان بفارغ الصبر. ذهبت هيني للداخل. (هاهما), قالت هيني لاهثة عندما عادت أخيرا بالحذاء الخشبي,(أتظن أنك تستطيع ركوب دراجتك به؟) حرك جان رأسه وهو يتأكد من حجم الحذاء الخشبي بالخيط. سيكون أكبر قليلا للبنت الأمريكية, لكنه كان مناسبا له. (شكرا لك), قال(وداعا يا هيني). أصبح الطقس أسوأ وهبّت الريح بعنف أشد وبدأ المطر بالهطول. عندما ركب جان الدراجة, ظل الحذاء الخشبي ينزلق عن دواستي الدراجة .انطلق مرة أخرى عبر الطريق الضيّق وسط الريح وكان على وشك أن يستدير في طريق دايك المزدحم إلا أنه أوقع إحدى فردتي الحذاء الخشبي, حاول جان أن يمسك بها بقدمه الا أنه فقد توازنه وألقى به الهواء في القناة - الدراجة وكل شيء. لهث وأزاح العشب بيديه. لا حاجة للسباحة, فقد وقع في الضحل من القناة. زحف للضفة وأمسك بيد مقود الدراجة ودفعها للشاطئ. كان أحد الحذاءين مُلقى في الطريق و الآخر طافيا كقارب صغير وسط القناة. (لن أقوم بهذا) صاح جان (فليعد الأمريكي من حيث أتى. فقدتُ حذائي, ومن المؤكد أن والدي سيأخذ الدراجة مني). لكنه استعاد الحذاء المفقود, ثم سوّى مقود الدراجة بغضب ووضع الحذاء الخشبي في حقيبة الدراجة وركب بجوربيه, فقط الآن شعر جان بالريح الباردة كالثلج عبر سترته. استدار حول المنعطف وأصبح في طريق دايك المزدحم ثانية. لم ينظر إليه أحد ولم يلحظ أحد كم كان مبللا, تحسن شيء واحد الآن, أصبحت الريح على ظهره, كانت العاصفة وراءه. كانت الدنيا قد اعتمت عندما وصل جان الدكان. كان كيز الوحيد هناك قال كيز: (غادر الأمريكي, للتو). (أين ذهب؟) سأل جان (لدي الحذاء الخشبي). (لا أعرف, ربما ذهب لروتردام. إنها السادسة الآن. ويذهب كل شخص لبيته للعشاء). ألقى كيز نظرة أخرى على الولد الصغير وسأله (سقطت في الماء؟). لم يجب جان وخرج من الدكان راكضا. كل ما يريده الآن أن يذهب إلى أمه. عندما وصل باب بيته تذكر أنها لم تكن في البيت. لذا قرر أن يتسلل للطابق العلوي ليستحم ويرتدي ملابس جافة. سيشتري, يوم الاثنين حذاء جديدا, ورقة العشرة جلدرات مبللة لكنها لاتزال معه. بينما كان جان يتسلل للطابق العلوي سمع والده وفرد يتحدثان في غرفة المعيشة, كانا يتكلمان بالإنجليزية! بهدوء, فتح باب غرفة المعيشة, ليجد الأمريكي جالسا على الكرسي الجلدي. كان فرد يتحدث معه, نصف الحديث بالانجليزية والنصف الآخر بالهولندية يصرخ بشيء حول تلوث الهواء. (لا. لا!) صاح الأب (محطات المياه) كان الأمريكي يصغي بأدب, فجأة رأى جان, نهض وقال (مرحبا). (أين كنت؟) سأل الأب: (كنا قلقين , ذهب فرد ليبحث عنك وعاد مع هذا السيد). أمسك جان بالحذاء الخشبي أمامه. أخذه الأمريكي بحرص بيديه, كان لايزال مبللا قليلا. لكن من الممكن تجفيفه. صاح الأب (أكانت تمطر ؟ أم أنك وقعت في القناة ثانية؟) (ذهبت لأبحث عنك في الدكان), قال فرد(وخرج الأمريكي وسأل عن الحافلة. قال إنك لم تعد! ثم قلت يا سيد إذا ما وعد أخي الأصغر أن يحصل على الحذاء الخشبي فإنه سيحصل عليه حتى لو ذهب للقطب الشمالي). (في القناة؟) صاح الوالد(لا أصدق ذلك. خذ حماما ساخنا, بينما أعمل لك فنجانا من الكاكاو), ولم يقل شيئا عن أخذ الدراجة! (اذهب), قال الأب(لقد حدثنا صديقك الأمريكي عن حقيقة الأمر في هذا البلد). نظر الأمريكي إلى الحذاء الخشبي الصغير بفرحة. قال (حذاء خشبي حقيقي لابنتي الصغيرة. حذاء خشبي حقيقي كذلك الذي ينتعله كل الأطفال الهولنديين). قالها بالإنجليزية لكن جان فهمها. ركض جان وهو يصفر للأعلى ليأخذ حماما. وقف محمد يسمع صوت المطر من خلف زجاج النافذة, يحب محمد كثيرا أن يرى المطر ويسمع صوت سقوطه. لم ينقطع المطر منذ عودته من المدرسة منذ ساعتين, عاد محمد إلى الغرفة التي يجلس فيها أبوه وأمه وبقية أخوته حول المدفأة المشتعلة يستمتعون بالدفء. جلس محمد بين أخوته, شعر بالدفء, ابتسم الأب بعد فترة وقال لأولاده: - استرحتم واستمتعتم بالدفء, حان الآن وقت المذاكرة, اقتربت امتحانات نصف العام قوموا الآن ليذاكر كل منكم دروسه. نهض الأولاد وبينهم محمد وأبوهم وأمهم يبتسمان لهم مشجعين, جهز محمد الكتب التي سيذاكر فيها وأخرج قلمه الجديد من حقيبته, تأمل محمد القلم الجديد الجميل الذي اشتراه في طريق عودته للمنزل من المدرسة, مد محمد يده في جيبه فأخرج نقودا, تذكر على الفور أنها ثمن القلم, نسي أن يدفعها للبائع الصغير الذي كان مشغولا بالبيع لعدد كبير من التلاميذ. اشتد هطول المطر في الخارج وعلا صوت ارتطامه بزجاج النافذة. وقف يتأمل المطر ويفكر كيف سيخرج لدفع ثمن القلم والمطر غزير في الخارج والبرد شديد, المسافة بين منزلهم وبائع الأدوات الكتابية ليست قصيرة, فكر أن يؤجل دفع الثمن إلى الغد. فتح الكتاب ليذاكر ولكنه أغلقه بسرعة حين خطر بباله أن البائع الصغير في محل بيع الأدوات المدرسية سيدفع ثمن القلم لصاحب المحل الذي سيتهمه بالإهمال وربما يسبب له مشكلة كبيرة. اشتد المطر ورأى محمد من خلف زجاج النافذة ان الشارع قد خلا تماما من المارة. عاد محمد إلى الغرفة الدافئة واستأذن من أبيه أن يخرج بعض الوقت, قالت أمه في دهشة: كيف تخرج في هذا الوقت? المطر ينهمر في الخارج كالسيل, والبرد شديد هذا العام. قال الأب بهدوء: يبدو أن لديك سببا قوياً للخروج في هذا الوقت? قال محمد بحماس: نعم يا أبي, اشتريت قلما ونسيت دفع ثمنه للبائع الصغير في محل بيع الأدوات المدرسية. قالت الأم على الفور: يمكن أن نؤجل ذلك للغد يا محمد بدلا من الخروج في البرد والمطر. التفت الأب للأم قائلا: أنا سعيد أن يدفع محمد ثمن القلم رغم البرد والمطر. قالت الأم بقلق: ولكن ابني سوف يصاب بالبرد هكذا, أنت تعرف أن محمد سريع التأثر بالبرد. قال الأب بحزم: ورغم ذلك فعليه أن يذهب لدفع ثمن القلم. قال محمد بتصميم: نعم يا أبي, سأذهب لأدفع الثمن قبل أن يغلق المحل أبوابه. خرج محمد مسرعاً ناسياً شمسيته فسقط عليه المطر الغزير فور خروجه وأحس بالبرد الشديد, حاول أن يحتمي من المطر ولكنه لم يجد ما يحتمي به, مشى مسرعا حتى وصل إلى المحل وقد غمره المطر, عطس محمد عدة مرات ولكنه كان سعيدا لأن المحل لم يغلق أبوابه بعد. اتجه على الفور إلى البائع الصغير ودفع له ثمن القلم, قال البائع الصغير بدهشه: ما هذا? قال محمد باسماً: اشتريت منك قلما ونسيت دفع ثمنه. قال البائع الصغير: ورجعت لتدفع ثمنه رغم البرد والمطر, كنت قد دفعت ثمنه. قال محمد: خشيت أن يسبب ذلك لك مشكلة. اقترب صاحب المحل الذي كان يسمع حوارهما باسماً وسلم على محمد بحرارة قائلا: أنا فخور بك يا بني, تعود رغم البرد والمطر. قال محمد بخجل: لم أفعل إلا ما يجب علي أن أفعله يا سيدي, أستأذنك لأعود لمنزلي. أشار له صاحب المحل أن ينتظر ثم أدار سيارته وأمره أن يركب إلى جواره ليوصله إلى منزله. كان المركب في عرض البحر عندما هبّت عاصفة كبيرة. صارت الأمواج كجبال عالية جرفت المركب بعيدا نحو الصخور, فاصطدم بها وتحطم. صار الركّاب يصرخون من الخوف, وصاح القبطان: اتركوا المركب حالا, إنه يغرق. قفز كل من كان على المركب إلى الماء, ومن بينهم كان (أبو سمير) وابنه الصغير سمير. سبحا إلى أن تعبا كثيرا, لاحظ الأب أن ابنه على وشك الغرق, فأسرع إليه وساعده, رأى عن بعد إطارا من المطاط, جرّ ابنه وألبسه إياه, ثم أمسك بالإطار تاركا للموج أن يأخذهما إلى أي مكان, بعدما فقدا القدرة على السباحة. جرفتهما الأمواج بعيدا ورمتهما على شاطئ جزيرة صغيرة. ناما ساعات طويلة, ولم يستيقظا إلا عندما اشتدت حرارة الشمس. سأل سمير والده: أين نحن? التفت الأب حوله فرأى أشجارا عن بعد. قال: - يبدو أننا في جزيرة. لنذهب إلى تلك الأشجار, ربما نجد بعض الثمار لنأكل. وجدا أشجار تفاح وإجاص وغيرها من الأشجار البرية المثمرة. قطفا منها وأكلا حتى شبعا, وشربا من نبع ماء قريب إلى أن ارتويا, خلع الأب قميصه وفرشه على الأرض, ثم قطفا الكثير من الفاكهة ووضعاها عليه, جمع الأب أطراف القميص وربطها قائلا: صرّة الفاكهة هذه تكفينا إلى الغد. لنعد الآن إلى الشاطئ, وننتظر مرور مركب أو سفينة تعيدنا إلى بلادنا. حمل الأب الصرّة ومشى, لحقه ابنه وساعده بحملها. صباح اليوم التالي, وفيما كانا نائمين, اقترب منهما رجلان يحملان حبالا, أمسكا بيدي الأب وابنه وأخذا يربطانهما. أفاقا ونظرا إلى الرجلين بخوف. قال الأب: - لماذا تربطاننا? أجاب الرجل الأول: لكي نأخذكما إلى حلال المشاكل, هو المسئول هنا. قال الأب: لكننا لم نفعل شيئا, ولا ننوي البقاء هنا. سنعود مع أول مركب يمر بالجزيرة. ضحك الرجلان وقالا: لا. تعالا معنا. هيا بنا. كان حلال المشاكل رجلا سميناً, يلبس سروالاً فضفاضا فقط, ويضع على رأسه إكليلاً من ورق الشجر, ويجلس بالقرب من تلة من القش. سأل الأب: كيف جئت إلى هذه الجزيرة البعيدة أنت والصغير? أجاب الأب: تحطم مركبنا وجرفتنا الأمواج إلى هذه الجزيرة, وننتظر مجيء سفينة أو مركب لنعود إلى بلادنا. قال حلال المشاكل: لا تنتظر. لن يمر شيء من هنا, لأن هذه الجزيرة صغيرة جدا وليس فيها شيء للتجارة. ماذا تعمل? - أعمل بصناعة السفن, وكنت في طريقي إلى العمل في المرفأ الكبير عندما حلت بنا الكارثة. قال حلال المشاكل: حسنا, سأسمح لك بالبقاء, فهذه الجزيرة صغيرة ليس فيها إلا نبع ماء يكاد يجف من قلة الأمطار, لذا لن نبقي فيها إلا من يتقن عملا, أما ابنك فيجب أن يرحل. تعجب الأب وقال: يرحل! إلى أين? إلى البحر. أمر حلال المشاكل الرجلين بوضع الولد في مركب صغير وتركه في البحر. ما إن حملاه حتى هجم الأب ليخلّصه, لكنهما دفعاه. صرخ سمير قائلا: - اتركوني, أنا أتقن عملا. قال حلال المشاكل بسخرية: - أوه... وما هو هذا العمل? قال سمير: صنع السلال. فكوا يديّ لأريكم. ما إن تركاه حتى أسرع سمير إلى تلة القش, انتقى بعضا منها وابتدأ بصنع سلة صغيرة, فيما كان الجميع ينظرون إليه بدهشة, بمن فيهم والده, عندما انتهى من صنعها, قدمها إلى حلال المشاكل قائلاً: - تفضل يا سيدي. سأصنع لكم سلالا كثيرة من كل الأحجام. أمسك الرجل بالسلة: نظر إليها بإعجاب وقال: - من علّمك هذا? أجاب سمير: كنت أراقب جدتي وهي تصنع السلال, وأساعدها في بعض الأحيان لكي تروي لي حكايات جميلة. - نحن بحاجة إلى السلال لكي نجمع فيها الفاكهة والسمك, ستبقى في الجزيرة شرط أن تعمل هذا بقربي. قال سمير بفرح: شكرا يا سيدي. بعدما اطمأن الأب على ابنه, ذهب مع الرجلين ليعمل بصنع المراكب. طلب حلال المشاكل من سمير أن يعلمه صنع السلال لأنه يضجر من البقاء وحيدا طول النهار. سأله سمير لماذا لا يعمل مع الرجال عندما يضجر, فأجابه قائلا: لا أستطيع ذلك لأنني المسئول هنا, اعمل على تسوية الخلافات ومعاقبة المذنبين. أنا أحسد الذين يعملون ويتعبون لأنهم يجدون لذة في الأكل والراحة, أما أنا فأضجر من الأكل والراحة. سأله سمير: وهل يعمل الجميع ببناء المراكب? أجابه: لا. قسم من الرجال يصطاد اللؤلؤ والقسم الباقي يصطاد السمك ويجمع الفاكهة ويطهو الطعام للجميع. عندما تصبح المراكب جاهزة للسفر, أقسّم اللآلئ على الجميع بالتساوي كما اتفقنا, ونذهب بالمراكب إلى الجزيرة الكبيرة ومن هناك نعود بالسفن الكبيرة إلى بلادنا. كل يوم كان سمير ينهي عمله ويذهب إلى حيث يعمل والده مع الرجال, في الجهة الأخرى من الجزيرة, ويتناول الطعام معهم, وفي الليل ينام مع والده على الشاطئ, في المكان الذي كانت الأمواج قد قذفتهما إليه. مرّت شهور عدة وأصبحت المراكب جاهزة, فتقرر السفر فجر اليوم التالي. فرح سمير كثيرا ولم يستطع النوم. قال الأب: يجب أن تنام الآن. لا تخف, سأوقظك قبل الفجر. قال سمير: أرجوك يا أبي, دعنا نذهب الآن وننام مع بقية الرجال, قد نغط في النوم ولا نصل في الوقت المحدد, فتبحر المراكب ونبقى هنا, تذكّر بأن علينا أن نمشي مسافة طويلة قبل الوصول إلى المراكب. - حسنا. هيا بنا. مشى الأب وابنه, كان نور القمر ينير طريقهما, سارا بين الأشجار, داس سمير على بعض الأغصان الجافة المرميّة على الأرض فعلقت رجله, اقترب والده ليساعده, فأبعد الأغصان واستطاع سمير أن يخلّص رجله, لكنهما فوجئا بوجود جرّتين مليئتين باللآلئ تحت الأغصان. قال الأب: يبدو أنه مخبأ اللآلئ التي يصطادها الرجال, والتي ستقسّم على الجميع اليوم. سمعا عن بعد وقع أقدام على أوراق الأشجار الجافة التي تغطي الأرض. همس الأب قائلا: لنختبئ بسرعة لكي لا نتهم بالسرقة. أعادا الأغصان فوق الجرار, واختبآ خلف الأشجار, اقترب رجلان من الجرار وقال أحدهما: يجب أن ننقلها بسرعة قبل أن يصحو أحد. همس الأب بإذن ابنه قائلا: إنهما يعملان معي بصنع المراكب. همس سمير قائلا: يجب أن نخبر حلال المشاكل حالا. هزّ الأب رأسه موافقا. وصل رجل ثالث وسأل الرجلين: - هل جهّزتما المركب? أجابا معا: كل شيء جاهز, وهذه آخر نقلة, لقد نقلنا الجرار الأربع قبلهما. - حسنا. سأجلب الماء وألقاكما أمام المركب, فنأخذ اللآلئ ونهرب قبل أن يشعر بنا أحد. همس الأب قائلا: إنه صديقهما, ويعمل بصيد اللؤلؤ. ذهب الثالث باتجاه الغابة, فيما حمل الرجلان الجرّتين وسارا نحو الشاطئ. خرج الأب وابنه من مخبئهما. قال الأب: - عندي خطة لمنعهم من السرقة, لكن يجب أن يساعدني حلال المشاكل وبقيّة الرجال بتنفيذها في أسرع وقت. عند منتصف الليل, وعندما صعد الرجال الثلاثة إلى المركب فوجئوا بأنوار كثيرة تضاء دفعة واحدة وتحاصرهم من كل جانب, وكل المراكب تتحرّك وتقف أمامهم لتمنعهم من الإبحار. اقترب حلال المشاكل مع والد سمير وبعض الرجال, قبضوا عليهم وأعادوهم إلى الشاطئ, حيث ربطوا أي ديهم وأرجلهم بالحبال, ثم نقلوا الجرار إلى الشاطئ. اقتسموا اللآلئ بالتساوي فيما بينهم, بعدما حرموا الطمّاعين الثلاثة من حصتهم, وتركوهم على الجزيرة مع الجرار الفارغة. أبحر حلال المشاكل وبقية الرجال مع الأب وابنه سمير, على كل المراكب, إلى الجزيرة الكبيرة, ومنها إلى بلادهم على متن السفن الكبيرة. عندما وصل الأب وابنه سمير إلى بيتهما, وجدا الأم حزينة, تلبس ثياب الحداد بعدما علمت بغرق المركب الذي ذهبا فيه إلا أنها فرحت كثيراً لعودتهما سالمين. رويا لها ما حصل, ثم أهداها الأب بعض اللآلئ قائلا: - غدا سأبيع كل اللآلئ لنحصل على المال الذي طالما حلمنا به. - قال سمير: هذا شيء جيّد, لن نعود بحاجة إلى العمل بعد الآن ياأبي. أجاب الأب: لا يا بنيّ, بل سأعود إلى العمل بصنع المراكب وسأعلمك إياها. مهما كان الإنسان غنيا, عليه أن يتعلّم مهنة تفيده في وقت من الأوقات, أليس كذلك يا سمير? قال سمير: هذا صحيح يا أبي. (نظر إلى أمه) لقد اختبرت ذلك بنفسي يا أمي وسأخبرك بعدما نرتاح من السفر. كانت أنسام الربيع تأتي محملة بشذى الأشجار التي أزهرت. وكان المجاهدون قد اختاروا بستانا ينامون به تلك الليلة استعدادا لمواجهة الجنود الإيطاليين في اليوم التالي. كان مسعود قد بسط فراشه واختار مكانا تحت شجرة زيتون وحاول أن ينام, ولكنه ظل يتقلب على جنبه الأيسر حينا وجنبه الأيمن حينا آخر دون أن يذوق للنوم طعما, بجواره كان ينام عاشور, أحد رفاقه في الجهاد وأحد أبناء قريته, أحس عاشور بأن مسعود يعاني من شيء ما, ظن أنه خائف من المعركة التي خطط المجاهدون للقيام بها في اليوم التالي, قال عاشور مخاطبا مسعود: - يبدو أنك مهموم يا مسعود, إنها ليست المعركة الأولى التي تشارك فيها, إن الأعمار بيد الله, ثم إن الشهادة هي مطلبنا جميعا فلماذا الخوف?... - لست خائفا يا عاشور. - إذن ما هي المشكلة التي تجعلك مهموما إلى هذا الحد? قال عاشور وهو يتنهد في حسرة وألم: - إنني أفكر بأخي علي, وبالعار الذي يلحقه بقريتنا, وبذكرى المرحوم والده. كان مسعود قد ترك أخاه علي لزراعة الحقل ولإعالة والدته العجوز وأخوته الصغار, ولقد تناهت إليه أخبار من القرية بأن شقيقه علي قد ترك الزراعة وانضم إلى جنود الطليان, لقد عينوه في البداية خفيرا لأحد المخازن, ثم ألبسوه البذلة العسكرية وضمّوه إلى جيشهم ليحارب في صفوفهم ضد المجاهدين. قال عاشور محاولا أن يخفف من أحزان رفيقه في السلاح: - لاشك أنهم أرغموه على ذلك, إنك تعرف شراستهم. قال عاشور في نبرة غاضبة: - كان يجب أن يرفض حتى لو هددوه بالقتل, الموت أهون من هذا العار الذي يلحقه بأهله وأبناء وطنه. لم يدر عاشور ماذا يقول, فالأمر فعلا يدعو إلى الغضب والألم, ولكنه حاول أن يبعث الطمأنينة في قلب صاحبه, قائلا: - قد يكون الأمر مجرد إشاعة... - أتمنى أن يكون الأمر مجرد إشاعة, ولكنك تعلم يا عاشور أن الرجل الذي نقل إلينا الخبر صاحب عقــل ودرايـة, أتمنى لو أستطيع أن أذهب بنفسي هذه اللحظة لأستجلي حقيقة الأمر, ولكن ما العمل ونحن على أهبة الاستعداد لإحدى أهم معاركنا مع العدو?! - إذن دع الأمر إلى ما بعد المعركة, وحاول أن تنام قليلا, فإن أمامنا يوماً صعباً. - وفي حين نام عاشور, ظل مسعود ساهرا يفكر في هذا الأمر الجلل, هل حقا ارتضى شقيقه على نفسه العار والمذلة, وماذا تقول أمه التي كانت فخورة تزغرد وهي ترسل بأكبر أولادها إلى الجهاد, ألم تستطع أن تمنعه من القيام بهذه الفعلة المخزية, إذا ما كان الأمر حقا فإنه سيذهب إليه أينما كان ويقتله, فهذا هو جزاء الخيانة, ظل ساهرا إلى أن شعشع الفجر وسمع صياح الديكة, ورأى المجاهدين يقومون للصلاة, تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم واستغفر الله العظيم وقام إلى الوضوء والصلاة مع الجماعة ودعا لشقيقه بالهداية وطلب من الله أن يفرّج كربته وألا يجد نفسه في موقف يضطر معه إلى قتل شقيقه ابن أمه وأبيه. بدأ المجاهدون في سرج الخيول والاستعداد للرحيل حيث يتوجهون إلى الموقع الذي سيواجهون فيه معسكر العدو, إنه موقع يقع على بعد نصف يوم من السفر, وقبل أن يباشروا رحيلهم سمعوا صوت رصاصة أطلقها أحد المجاهدين المكلفين بالاستطلاع والحراسة, ثم رأوه قادما نحوهم يدفع أمامه بجندي من جنود الأعداء, كان مسعود قد امتطى جواده ووقف في حالة تأهب واستعداد يستطلع جلية الأمر, لم يستطع أن يتبين على البعد ملامح الجندي الإيطالي, وما إن رآه يقترب حتى قفز من فوق جواده وذهب يخترق صفوف المجاهدين, فقد عرف أن هذا الجندي ليس إلا شقيقه علي يرتدي بدلة العساكر الطليان, كان يريد أن يطلق عليه النار وهو يراه في هذه البذلة ولكن بقية المجاهدين أوقفوه ومنعوه من الوصول إليه وبدأوا يتعرّفون إلى سبب مجيئه إليهم في هذه الساعات الأولى من الصباح, وفي زحمة الأسئلة والاستفسارات بدأ علي يسرد للمجاهدين قصته, لقد أرغموه فعلا على الالتحاق بجند الطليان, ولكنه منذ اليوم الأول لالتحاقه صمم على أن يكيد لهم ويخدم حركة الجهاد من داخل خطوط الأعداء, وبدأ يتسقط الأخبار حتى عرف أن الطليان ينصبون كمينا للمجاهدين, ولذلك فقد أعدوا أنفسهم ووزعوا جنودهم للاختفاء خلف الأحراش التي تقع بالطريق الذي يؤدي إلى المعسكر لكي ينقضّوا على المجاهدين في حين غفلة قبل لحظة وصولهم إلى موقع الأعداء, ولقد أبدى استعداده لأن يتولى الحراسة هذه الليلة لكي يستطيع أن يهرب تحت غطاء الليل ويخبر المجاهدين بالكمين الذي أعدوه لهم. وهذا ما حدث, فما إن حل الظلام حتى تسلل هاربا وصار يعدو طوال الليل إلى أن اهتدى إلى مجموعة المجاهدين التي تتولى الاستطلاع والحراسة. تقدم أحد شيوخ المجاهدين يشكره ويحيي إخلاصه ووطنيته ويطلب منه الانضمام منذ الآن إلى صفوف المجاهدين, أما مسعود فقد وجد الدموع تنهمر من عينيه وهو يردد في سعادة وارتياح: - الحمد لله... الحمد لله... قالها وهو يفتح ذراعيه على وسعهما يحتضن شقيقه علي. ٿي بداية صيٿ عام 1954, حيث ٿان يقيم الٿنان الشهير (بابلٿ بيٿاسٿ) ٿيمتلٿ منزلا ٿي قرية (ٿالٿريس) جنٿب ٿرنسا حيث الشمس ٿالدٿء ٿبحر المتٿسط. ٿالقرية (ٿلٿريس) مشهٿرة بمشاغل صنع أٿاني الٿخار الملٿن المسمى بـ (السيراميٿ). ٿٿي أحد النهارات المشرقة ٿحيث ٿانت مجمٿعة صبية ٿٿتيات يستمتعٿن بعطلتهم الصيٿية, ٿيمرحٿن على سطح منزل صديق لهم, أخبرهم أن الٿنان (بيٿاسٿ) ما هٿ إلا جار له, ٿما ٿان من الٿتاة (سيلٿيت) إلا ٿأحست ببعض الرهبة ٿٿنها قد سمعت ٿثيرا عن الٿنان العالمي ٿٿذلٿ لٿٿنها تحب الرسم, ٿهي تحتٿظ بحقيبة جلدية صغيرة تحت سريرها تخبئ ٿيها خربشات رسٿمها ٿبعض محاٿلاتها اللٿنية, ٿلا تخبر بهذا أحداً, لٿٿنها ٿتاة خجٿل ٿلا تحب الإٿصاح عن مٿنٿنات نٿسها, خاصة الحميمة. ٿٿيما جمع الصبية ٿالٿتيان يهرجٿن ٿيمرحٿن ٿيتسامرٿن بأحاديثهم ٿٿجئٿا برجل أصلع يطل عليهم من ناٿذة منزله القريبة من سطح منزل صديقهم ليريهم لٿحة ملٿنة عليها صٿرة ٿتاة بضٿيرة شعر تنسدل من مؤخرة رأسها ٿذيل الحصان, ٿانطلق الجميع بصٿتهم الصارخ: إنها (سيلٿيت) لقد عرٿناها من ضٿيرة شعرها, يا لها من لٿحة جميلة ٿتشبهها تماما. ثم أتم بعضهم قٿله: إنه (بيٿاسٿ) إنه (بيٿاسٿ) الٿنان الٿبير. ٿما ٿان من (بيٿاسٿ) إلا أن هدر بضحٿته العريضة ٿقال للصغار: لقد ٿنت أراقبٿم منذ الصباح, ٿسرني مرحٿم الجميل, ٿما أن ٿجه زميلتٿم ٿطريقة قص شعرها استرعيا نظري ٿٿنت أسترق النظر إليها ٿأعٿد إلى لٿحتي لأتممها, ٿالآن أنا مسرٿر جداً لأنٿم بعٿٿيتٿم عرٿتم صاحبتها ٿعبرتم عن جمالها ببراءة ٿبلا تٿلٿ ٿهذا ما يهمني ٿٿنان. لقد أحببت قصصٿم ٿدردشاتٿم ٿأنا أتابعٿم منذ الصباح, لقد أعدتم إلي سني الانطلاق ٿالعٿٿية, ٿأنا أدعٿٿم لزيارة مرسمي متى تشاءٿن. ٿما ٿان من الجميع إلا أن صرخٿا: نحب أن نزٿرٿ الآن.. نحب أن نزٿرٿ الآن, ٿلقد سمعنا الٿثير عنٿ ٿيهمنا أن نٿتشٿ عالمٿ العجيب ٿالغريب ٿما تخبرنا عنه الصحٿ ٿالمجلات. ٿأرشدهم (بيٿاسٿ) إلى مدخل المبنى ٿهرعٿا إليه, ٿيما أخذت (سيلٿيت) تحس بالرهبة أٿثر ٿٿنها الٿحيدة التي استرعت نظر الٿنان, لٿن اندٿاع رٿاقها جعلها تتبعهم ٿلٿ ببطء ٿٿجل. حين دخل الصبية ٿالٿتيات مرسم (بيٿاسٿ) أحسٿا ٿٿأنهم يدخلٿن مغارة علي بابا ٿٿان المرسم قائما قاعدا ٿمليئا بمختلٿ الأشياء ٿالنماذج ٿالمٿٿنات: أقنعة أٿريقية, أقنعة مهرجين, أقٿاص طيٿر, آلات مٿسيقية مبعثرة, ٿرسي هزاز ٿبير, عظام حيٿانات, أٿعية ٿخارية ملٿنة ٿغير ملٿنة ٿبعضها مهشم, صحٿن مرسٿم عليها نباتات استٿائية ٿبيضاء ملٿنة. لقد استرعاهم عالم (بيٿاسٿ) المثير ٿيما ٿان هٿ بقامته القصيرة يلبس قميصا مقلما بالأزرق ٿالأبيض ٿأحد البحارة, ٿيضع بنطالا قصيرا ٿالذي يلبسٿنه الذين يقضٿن عطلهم ٿي المنتجعات الصيٿية, ٿينتعل صندالاً من الجلد. شعر (بيٿاسٿ) بخجل ٿإحراج (سيلٿيت) ٿاقترب منها ليقٿل: لا تخاٿي ٿإن ابني (بٿل) اٿبر منٿ الآن ٿهٿ بعمر أبيٿ, ٿأنا يمٿن أن تعتبريني جدٿ, ٿأنا ٿي الثالثة ٿالسبعين من عمري. ٿتعجب الجميع لعمر (بيٿاسٿ) ٿٿن همته تٿحي بالنشاط ٿٿأنه ٿي مقتبل العمر, لذلٿ تابع (بيٿاسٿ) ٿقد لاحظ استغرابهم ليخبرهم بأن الٿنان الأصيل هٿ الذي يبقى طٿلا طٿال عمره, لأن الٿنان عليه أن يحتٿظ بالصدق ٿالبراءة ٿحب الحياة ٿهذه ٿلها صٿات لا يتحلى بها إلا الصغار أمثالٿم. ٿهلل الجميع ٿسرٿا لحديثه, ٿيما أجلس (بيٿاسٿ) (سيلٿيت) على الٿرسي الهزاز ٿٿضع عليها معطٿه, لأنه شعر بأنها ترتجٿ خجلا, ٿأخذ يرسمها من جديد على اللٿحة بالألٿان الزيتية, ٿما هي إلا ساعتين حتى ٿانت سيلٿيت لٿحة ٿاملة بتٿقيع (بيٿاسٿ), ٿهالها المنظر ٿأحست ٿم هي ٿانت محظٿظة, ٿما سر ٿل المٿجٿدين لاسيما ٿهم يراقبٿن (بيٿاسٿ) منهمٿا بنشاطه ٿحرٿاته الحيٿية. ٿانت (سيلٿيت) لا تمٿث بعيدا عن منزل زميلها جار الٿنان (بيٿاسٿ) لذلٿ ظلت طٿال العطلة الصيٿية تتردد مع زملائها ٿزميلاتها على مرسم (بيٿاسٿ) ببراءتهم المحببة, ٿٿان (بيٿاسٿ) يعاملهم بٿل طيبة ٿحب ٿإخلاص, ٿما إنه ٿي إحدى المرات أخذت (سيلٿيت) رسٿمها لتريها للٿنان المهم, ٿنظر إلى الرسٿمات بشغٿ ٿاهتمام, ٿأخبرها أن تٿٿن شجاعة أٿثر ٿأن تداٿم على الرسم ٿإن أحبت عليها أن تدرس مادة الرسم ٿي معاهد باريس حين تعٿد ٿي الشتاء إلى منزلها هناٿ. ٿي الصيٿ ٿله ٿان بيٿاسٿ مداٿما على عمله ٿأنه ٿي سباق مع الزمن, ٿٿانت اللٿحات تتراٿم ٿي مرسمه ٿما إنه عمل الٿثير من أٿاني الٿخار الجميلة بإيحاءات من شٿل طائر البٿم الذي ٿان (بيٿاسٿ) يراه طائرا جميلا. لاحظت (سيلٿيت) أن (بيٿاسٿ) يجمع الأدٿات ٿالأشياء القديمة حتى المهملة منها ليصنع منها أشٿالا ٿنية طريٿة, ٿلقد استعمل مقٿد ٿمقعد الدراجة ليجعل منهما رأس ثٿر إسباني جميل, ٿما استعمل نمٿذجا لسيارة صغيرة الحجم ٿطلاه باللٿن البني الغامق ٿرسم على زجاجه الأمامي عينين ٿبيرتين ليحصل على رأس قرد. ثم إن (بيٿاسٿ) لم يٿتٿ برسم ٿاحد لٿجه (سيلٿيت) بل ٿان يستغل زياراتها ليجلسها على الٿرسي الهزاز ٿيصٿغ من ملامحها تطٿيرات متقدمة لتقاطيع ٿجهها حتى إنه ٿي إحدى المرات رسمها بأسلٿب الٿن التٿعيبي, مما جعل (سيلٿيت) تنبهر له مع أنها لم تحبه, ٿٿسر لها (بيٿاسٿ) أنه على الٿنان أن يطٿر أسلٿبه ٿلا يٿتٿي بنقل الٿاقع ٿما تٿعل آلة التصٿير الجامدة, ٿالٿنان هٿ إنسان له أحاسيس مختلٿة ٿيمٿنه أن يصيغ رسم الأشياء من خلال ما يحب ٿما يٿتنٿه من عٿاطٿ ٿحالات متغيرة. حين انتهاء الصيٿية ٿان (بيٿاسٿ) قد حصل من إيحاء ٿجه (سيلٿيت) على مجمٿعة ٿبيرة من اللٿحات قدرها بعضهم بالأربعين عملاً, مٿنته من إقامة معرض خاص بهذه اللٿحات حين انتقل ٿي الشتاء إلى باريس. ٿما أنه ٿي ٿقت لاحق طلبت منه حٿٿمتا هٿلندا ٿأمريٿا عمل منحٿتتين لتٿضعا ٿي أماٿن عامة ٿصاغهما (بيٿاسٿ) من ٿحي ٿجه (سيلٿيت). (سيلٿيت) سمعت نصيحة (بيٿاسٿ) ٿتعلمت الٿن ٿاحترٿته ٿأصبحت ٿنانة ٿبيرة تعيش الآن ٿي بريطانيا تحت اسم (ليديا ٿٿربيت) ٿقد رٿت هذه القصة لأحد الٿتاب البريطانيين ٿأنا أنقلها لٿم الآن بٿل حقيقتها. ٿي ٿترة إقامة المعرض الخاص ٿي باريس أهدى (بيٿاسٿ) ٿاحدة من اللٿحات إلى (سيلٿيت) بعد أن ٿقعها, ٿباعتها لتشتري بثمنها شقة جميلة ٿي باريس ٿليبقى معها بعض المال مٿنها من متابعة دراستها الٿنية. ٿما أن شٿل الضٿيرة ٿذيل الحصان أصبح (صرعة) باريسية ٿي العام 1954 درجت على تقليده ٿتيات ٿرنسا الصغيرات. من هٿ بيٿاسٿ? * ٿلد (بيٿاسٿ) ٿي بلدة (مالقا) ٿي إسبانيا عام 1881 لأب يعلم الرسم ٿي المعاهد. * بدأ ٿي الثانية عشرة من عمره يرسم لٿحات زيتية مثيرة للإعجاب. * غادر ٿي العشرين من عمره إلى باريس ٿأخذ يراٿدها ذهاباً ٿإيابا حتى استقر ٿيها بشٿل نهائي.. ٿذلٿ حبا للشهرة ٿللالتقاء بالٿنانين العالميين ٿالٿتاب المشهٿرين. * هاجم الجنرال ٿرانٿٿ حاٿم إسبانيا ٿذلٿ لديٿتاتٿريته ٿأصدر بيانا عنيٿا ضده تحت عنٿان (حلم ٿرانٿٿ الٿاذب). * رسم لٿحته (الغارنيٿا) ٿي 28 نيسان 1937 تخليدا لضحايا هذه البلدة الإسبانية التي تحمل الاسم نٿسه بعد أن قصٿها الٿاشيٿن بالقنابل. * أنجز (بيٿاسٿ) ما يقارب الثلاثين ألٿ عمل ٿني ما بين رسم ٿنحت ٿطبع ٿسيراميٿ. * ٿان ثٿرياً ٿطليعيا ٿي أساليبه الٿنية متميزاً ٿمغايراً. * مات ٿهٿ ٿي الثانية ٿالتسعين من عمره ٿي عام 1973.. ٿظل يعمل حتى آخر أيام حياته لأن ه ٿان يؤمن بأن العمل هٿ نٿع من (العلاج) للاستمرار ٿي الحياة. أراد الفيل الصغير في وقت العصاري أن يلعب مع الحيوانات أو الطيور, لأن كل أصدقائه ذهبوا للاستحمام في النهر, فسار في طريقه على أمل أن يقابل من يلعب معه, شاهد عصفورة تتحرك على الأرض وهي تتقافز في رشاقة, فلما رأته خافت وطارت على أقرب شجرة وهي ترتعش. قال لها الفيل الصغير في تودد: - لا تخافي إنني أريد اللعب معك. استغربت العصفورة وردت عليه: - أنت كبير الحجم جدا بالنسبة إلى حجمي, وأنت لا تملك أجنحة, وبالتالي لا تستطيع الطيران, ولذلك من الصعب أن نلعب معا. ثم طارت العصفورة مبتعدة وهي تؤكد أن الفيل قد أصابه الجنون! أما الفيل, فقد أصابه الحزن, وعلى الأخص أنه بلا أجنحة, وبالتالي لا يستطيع الطيران والتنقل فوق الأشجار والمنازل العالية. قابل بعد ذلك أحد الغربان وهو يحجل على الأرض كأنه يلاعب نفسه, فطلب منه أن يلعب معه. اندهش الغراب من طلب الفيل, وظن أنه موفد من بائع الجبن الذي سرق منه قطعة كبيرة منذ أيام لكي يقبض عليه, فتوجس منه وبدأ يتمتم بصوته المزعج, فطمأنه الفيل بأنه لا يجد من يلعب معه, وهو يؤمن بفكرة السلام مع الجميع! ولكن الغراب حاول إغلاق باب المناقشة, فأخبر الفيل عن صعوبة اللعب معه لخوفه من الوقوف على الأرض كثيرا بسبب بعض الأولاد الذين لا يحبونه ويضمرون له الشر, وبالتالي فلن يتمكن من الصعود على أي شجرة ليلعبا معا, مما يجعل مشروع اللعب مشروعا فاشلا لا يصلح لهما. بعد ذلك, لمح الفيل الصغير أحد الفئران وهو يتحرك وكأنه في مناورة حربية, فطلب منه أن يلعب معه, ولكن الفأر نظر إلى الفيل في ريبة شديدة, وابتعد عنه وهو يزمجر غاضبا: - لا, ليس الموضوع حكاية لعب معي, فلابد أنك أحد جواسيس القطط, تحاول الإيقاع بي لكي يتم افتراسي?! ثم تركه دون أن يودعه, واختفى في لمح البصر. انزعج الفيل الصغير, وتأكد أنه لن يستطيع اللعب إلا مع الأفيال وقرر أن يستمر في محاولاته بتخطي الفروق بينه وبين الآخرين. ذات مساء من العام الماضي, كنت قد فرغت من استذكار دروسي, وجلست في الشرفة أقرأ قصة شائقة وسط النباتات الجميلة. كان أبي وأمي في صالة الشقة يتشاوران في شئون البيت, وكل منهما يمسك ورقة وقلما. تذكرت أننا في أول الشهر, وأنهما يعدان الميزانية الشهرية للمنزل. لم أكن أشغل بالي بأمور البيت المالية, فأنا آخذ مصروفي من والدي يوما بيوم, فهو يعطيني ما أريد من نقود أثناء الشهر, لأشتري مجلة أو كتابا أو شجرة جديدة أضعها في الشرفة. بعد انتهاء المناقشات والمداولات الطويلة, استدعاني أبي, وسلّمني مبلغا من المال. قال إنه مصروفي لهذا الشهر. تملكتني الدهشة, وأخبرتني أمي أنهما اتفقا على إعطائي مصروفي أول كل شهر دفعة واحدة, لأني صرت كبيرا وقادرا على تحمل المسئولية, ونبهتني إلى الاعتدال في الإنفاق دون تبذير أو تقتير, وتوزيع المصروف على أيام الشهر كلها, وادخار قدر منه ينفعني وقت الحاجة. سألني والدي إن كان المصروف الشهري الذي قدراه لي يناسبني, فأجبت فورا بنعم. ووعدني بزيادته في المستقبل إذا نجحت في هذه التجربة. أمسيت أفكر بالنقود. لم أستطع قراءة القصة أو النوم, وظللت أخرج الأوراق المالية من جيبي وأعدها مرة بعد مرة, كانت تبدو لي ثروة هائلة. استولى المال على كل تفكيري, في البيت, والشارع والفصل. كنت شارد العقل أثناء الحصص, حتى أنني لم أفهم شيئا من شرح المدرسين. وعقب انصرافي من المدرسة, أخذت أسير ببطء في الشوارع على غير عادتي, وأشاهد في انبهار ما تعرضه المتاجر من أشياء... ساعات وميداليات.. زجاجات عطور... لعب ودمى... أشرطة كاسيت... قمصان وأحذية.. شيكولاتة... آيس كريم, توقفت دقائق أمام ناد لألعاب الفيديو والبلياردو. كم مررت بهذه الأماكن, غير أني أراها الآن بعيون جديدة. عدد من أصدقائي يترددون إلى هذه النوادي ويستمتعون بألعابها الساحرة, أما أنا فأفضل عليها القراءة والزراعة. لم أنفق في اليوم الأول أكثر من إنفاقي المعتاد, وإن ارتبكت أفكاري ارتباكا شديدا, كنت حائرا, أحاول المذاكرة فلا أستطيع, كانت كل الأشياء الجميلة التي رأيتها في الحوانيت تطوف بخيالي. بإمكاني شراء الكثير منها, وباستطاعتي الذهاب إلى النادي والاستمتاع بألعابه الرائعة, حذّرتني أمي بلطف من الإسراف, ونصحتني بالادخار, وحدثتني عن المسئولية, أبي يقول إن قرار تحويل مصروفي من يومي إلى شهري تجربة, اختبار, الواجبات والامتحانات والمسئوليات تلاحقني في المدرسة وفي البيت أيضا, كلمات أمي وأبي قيود ثقيلة تكبلني. مللت المنزل, واستأذنت والدتي لأذاكر مع أحد أصدقائي. ذاكرنا قليلا, وبحت لصديقي برغبتي في الذهاب إلى النادي, وقلت له إن معي نقودا كثيرة, فوافق من فوره, وأمضينا هناك وقتا طويلا في اللعب. قبل نهاية الأسبوع الأول, كانت نقودي قد نفدت تماما, ما كان يجب أن أصرفه في ثلاثين يوما أنفقته في بضعة أيام. أفرطت كثيرا في شراء المأكولات والمشروبات وشرائط الكاسيت الصاخبة, وأسرفت في اللعب إسرافا شديدا, ونسيت نصائح أبويّ. لجأت إلى الاقتراض من بعض أصدقائي مختلقا الأسباب والذرائع لأثير عطفهم, وأنا أشعر بالخجل الشديد. وصرت مدينا للمرة الأولى في حياتي. ووعدتهم بتسديد نقودهم في أول الشهر, ولم أكن وحدي من ينتظر قدومه في لهفة, هم كذلك كانوا ينتظرون... أصدقائي الدائنون. وبمجرد أن تسلمت مصروفي الشهري, رددت إليهم نقودهم, ومرة أخرى ضعفت إرادتي أمام رغباتي, وجعلت أبدد ما تبقى في الأكل واللعب. وتتابعت الأحداث المؤسفة, أعلنت المدرسة عن رحلة إلى المتحف الزراعي وحديقة الحيوان, عجزت عن الاشتراك فيها, فحزنت كثيرا, وظهرت نتيجة امتحان الشهر, وسُجلت بشهادتي أقل درجات حصلت عليها طوال سنوات دراستي, كانت مفاجأة للجميع, فقد كنت دائما من المتفوقين, وأردت زيارة ابن خالتي الذي أجريت له عملية جراحية, وتقديم هدية له بمناسبة شفائه. ولكن من أين لي بثمنها? كان عليّ أن أبوح لأمي بكل شيء, استجمعت شجاعي, واعترفت لها بالحقيقة, لم تلمني أو تعاتبني, أحسست من نظراتها أنها كانت تعرف ما فعلت وتنتظر مني أن أبادئها بطلب المساعدة, رفضت بإصرار أن تعطيني أي نقود ولو على سبيل القرض. وما حدث من أمي تكرر من أبي, كأنه كان يدري هو أيضا بما كان مني. وفي هذا اليوم أحضرت أمي الهدية بنفسها, وقدمناها إلى ابن خالتي في المستشفى باسم أفراد الأسرة جميعا. عانيت من نقص النقود بقية الشهر, وكنت أشعر بالندم الشديد لإخفاقي في تحمل المسئولية, وانتظرت في قلق ما سيقرره أبواي بشأني حين يجتمعان لإعداد الميزانية, أتراهما فقدا الثقة بي? هل سينقصان المصروف أم سيعودان بي إلى نظام المصروف اليومي? وكانت المفاجأة في اليوم الأول من الشهر, دعاني والداي إلى مائدة الحوار, فجلست متوجسا. قالت أمي: البيت يشبه في شئونه المالية شركة صغيرة, يديرها الزوج وتعاونه زوجته, ويجب أن يشاركهما الأبناء, لهذا رأينا أن ندعوك لتبادلنا الرأي ونحن نخطط لميزانية هذا الشهر. وأخبرنا أبي أنه وجد عملا إضافيا في المساء سيزيد دخلنا في الشهور المقبلة. بدأ بعد ذلك الحوار حول ميزانية المنزل, فتحدث أبي عن مجموع موارد الأسرة من راتبه الشهري والمكافأة التي نالها من عمله, مضافا إليهما نصيبه السنوي من بيع محصول أرض زراعية صغيرة ورثها عن جدي. وراحت والدتي تحدد نفقات المنزل الثابتة كإيجار الشقة, وحساب الكهرباء والمياه, ومصروفي الشهري, وتكاليف الطعام والشراب والدواء, والمصروفات الجديدة كفاتورة التليفون. وقسط مدرستي الأخير وملابس الشتاء. بدأت الحسابات, ووجدتني أحس بخطورة الأمر وأشفق على أبي وأمي وهما يحاولان وضع الميزانية. ويجاهدان ليوفقا ما بين الإيرادات والمصروفات. خرجت عن صمتي وشاركتهما المناقشة. كانت مصروفات البيت لهذا الشهر تزيد عن الإيرادات, فعرضت عليهما أن يخفضا مصروفي الشهري, فرفضا ذلك, ولاقى اقتراحي بتأجيل شراء ملابس جديدة للشتاء قبولا من كليهما. مضيت إلى حجرتي بعد انتهاء تلك المناقشات المضنية, وشرعت في إعداد ميزانيتي الخاصة, حسبت احتياجاتي الضرورية على مدار الشهر بالقلم والورقة. ووزعت مصروفي عليها, وأبقيت جزءا أدخره لأقيم به مشروعا صغيرا في إجازة الصيف, يزيد من دخل الأسرة, وعزمت على الاجتهاد في دراستي, والنجاح بتفوق كالأعوام السابقة. حققت في نهاية العام الدراسي ما أصبو إليه من تفوق, وجلست ذات يوم في الشرفة أفكر في مشروع مناسب. نظرت إلى أصص الزهور وأشجار الزينة من حولي, وخطرت لي فكرة. أن لي شغفا بالزراعة وخبرة في تربية النباتات, فلماذا لا أقيم مشتلا صغيرا أبيع فيه الزهور وشتلات الأشجار? كل ما أحتاج إليه هو قطعة أرض صغيرة. تذكرت أن هناك مساحة خالية من الأرض أمام منزل جارة لنا تربطها بأمي صداقة طيبة, شرحت لها مشروعي, فسمحت لي باستخدام الأرض طوال شهور الإجازة دون مقابل. اشتريت الأصص, وزرعت فيها الورد والياسمين والفــل والريحـــان وشجيرات الزينة, وشجعني أصدقائي وجيراني في البدايــة بالشـــراء مني. وذاعت شهــرة المشتل بمرور الأيام, وأقبل المشترون من حينا والأحياء المجاورة, وأخذت أرباحي تزيد يوما بعد يوم. جاءتني فكرة جديدة, فأحضرت ما عندي من مجلات وكتب قديمة, وعرضتها في المشتل, ليستعيرها من يريد ويستمتع بقراءتها لقاء قروش قليلة. نجحت الفكرة, وكان يحلو للبعض قراءة الكتب وسط الأشجار والزهور. قبل بدء الدراسة, جلسنا لإعداد الميزانية, طلبت إلى أبي وأمي أن يطرحا من جملة نفقات المنزل مصروفات المدرسة لأني دفعتها من نقودي الخاصة. حدثتهما أيضا عن مشروعاتي للإجازة الصيفية التا لية بإذن الله, وتفكيري في بيع الجرائد والمجلات وبعض الحلوى والمشروبات إلى جانب الزهور والنباتات. تبادل الاثنان نظرات الدهشة وابتسمت أمي وصاحت: نحن نفكر لشهر واحد والولد يفكر لسنة قادمة!! وصلت مجموعة من العصافير إلى حقل ذرةْ, فغرّدت وصاحت: ما أجمله! استعد الجميع لوليمة شهية, بعد رحلة طويلة ومضنية. في وسط الحقل كانت كومة ذرة تلمع, وكان الصغير دودو الأسرع إليها ْ. عندما لامس الفرخ الحبات , لم يكن يعلم أنه فخ. علقت أصبعه في الدبق, فصاح: إليّ يا أصدقائي! وهنا كان على الأصدقاء أن يجدوا طريقة لإنقاذ دودو. قال أشجعهم بحماسة : سأذهب وأشده بقوة. فرد آخر: لا! قد يتمزق جلده أشفق عليه. الحل أن نجلب الماء ونرميه بين رجليه. وهنا صاح ثالث: ولكن الماء بعيد وحتى نحضره يكون الصياد قد أتى وأسره. قال العصفور سوسو: أنا رأيي أن نهرب في الحال, فإنقاذ دودو المتهور محال. وقبل أن يكمل كلامه صاح عصفور به: يا لك من جبان! عندها احمرّت عينا سوسو إذ شعر أنه يهان. هجم على رفيقه يريد ضربه وفقد كل عصفور أعصابه وكاد الجميع يشترك بالعراك وينسون صديقهم العالق في الشراك. وقبل أن يتطور الشجار, صرخ كبيرهم: يا للعار! يا للعار! وأضاف: لقد وقعنا جميعا في الفخ المنصوب, وهو ليس الدبق تحت تلك الحبوب. لو كنا رأيا واحدا وقلبا واحداً لأنقذنا رفيقنا منذ زمن. بعضنا لديه الشجاعة وبعضنا لديه الذكاء لكن أحدا منا لا يمتلكهما معا! لبس رامز ملابس العيد الجديدة صباح يوم العيد, وأسرع إلى أبيه وأمه وقال لهما: كل عام وأنتما بخير. قبّلته أمه وصافحه أبوه ووضع في يده مصروف العيد قائلا: أرجو أن تصرف هذه النقود فيما يفيد يا رامز, هزّ رامز رأسه وقال: طبعا يا أبي, سأشتري كرة ألعب بها في أيام الإجازات. قالت الأم ضاحكة: ستكون هذه الكرة العاشرة التي تضيع بعد يوم أو اثنين يا رامز, اعترض رامز بشدة مؤكدا أنه سيحافظ على الكرة هذه المرة. انطلق رامز مسرعا واشترى كرة ملوّنة بالأحمر والأسود والأبيض, نظر إليها معجبا بها ثم أخرجها من كيسها ورفعها إلى أعلى ثم ركلها بقدمه القوية, ارتفعت الكرة مسافة كبيرة ثم سقطت على الأرض محدثة دويا مزعجا, فتح أحد الجيران نافذته وصرخ في رامز طالبا منه أن يلعب بعيدا. بعد الغداء قال الأب: سنذهب الآن إلى عمتكم الكبرى لنزورها وهناك العمة الصغرى, صفق رامز فرحا فابنا عمته الصغرى يامن ونهاد في مثل سنه ويلعبان معه كثيرا, همس رامز في أذن أمه: سآخذ الكرة معي لألعب بها مع يامن ونهاد, قالت الأم: ستسببون إزعاجا كبيرا, وعدها رامز ألا يفعل وسيحافظ على الكرة. انطلق رامز ويامن ونهاد ولدي عمته يلعبون بالكرة في الشارع قرب بيت العمة الكبيرة, أذن المغرب والعشاء وهم في الشارع يلعبون الكرة, قال رامز متحديا: يا يامن هل تستطيع قذف الكرة في السماء بمثل قوتي, سأبدأ الآن ثم تقذفها أنت ونرى من الفائز? لم يعط رامز الفرصة ليامن كي يناقشه وقذف الكرة في السماء, اختفت الكرة, بدأ رامز ويامن ونهاد البحث عن الكرة فلم يجدوها, عاودوا البحث مرة ثانية وثالثة ورابعة ولكن الظلام كان قد ابتلع الكرة, وقف رامز حائرا وخائفا. وفي البيت قالت نهاد فور دخولها: أضاع رامز الكرة!! قال الأب غاضبا لابنه رامز: أضعت الكرة كما فعلت ذلك مرات كثيرة, لن نشتري لك كرة أخرى أبدا. بعد أيام وقفت أميرة ابنة عمة رامز الكبرى تستذكر دروسها في شرفة المنزل, فزعت حين سقطت من السماء كرة محدثة دويا كبيرا, نظرت إليها ثم أمسكت بها فرأتها تشبه كرة رامز ابن خالها حملتها مسرعة تريها لأمها وشقيقها محمد قائلة: عادت كرة رامز من السماء, أكد محمد أنها كرة رامز, ولكن من أين جاءت? قالت أميرة بعد أن فحصت الكرة جيدا: هذه الكرة قديمة بعض الشيء عن كرة رامز, قال محمد ضاحكا: لعب بها من عثر عليها كثيرا حتى صارت بهذا الشكل, ولكنها سقطت من السماء فمن لعب بها إذن? كان الجميع يتناولون طعام الغداء حين سمعوا طرقات متوالية على باب المنزل, فزعت أميرة وأسرعت تفتح الباب فوجدت أمامها صبيا يقول لها: سقطت الكرة عندكم. قالت أميرة للصبي: هل هذه كرتك? قال الصبي باسما: سأقول لك الحقيقة, لقد عثرنا عليها في الشارع منذ أيام عدة, قالت أميرة على الفور: هذه الكرة ملك لرامز ابن خالي, ابتسم الصبي خجلا وقال وهو ينصرف: أنا آسف. ضحك الجميع وأميرة تحكي لهم ما قاله الصبي. في نهاية الأسبوع ذهبت (سارة) مع أبيها وأمها في رحلة قصيرة إلى شاطئ البحر. قطعت السيارة بهم مسافة طويلة وكانت (سارة) تتابع طريق الأشجار. وصلت السيارة إلى المدينة الساحلية و(سارة) مازالت تلاحق أمها وأبيها بأسئلة عن السفر والمدينة الجميلة. استقرت العائلة الصغيرة في بيت صغير على الشاطئ, وراحت (سارة) تتحرك في أرجاء البيت لتستكشف المكان. وقبل أن تغير ثيابها نظرت من الشرفة فرأت البحر يهدر من بعيد. لم تكن (سارة) قد عرفت البحر من قبل فأبدت دهشة كبيرة ثم سألت أمها: - من الذي سكب كل هذا الماء على الأرض يا أمي? ضحكت أم (سارة) ودخلت المطبخ لتعد طعام الغداء, فقد كانت الرحلة طويلة وشاقة, نظرت (سارة) مرة ثانية للبحر وأبدت دهشة كبيرة وهي تسأل أبيها: - من الذي سكب كل هذا الماء على الأرض يا أبي? ضحك والد (سارة) ودخل يساعد زوجته في إعداد الطعام. وقفت سارة وحدها في الشرفة تنظر إلى البحر وتتأمل الماء المسكوب على الأرض وتتساءل في نفسها: - لماذا يتركون كل هذا الماء هكذا على الأرض? ابتعدت عنه إلى باب البيت مسرعة. - يجب أن أفعل شيئا... نزلت سارة من البيت وسارت في اتجاه البحر. كانت تسير على طريق الأسفلت. وما أن اقتربت من الشاطئ حتى بدت الرمال ناعمة للغاية. وقفت سارة على الرمال فغاصت قدماها وبدت تتحرك على الرمال بصعوبة في اتجاه الماء المسكوب على الأرض وهي تنظر في دهشة. كانت الأمواج تأتي من بعيد, من قلب البحر و(سارة) تقترب شيئا فشيئا من البحر ثم تبتعد فتلاحقها الأمواج. بدت (سارة) حائرة مع أمواج البحر التي تتدافع في اتجاهها. بعد وقت عادت إلى البيت مسرعة وهي تقول لنفسها: - لابد أن أفعل شيئا... كانت أم (سارة) تبحث عن ابنتها في أرجاء البيت وحين نظرت من الشرفة وجدت سارة وقد أتت بدلوها البلاستيكي الأحمر والجاروف وراحت تملأ الجاروف من ماء البحر وتسكبه في الدلو, ثم تذهب بعيدا لتسكب الدلو على الرمال وتعود لتملأ الدلو من جديد. كانت (سارة) تريد أن تنزح ماء البحر. ظلت (سارة) فترة طويلة تنزح الماء بالجاروف وتملأ دلوها الأحمر وتذهب لتسكبه على رمل الشاطئ. كانت (سارة) كلما نزحت بعض الماء تعود لتنظر إلى البحر فتجد أنه لم ينقص شيئا, كما كانت الرمال تمتص الماء سريعا. ظلت (سارة) تملأ دلوها وتسكبه على الرمل حتى تعبت. بدا العرق الغزير يسيل على جبينها. جاء والد (سارة) بكراسي البحر الملونة ورصها قريبا من الماء, وثبت الشمسية وفردها ونادى ابنته التي كانت مازالت تنزح البحر. ضحكت أم (سارة) وقالت لابنتها... - لن تستطيعي أن تنقصي من البحر شيئا. وقال والد (سارة) لابنته: - حقا لن تستطيعي أن تنقصي من البحر شيئا. قالت سارة: - بحر... أي بحر! قال الأب: - البحر هذا الذي أمامك وتظنينه ماء مسكوبا على الأرض? كانت (سارة) تنظر في دهشة, فأمسكها والداها كل من يد ودخلا بها الماء.. قالت الأم: - الآن جاء وقت التعارف بين البنت الصغيرة (سارة) والبحر. في البدء شعرت (سارة) بخوف من الماء ثم سرعان ما ألفت صوته يهدر ويأتي بالأمواج لتداعب قدميها وذراعيها وشعرها ووجهها. يُحكى أن أحدَ الملوكِ أرادَ أن يمتحن أفرادَ رعيتهِ, ويعرفَ الأذكى من بينهم, ليجعلَ منه وزيره الأول, فأمر بصنعِ ثلاث دمى متشابهةٍ مع بعضِها البعض الآخر من حيثُ الحجمُ واللونُ والوزنُ والشكلُ. ما إن أنجزت الدمى, وكانت متشابهة فعلاً, حتى كلف الملكُ واحداً من أمهرِ صنّاعه بإدخالِ بعضِ التعديلاتِ على الدمى الثلاثِ, دون أي تغيير لا في حجمِها, ولا في لونِها, ولا في وزنِها أو شكلِها. بحيث جاءت إحداها لا قيمة لها, والثانيةُ بخسةَ الثمن, بينما جاءت الثالثةُ باهظة الثمن. وُضعت الدمى الثلاثُ في الساحةِ العامةِ, وأعلن المنادون أن الملكَ سيجزل العطاءَ لمن يكتشفُ السببَ الكامنَ وراء التفاوتِ بين هذه الدمى من حيثُ قيمتها, على الرغمِ من هذا التشابه, لا بلْ والتطابقِ فيما بينها. بدأ الناسُ يتوافدون إلى الساحةِ, رجالاً ونساءً, شيوخاً وشباناً, وكل منهم يُمنّي النفس باكتشافِ السّر, لكن أياً منهم لم يَفُزْ بطائلٍ. مرت الأيامُ والأسابيعُ فالأشهرُ دون أن يظهرَ ذلك الفطينُ الأريبُ, وكاد الملكُ يفقدُ الأملَ في ظهورهِ. وفي أحدِ الأيام وصل الساحة شابٌّ في مقتبل العمرِ, واقتربَ من الدمى, وراح يتفحصها بإمعانٍ, فلاحظ وجود ثقب صغير في كل أذن من آذانها الستّ. أخذ الشاب عوداً رفيعاً, طويلاً وليّناً, وأدخله في أُذن إحدى الدمى, فخرج العودُ من فمها, ولما أدخله في أذنِ الدمية الثانية إذ به يخرج من أذنِها الأخرى, وحين أدخله في أذن الثالثة فوجئ به يختفي في بطنِ الدمية, دون أن يظهر له أثر. فَكّرَ الشابّ في الأمر ملياً, ثم أعلن للحراس أنه يستطيعُ إماطة اللثام عن السّر, وطلب أن يسمحوا له بالمثول في حضرة الملك. ركع الشابَّ للملك إجلالاً, وقال: - إن هذه الدمى, يا صاحب الجلالة, شبيهة بنا, نحن معشر البشر, فالدميةُ الأولى تشبه الإنسان الذي ما إن يؤتمن على سرّ من الأسرارِ حتى يقفَ على قارعةِ الطريقِ ويفشيه لكل عابرِ سبيلٍ. ومثل هذا الإنسان غيرُ جدير بالثقة, ولا يمكن أن يؤتمن على شيء, صَغُرَ أو كَبُرَ, ومن هنا فإن هذه الدمية لا قيمة لها, ولا تساوي شروى نقير. وأما الدميةُ الثانيةُ فتشبه الإنسانَ الذي لا يأخذ بما يسدى إليه من نصائحَ, ولا يصغي لمن يوجههُ ويرشدهُ إلى الطريق القويم, والصراط المستقيم, فالكلام يدخل من أذنه, ويخرجُ من الأخرى, دون أي تأثير, ومن هنا فإن هذه الدمية لا جدوى منها, ولا فائدة تُرجى منها. أما الدميةُ الثالثة والأخيرةُ, فتشبه الإنسان الذي يتكتم على أسرارِ الآخرين, فيحفظها, ولا يفشيها, ومثل هذا الإنسانِ جديرٌ بكل ثقة, ويمكن أن يؤتمنَ على كل شيء.ولهذا فإن الدمية الثالثة لا تقدر بثمن. فرح الملكُ بذكاء الشابّ, وأجزلَ له العطاءَ, وعينه وزيرَه الأولَ, ومستشارَه والمشرفَ على تربيةِ ولي عهدهِ. اختار أحد الولاة عالمًا عُرف بعلمه وتقواه وعدله لتولي أمر القضاء في مدينته, وقد تم إخطاره بذلك قبل حلول عيد الأضحى بأيام قليلة وكان هذا العالم فقيرًا, ولما لم يمر على توليه أمر القضاء شهر كامل - عند حلول العيد - فلم يكن له مرتب, ولم يكن لديه مدخر من المال, فلم يستطع بالتالي شراء أضحية, وقد أخبر زوجته بذلك والحزن يكسو صوته ووجهه. فقالت الزوجة الطيبة: لا تقلق ولا تحمل همّا, إن لدينا ديكا كبيرا, كنت أطعمه وأسقيه بنفسي حتى صار سمينًا وممتلئًا, سوف أذبحه ونضحي به, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وفي يوم العيد صعدت الزوجة الدرج إلى سطح دارها, بعد أن أدى الناس الصلاة ورجعوا لدورهم, وما إن فتحت باب العشة على الديك وبيدها السكين حتى هاج الديك وقأقأ عاليا وقفز قفزة عالية, مستخدما جناحيه القويين, ووقف فوق سور البيت, فلما تبعته طار إلى السطح المجاور, فاجتازت الزوجة سطحها وجرت وراءه, فقفز إلى سطح آخر وهو يقأقئ ويصفق بجناحيه, وهكذا من سطح إلى سطح وهو يصدر صوتًا مزعجًا جعل كل الجيران يطلون من نوافذهم ليشاهدوا ما يحدث. سرت قصة هروب الديك من زوجة القاضي التي أرادت أن تضحي به وانتشرت في أرجاء المدينة, إذ تناقل الناس ما حدث, حتى شاعت بين الجميع, وما إن عاد القاضي من الصلاة إلى داره حتى اعترته الدهشة لما وجد بفناء بيته عددًا كبيرًا من رءوس الماشية من كل الأعمار والأحجام, فسأل زوجته: من أين لك كل هذه الأغنام? قالت الزوجة: إنها هدايا من ناس مدينتنا الطيبين, الذين أرسلوها لنا لنضحي بها بدلاً من الديك. ظل الرجل يفكر ويفكر وهو يسأل نفسه: أين كان هؤلاء الناس قبل أن أصير قاضيًا? ثم أمر زوجته بحسم أن تعيد الماشية لأصحابها, ثم أخذ مكانه فوق أريكته مطمئن البال. وصلت الدعوة قبل أيام من موعدها, وفي أسفلها كانت تحمل توقيع الثعلب (السيد خوان), شك البعض فيها منذ البداية, لأنهم كانوا يعرفون ألاعيبه المتكررة, ومقالبه كانت معروفة وتعتبر جزءا من الحكايات المسلية في الجلسات العائلية في الجبال والوديان والنهر. كل من وقفوا في طريق الثعلب السيد خوان نالتهم بعض مقالبه, ولهم معه ذكريات غير محبوبة, فهو معروف بحبه للمشاكل ونسج المزاح السخيف, من ضحايا سخافاته الكلب والحية والنمر وحتى السحلية, وكل من دخل معه في شراكة كانوا دائما من الخاسرين. الثعلب السيد خوان معروف بثرثرته, ومعروف أنه يخفي ألاعيبه خلف ابتسامته الماكرة. بسبب كل هذه المشاكل شكت الحيوانات في دعوته. إلا أن وجود توقيع الثور إلى جانب توقيع الثعلب, غير من موقف الحيوانات من الدعوة, لأنهم كانوا يعرفون أن الثور طيب ولن يقبل مشاركة الثعلب في ألاعيبه, فالثور معروف بخصاله الحسنة: فهو هادئ, ومحب للعدل, وتحت ظلاله تلعب الحمامات والعصافير, وتصايحهم من حوله يفرح قلبه كما لو كان جدا عجوزا. من المؤكد أن توقيع الثور على الدعوة إلى جانب الثعلب جاء بعد تفكير طويل, وربما قضى الثور أياما وليالي طويلة يفكر في صمت الحقول قبل أن يوقع باسمه على الدعوة, فالثور معروفة عنه هذه الخصال. فكر البعض أنه ربما خدعه الثعلب, فهو لن يعدم الحيلة للتحايل على طيبة قلب الثور, إلا أنهم كانوا يعرفون أن الثور ليس بالسذاجة التي تجعله يشارك في خداع أحد قبل أن يستمع ويفكر جيدا. وبما أن الدعوات كانت تحمل توقيع الثعلب والثور فقد قالت جميع الحيوانات: (لا بد لنا من الذهاب لاستطلاع الأمر, من المؤكد أن الدعوة خاصة بأمور جادة), لم تكن الدعوة تحمل سوى موعد ومكان الاجتماع. لم يكن هناك ما يدل على وجود خطر, فلا يسمع في الغابة أي صوت سوى مرور الرياح على سطح النهر. جلس الثعلب والثور في الوسط, وأحاط بهما ممثلو جميع الحيوانات الأخرى الذين جلسوا على شكل دائرة, كانوا جميعا هادئين صامتين, كان يسيطر عليهم حب الاستطلاع لمعرفة الأمور التي سيناقشونها. بدأ الثعلب السيد خوان كلامه بالقول: - اخوتي, أنا لست أفضل من يرأس هذا الاجتماع, أنا أعرف هذا جيدا, وبين الحاضرين من هو أفضل مني للجلوس على هذه المنصة الجميلة, لكن فلنترك هذا الآن, هذه ليست مناسبة للحديث عن خصال أي منا, ولنبدأ في مناقشة أمور تهمنا جميعا على حد سواء, نحن نعيش في حرب دائمة بيننا, ولم نعرف لحظة سلام واحدة, نحن لا نتحدث إلا عن الأصدقاء والأعداء, والأقوياء والضعفاء, نهاجم بعضنا أو ننتظر أن يهجم أحد علينا. توقف الثعلب لحظة عن الكلام, وحرك الثور رأسه الثقيل بعلامة الموافقة على كلام الثعلب, بعض الطيور اقتربت اكثر من المنصة لتنصت جيدا لكلام الثعلب. قال الديك الرومي للقرد الجالس إلى جواره: إنه يتحدث بسرعة فلا أستطيع أن أفهم ما يقول. قبل أن يجيب القرد على الديك الرومي واصل الثعلب كلامه: - نعم يا أخوتي.. نحن نعيش في خوف دائم, لا نثق في أحد, هذه هي الحقيقة, أعرف أن هناك من يشك في صدق كلامي, وان هناك من يحمل لي ضغينة بسبب مقالبي السخيفة, لكن أؤكد لكم أنها لم تكن سوى مقالب لا أكثر, الحقيقة. إنني فعلت بعض المقالب, ولا أكذب عليكم لو أنني قلت لكم إنني الآن نادم على ذلك. توقف الثعلب من جديد عن الكلام, لم يحرك الثور رأسه هذه المرة, وحرك النمر حاجبه متعجبا, ونظر الآخرون إلى بعضهم البعض في شك. قال الديك لجاره القرد: - أنا لا أفهم أي شيء. عاد الثعلب إلى الكلام من جديد وقال: - علينا أن ننسى خلافاتنا القديمة, وأن نسدل ستارا على الأيام الماضية, نحن هنا في هذا العالم ليحب بعضنا البعض, وليساعد كل منا الآخر, لماذا كل هذا الصراع? لماذا كل هذه الحرب بلا هوادة? ملاحقة الضعيف أو الهروب من القوي, نحن نعيش في حرب دائمة, لا يا أخوتي, لا, يجب أن ينتهي كل هذا, كل منا له حق الحياة في هدوء واطمئنان, فلتنته منذ اليوم كل الصراعات, ولنبدأ الحياة في سلام, فيحترم كل جار جاره, ولن تكون هناك حرب بيننا بعد الآن. تقدم النمر خطوة إلى الأمام وقال: - أستأذنكم في الحديث, حتى نعيش في سلام لا بد من القضاء على الإنسان. صفق الحاضرون إعجابا بكلام النمر, وهتف بعضهم: - الحرب ضد الإنسان. اقترب الكلب من النمر بسرعة وهو يعرف أنه يخاطر بنفسه, رفع الكلب رأسه وقال: - أريدكم أن تستمعوا إلي, أنتم لا تعرفون من هو الإنسان, جبهتي وظهري يشهدان بحنان يد الإنسان, أنا رأيته يبكي حزنا على موت عصفور, أنا أعرف ما أقول, ربما لهذا السبب عشت حياتي كلها بجواره, وبرفقته, لماذا لا نرسل إليه رسالة سلام? من المؤكد أنه سيستقبلها بفرح كبير, وبقلب مليء بالسعادة. قاطع الأسد الكلب, قائلا: - لا, أنت حسن النية, أنت لا تعرف الإنسان, إنه أناني وشرير, يعتقد أنه ملك المخلوقات جميعا. تدخلت البومة قائلة: - التحالف مع الإنسان لا فائدة منه, إنه متعال, يقول إن غنائي في الليل نذير شؤم, ويحكي عني أساطير كاذبة. أضاف الجحش: - إنه يختلق الحكايات.. وقالت السمانة: - ويصنع البنادق والبارود الذي يصطادني. وقالت النملة: - إنه يدمر منازلنا. وجد الكلب نفسه وحيدا في مواجهة الجميع ضد الإنسان, وكل واحد له أسبابه, تحدثت الحية وتحدثت الغزالة, وكذلك الدب, والأرنب أيضا, كان الكلب يستمع إليهم جميعا في صمت, وفهم أنهم يشكون من الإنسان بصدق. فجأة نطق الحصان فقال: - يبدو أنكم لا تعرفون الإنسان, لقد قال الكلب حقيقة كبرى, إنه شاهد الإنسان يبكي لموت عصفور, وهذه حقيقة, وأنا شاهدت الإنسان يبكي لموت كلب, أو لموت خروف صغير, وشاهدته ينزع شوكة من قدم نمر أرقط. تدخل النمر الأرقط الذي كان حاضرا الاجتماع وقال: - ربما نزع شوكة من قدم نمر أرقط مروض. لكن الحصان واصل كلامه: - لا, لم يكن نمرا أرقط مروضا, كان النمر الأرقط سقط من منحدر وعندما شاهد الإنسان كشر النمر الأرقط عن أنيابه وهم بمهاجمة الإنسان, وعندما نظر في عينيه اكتشف أنه لا يقف أمام عدو, وعندها بدأ في تقبيل يديه.. ويدا الإنسان كانتا تنزعان عن قدمه شوكة شكتها! الإنسان, نعم أنا أعرف من هو الإنسان, وأحبه وأتبع خطواته, وطيبة قلبي ناتجة عن حنانه في تعامله معي, يجب أن تعيش مع الإنسان لتتعرف عليه, وتحبه, يجب الإحساس برقة يديه, وحنان صوته, أنا الذي حملته في رحلاته الطويلة, وسمعته يبكي, ويغني ويضحك, وأعرف كل ما يحمله في قلبه, وأعرف أنه سيفرح كثيرا عندما تصله رسالتنا للسلام معه. وافق الثور الحصان على كلامه قائلا: - عندك كل الحق, يجب أن نرسل للإنسان رسالة سلام. قال الكلام نفسه كل من الحمامة والقرد والثعلب, فتحدث الحصان من جديد, لكن البومة والحية واصلتا إذكاء نار الحرب ضد الإنسان, وحاولتا استمالة النمر والنسر والأسد, وجرى نقاش طويل, وأخيرا توصلوا إلى اتفاق, فقد أثرت في النهاية كلمات الكلب في الحاضرين. ف عاد الثور إلى تكرار كلمته: - يجب أن نرسل للإنسان رسالة سلام. وقال الثعلب: - هذا ما يجب أن يكون.. لكن من منا يحمل تلك الرسالة إلى الإنسان? كانت صعوبة اللغة أخطر ما يواجه التعامل بين الحيوانات والإنسان, فلم يكن أي من الحيوانات قادرا على توصيل الرسالة للإنسان, والإنسان لن يستطيع أن يفهم لغة الحيوانات, فكروا في البداية في العصافير, وبعدها فكروا في الحصان, والكلب, وحتى القرد. تحدثت الحية إلى الكلب متهكمة: - أنت, يا من تعرف الإنسان جيدا, من تعتقد يمكنه أن يوصل رسالتنا إليه? فكر الكلب لبعض الوقت, ونظرا لطول تفكيره تساءلت الحية ساخرة: - من? أجاب الكلب: - إنه الجندب. تساءلوا جميعا: - الجندب?! فقال الكلب: - كل ما عليه هو أن يغني ليلا. اتجهت كل الأنظار إلى الجندب, وطلبوا منه جميعا أن يغني, وبدأ الجندب في الغناء. كانت موسيقاه رائعة, عندما استمعوا إليه شعروا بالرقة تغزو قلوبهم. توصل الجندب إلى ترجمة رسالة السلام إلى موسيقى يعزفها بوتره الوحيد, كان يغني وهو يفكر في السلام, وفي تناسق العالم, والإخاء الكامل. لا شك في أن الإنسان سيكون سهلا عليه فهم هذه الموسيقى. تم تكليف الجندب بحمل رسالة السلام إلى الإنسان. منذ ذلك اليوم, ولسنوات طويلة مضت, والجندب يغني, يغني بحب شديد, يظل طوال النهار كامنا حتى يأتي الليل ليبدأ أغنيته, ويظل يغني طوال الليل تحت نوافذ الإنسان, وعلى جوانب شواطئ الأنهار, وفي الحقول, وفي الطرقات, وفي الشوارع, وحتى في حدائق المدن الكبرى. لكن لا أحد يفهم رسالته التي يغنيها. يغني وسيظل يغني بلا فائدة. في بعض الأحيان يقف بعض بني الإنسان وينصتون لسماع أغنية الجندب, ويشعرون بشيء غريب, شيء عميق يدعوهم إلى المحبة والحنان, بعد ذلك تتعالى أصوات أخرى تغطي على صوت الجندب. لكنه يظل يغني موسيقاه الساهرة, يغني حتى يطل الفجر, بعدها ينام الجندب ويحلم بعودة الليل, وأن تصمت أصوات العصافير وأن تظهر النجمات الأولى في السماء, ليفهم الإنسان رسالة السلام التي يحملها غناء الجندب. وهكذا, مع كل مساء يبدأ الجندب بهمة فتح صندوق موسيقاه المتواضع ويبدأ في غناء رسالة السلام التي تبعثها الحيوانات إلى الإنسان. جلسَ الدبان الصغيران (دبدوب) و(دُبَيْب) في غرفةِ مكتبةِ العائلةِ العريقةِ التي تملأ الكتبُ جدرانَها من السقفِ إلى الأرض, وكانا منهمكين في مطالعةِ مجلدٍ كبيرِ الحجمِ. وبينما كان الشقيقُ الأكبرُ (دبدوب) يحركُ سبابَتَهُ تحتَ الأسطرِ ويحركُ شفتيهِ أيضًا, كاد (دُبَيْب) الأصغر سنًا, يلصقُ رأسَهُ بالكتابِ. لم يكن (دُبَيْب) يجيدُ القراءةَ, لكنَّ شقيقَهُ كان يجيدها, بل كان (دُبَيْب) يعتقد أن شقيقَه يكاد يكون أكبرَ عالمٍ لغةٍ بين الدببةِ, ولا عجبَ, فجدُّهُ, الدبُّ الأكبرُ, كان كذلك. ويُعرف والدُه, أيضًا, بأسلوبه الراقي الجميل الذي يجعلُ منه المرجعَ الأول والأخيرَ بين أبناءِ قومِهِ, حيث يجيدُ كتابة أجملِ الخطبِ, ولكلِّ المناسباتِ. التفتَ (دبدوب) إلى شقيقه وقد توقفتْ سبابتُه عن الحركةِ, وقال كمن يبوح بسرٍّ عظيمٍ: - يقول كتاب جدي, يا (دُبَيْب), إن الحصولَ على السعادةِ هو الحلمُ الذي يجبُ أن يراودَ مخيلة كلِّ دبٍّ يحلمُ بالأفضل. ردد (دُبَيْب) وهو لا يفهم مقولة شقيقه: - السعادة? قال (دبدوب): - السعادة...نعم...أي أن تكون فرحًا, مبتهجًا, سعيدًا... قال (دُبَيْب): - طبعًا... أن تكون سعيدًا يعني أن تحصلَ على السعادة. ربت (دبدوب) على كفِّ شقيقه: - أحسنتَ. قال (دُبَيْب): - وأن يكون الحصول على السعادة هو الحلمُ الذي يجب أن يراود مخيلة كل دبٍّ يحلم بالأفضلِ يعني أنا يا (دبدوب). تضايق (دبدوب) من استنتاج شقيقِه, فرفع ذقنَه بسبابتِهِ, وأدار وجهَهُ نحوه بقوة, ففتح (دُبَيْب) عينيه دهشًا وهو يركز نظراتِهِ على أخيه الذي قال بلهجة حازمة: - يعني أنا ثم أنت... أفلت (دُبَيْب) ذقنه, وشبك ذراعيه, وبرمَ شفتيهِ غير راضٍ كلَّ الرضا عما قاله أخوه, وسأله: - لماذا أنتَ أولاً? أشار (دبدوب) براحته اليمنى إلى المكتبة خلف ظهره, ثم ما لبث أن نظر إلى أخيه نظرةً فيها الكثير من التعالي: - لأنني قرأتُ معظم هذه الكتب بحثًا عن الأفضل. وقف (دُبَيْب) حردًا, وكاد يغادر غرفة المكتبة, لكنه عاد فالتفت إلى أخيه الذي زفر متأففًا وقال: - عدتَ من جديد لتذكرني أنني أصغر منك, ولا أجيد القراءة كما تجيدها. لحق (دبدوب) بشقيقه واضعًا ذراعه خلف كتفه, وقد أخفض صوته فصار أشبه بصوت أبيه الحنون: - يجب ألا نضيعَ وقتنا في تبادلِ الاتهاماتِ, بل أن نبحث, يا دُبَيْب, عن طريق للوصول إلى السعادة. واتجه به نحو النافذة المفتوحة المطلة على بستان أخضر وسماء زرقاء ومناظر خلابة, ثم أشار إلى كل هذا ونظرات (دُبَيْب) تتأمل حيث يشير: - السماء, هناك, يا (دُبَيْب) أكثر زرقة, والنبات, هناك, يا (دُبَيْب), أكثر اخضرارًا, والماء هناك يا(دُبَيْب), أكثر عذوبة. سأل (دُبَيْب) بلهفة: - والسمك? أجاب (دبدوب) على الفور: - السمك يأتيك دون أن تصطاده, والعسل يأتيك دون أن يلسعَكَ النحل. تنهد (دُبَيْب) وهو يحلم بكل هذه الأعطيات, وبدت في عينيه علامات رغبة قوية قرأها (دبدوب) على الفور, فسأله: - هل تذهب معي? انتفض لسؤالهِ, كأنه سمعه ولم يسمعه, وتساءل: - هه? ثم أجاب على الفور: - طبعًا. سار الدبان الصغيران عبر الغابةِ, وقد حمل (دبدوب) صرة طعام كبيرة سائرًا بجد نحو السعادة التي تناديه ويبحث عنها. أما (دُبَيْب), فقد تباطأتْ خطواتُه مع مغيبِ الشمس, وكاد, لمرات متتالية, يتعثر ويقع, فيشد (دبدوب) من أزره, ويكرر جملته التي سمعها (دُبَيْب) أكثر من عشر مرات: - قد نصل إليها قبل حلول الظلام يا (دُبَيْب). ويكرر (دُبَيْب) جوابه ذاته: - قدماي تؤلمانني. لكن (دبدوب) فقَدَ, هذه المرة, صبرَهُ, والتفت إلى أخيه الذي تقوست قدماه وكان على وشك البكاء, فقطب مهددًا: - سترتاح وقت تحصل على السعادة. فكر بهذا تنسَ تعبكَ كله. قال (دُبَيْب): - لا شيءَ ينسيني تعبي. وما كاد يتفوهُ بالجملة الأخيرة, حتى سمعا صوت طلقات نارية اختبآ على أثرها خلف شجرة ضخمة يرتجفان خوفًا وقد وقعت صرةُ الطعام منهما وما عادا بقادرين على إحضارها. همس (دُبَيْب) مذعورًا: - ط...ط...لقات... وضع (دبدوب) راحته على فم شقيقه هامسًا: - هس...قد يكون هناك صياد ما. طالت فترة صمتهما, وطالت معها فترة خوفهما, وما استطاعا أن يحركا أقدامَهما إلا وقتَ ابتعدتِ الطلقاتُ, فغادر (دبدوب) مكانَهُ, وأمسك (دُبَيْب) به خائفًا وهو مايزال ينظر حوله. قال (دبدوب): - ابتعدتِ الطلقاتُ يا(دُبَيْب)....لنكملْ طريقنا إلى السعادة. سأل (دُبَيْب) أخاه: - إلى السعادة? كيف أكون سعيدًا وأنا متعب وخائف وجائع? هه? لكن (دبدوب) لم يرد على سؤال أخيه, بل تابع طريقه, وتابع (دُبَيْب) اعتراضاته: - كما أن الظلام بدأ يخيم على الغابة, والبرد يلسع عظامي, سأبحث هنا. توقف (دُبَيْب) عن إكمال طريقه, وراح يزيح حجرًا كبيرًا وهو يقول بصوت لاهث متعب: - سأبحث هنا عن السعادة. قد تكون مخبأة تحت هذا الحجر. ولما لم يجد شيئًا, التفت إلى شجرة عجوز وقال: - أو فوق تلك الشجرة. وراح يهز أغصانها بعنف, ثم بحث بين أوراقها, ولما لم يجد شيئًا, التفت إلى أخيه سائلاً: - ما شكلها? هه? أخبرني? حمراء? كبيرة? مستطيلة? مستديرة? ولما لم يجب (دبدوب) عن أسئلة أخيه, جلس أرضًا وراح ينتحب بصوت عال, فاقترب (دبدوب) منه وجلس بقربه قائلاً: - أتعرف يا دُبَيْب? أسئلتك هذه جعلتني أفكر بالموضوع. نظر (دُبَيْب) إلى أخيه من خلال دموعه التي مازالت تنهمر, فتابع: - أعتقد أن السعادةَ ليست موجودة تحتَ الصخرةِ, ولا فوق الشجرةِ, ليست حمراء, وليس لها شكل هندسي, فالسعادةُ يا(دُبَيْب)....السعادةُ... صمت (دبدوب) وأحنى رأسه وقد ضاعت منه الكلمات, ضاعت تمامًا.... أما (دُبَيْب), فقد مسحَ دموعه وراح يقول: - كنت سعيدًا عندما كنت هناك...في بيتي, في وطني...كان لدي بيت, أهل, أصدقاء, مدفأة, مكتبة كبيرة تقرأ لي منها, عسل, وبحيرة مليئة بالسمك... قال هذا ونهض ماسحًا ما بقي من دموعه بذراعه, واستدار ليعود من حيث أتى تاركا شقيقه ينظر إليه بصمت مطبق. وقبل أن يغادر, قال: - ابحث وحدك...أنا عائد. لكنه لم يخط خطوات قليلة حتى جاءه صوت أخيه: - انتظرني يا (دُبَيْب).... ركض (دُبَيْب) وهو يكرر جملته بصوت أعلى: - ابحثْ وحدك...ابحثْ وحدك... لكن (دبدوب) كان يناديه لاهثًا راكضًا: - انتظرني يا (دُبَيْب). وما انتظر إلا وقت سمع أخاه يقول: - لقد وجدتها... فاستدار إليه باحثًا عنها عبثًا بين ذراعي أخيه, تحته, فوقه, حوله, لكن (دبدوب) سارع فاتحًا ذراعيه معانقًا أخاه باكيًا: - وجدتها حيثُ قلتَ...لنعد معًا. جلسَ الدبان الصغيران (دبدوب) و(دُبَيْب) في غرفةِ مكتبةِ العائلةِ العريقةِ التي تملأ الكتبُ جدرانَها من السقفِ إلى الأرض, وكانا منهمكين في مطالعةِ مجلدٍ كبيرِ الحجمِ. وبينما كان الشقيقُ الأكبرُ (دبدوب) يحركُ سبابَتَهُ تحتَ الأسطرِ ويحركُ شفتيهِ أيضًا, كاد (دُبَيْب) الأصغر سنًا, يلصقُ رأسَهُ بالكتابِ. لم يكن (دُبَيْب) يجيدُ القراءةَ, لكنَّ شقيقَهُ كان يجيدها, بل كان (دُبَيْب) يعتقد أن شقيقَه يكاد يكون أكبرَ عالمٍ لغةٍ بين الدببةِ, ولا عجبَ, فجدُّهُ, الدبُّ الأكبرُ, كان كذلك. ويُعرف والدُه, أيضًا, بأسلوبه الراقي الجميل الذي يجعلُ منه المرجعَ الأول والأخيرَ بين أبناءِ قومِهِ, حيث يجيدُ كتابة أجملِ الخطبِ, ولكلِّ المناسباتِ. التفتَ (دبدوب) إلى شقيقه وقد توقفتْ سبابتُه عن الحركةِ, وقال كمن يبوح بسرٍّ عظيمٍ: - يقول كتاب جدي, يا (دُبَيْب), إن الحصولَ على السعادةِ هو الحلمُ الذي يجبُ أن يراودَ مخيلة كلِّ دبٍّ يحلمُ بالأفضل. ردد (دُبَيْب) وهو لا يفهم مقولة شقيقه: - السعادة? قال (دبدوب): - السعادة...نعم...أي أن تكون فرحًا, مبتهجًا, سعيدًا... قال (دُبَيْب): - طبعًا... أن تكون سعيدًا يعني أن تحصلَ على السعادة. ربت (دبدوب) على كفِّ شقيقه: - أحسنتَ. قال (دُبَيْب): - وأن يكون الحصول على السعادة هو الحلمُ الذي يجب أن يراود مخيلة كل دبٍّ يحلم بالأفضلِ يعني أنا يا (دبدوب). تضايق (دبدوب) من استنتاج شقيقِه, فرفع ذقنَه بسبابتِهِ, وأدار وجهَهُ نحوه بقوة, ففتح (دُبَيْب) عينيه دهشًا وهو يركز نظراتِهِ على أخيه الذي قال بلهجة حازمة: - يعني أنا ثم أنت... أفلت (دُبَيْب) ذقنه, وشبك ذراعيه, وبرمَ شفتيهِ غير راضٍ كلَّ الرضا عما قاله أخوه, وسأله: - لماذا أنتَ أولاً? أشار (دبدوب) براحته اليمنى إلى المكتبة خلف ظهره, ثم ما لبث أن نظر إلى أخيه نظرةً فيها الكثير من التعالي: - لأنني قرأتُ معظم هذه الكتب بحثًا عن الأفضل. وقف (دُبَيْب) حردًا, وكاد يغادر غرفة المكتبة, لكنه عاد فالتفت إلى أخيه الذي زفر متأففًا وقال: - عدتَ من جديد لتذكرني أنني أصغر منك, ولا أجيد القراءة كما تجيدها. لحق (دبدوب) بشقيقه واضعًا ذراعه خلف كتفه, وقد أخفض صوته فصار أشبه بصوت أبيه الحنون: - يجب ألا نضيعَ وقتنا في تبادلِ الاتهاماتِ, بل أن نبحث, يا دُبَيْب, عن طريق للوصول إلى السعادة. واتجه به نحو النافذة المفتوحة المطلة على بستان أخضر وسماء زرقاء ومناظر خلابة, ثم أشار إلى كل هذا ونظرات (دُبَيْب) تتأمل حيث يشير: - السماء, هناك, يا (دُبَيْب) أكثر زرقة, والنبات, هناك, يا (دُبَيْب), أكثر اخضرارًا, والماء هناك يا(دُبَيْب), أكثر عذوبة. سأل (دُبَيْب) بلهفة: - والسمك? أجاب (دبدوب) على الفور: - السمك يأتيك دون أن تصطاده, والعسل يأتيك دون أن يلسعَكَ النحل. تنهد (دُبَيْب) وهو يحلم بكل هذه الأعطيات, وبدت في عينيه علامات رغبة قوية قرأها (دبدوب) على الفور, فسأله: - هل تذهب معي? انتفض لسؤالهِ, كأنه سمعه ولم يسمعه, وتساءل: - هه? ثم أجاب على الفور: - طبعًا. سار الدبان الصغيران عبر الغابةِ, وقد حمل (دبدوب) صرة طعام كبيرة سائرًا بجد نحو السعادة التي تناديه ويبحث عنها. أما (دُبَيْب), فقد تباطأتْ خطواتُه مع مغيبِ الشمس, وكاد, لمرات متتالية, يتعثر ويقع, فيشد (دبدوب) من أزره, ويكرر جملته التي سمعها (دُبَيْب) أكثر من عشر مرات: - قد نصل إليها قبل حلول الظلام يا (دُبَيْب). ويكرر (دُبَيْب) جوابه ذاته: - قدماي تؤلمانني. لكن (دبدوب) فقَدَ, هذه المرة, صبرَهُ, والتفت إلى أخيه الذي تقوست قدماه وكان على وشك البكاء, فقطب مهددًا: - سترتاح وقت تحصل على السعادة. فكر بهذا تنسَ تعبكَ كله. قال (دُبَيْب): - لا شيءَ ينسيني تعبي. وما كاد يتفوهُ بالجملة الأخيرة, حتى سمعا صوت طلقات نارية اختبآ على أثرها خلف شجرة ضخمة يرتجفان خوفًا وقد وقعت صرةُ الطعام منهما وما عادا بقادرين على إحضارها. همس (دُبَيْب) مذعورًا: - ط...ط...لقات... وضع (دبدوب) راحته على فم شقيقه هامسًا: - هس...قد يكون هناك صياد ما. طالت فترة صمتهما, وطالت معها فترة خوفهما, وما استطاعا أن يحركا أقدامَهما إلا وقتَ ابتعدتِ الطلقاتُ, فغادر (دبدوب) مكانَهُ, وأمسك (دُبَيْب) به خائفًا وهو مايزال ينظر حوله. قال (دبدوب): - ابتعدتِ الطلقاتُ يا(دُبَيْب)....لنكملْ طريقنا إلى السعادة. سأل (دُبَيْب) أخاه: - إلى السعادة? كيف أكون سعيدًا وأنا متعب وخائف وجائع? هه? لكن (دبدوب) لم يرد على سؤال أخيه, بل تابع طريقه, وتابع (دُبَيْب) اعتراضاته: - كما أن الظلام بدأ يخيم على الغابة, والبرد يلسع عظامي, سأبحث هنا. توقف (دُبَيْب) عن إكمال طريقه, وراح يزيح حجرًا كبيرًا وهو يقول بصوت لاهث متعب: - سأبحث هنا عن السعادة. قد تكون مخبأة تحت هذا الحجر. ولما لم يجد شيئًا, التفت إلى شجرة عجوز وقال: - أو فوق تلك الشجرة. وراح يهز أغصانها بعنف, ثم بحث بين أوراقها, ولما لم يجد شيئًا, التفت إلى أخيه سائلاً: - ما شكلها? هه? أخبرني? حمراء? كبيرة? مستطيلة? مستديرة? ولما لم يجب (دبدوب) عن أسئلة أخيه, جلس أرضًا وراح ينتحب بصوت عال, فاقترب (دبدوب) منه وجلس بقربه قائلاً: - أتعرف يا دُبَيْب? أسئلتك هذه جعلتني أفكر بالموضوع. نظر (دُبَيْب) إلى أخيه من خلال دموعه التي مازالت تنهمر, فتابع: - أعتقد أن السعادةَ ليست موجودة تحتَ الصخرةِ, ولا فوق الشجرةِ, ليست حمراء, وليس لها شكل هندسي, فالسعادةُ يا(دُبَيْب)....السعادةُ... صمت (دبدوب) وأحنى رأسه وقد ضاعت منه الكلمات, ضاعت تمامًا.... أما (دُبَيْب), فقد مسحَ دموعه وراح يقول: - كنت سعيدًا عندما كنت هناك...في بيتي, في وطني...كان لدي بيت, أهل, أصدقاء, مدفأة, مكتبة كبيرة تقرأ لي منها, عسل, وبحيرة مليئة بالسمك... قال هذا ونهض ماسحًا ما بقي من دموعه بذراعه, واستدار ليعود من حيث أتى تاركا شقيقه ينظر إليه بصمت مطبق. وقبل أن يغادر, قال: - ابحث وحدك...أنا عائد. لكنه لم يخط خطوات قليلة حتى جاءه صوت أخيه: - انتظرني يا (دُبَيْب).... ركض (دُبَيْب) وهو يكرر جملته بصوت أعلى: - ابحثْ وحدك...ابحثْ وحدك... لكن (دبدوب) كان يناديه لاهثًا راكضًا: - انتظرني يا (دُبَيْب). وما انتظر إلا وقت سمع أخاه يقول: - لقد وجدتها... فاستدار إليه باحثًا عنها عبثًا بين ذراعي أخيه, تحته, فوقه, حوله, لكن (دبدوب) سارع فاتحًا ذراعيه معانقًا أخاه باكيًا: - وجدتها حيثُ قلتَ...لنعد معًا. استيقظ العصفور من نومه .. و وجد نفسه وحيدا في العش . طار عاليا ، و مر فوق أشجار كثيرة ، ثم حط على غصن شجرة عالية .. التفت فيما حوله ، و وجد نفسه في الغابة الكبيرة : أشجار كثيرة ، ضخمة تتشابك أغصانها كائنات كثيرة تتحرك على الأرض : أسود ، نمور ، فيلة ، ذئاب ، ضباع ، ثعالب ، قرود .. و حيوانات صغيرة كثيرة، و حيوانات زاحفة ، و أخرى تعوم سابحة في مياه الجداول الجارية ، و الأنهار الصغيرة .. و طيور بأشكال متنوعة ، و أحجام مختلفة .. كل شيء يتحرك .. كل شيء يصدر صوتا أو أصواتا ، بعض هذه الأصوات عال ، و بعضها خفيض , بعضها ناعم ، و بعضها له دوي شديد .. حتى الأشجار تصدر صفيرها و هي تتمايل بأغصانها .. و الغيوم سوداء فوق رؤوسها .. وجد العصفور نفسه وسط هذا الجو المظلم الصاخب و أحس برعب كبير .. أحس بالضياع .. طار بكل قوته عائدا إلى الوراء .. باحثا عن عشه الصغير الجميل الدافئ الذي تركه في الصباح .. كان يرتعش و هو يبحث بعينيه الصغيرتين عن العش .. اسمتر في طيرانه ساعة و هو يدقق نظره في كل شبر تحته بحثا عن العش .. لكنه لم يجد العش .. تعب العصفور ولم يجد العش .. فحط على غصن شجرة ، و هو يلهث ، و قال محدثا نفسه : ( أنا خائف .. أين عشي ؟ أريد عشي .. ما أعلا أصوات الغابة ، و أكثر حيواناتها .. أين أخوتي العصافير ؟ أين أغانيها و زقزقاتها ) و أخذ يبكي . أثناء بكائه سمع زقزقة جميلة .. صوتا صغيرا يعرفه و يحبه .. سكت ، و التفت إلى جانبه كان عصفور صغير مثله يحدق فيه .. كان على الغصن القريب منه .. قفز إلى جانبه .. و حيّاه .. و تحدّث معه .. كان العصفور الآخر خائفا مثله .. هو أيضا دخل الغابة السوداء و شاهد الأصوات الكثيرة و الحيوانات الضخمة فخاف ، لكنه لم يجد طريق العودة .. لقد أضاع بيته .. وهو وحيد و خائف .. تحادث العصفوران .. و التفتا إلى حيث أصوات ناعمة تدور حولهما .. نظرا في الأغصان و وجدا عصافير كثيرة تنتظر خائفة .. صاح العصفور الصغير بفرح داعيا العصافير الأخرى إلى الاقتراب .. تجمعت العصافير فوق غصن كبير .. و هي فرحة .. أحست بالدفء ، و طار الخوف من عيونها اللامعة .. و استقرت أجنحتها .. تحدث أكثر من عصفور .. كان حديثا هادئا .. و اتفقت أن تجعل من هذه الشجرة الكبيرة بيتا لها .. قال عصفور : لقد كنت صغيرا ، و دربتني أمي على الطيران .. لكنني أضعت عشي قال آخر : كل العصافير تغادر أعشاشها عندما تكبر ، و تبني لها أعشاشا جديدة . و قال آخر : نعم ، و لكن العصافير تحب أن تعيش مع بعضها ..تجلس معا ، و تأكل معا ، و تطير معا ، و تلعب ... قال آخر : نعم .. نتعاون في حياتنا . قال آخر : هيا نوزع أنفسنا .. هذا هو بيتنا . توزعت العصافير إلى مجموعات : المجموعة الأولى تحضر أعواد القش و الريش ، و الأخرى تبني الأعشاش على الأغصان القوية، و الأخرى طارت قريبا لتحضر طعام الغداء ..و الأخرى ترفرف حول الشجرة ، و تراقب الجهات ، و هي تغرد بألحان جميلة لتسلية العاملين ... عند الظهر .. كان صف من الأعشاش الناعمة والدافئة ، كقرية صغيرة نظيفة ، قد ملأ أغصان الشجرة .. اختار كل عصفور جاره .. و استقر في بيته بأمان مطلقا ألحانه في الفضاء . عندما انحدر الذئب من الجبل ، و وصل إلى الغابة تلفتت الحيوانات بخوف ، و توقفت عن الحركة و هي ترقبه ، الببغاء صمت عن صياحه المستمر.. و العصافير ارتجفت. وقف الذئب غير بعيد منهم .. ابتسم و مد يده ملوحا .. جرت همهمات كثيرة و حركة .. الذئب لم يعر ذلك اهتماما : لف ذيله بين قدميه ، و مشى دائرا حول المكان ، حتى وجد صخرة بين الأشجار .. عند جدول الماء .. وضع أشياءه هناك .. و بدأ يخطط المكان لبناء بيته الجديد. كان الذئب ينهمك في عمله مثيرا الغبار و الضوضاء .. مقتلعا الأشجار الصغيرة النامية و منظفا الأرض من الأعشاب الخضراء ..و الحيوانات تتجمع بحذر .. و تهمس بأصوات غير مسموعة . بعد ساعتين أنهى الذئب عمله ، و قفز إلى الغابة لقطع الأشجار . اقتربت الحيوانات من بعضها البعض ، و كان أول من زعق الببغاء : - الذئب .. الذئب .. الذئب !! أجفلت الحيوانات ، و تفرقت .. و دبت السلحفاة على مهل و هي تنادي بصوت واهن : - تعالوا إنه هذا الببغاء لا غير . تعالوا نناقش موضوعنا كان أول الواصلين الأرنب الذي نط فوق صدفة السلحفاة بحركة بهلوانية .. اجتمع الكل : القنافذ و الجرذان و السناجب و الطيور من كل نوع .. جاءت الغزالة تطرف بعينيها الجميلتين و وقفت بجانب سرب الحمام .. البط و الإوز أخذ يتهادى نافضا ريشه المبلل .. و القرد جاء متأخرا و هو يقفز من غصن إلى غصن .. و من بعده جاء الثعلب يهز ذيله و عيناه تبرقان بمكر .. قالت السلحفاة : - نحن نسكن في هذه الأرض منذ أزمنة قديمة .. نعيش بهدوء و سلام ، الكل يعرف حقوقه ، و يؤدي واجباته .. الآن هذا الوافد الجديد .. الذئب ..... صاح الببغاء : - الذئب .. الذئب تلفتوا حولهم .. ثم ضحكوا . قالت الغزالة بحياء : - لا نريده هنا ، معنا في أرضنا . أيدتها الطيور مصفقة بأجنحتها . و قال السنجاب : - لنبحث الأمر كثيرا قبل أن نقرر . و قال القرد : - أنا لا أخاف من الذئب .. لكنني معكم .. علينا أن نتعاون . اقترب الثعلب و عيناه الصغيرتان تلمعان ، و قال : - يا جماعة الخير .. الذئب حيوان مثلنا ، و هو طيب كما ترون .. لقد جاء ليعيش مع الجماعة بسلام . ضجت الجماعة بأصوات محتجة ، و علا صوت الببغاء و هو يردد : الذئب .. الذئب .. سكتوا .. فقالت السلحفاة : - الذئب خطر علينا كلنا .. لن نصدق كلامك أيها الثعلب .. و سنثبت لك أنه شرير - كيف تثبتين ذلك أيتها الزعيمة الزاحفة ؟!! قال ذلك الثعلب بسخرية . - ضعوا قطعة اللحم تلك فوق صخرته ، و عندما يعود و يبدأ الأكل حاول أيها الثعلب أن تشاركه و سترى !! صاح بعض الدجاج : - نحن نأكل الحبوب معا .. و قال الإوز : و نحن .. و طار الحمام مؤيدا .. و تراكضت الأرانب تأكل من العشب مجتمعة .. كان القرد يمد قطعة موز للببغاء .. هدأتهم السلحفاة ، و قالت : - الذئاب تحب نفسها فقط ، و تتقاتل على الطعام .. نحن سنتعاون لطرده من هنا .. تعالوا معي إلى مكان اجتماعنا المعتاد ، و سنضع خطة تبقيه بعيدا عن أرضنا .. نحن في الغرفة ، أمام النار .. الجو دافئ ، و نحن فرحون .. و ها هي جدتي تأتي ، أسمع صوتها الحبيب ، و نقرات عصاها ، تدخل علينا الغرفة .. يحييها أبي و أمي ، و نفسح لها مكانا بيننا .. تجلس بجانبي ، و أنا أحب ذلك ، أشم رائحة خضاب شعرها الأحمر .. أحب هذه الرائحة .. نحن فرحون ، فقد جاء وقت الحكايات .. أطفأ أبي جهاز التلفزيون .. و جاءنا صوت الجدة متسائلا : - أنتم تعرفون الصقر؟ هتفنا كلنا : نعم .. نعم ! قالت : - أنتم تعرفون الأرانب ؟ قلنا : نعم .. قالت : - لها قصة مع الصقر .. لا تقاطعوني .. سأقول لكم القصة .. استمعوا جيدا ، و فكروا .... في سهل بعيد ، و أخضر كان ثمة قرية كبيرة و واسعة للأرانب .. كانت القرية خلف الجبال ، و من النادر أن يصلها البشر .. الأرانب تخاف من الصيادين الذين يقتلون أولادها .. و يأكلون لحمها .. كانت بعيدة عنهم .. غير أن ذلك لا يعني أن الأخطار قليلة .. فالقرية قريبة من الجبل و الكثير من الوديان .. و الذئاب الجائعة تباغت الأرانب و تصطادها .. و إن لم تأت الذئاب فالثعالب كثيرة ، و هي تدور باستمرار حول القرية .. أتدرون ما فعلت الأرانب ؟ ظلت الجدة تراقب عيوننا المنصتة ، و هي تبتسم بسعادة .. كنا نهز رؤوسنا نستحثها على إكمال القصة .. فركت يديها ، و قالت : - الأرانب تبني بيوتها تحت الأرض ، و هي تشق أنفاقا متصلة بين هذه البيوت .. إنها شوارع صغيرة تحت الأرض ، و عندما تحس بأي خطر.. تسارع إلى الدخول من الأبواب الصغيرة ، ثم تسلك تلك الشوارع إلى بيوتها .. لقد وضعت بعض الفتية الأقوياء من الأرانب على الجهات لتنذرها بمقدم ذئب أو ثعلب أو إنسان .. هكذا كانت تعيش بأمان ،حتى جاء يوم رأت فيه طائرا كبيرا يحلق في السماء الزرقاء .. كان بعيدا جدا بحيث لم ينتبه لتحليقه غير القليل منها .. و فجأة دوى انفجار كبير فرت معه كل الأرانب إلى جحورها .. و بعد قليل أطلت بعضها خائفة ، فرأت الطائر الكبير يحلق مبتعدا و قد خطف بمخالبه أحد الصغار .. كان الصغير يومئ بأذنيه الطويلتين و يستغيث .. لم تستطع كل الأرانب غير التحديق فيه حتى اختفى الطائر.... ركضت الأرانب لتعزية أمه الباكية .. و امتنعت الأرانب عن الخروج إلى المرعى ذلك اليوم ..في اليوم التالي .. و في ضحى يوم جميل و مشمس ، كانت الأرانب تجهز طعامها للغداء عندما دوى الانفجار الكبير ، و طار الطائر حاملا أرنبا آخر في مخالبه و اختفى.. - ماذا تفعل الأرانب الخائفة؟ هكذا قالت الجدة.. دارت في وجوهنا بسؤالها ، فقفز أخي الصغير و قال : - تقتله ؟ - كيف ؟ قالت الجدة . - هم أرانب كثيرة ، و وهو طير واحد !! قال أخي .الجدة قالت : - هذا ما قاله أحد الأرانب الصغار .. لقد اجتمعت الأرانب كلها حتى ضاقت عنها الصالة الكبيرة المخصصة للضيافة و الاجتماعات الهامة .. تحدثوا عن الطائر الكبير الذي يخطف أرنبا كل يوم .. عن انقضاضه السريع بحيث لا يترك لهم المجال ليفروا إلى الجحور .. المشكلة أنه يأتي من الفضاء .. و هو سريع ، و له مخالب تخترق وبر الأرانب الناعمة .. ماذا نفعل ؟ هكذا حددت الأرانب السؤال .. توقفت جدتي عن الحديث فترة معينة حتى تأكدت أن السؤال استقر في أذهاننا ، ثم قالت : - ما هو الجواب ؟ ما الذي تفعله الأرانب لتحمي حياتها ؟ صمتت أيضا فترة أخرى .. ثم قالت : - هيا قولوا لي . استأذنتها ، و قلت : - سأقول القصة لزملائي في المدرسة .. سأقولها للمعلم ، و سنصل إلى حل .. لكن ـ يا جدتي ـ هل توصلت الأرانب إلى حل ؟ قالت الجدة : نعم توصلت إلى حل .. و لن أقوله لكم حتى أسمع ما يقوله معلموكم و زملاؤكم .. الآن يا أبنائي حان وقت نومي ، سأروي لكم غدا قصة أخرى .. تصبحون على خير .. قامت الجدة إلى فراشها .. كنت أسمع نقرات عصاها ... كان أبي يبتسم ، و أمي تصب الشاي .. و كنت أفكر كيف سأجد الحل ................. أشجار خضراء كثيرة... و طيور ، و عصافير كثيرة .. و أولاد كثيرون يلعبون في تلك القرية االتي تخبئ أشجارها عن الرياح بين جبال عالية ، فيما الغيوم الكثيرة تطل على نخيلها في المواسم و تمطر ... تمطر .. تمطركثيرا و كأنها تبكي بغزارة .. تبكي حتى تمتلئ الأحواض .. و يسيل الوادي .. و يخرج الأهالي .. و الحيوانات .. و الطيور .. و يتطاير النمل في ضوء الشمس البارد .... تتطاير الكلمات .. و الضحك .. و الأطفال ... حتى الغروب . ذلك لا يحدث في القرية دائما .. بل في مواسم معينة ، و قليلة أيضا .. ربما مرت سنوات كثيرة دون أن تبرق غيمة واحدة .. في تلك الأيام تتكاثر سحب الغبار في الطرقات الحزينة .. و يخرج الناس من بيوتهم صامتين .. يسوقون حيواناتهم الهزيلة .. و ينظرون إلى الأشجار الكثيرة و هي تتخلص من أوراقها ، و تنكمش حتى تصير قصيرة الجذوع .. و تنتصب أغصانها العارية .. و تتحول رويدا رويدا إلى أعواد .. ( ن ) أحد أولاد القرية .. يطوف مع الأولاد .. ويلعب أحيانا .. لكنه لا يتحدث كثيرا .. و لا يرافق الأولاد في رحلاتهم الجماعية لصيد الطيور.. يعقد حاجبيه محتجا ، و يغادر المكان غاضبا عندما يصطاد أحدهم طيرا ... يمر يوم أو يومان دون أن يروه .. قبيل الغروب يسألون الرجل العجوز الجالس في زاوية البيت الطيني عنه .. فلا يجيب ، يمد يده مؤشرا ناحية الحقول البعيدة ، و يظل يحدق بعينين صغيرتين بعيدتين ... يتجاهل الأولاد إشارته ، و يلهون بالكرة وسط أعمدة الغبار المنطلقة من أقدامهم و هم يلعبون حتى اختفاء الضوء .. يحدق فيهم الرجل العجوز دون أن يتكلم .. أو يبتسم .. و عندما ينفضون أقدامهم من الأتربة .. و يتفرقون إلى بيوتهم .. يعود ( ن ) و يمر بقربه .. يرفع يده محييا الشيخ ، دون أن يتكلم .. يرفع العجوز يده محييا أيضا ، و يبتسم .. ويقوم متكئا على عصاه ، دون أن يلتفت إلى الآخرين ، و يوجه خطاه البطيئة نحو المسجد .. في يوم ما اصطاد أحدهم طائرا كبيرا ملونا ، كان جميلا جدا .. شاهد ( ن ) الطائر و هو يسقط ، و دماؤه تتناثر على الأعشاب .. خطى خطوات كبيرة و هو يكوّر قبضته .. حدج الولد بنظرة قاسية .. واستدار راكضا .. مرّ بالرجل العجوز مسرعا ، لم يحيه .. لم يبتسم العجوز .. و لم يخرج ( ن ) للعب مع الأولاد : قيل أنه يستيقظ ، كل يوم مبكرا و يذهب إلى الحقول ... و أن الكثير من العصافير كانت تلتف حوله ، عندما تراه ماشيا بين الأشجار ... و تشاركه الغناء ... أما الرجل العجوز فسمع ذلك اليوم ، و هو يشير بيده نحو الحقول ، و يحدق بعينيه البعيدتين ، و يبتسم ، يقول : إن كثيرا من الأغصان تخضر عندما يمر ( ن ) بقربها ، و تكسوها العصافير بالغناء ... الحديث عن الذهب لا يُمل، مهما كتبت وكتب غيري عنه، ومهما قرأت عنه وسمعت، وبالرغم من المثل القائل "إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". وبما أن لكل مثل أو حكمة أو قاعدة شواذ، فشواذ هذه القاعدة هو حب الناس لكثرة الحديث عن الذهب وصعوبة السكوت عنه. فإن اقتنيته تستمتع بالحديث عنه من قبيل الظهور والمظاهر والشوفانية، وإن لم تقتنه، كما هو حالي، تتحدث عنه حتى ولو لنفسك، عن كيفية اقتنائه وتمني النفس بحيازته، حتى وإن كان ذلك دون جدوى. وبما أنني من الفئة الأخيرة فسوف أظل أكتب عنه ما وجدت لذلك مناسبة ومجالاً بالرغم من أنني قد كتبت عنه الكثير من قبل مستهدفاً جزئية من اقتصادياته. أما في هذه المقالة فسوف أحاول أن أكتب عن جوانب عديدة منها، إذ أن إدعاء الحصر قد يكون إدعاءً أجوف. وأول ما يتبادر إلى الذهن في اقتصاديات الذهب هو حيرة الاقتصاديين في أمر سعره، وهم الذين لم يحتاروا في تفسير أو تحليل قضية ما؛ اجتماعية كانت أم شخصية، وسلعة كانت أو خدمة، واستهلاكية كانت أم استثمارية، بقدر ما احتاروا في تفسير محددات سعر الذهب. فأكثر النظريات الاقتصادية قبولاً هي التي تحدد أسعار السلع والخدمات بناءً على منفعتها الحقيقية والمباشرة للذين يطلبونها. ولكن، إذا قارنا منفعة الذهب بمنفعة غيره من المعادن كالحديد مثلاً، الذي جعل فيه المولى عز وجل "بأس شديد ومنافع للناس" ويستخدم في كل الصناعات والآلات والأجهزة والمعدات وفي الزراعة والمباني وغيرها، فإن سعر وحدة من الذهب قد يساوي أضعاف سعر مثيلتها من الحديد. فأين نظرية المنفعة من هذا؟ وعندما اشتدت حيرة الاقتصاديين في ذلك قال بعضهم بقول العاجزين "لكل قاعدة شواذ". وقال آخرون، وهو الرأي الأكثر قبولاً، إن الذهب يستمد قيمته لا من منفعته المباشرة للإنسان ولكن لأنه قد اكتسب قيمة ذاتية لم يختلف عليها اثنان على مر العصور والأزمان، وعلى اختلاف الشعوب والأديان، وبالرغم من تباين حضاراتها وتاريخها وثقافتها. وربما لم يتفق البشر على قيمة شيء أكثر مما اتفقوا على القيمة الذاتية للذهب التي اكتسبها من شدة لمعانه وبريقه وسهولة صياغته بالرغم من صلابته. وفوق كل هذا وذاك فهو لا يصدأ مما جعله يحتفظ بمظهره ورونقه ووزنه باستمرار، ومهما طال الزمن. وبالإضافة إلى أنه يستخدم "زينة وخزينة" لصفاته المتميزة، فقد استخذم كعملة معدنية في كل أنحاء المعمورة لردح من الزمن، بالإضافة إلى معادن أخرى كالنحاس والفضة والنيكل، وحتى بعد أن تواضع الناس على استخدام العملات الورقية. وعندما لم يعد يستخدم كعملة وأصبحت العملات الورقية كبديل تام عنه استخدم كغطاء لها لضمان الثقة المحلية والعالمية فيها. وعندما تزايد الإنتاج المحلي والعالمي من جميع السلع والخدمات، وأصبح من الصعوبة التقيد بالذهب كغطاء كامل للعملات الورقية وتحديد قيمة العملات المحلية بمقدار ما لدى الدولة من احتياطي الذهب، ولا يمكنها طبع المزيد من العملات المحلية إلا بعد زيادة ذلك الاحتياطي زيادة متناسبة، خُفِّض هذا القيد تدريجياً إلى أن أُلغي تماماً عام 1971م امتداداً عملياً لنتائج إتفاقية بريتون وودز الشهيرة والتي بمقتضاها قام البنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، وإن كان إنشاء هذه المنظمة قد تأخر نتيجة لإطالة أمد اتفاقيات الجات التي امتدت لمدة 47 عاماً حتى تم التوقيع عليها عام 1995م. وبزوال قاعدة الذهب التي كانت تحدد قيمة العملات المحلية أصبحت كثير من الدول، وخاصة الدول النامية، تطبع المزيد من عملاتها بدون إنتاج إضافي مما زاد معدلات التضخم فيها وقلل من قيمة عملاتها الورقية في مقابل العملات العالمية كالدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني البريطاني والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والين الياباني. ولذلك أصبح صندوق النقد الدولي يشترط على تلك الدول تخفيض قيمة عملاتها كشرط أساسي للحصول على المزيد من القروض من الدول المانحة. وكان الذهب وغيره من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة في مدرسة التجاريين (Merchantalism) التي أعقبت مدرسة الطبيعيين (Physiograts) مقياساً لقوة الدولة. فكانت الدول التي تود أن تصبح قوية تشتري الذهب والفضة وغيرها من المعادن النفيسة ولا تبيعها مما جعل ذلك النظام الاقتصادي نظاماً منغلقاً على نفسه فانتهى بسرعة قياسية ليعقبه النظام الاقتصادي الرأسمالي (Capitalism) الحالي. ومن الجوانب الهامة الأخرى في اقتصاديات الذهب هو أنه وسيلة لامتصاص التضخم المالي الذي يقلل قيمة المدخرات السائلة شأنه في ذلك شأن الأرصدة الثابتة الأخرى كالأراضي مثلاً. لذلك يلجأ المدخرون إلى تحويل أموالهم السائلة إما إلى ذهب وإما بشراء الأراضي لأن قيمتهما لا تتأثر بالتضخم المالي كما تتأثر المدخرات السائلة. ولهذا السبب أيضاً تشتري البنوك قدراً من الذهب كجزء لا يتجزأ من استثماراتها. وفي هذه الحالة (درء آثار التضخم المالي) وغيرها، يعتبر الذهب استثماراً مجزياً. وبالرغم من أنه استثمار قليل المخاطرة، فهو يحقق أرباحاً طائلة للذين يتاجرون به، علماً بأن هنالك علاقة طردية بين المخاطرة والاستثمار. فكلما ازدادت درجة المخاطرة في الاستثمار ازدادت الأرباح في حالة نجاحه وازدادت الخسائر في حالة فشله، ما عدا الاستثمار في الذهب. فقلما نسمع بتاجر ذهب أغلق متجره أو أفلس أو انكمش نشاطه، كما نسمع عن كثير من الأنشطة الاقتصادية والتجارية الأخرى. وحتى في حالة المضاربات بالذهب فإن مخاطره قليلة وذلك لأن تجاره يعرفون متى يشترون ومتى يبيعون ما لديهم منه بالإضافة إلى استخدام وسائل تكتيكية واستراتيجية أخرى تقلل الخسائر إلى أدنى حد وتعظم الأرباح إلى أقصى حد، وهذا ما يعرف بسر المهنة، ولكل مهنة أسرارها. وفي حالة شراء الذهب للزينة يفضل الأكثر صياغة والأجمل تشكيلاً. أما إذا اشترى كخزينة، أي للادخار، فيفضل شراءه في شكل سبائك أو غيرها من أشكال الذهب القليل الصياغة كالغوائش مثلاً لأنه في حالة البيع تُفقد كل قيمة الصياغة والتشكيل ولا تحسب إلا قيمة الذهب فقط حسب وزنه، مما يجعل أرباح التجارة فيه أكثر ضماناً من التجارة في غيره. فهم يستفيدون في حالتي البيع والشراء معاً. ويتعرض الذهب كما تتعرض العملات والمستندات الرسمية ذات القيمة المالية الكبيرة للغش والتزوير والتهريب، وهي من أكثر الجرائم الاقتصادية شيوعاً في عالم اليوم مما يستتبع الحذر عندما يشتري عامة الناس الذهب وغيره من النفائس. فلابد من التأكد من الختم الرسمي عليه قبل شرائه للزينة كان أم للادخار. ولا يحدد الختم نقاء الذهب وخلوه من وسائل الغش والتزوير فحسب، وإنما يحدد أيضاً عياره. وللذهب العديد من العيارات ولكن أشهرها عيارات 24 و21 و18 و14. وكلما ارتفع العيار ارتفع سعر الذهب، ولكن كلما انخفض العيار سهلت صياغته وتشكيلاته وتذويقه. وترتبط أسعار الذهب بأسعار السلع الاستراتيجية الأخرى كالبترول مثلاً. فكلما ارتفعت أسعار البترول باعت الدول التي تستورد كل أو أغلب احتياجاتها منه احتياطيها من الذهب لكي تشتري البترول بأسعاره الجديدة المرتفعة دون أن تضطر لتقليل كمية وارداتها منه، مما يزيد عرض الذهب في الأسواق العالمية وبالتالي ينخفض سعره. والعكس يحدث عندما تنخفض أسعار البترول فتشتري تلك الدول الذهب لتعزيز احتياطيها منه لاستخدامه في ظروف مماثلة لارتفاع أو انخفاض أسعار السلع الاستراتيجية كالبترول وأمثاله. وبما أنه سلعة غير استهلاكية فالكميات المعروضة من الذهب في العالم في أي وقت من الأوقات، لا تنخفض أبداً في حالتي البيع والشراء ولكنها تزيد فقط بتزايد استخراجه من مناجمه أو الرمال الغنية به. ولذلك، فإن من الأخطاء الشائعة القول "باستهلاك الذهب" كما نقرأ في الصحف ونشرات الأخبار الاقتصادية بقولهم "أن استهلاك الذهب في بلدٍ ما قد ارتفع أو انخفض". فالذهب لا يستهلك وإنما تنتقل ملكيته من شخص لآخر ومن دولة لأخرى في عمليتي البيع والشراء وتظل كمياته في العالم في أي وقت من الأوقات كما هي، كما هو الحال بالنسبة لبعض الموارد مثل أشعة الشمس التي تنتقل كمياتها من مكان لآخر ومن زمان لآخر دون أن تنقص أو تزيد. وحتى في عملية صياغته وإعادة استخدامه لا تفقد أي ذرة من ذراته وإنما تجمع لتصهر ويعاد استخدامها من جديد. ولعل بعض الذهب المتوافر حالياً قد استخرج منذ آلاف السنين كما تدل على ذلك مقابر الفراعنة وغيرهم من الأمم الغابرة التي كانت تدفن الذهب مع صاحبه في المقبرة نفسها. كما توجد كميات كبيرة من الذهب في السفن التي غرقت منذ زمن بعيد وأمكن إخراجها أو لم تخرج بعد، حيث يكون بعض ممن قضوا نحبهم من ركابها غرقاً من كان يحمل ذهباً للمتاجرة به بطريقة قانونية أو تهريباً أو من كانت تحتفظ به أو كانت تلبسه كزينة. ومن الأخطاء الاقتصادية الشائعة أيضاً ونقرأها في الصحف ونسمعها في النشرات الاقتصادية القول بأن "الذهب قد ارتفع أو انخفض" وأن فهم عامة الناس من ذلك أن سعره قد ارتفع أو انخفض، فإن الاقتصاديين يتضايقون من سماع هذا القول وذلك لأن الطلب على السلع بالنسبة لهم ذو بعدين؛ سعر وكمية، فيتساءلون هل انخفض (ارتفع) سعره أم كميته؟ لذا لابد من القول أن سعر الذهب قد ارتفع أو انخفض حسب الحالة. والاختصار مهم ومعمول به في كل لغات العالم ولكن بشرط ألا يخل بالمعنى العلمي المقصود. ومن الأخطاء الشائعة الأخرى القول بارتفاع وانخفاض البترول أو سوق الأسهم. فلابد من ذكر السعر أو الكمية أيهما كان مقصوداً بالارتفاع أو بالانخفاض في كل هذه الحالات وأمثالها. ونسبة لأهميته في حياة الناس يحتل الذهب مكانة مرموقة في الشريعة الإسلامية وأحكامها. فقد حرمت الشريعة الإسلامية السمحاء على الرجال لبس الذهب ولكنها حللته للنساء. كما كان يستخدم كمهر للزواج وإن آتيتم إحداهن قنطارا. وقد احتجت امرأة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب } بهذه الآية الكريمة عندما أراد تحديد المهور تشجيعاً للشباب على الزواج. فوافقها } على الفور وبلا تردد. وحتى بعد أن فقد وضعه كمهر أصبح الذهب جزءاً لا يتجزأ من مراسيم الزواج وهداياه حتى يومنا هذاوخاصة في هذه المنطقة. فهو لم يفقد وضعاً إلا واكتسب وضعاً أفضل منه. كما خصته الشريعة الإسلامية بوضع خاص فيما يتعلق بالزكاة وإن كانت قد عاملته كمعاملة المال السائل المدخر، حيث أن زكاته هي 5،2% كما هي زكاة المال. ولكن الفقهاء قد اختلفوا في زكاته إن كان مستخدماً للزينة فقط لدى النساء. فمنهم من قال بزكاته ومنهم من قال بعدمها ومنهم من حدد قدراً معيناً للزينة لا تجب فيه الزكاة ومنهم من أطلق حكمه بلا تحديد غير حد النصاب فقط الذي ينطبق على الذهب سواءً كان للزينة أو كخزينة (للإدخار). كما نهى سبحانه وتعالى في محكم تنزيله عن كنز الذهب والفضة دون إنفاقهما في سبيل الله وحيثما أمر. والكنز في الاقتصاد غير محبذ لأنه يعتبر تسرباً من الدخل الوطني. ونسبة لهذه الأهمية التي اكتسبها الذهب في العالم على مر العصور والأزمان فقد أسهم في تحديد خارطة العالم الحالية وفي تاريخه. فقد كانت أغلب الاكتشافات الجغرافية والحروب والغزوات من أجل الحصول على المزيد من الذهب. وقد ازداد السباق بين إسبانيا والبرتغال في القرن الثامن عشر الميلادي حين كانتا هنَّ الدولتين العظميين في العالم في بناء السفن والاكتشافات الجغرافية مدفوعة باقتناء الذهب بالإضافة إلى دوافع أخرى. وعندما وصل البرتغاليون إلى أقصى جنوب أفريقيا المطل على المحيط الهادي الذي يربط غرب الكرة الأرضية بشرقها بممر مائي مستمر من المحيط الأطلسي وحتى المحيط الهندي مروراً بالمحيط الهادي سمى ذلك الموقع الذي أصبح يعرف حالياً بجوهانسبيرج، وهي عاصمة دولة جنوب أفريقيا، برأس الرجاء الصالح The Cape of Good Hope لأنهم وجدوا فيه ما كانوا يرجونه من هذا الوصل بالإضافة إلى ما وجدوه فيه من الذهب، وذلك كان رجاءً وكان صالحاً. واستمرت أهمية ذلك الموقع كصلة الوصل بين الشرق والغرب تتعاظم إلى أن حفرت قناة السويس في عهد الخديوي إسماعيل باشا التي ضيقت الشقة بين الشرق والغرب وقرَّبت المسافة بينهما بأكثر منه، ولكن أهميته كمصدر للذهب لا تزال مستمرة على حالها. فجنوب أفريقيا هي أكبر مصدر للذهب في العالم وغيره من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة وخاصة الألماس. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فقد كانت أهداف محمد علي باشا من فتح السودان في عام 1820م بالإضافة إلى اكتشاف منابع النيل وضمها إلى مصر والحصول على الرجال الأقوياء المحاربين من جنوب السودان حماية لعرشه، هو الحصول على الذهب من جبال بني شنقول الواقعة في الجنوب الشرقي للسودان، وذلك لتمويل مشروعاته التي اختطها لنهضة مصر الحديثة، فلم ينجح في تحقيق أي من تلك الأهداف بالقدر الذي كان يرجوه، ولكنه غيَّر تاريخ وخارطة السودان الحالي. وهذه مجرد أمثلة لتأثير الذهب على الجغرافية السياسية وعلى تاريخ العالم. وأخيراً وليس بآخر، فالحديث عن الذهب ذو شجون ولا يمكن السكوت عنه في حالة اقتنائه أم عدمها. فبقدر ما أتمنى ألا يكون القارئ قد أضاع وقته في قراءة هذه العجالة السريعة عنه بقدر ما أتمنى أن يكون لي من الذهب جرامات (مجرد جرامات وليس قناطيراً) بعدد أحرف هذه المقالة والمقالات الأخرى التي سكبت فيها مداد قلمي متحدثاً عنه. وأتمنى من القارئ الكريم إذا استفاد من هذا المقال أو لم يستفد أن يدعو لي بذلك، عسى الله أن يتقبل منه عشية يوم أو ضحى. @ أستاذ الاقتصاد - جامعة الملك سعود - الرياض. لا يقل دور قطاع العقارات في أي دولة أهمية عن القطاعات الاقتصادية الأخرى، حيث أن حركة نشاط أو ركود هذا القطاع تعتبر مؤشراً أساسياً لحجم السيولة النقدية المتوفرة والمتداولة في الاقتصاد المحلي؛ هذا بالإضافة إلى أن وتيرة حركة نشاط قطاع العقارات تؤثر إلى حد كبير في انتعاش أو تقلص حركة القطاعات الأخرى المكملة لها مثل؛ الاستثمارات في البناء وما يتبعها من نشاط المواد الداخلة في البناء مثل الأسمنت والطوب والحديد والأخشاب. وهذا بالطبع ينعكس إيجابياً أو سلبياً على قطاع المقاولات والمهندسين، وأيضاً على قطاع المفروشات والأثاث والأجهزة والمعدات والأدوات المنزلية، وإلى حد ما على البنوك التجارية. إذاً وكما يتضح من هذه الأمثلة أن قطاع العقارات له دور حيوي وفاعل في تحريك العجلة الاقتصادية في البلاد إذا كان نشطاً أو إبطائها إذا كان خامداً. وحسب الإحصاءات الأمريكية فإن إسهام قطاع العقارات في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح ما بين 5%-15% وذلك حسب معدل السعر السائد لتكلفة رأس المال (سعر الفائدة). أما بالنسبة لقطاع العقارات في المملكة العربية السعودية، فقد شهد نمواً متواصلاً، لا سيما منذ بدايات فترة الطفرة؛ ويمكن تصنيف هذا النمو في إطار عدد من المراحل وذلك تبعاً للمتغيرات التي طرأت على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. وأهم هذه المراحل هي: = المرحلة الأولى (1395-1400ه)؛ فهذه المرحلة انطلقت مواكبة للطفرة وتميزت بحركة للنشاط العمراني والاقتصادي كانت قوية وغير مسبوقة في المملكة العربية السعودية، حيث بدأت خطوات تشييد البنية التحتية. وبهذا الخصوص أكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان (التي ألغيت في التشكيل الوزاري الأخير) أن إنجازات قطاع الإسكان في تلك المرحلة تجاوزت النسبة المستهدفة، وهي 13%، حيث زادت نسبة القطاع العام عما هو مستهدف بنحو 2%، بينما تجاوز القطاع الخاص المستهدف بنسبة 23%. كل تلك الزيادة كانت بسبب؛ تشجيع الدولة لهذا القطاع والاهتمام به بشكل مباشر، من خلال ما قدمه صندوق التنمية العقارية والذي تم تأسيسه بتاريخ 11-6-1394ه؛ علاوة على الوحدات السكنية التي أنشأتها الدولة لبعض منسوبيها، وإطلاق حرية العمل في النشاط العقاري. = المرحلة الثانية (1400-1405ه)؛ جاءت هذه المرحلة لترفع نسبة الزيادة في هذا القطاع عن المستهدف إلى 64%، حيث كانت نسبة ما حققه القطاع الخاص من زيادة عن المخطط له هو 64%، بينما بلغت الزيادة الحكومية 62% من إجمالي الزيادة الأساسية. وتعود الزيادة في هذه المرحلة إلى تبني الدولة خططاً طموحة في هذا المجال، وأيضاً إلى التحسن في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. إن التحسن السريع والملحوظ لهذه الأوضاع كان السبب الرئيسي الذي أدى إلى هجرة الكثير من أبناء القرى إلى المدن الكبرى؛ وأدى أيضاً إلى التحول الاجتماعي الذي طرأ على الأسرة السعودية، حيث انتشرت ظاهرة إتجاه الشباب المتزوجين إلى الاستقلالية في السكن بالإقامة في وحدات سكنية مستقلة؛ هذا بالتالي نجم عنه زيادة في حجم التوسع العمراني. = المرحلة الثالثة (1405-1415ه)؛ أهم ملامح هذه المرحلة ظهور انعكاسات أضرار حربي الخليج الأولى والثانية والتي انعكست سلبياتها على منطقة الخليج العربي بصفة خاصة والمنطقة العربية بصفة عامة. وفي هذه المرحلة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية يشهد ركوداً ولفترة ليست بقصيرة. ولكن الأسباب الرئيسية لهذا الركود لا تعود فقط إلى تداعيات أضرار حرب الخليج الثانية بل إلى توفر الوحدات العقارية بكثرة، ولو صح التعبير إلى تشبع ما هو معروض من الوحدات العقارية بالنسبة للطلب عليه. على أية حال؛ إن الركود في هذه المرحلة يعتبر أمراً طبيعياً بالنسبة للدورة الاقتصادية (نمو - ازدهار - ركود). إلا أن مشكلة ركود قطاع العقارات كانت لها انعكاساتها السلبية على مختلف الأنشطة الاقتصادية الأخرى في المملكة العربية السعودية، وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد من التطورات، أهمها: @ تجميد رؤوس الأموال المستثمرة في قطاع العقارات. @ تعسر الموقف المالي لبعض المستثمرين. @ ظهور مشكلات بين البنوك وعدد من المستثمرين. @ بيع بعض المباني بأسعار زهيدة. = المرحلة الرابعة (1416-1419ه)؛ تمثل فترة منتصف وأواخر التسعينات الميلادية. وأهم ما يميز هذه المرحلة هي استمرار ركود قطاع العقارات، وثبات الأسعار لفترة طويلة. وكان يعتقد بعض المراقبين أن رواج قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية لن يعود إلى الذروة التي وصل إليها نظراً لارتباط تلك المرحلة بأسعار البترول والتي بلغت أدنى مستوياتها. = المرحلة الخامسة (1420-1422ه)؛ مع حلول عام 1999م (شوال وشعبان 1420ه) شهد قطاع العقارات مرحلة تطور وحركة نشاط طبيعية، نتيجة للمرحلة الانتقالية من التكيف مع الأوضاع السائدة إلى مرحلة النمو الطبيعي (بالنسبة للدورة الاقتصادية). وبناءً على ذلك فقد عادت أسعار الأراضي إلى الارتفاع من جديد بنسبة حوالي 25%. إن النشاط الذي شهده قطاع العقارات لهذه الفترة أدى إلى ظهور بعض التطورات الإيجابية، والتي أهمها: @ بلوغ عدد المنشآت التي تعمل في قطاع العقارات 959،31 منشأة (حسب إحصائية وزارة التجارة والصناعة لعام 1421ه). @ قامت الحكومة ولا تزال ببذل جهود كبيرة من خلال الجهات المعنية في وزارة التجارة والصناعة منذ عام 1398ه، وذلك بوضع اللوائح والنظم التي تشتمل على بنود كثيرة منها؛ لائحة تنظيم المكاتب العقارية، اللائحة التنفيذية للمكاتب العقارية، نظام تحديد العلاقة بين المالك والمستأجر، ونظام تملك العقار لمواطني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد شكلت مجموعة هذه اللوائح والنظم اللبنة الأولى والأساسية للنهوض بالمكاتب العقارية. وقد نجم عن ذلك أن المكاتب العقارية تمكنت من تنظيم نفسها في كيانات رسمية لها اعتبارها وذلك من خلال تشكيل لجان للمكاتب العقارية تابعة للغرف التجارية الصناعية في المدن الرئيسية مثل الرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة. وبالرغم مما تميزت به بدايات هذه المرحلة من حركة نشاط في قطاع العقارات، إلا أنه ظهرت حالة الركود من جديد تقريباً خلال منتصف عام 1421ه. ويعود السبب إلى توجه الاستثمارات إلى الصناعة والسياحة والأنشطة الاستثمارية الأخرى، حيث تحقق هذه الاستثمارات عوائد أعلى نسبياً مما يحققه قطاع العقارات بسبب الدعم والتشجيع الذي تقدمه الدولة لتلك القطاعات. ونجم عن ذلك أن بعض المراقبين كانوا يصفون هذه المرحلة بأنها فترة ترقب ويصفون حالة قطاع العقارات بالهدوء النسبي. = المرحلة السادسة (المرحلة الحالية - منذ عام 1423ه)؛ أهم ما يميز هذه المرحلة هو قرار مجلس الوزراء الذي صدر بتاريخ 9-2-1423ه الموافق 22-4-2002م، بخصوص الموافقة على مشروعي نظام ملكية الوحدات العقارية ونظام التسجيل العيني للعقار، جاء ليشكل مرحلة انتقالية نوعية لتطوير حركة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية. وأهم ما ينص عليه نظام ملكية الوحدات العقارية هو أن لكل مالك أن يبني على أرضه ضمن حدود الأنظمة والتعليمات مبنيً من طبقة (دور) أو أكثر وأن يفرزه إلى وحدات عقارية مستقلة تبعاً للتصميم المعتمد في المخطط والترخيص، ويحق له حرية التصرف في كل أو بعض هذه الوحدات باعتبار كل وحدة منها مستقلة عن الأخرى. أما بالنسبة لنظام التسجيل العيني للعقار فأهم ما يميزه هو إنشاء سجل عقاري يتم فيه، وفقاً لأحكام النظام، تثبيت الحقوق العقارية وما يطرأ عليها من تعديلات، وخصص هذا النظام لكل منطقة سجلاً عقارياً تفرد فيه صحيفة لكل وحدة عقارية يتم فيها قيد جميع الحقوق والالتزامات. إذاً وكما يتضح أن هذين القرارين يعتبران بمثابة نقلة نوعية لتنظيم حركة قطاع العقارات في المملكة العربية السعودية، حيث النظام الأول يمكِّن الأفراد، خاصة الشباب المتزوجين وذوي الدخل المحدود، من تملك وحدات عقارية (سكنية) وبأسعار معقولة ومناسبة؛ أما النظام الثاني فيعزز ويؤكد تملك هذه الوحدات العقارية من خلال تثبيت البيانات والمعلومات التي تتعلق بملكية الوحدة العقارية في سجل عقاري خاص بها. لكن ومع الأسف الشديد بالرغم من مدى أهمية هذين القرارين، في إتاحة فرص أفضل وبأسلوب منظم لتملك الوحدات السكنية، إلا أن هناك شائعات بدأت تنطلق لتروج فكرة ارتفاع أسعار العقارات خاصة في المناطق الحضرية الكبرى. ولكن من وجهة النظر الاقتصادية، فإن هذه الشائعات تعتبر غير منطقية ولابد من العمل على إبطالها لسببين رئيسيين؛ أولهما ليس هناك أي علاقة بين ارتفاع أسعار العقارات وبين قراري التملك والتسجيل العيني للوحدات العقارية، ثانيهما ليس هناك أي مبرر، على الأقل في الوقت الراهن، لارتفاع أسعار العقارات. وبمعنى آخر لم يحن الوقت بعد لظهور الطلب الكافي على شراء العقارات بحيث يشكل ارتفاعًا لأسعاره بإطلاق الشائعات. وبهذا الخصوص لابد من التذكير أنه وفي عام 1997م أجريت دراسة تتعلق بالتمدد العمراني في المملكة العربية السعودية وكان أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة هو؛ أن التوسع العمراني والبنية التحتية التي تم إنجازها في العاصمة الرياض يغطي الحاجة السكانية لمدة تتراوح ما بين 15-20 سنة، أما بالنسبة لمحافظة جدة فالمدة الزمنية تتراوح ما بين 10-15 سنة. وكان نتيجة لذلك أن النمو السكاني (الطلب على شراء العقارات) لهاتين المدينتين الكبيرتين كان متدرجاً وبالتالي كان يصحبه ارتفاع تدريجي لأسعار الوحدات العقارية نظراً لتدرج ظهور المواقع العقارية (العرض). ونجم عن ذلك استقرار نسبي لأسعار المعروض من العقار ولكن مع الأسف الشديد استمرت هذه الظاهرة لفترة طويلة. على أية حال، هناك بعض المؤشرات (المعطيات) تشكل دعماً نسبياً لمصداقية بعض ما توصلنا إليه في مقالنا هذا. تلك المؤثرات تكمن في استدلالات نتائج دراسة أعدتها وزارة الاقتصاد والتخطيط عام 1421ه وتم نشرها مؤخراً وهي كالتالي: @ أن حوالي 55% من المواطنين السعوديين يمتلكون منازل خاصة بهم. @ أن إجمالي عدد الأسر (العائلات) السعودية والمقيمة يقدر عددهم بنحو 4،3 مليون أسرة، منها 2،1 مليون أسرة تسكن في فلل خاصة بها، و693 ألف أسرة تقيم في مساكن شعبية. @ أن 40% من المواطنين معظمهم في المدن الصغرى والمناطق القروية و60% من العمال المقيمين ومعظمهم في المناطق الحضرية. @ أن 311 ألف أسرة تسكن في منزل (مبنى بدون سور) وهؤلاء حوالي 90% من المواطنين ذوي الدخول المتوسطة ومعظمهم في المدن الصغرى والمناطق القروية، ونحو 1،1 مليون أسرة تسكن في شقق للإيجار منهم حوالي 30% من الشباب السعوديين المتزوجين، و5% من المواطنين ذوي الدخل المحدود، و65% من المقيمين. وأما بالنسبة للوقت الراهن فإن آخر المؤشرات تدل على أن إجمالي قيمة السوق العقارية في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية يبلغ حوالي 900 مليار ريال سعودي، وفي محافظة جدة وحدها 100 مليار ريال سعودي. وإن متوسط العائد السنوي يشكل 20% من القيمة السوقية الإجمالية. هذا بالإضافة إلى أن الميزانية العامة للعام المالي 1423-1424ه قد خصصت نسبة 5،5% لقطاع صناديق التمويل الحكومي لشتى أغراض المشاريع التنموية لاسيما العقارية، وذلك تمشياً مع متطلبات ازدياد الطلب نظراً لارتفاع نسبة الزيادة السكانية في البلاد. @ مستشار اقتصادي سعودي. تعد البطالة أحد أهم الظواهر التي تلازم المجتمعات التي تتبنَّى نظام اقتصاد السوق. وتختلف أنواع البطالة ويتفاوت تأثيرها على الاقتصاد باختلاف حالات عدم التوازن في هيكل الاقتصاد التي تحكمها، في الغالب، الحالة التي يمر بها الاقتصاد في مستوى وفاعلية استخدامه لموارده الاقتصادية المتاحة وحسن توظيفها واستغلالها وتوزيعها. وعلى الرغم من أن كل التقديرات المنشورة عن معدل البطالة في الاقتصاد السعودي تعتبر في مجملها تقديرات اجتهادية، إذ لا توجد أي مسوحات علمية موثقة للقوى العاملة في الاقتصاد السعودي ترتكز على المعاىير الدولية المعتمدة من منظمة العمل الدولية لقياس معدل البطالة وتفسير مدلولاته، إلاّ أنه قد يكون من الصعب تجاهل بعض المؤشرات العامة التي تضع البطالة المنظورة في أوساط الشباب السعودي كأحد أهم المشاكل التنموية في الاقتصاد السعودي في الوقت الحاضر. وهذه الرؤية تفرض تقىيم هذه الظاهرة وفق المعاىير الدولية المتفق عليها لتحديد حجمها ومسارها الحقيقي. وتبدو هذه الخطوة أساسية لأي رغبة جادة في التصدي لمواجهة هذه الظاهرة ودراسة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وبالتالي الدخول في مرحلة تصحيح الخلل وصرف الروشتة الاقتصادية لتقويمه وتصحيحه أو لعلاجه. ويستلزم التصدِّي لظاهرة البطالة في الاقتصاد السعودي الإحاطة الشاملة بمفهوم البطالة في الفكر الاقتصادي، وتحديد أنواعها ومسبِّباتها وتقدير حجمها وخصائص كل نوع منها، بالإضافة إلى تحليل وتصنيف خصائص الباحثين عن العمل من حيث التوزيع الجغرافي ونوع الجنس والتحصيل العلمي، وبالتالي يمكن تقديم الحلول العملية لها في الأجلين القصير والطويل. وفي مثل هذه الظواهر الاقتصادية الحيوية، تكون الحلول طويلة الأجل هي المحك الحقيقي لفاعليتها وقدرتها على القضاء عليها أو تحجيمها على أقل تقدير في الحدود التي يمكن القبول بها اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً. بطالة مع 3،7 ملايين غير سعودي ولعل أكثر ما يثير التساؤلات، وهي تساؤلات محقة، حول ظاهرة البطالة في أوساط الشباب السعودي، هو التناقض الواضح في تركيبة سوق العمل السعودي. وأهم هذه التساؤلات وأكثرها استحقاقاً، هو كيف يعاني الاقتصاد السعودي من ظاهرة البطالة في الوقت الذي يصل فيه عدد غير السعوديين المقيمين في البلاد وفق آخر الإحصاءات إلى 3،7 مليون شخص؟ صحيح أن أي تحليل اقتصادي موضوعي يجب أن يتعرض لأنواع البطالة ومحدداتها وخصائصها، إلاّ أن ذلك قد لا يكون جواباً كافياً لتبرير وجود الظاهرة في الاقتصاد السعودي واستمرارها بل وربما استفحالها. ولهذا يثار السؤال المشروع حول أسباب هذه الظاهرة أصلاً. وكل هذه التساؤلات تستحق الإجابة على الرغم من أن الإجابة عليها قد لا تكون في متناول اليد بعيداً عن إجراء دراسات علمية شاملة تستوعب الاستحقاقات الزمنية والموضوعية لهذه الظاهرة بكل إفرازاتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي إفرازات مقلقة. ويتطلب بحث الاستحقاق الزمني لهذه الظاهرة العودة إلى فترة الطفرة، أو الوفرة، التي نشأت قبيل منتصف عقد السبعينات من القرن العشرين الميلادي المنصرم والتي خلقت واقعاً اقتصادياً فرض الاعتماد على استقدام العمالة الوافدة لتحقيق التوازنات الهيكلية في محددات عنصر العمل وتشغيل التراكم الرأسمالي الذي كان يتنامى بوتائر متسارعة في مرحلة تنموية اهتمت بشكل مكثف ببناء واستكمال تجهيزات البنية الأساسية ومقابلة متطلبات المشروعات التنموية التي شهدها الاقتصاد السعودي بعد النقلة التصحيحية الكبيرة في أسعار البترول وزيادة الإنتاج قبيل منتصف عقد السبعينات من القرن العشرين الميلادي والتحول الجذري في نهج التخطيط وحجم الإنفاق التنموي بصدور خطة التنمية الثانية في عام 1975م، إذ واجهت عمليات التنمية الاقتصادية، من ناحية هيكلية، عدداً من المعوقات والقيود ذات العلاقة المباشرة بتحقيق أهدافها. وكان عنصر العمل، عندئذ، كأحد الموارد الاقتصادية الرئيسية، من أهم تلك المعوقات والقيود. فكان اللجوء لاستقدام العمالة الوافدة حلاً عملياً لابد منه للقضاء على تلك المعوقات وفك قيودها، وأصبح تواجد العمالة الوافدة واقعاً بُنيت عليه قناعات المجتمع وفعاليات الاقتصاد الكلي. ولم يتعامل المجتمع، والاقتصاد بالضرورة، مع ذلك الوضع كحل مؤقت بل كيَّفه كحالة طبيعية خلقت منه الأيام والسنون وضعاً ملازماً وسمة لقوة العمل الكلية في البلاد. أما الاستحقاق الموضوعي لظاهرة البطالة في الاقتصاد السعودي، فإنه يرتبط بمدى قابلية العمالة السعودية للتوظيف أكثر منها بمدى توفِّر الفرص الوظيفية على مستوى الاقتصاد الكلِّي. ولعل هذا يفسر ما يشار إليه في التحليل الاقتصادي بالاختلالات الهيكلية في سوق العمل والتي يمكن أن تكون مؤشِّراً يعكس سوء استغلال عنصر العمل، وبالتالي كمؤشر يدل على قصور آليات وهيكل الاقتصاد وضعف قدرته على تحقيق التوظيف الكامل والاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية المتاحة. ويبرّر ضعف هذه الاختلالات الهيكلية بدوره الحاجة إلى تقىيم ظاهرة البطالة في المجتمع السعودي وتوزيعاتها وإسقاطاتها حسب فئات المجتمع بحكم ما يمكن أن تعكسه من آثار على مستوى الرفاه الاقتصادي والأمن الاجتماعي للفرد والمجتمع على حدٍ سواء. وهذا ما يبرر أيضاً ضرورة الاهتمام بدراسة سوق العمل، وارتباطها بمكونات الاقتصاد الكلي وفعالياته، وأثرها على تحقيق التوازن في محددات عنصر العمل ضمن جملة المحددات الهيكلية لاستراتيجيات التنمية الاقتصادية ووضع حزمة السياسات الاقتصادية التصحيحية ذات العلاقة المباشرة بها. واقع جديد في فرص السعودة وهنا يتضح أن الاستحقاقين الزمني والموضوعي لتفسير ظاهرة البطالة في الاقتصاد السعودي متلازمان بحيث يصعب الفصل بينهما دون الإخلال بمسار ومضمون ونتائج التحليل الاقتصادي الكلي، إذ لم يكن أمام التصدي لمتطلبات المشروعات التنموية في بداية فترة الطفرة ووضوح العجز في قوة العمل الكلية المتاحة، والوطنية على وجه الخصوص، إلاّ اللجوء إلى استقدام العمالة الوافدة لسد الفجوة بين العرض والطلب في سوق العمل، لأن البديل عندئذ كان يعني ترك الموارد الاقتصادية الرئيسية الأخرى، خاصة رأس المال المتنامي، دون مستوى التوظيف الكامل والاستخدام الأمثل، وما يعنيه ذلك من تأثير سلبي على معدلات نمو الاقتصاد. ولم يكن هناك بُد، عندئذ، من الأخذ بالخيار الأول. غير أنه مع تغير هيكل الاقتصاد السعودي وتنوُّعه وتطوُّره ومرور أكثر من ثلاثة عقود زمنية على صدور خطة التنمية الأولى في عام 1970م واختلاف التركيبة السكانية في المملكة العربية السعودية بمحدداتها المتعددة كمّاً ونوعاً، فإن من الواضح الآن أن السياسات التي اتبعت في الماضي لم تعد مناسبة للاقتصاد السعودي بهيكله المتطور الحالي. وبعبارة أخرى، فإن هذا الواقع الجديد هو الذي خلق الدعوة الملحَّة لتوطين الوظائف "السعودة" والاهتمام بمسألة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية. ومع انحسار فرص التوظيف في القطاع العام مع بداية خطة التنمية السادسة في عام 1995م، اتجهت الأنظار نحو القطاع الخاص ليقوم بدور الموظِّف الأول في الاقتصاد وأن عليه أن يستوعب الأعداد المتزايدة من الشباب السعودي من الجنسين القادمين إلى سوق العمل. ولكن ينبغي هنا التنبيه إلى أن هذا الواقع الجديد لهيكل الاقتصاد السعودي، وإن نجح في خلق هذه التغىيرات، إلاّ أن هناك ثمة تغىيرات اجتماعية سلبية خلقت في المجتمع السعودي قناعات جديدة صُنفت فيها الوظائف والأعمال بشكل حصر بعضها على السعودىين وربط معظمها بالعمالة الوافدة، وهي قناعات لم تكن سائدة من قبل، إذ كانت كثير من الأعمال التي يحجم عنها بعض السعودىين الآن تتم على يد أبناء الوطن بشكل طبيعي ومقبول اجتماعياً. هذه القناعات الجديدة قد تكون من الأسباب التي تقف الآن وراء المشكلة التي يعاني منها سوق العمل والمتمثلة فيما ينظر إليه البعض الآن بأنه حالة من عدم الم واءمة بين العرض من القوى العاملة الوطنية والطلب عليها أكثر من كونها مشكلة إيجاد فرص عمل في إطار سوق العمل. وهذه المشكلة هي التي تضفي على ظاهرة البطالة في الاقتصاد السعودي خصوصية يستلزم أخذها بعين الاعتبار عند دراسة هذه الظاهرة وتقىيمها، مع عدم إهمال المعاىير الدولية المتفق عليها لقياسها وتحليلها. هذه الخصوصية هي التي تتطلب جهداً في تكىيف هذه المعاىير الدولية للحالة السعودية، ويستدعي هذا التكىيف بالضرورة نهجاً موضوعياً في تقدير مدى الصلابة أو المرونة في تطبيق هذه المعاىير الدولية، خاصة معيار البحث عن عمل. تقديرات متباينة وتأسيساً على غياب المنهجية العلمية لمعاىير قياس وتحليل معدل البطالة، فإنه من الطبيعي أن يكون هناك تباين واضح في تقدير معدل البطالة في الاقتصاد السعودي. وقد قدرت نتائج التعداد السكاني الذي أجري في المملكة العربية السعودية في عام 1992م أن نسبة الباحثين عن عمل، سواءً لأول مرة أم لمن سبق لهم العمل من قبل، بلغت نحو 13% من إجمالي السكان السعودىين في قوة العمل، وهم فئة ما فوق سن الثانية عشرة من العمر وفق تعريف خطة التنمية السادسة لقوة العمل، بينما قدرتهم دراسة أخرى أعلنت عنها جامعة الملك عبدالعزيز بجدة أنهم يصلون إلى نحو 27%، في حين أشارت نتائج مسح القوى العاملة الذي أعدته مصلحة الإحصاءات العامة التابعة لوزارة الاقتصاد والتخطيط في عام 1999م إلى أن نسبة الباحثين عن عمل تقدر بنحو 1،8% من إجمالي قوة العمل الوطنية، وفي شهر نوفمبر 2003م عدلت مصلحة الإحصاءات العامة هذه النسبة وأعلنت أنها 66،9%، بينما قدرتها التقارير الصادرة عن بعض البنوك التجارية السعودية في عام 2003م في حدود 30%. هذا التباين الواضح في الإحصاءات يعزز الاعتقاد السائد بأنها في مجملها تقديرات اجتهادية لا تعتمد على أي مسوحات علمية موثقة للقوى العاملة ترتكز على المعاىير الدولية المعتمدة من منظمة العمل الدولية لقياس معدل البطالة وتفسير مدلولاته. وقد يُفسَّر هذا التباين الواضح في هذه الإحصاءات بسبب الاختلاف المنهجي حول تعريف مفهوم البطالة ومنهجية تحديد الحالة العملية لمن هم في سن العمل والخطوط غير الدقيقة التي تحكم المؤشرات الإحصائية المستخدمة في تحديد من هم في سن العمل وتصنيفهم بين عاملين وباحثين عن عمل وخارج قوة العمل وانعكاسات ذلك على تقدير إجمالي قوة العمل ومعدلات البطالة. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا التباين على أي محاولة موضوعية لتقىيم ظاهرة البطالة، لأن فهم التركيب العام لسوق العمل لأي اقتصاد في إطار نماذج الاقتصاد الكلي، يتطلب أولاً إمكانية تقدير جانبي العرض والطلب على العمالة بصورة مستقلة عن بعضهما البعض، ثم دمجهما لتحديد مواطن الخلل وإثبات حالة عدم التوازن بينهما. وهذا البناء الاقتصادي النظري يعتبر شرطاً ضرورياً، وربما كافياً، للانتقال إلى مرحلة الحل ووضع حزمة السياسات الاقتصادية التصحيحية ذات العلاقة بها. تعداد 1992 لم يكن مقياساً وتأكيداً على خصوصية هيكل سوق العمل السعودي، الذي تتجسد فيه بعض الإفرازات السلبية التي خلفتها فترة الطفرة في المجتمع وما زالت إلى الآن مترسبة فيه بشكل ينعكس بالضرورة على تزايد معدل البطالة المنظورة في المجتمع، فإن أي تقىيم لظاهرة البطالة بدراستها وفق نهج علمي يجب أن يستوعب هذه الخصوصية ويستجيب للمعاىير الدولية المتفق عليها في الوقت نفسه، بمعنى أن أي مسوحات سكانية قادمة تستهدف قياس معدلات البطالة، يجب ألاّ تقتصر على تحديد الحالة العملية لأفراد الأسرة الذين تزيد أعمارهم عن 12 سنة فقط، بل يجب أن تشتمل على مجموعة مقنَّنة من الأسئلة التي يمكن أن توفر الإجابة عليها إحصاءات واضحة تفيد في تصنيف المجيبين إلى عاملين أو متعطلين أو خارج قوة العمل وأسباب انتمائهم إلى أي فئة من هذه الفئات. واستناداً إلى هذا التسنيد، يمكن القول إن صيغة الاستبانة التي ارتكز عليها نهج التعداد السكاني لعام 1992م لم تكن معدة أصلاً لقياس معدل البطالة أو مؤشرات القوى العاملة الكلية، إذ ركز الاستبيان على معيار واحد فقط من المعاىير التي تعرِّف البطالة وهو معيار العمل. أما المعياران الآخران المتمثلان في البحث عن عمل والخطوات التي اتخذت في البحث عن عمل وما إذا كان الباحث عن عمل مستعداً للعمل، فقد أغفلها الاستبيان فقصر بالتالي عن أداء هذه المهمة ذات العلاقة المنهجية التي يمكن استخلاص النتائج المرجوة منها فيما يتعلق بقياس معدلات البطالة. ولعل وزارة الاقتصاد والتخطيط، ممثلة في مصلحة الإحصاءات العامة، تستدرك هذا الأمر فى التعداد السكاني الجديد. وقد يكون من المناسب أن تقوم، في هذا السياق، بالتنسيق مع مجلس القوى العاملة الذي يسهم حالياً بجهد علمي وافر في دراسة ظاهرة البطالة باستحقاقاتها المتعددة. وجوب إصدار مؤشر للبطالة ولكي يكون لزعم خصوصية سوق العمل في المملكة العربية السعودية مرجعية اقتصادية، فإن أي دراسة لسوق العمل تستهدف قياس معدل البطالة يجب أن تركز على مدى قابلية العمالة السعودية للتوظيف حسب الظروف السائدة في المجتمع التي يجب أن نتعامل معها بشفافية دون أن نغفل عن معالجتها إن كانت تمثل خللاً اجتماعياً مصطنعاً. ولعل هذا النهج يمكنه التحقق من أن الخصوصية في سوق العمل في المملكة العربية السعودية لا تكمن بالضرورة في عدم قدرة الاقتصاد السعودي على خلق وعرض الفرص الوظيفية للشباب السعودي بشكل عام، وإنما تبيِّن أيضاً أن هناك مشكلة هيكلية في سوق العمل تحددها عوامل اجتماعية واقتصادية خاصة قد لا تكون سائدة في أسواق العمل بدول أخرى. وهذه العوامل أسهمت في إيجاد حالة اقتصادية فريدة اتسمت بمشاركة غير متناسبة أو متوازنة لكل من العنصرين الوطني والوافد ولكل من الذكور والإناث في قوة العمل الكلية. هذه الحالة هي التي خلقت هذه الاختلالات الهيكلية في سوق العمل وأفرزت ظاهرة البطالة المشاهدة في أوساط الشباب السعودي. وهي ظاهرة تستجدي حلاً عملياً جذرياً لابد وأن يُبنى على أسس علمية موضوعية يتطلب إعادة النظر في واقع سياسات وإجراءات توطين الوظائف أو خلقها وأثرها في تصحيح الانحرافات والاختلالات في سوق العمل، ويستوجب إصدار مؤشر دوري لمعدل البطالة يمكن من خلاله متابعة ورصد اتجاهات معدلات البطالة وتطورها في الاقتصاد السعودي. ويمكن من خلال هذه المتابعة والرصد، تقىيم سياسات وإجراءات التوظيف والاستقدام على حدٍ سواء. ولابد أن يفضي التقىيم إلى فرض إجراءات صارمة لضمان إصلاح أي اختلالات قائمة. وغني عن البيان حجم التكاليف التي يتحملها الاقتصاد والمجتمع على حدٍ سواء بتفشي ظاهرة البطالة. وتقاس هذه التكاليف اقتصادياً بحساب إنتاج السلع والخدمات التي لا يتم إنتاجها عندما لا يجد الباحثون عن عمل عملاً لهم، وهي تكلفة تراكمية بحكم تبعات الخسارة التي يُمنى بها الاقتصاد من الإنتاج المفقود. ويكون الأثر الاجتماعي للبطالة أكثر إيلاماً في تأثيرها المباشر على الحالة النفسية للباحثين عن عمل، الأمر الذي قد يدفعهم إلى الانحراف والجريمة والإرهاب، وما يمثله ذلك من تكاليف مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد. إعداد: دار الدراسات الاقتصادية - الرياض. ما يجعل علم الاقتصاد شيقاً وصعباً في آن واحد، هو العلاقات المتداخلة بين العوامل والمتغيرات والعناصر التي يتعامل معها. فهو علم متعدد الأبعاد والجوانب بحيث لا يستطيع المحلل أو الباحث الاقتصادي أن ينظر إلى عامل واحد فقط ويعزله عن بقية العوامل لمعرفة تأثيره وحده ويكون في الوقت ذاته مطمئناً على نتائجه، وخاصة في عالم اليوم الذي أصبحت فيه العوامل المتغيرة أكثر من العوامل الثابتة، بل كادت أن تنعدم فيه العوامل الثابتة تماماً، حتى أصبح الافتراض المعهود في النظرية الاقتصادية "إذا بقيت الأشياء الأخرى على حالها"، أي ثابتة، يستدرك فوراً بالجملة التالية "ولكن الأشياء الأخرى لا تبقى دائماً على حالها". وكمثال على ذلك، لا يمكن الحديث عن أسعار الذهب الأصفر بمعزل عن الحديث عن تأثيره وتأثره بأسعار الذهب الأسود (أي البترول) مع الفارق الكبير بينهما في جميع النواحي، بما في ذلك الشكل والمظهر والمنظر والديمومة. كما لا يمكن الحديث عن أسعار أيِّ منهما بدون الحديث عن أسعار العملات. فبالإضافة إلى كونه زينة تتحلى به النساء منذ أقدم العصور، فقد كان الذهب ذات يوم هو العملة السائدة في جميع أنحاء المعمورة حتى تم استخدام العملات الورقية كبديل له في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وقد اشتركت مع الذهب عدة معادن أخرى كعملات، خاصة تلك التي لا تصدأ، كالنحاس والنيكل والفضة، ولكنه بالطبع كان ولا يزال أغلاها ثمناً وبفارق كبير جداً. وعندما احتار الاقتصاديون في أسعاره المرتفعة بالرغم من أنه أقل منفعة من غيره من المعادن بالنسبة لحياة الإنسان؛ فسروا ذلك بأنه قد اكتسب قيمة ذاتية لدى كل الناس وعلى مر العصور. وإن فقد الذهب وظيفته كعملة متداولة، إلا أنه أصبح هو الغطاء المطلوب لكل عملات العالم وبنسبة 100%. ثم انخفضت هذه الأهمية للذهب كغطاء للعملات تدريجياً حتى وصلت إلى 20%. ثم تنازلت عنه معظم دول العالم في أوائل حقبة السبعينات من القرن العشرين المنصرم. وأصبح الذهب بعد ذلك "زينة وخزينة" كما يصفه عامة الناس، إذ ظل يُحتفظ به كاستثمار بدلاً عن الاحتفاظ بالأوراق المالية أو الودائع البنكية بمختلف أنواعها. كما أصبح يُستخدم في المضاربات، يباع عندما ترتفع أسعاره ويُشترى عندما تنخفض أسعاره. وعندما يزداد التضخم المالي يصبح الاحتفاظ بالذهب بدلاً من الأوراق المالية وسيلة لتخفيف آثار التضخم. ففي حالة التضخم المالي يستثمر الناس في الأصول الثابتة كالأرض والذهب. أما البترول فهو وقود الحضارة البشرية المعاصرة الذي تمركزت حوله اختراعاتها واكتشافاتها وابتكاراتها ويسر وصول البشرية إلى المستوى التقني الرفيع الذي تعيشه الآن. وقد سمي بالذهب الأسود لأنه أصبح مصدر الثروة والدخل (كما كان الذهب الأصفر ولا يزال) للعديد من دول العالم خاصة تلك التي تصدر كميات كبيرة منه. وبما أنهما مصدران للثروة، فقد نشأت بينهما علاقة وثيقة وإن كانت عكسية. فمن الملاحظ، بصفة عامة، أنه كلما ارتفعت أسعار البترول انخفضت أسعار الذهب والعكس أيضاً صحيح، بالرغم من أنهما ليستا سلعتين مكملتين لبعضهما وليستا بديلتين، وإنما هما سلعتان مستقلتان عن بعضهما تماماً. والعلاقات بين أسعار السلع تتحدد عادة على أساس إما لأنهما بديلتين، حيث يزداد الطلب على إحداهما عندما يرتفع سعر الأخرى والعكس أيضاً صحيح. وإما لأنهما مكملتين لبعضهما، فيزداد الطلب على إحداهما عندما يزداد على الأخرى. أما إذا كانتا مستقلتين عن بعضهما، فمن المتوقع ألا تكون هنالك علاقة بينهما. فلماذا إذن تحدث هذه العلاقة العكسية بين الذهب الأصفر والذهب الأسود في أرض الواقع؟ هنالك العديد من النظريات التي طرحت لتفسير ذلك، ولكن أكثرها قبولاً هي أنه عندما ترتفع أسعار البترول، كما حدث في منتصف حقبة السبعينات من القرن العشرين المنصرم مثلاً، تنخفض أسعار الذهب لأن الدول الصناعية المستوردة للبترول، وهي تمتلك احتياطي كبير من الذهب، تبيع جزءاً منه لكي تتمكن من شراء ما تحتاجه من البترول فيزداد العرض من الذهب مما يقلل سعره. وعندما تنخفض أسعار البترول، كما حدث في منتصف حقبة الثمانينات، تصبح تلك الدول في موقف يمكنها من شراء الذهب لزيادة احتياطيها منه مما يزيد الطلب عليه، وبالتالي ترتفع أسعاره. ولكن، لماذا إنخفضت أسعار الذهب في أواخر التسعينات من القرن العشرين المنصرم، بالرغم من إنخفاض أسعار البترول خلال تلك الفترة؟ والإجابة هي أن العديد من الدول، ومن أهمها بريطانيا، صاحبة أكبر احتياطي من الذهب، قررت أن تبيع نصف احتياطيها منه حماية لقيمة الجنيه الاسترليني؛ الذي لم تعد صادرات بريطانيا الأخرى قادرة على حمايته بالقدر الكافي وذلك للمنافسة الحادة التي تواجهها صادراتها في الأسواق العالمية من السلع اليابانية والكورية والصينية الأرخص ثمناً. وحتى سلع الدول الأوروبية الأخرى والسلع الأمريكية أصبحت منافسة للسلع البريطانية. كما أعلنت دول أوروبية أخرى كسويسرا، التي تمتلك قدراً كبيراً من الذهب أيضاً، بيع جزء كبير من احتياطيها. وكذلك قرر صندوق النقد الدولي أن يبيع 10% مما لديه من الذهب لتمويل البرامج التي يعتزم تنفيذها لتخفيض ديون الدول النامية. وكل ذلك زاد من عرض الذهب بدرجة كبيرة مما قلل أسعاره في وقت كانت فيه أسعار البترول تنخفض أيضاً. وهذا دائماً شأن توقعات النظريات الاقتصادية التي لا تتحقق ما لم تستوف شروطاً كثيرة من أهمها ثبات العوامل المؤثرة الأخرى التي ما إن يتغير أحدها حتى نشاهد ما قد يبدو أنه عكس توقعات النظرية الاقتصادية في كثير من الحالات. ففي هذه الحالة إزداد عرض الذهب الأصفر ليس لأن أسعار الذهب الأسود قد ارتفعت، ولكن لعوامل أخرى منها حماية العملة الوطنية كما في حالة بريطانيا، وتخفيض ديون الدول الفقيرة كما في حالة صندوق النقد الدولي. ومن قراءة سريعة للتطورات الاقتصادية منذ بداية القرن الواحد والعشرين، يثار التساؤل حول العلاقة العكسية بين أسعار الذهب الأصفر والذهب الأسود، إلا أن ذلك التساؤل لا يعني تجاهل تأثرهما وتأثيرهما، كلٍ على حدة أو معاً، على أسعار العملات. فالدول ذات الاحتياطي الكبير من الذهب ستحافظ على أسعار عملاتها أكثر من الدول التي ليس لديها احتياطي أو أن احتياطيها قليل كما هو الحال بالنسبة لأغلب الدول النامية وخاصة الدول الأقل نمواً، وهي التي كانت الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار البترول خلال حقبة السبعينات من القرن العشرين لأنها اضطرت لزيادة طبع عملاتها بدون إنتاج مكافئ لكي تشتري كميات البترول نفسها التي اعتادت على شرائها قبل ارتفاع أسعاره، مما أدى، مع عوامل أخرى، إلى انخفاض قيمة عملات هذه الدول كثيراً، فازداد فيها التضخم المالي بدرجة لم تعد تطيقها. كما أدى هذا الوضع إلى عجز هذه الدول عن دفع ديونها السابقة مما حرمها من الحصول على قروض جديدة، فازدادت الأحوال الاقتصادية فيها تدهوراً على تدهورها. أما الدول التي لديها احتياطي كبير من الذهب فهي تلجأ إلى بيعه عندما ترتفع أسعار البترول بدلاً من أن تعرِّض عملاتها الوطنية للانخفاض مما يلقي بظلاله على مجمل الاقتصاد الوطني. إن العلاقات المتداخلة والمتشابكة بين أسعار كل من السلعتين الذهب الأصفر والذهب الأسود فيما بينهما من جانب، وفيما بين كل منهما وأسعار العملات من جانب آخر، تكاد لا تنفصم أبداً. وإن حدث أن أي من ذلك لم يتحقق، فسوف يكون السبب أن عوامل أخرى قد حدثت أدت إلى تغىير اتجاه العلاقات بين هاتين السلعتين، كما هو الحال عندما قررت بريطانيا وغيرها من الدول صاحبة الاحتياطي الكبير من الذهب، بالإضافة إلى صندوق النقد الدولي، بيع جزء كبير مما لديها منه فانخفضت أسعاره في وقت كانت فيه أسعار البترول تنخفض أيضاً. إلا أنه مع توجه أسعار البترول نحو الارتفاع بعد أن شهدت انخفاضاً ملموساً قبل سنوات، يبرز التساؤل؛ هل يحتمل أن تتجه أسعار الذهب نحو الانخفاض أ م ستظل تتجه نحو الارتفاع كما هو حاصل الآن؟ سؤال قد تصعب الإجابة عليه في ظل الظروف والمعطيات الراهنة. @ أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعود - الرياض. منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين الميلادي، وباستثناء خبر استخراج البترول في عام 1998م، لم نكن نسمع من أخبار السودان الهامة غير أخبار الجفاف الساحق الماحق الذي تعقبه مباشرة الفيضانات المدمرة المهلكة، والتمرد الذي يرفض إلقاء السلاح ليتفرغ هذا البلد المنكوب للتنمية والإعمار بدلاً من التدهور والخراب بالرغم من التنازلات المتواصلة التي قدمتها له الحكومات المركزية المتعاقبة الأربع الأخيرة (نميري وسوار الدهب والمهدي والبشير). لقد جثم الجفاف لعقد من الزمان (1977-1987م) على صدر شعب السودان الذي يعتمد اقتصاده أساساً على الأمطار حيث تسهم الزراعة المطرية بشقيها النباتي والحيواني بنسبة تزيد عن 65% من الناتج المحلي الإجمالي، فقضى على كثير من الحيوانات الأليفة والبرية، وانخفض إنتاج المحاصيل النقدية والإعاشية، فانتشرت المجاعات التي أدت إلى العديد من الوفيات وخاصة في المناطق التي يعتمد سكانها في حياتهم على الأمطار اعتماداً يكاد يكون كلياً، فنزح أغلبهم إلى المدن بحثاً عن حياة بديلة فشكلوا ضغطاً على الخدمات الشحيحة أصلاً في المدن وأحدثوا فيها تغيرات ديموغرافية عميقة أدت إلى اكتظاظها بالسكان بينما انحسر عدد سكان الريف، كما أدت إلى تغيرات هيكلية في الاقتصاد السوداني نتيجة لتدهور الأحوال الاقتصادية في الريف فنزح أثرياؤه ليستوطنوا في المدن فازدادت أحواله تدهوراً مما أدى للمزيد من نزوح فقرائه ليستقروا في أطرافها معتمدين في معيشتهم على الإغاثات والإعانات لأنهم لم يجدوا أعمالاً بديلة ما عدا القليل منهم حيث لا تتواءم مؤهلات أغلبهم وخبراتهم الريفية مع متطلبات الأعمال المتاحة في المدن، فاضطروا لاتخاذ مما وجدوه من مخلفات المباني والمتاجر من كرتون وصفيح مواداً لبناء ما يأويهم ولكنه لا يكاد يقيهم من حر أو يعفيهم من برد، فتكونت مجمعات سكنية كبيرة المساحة وانتشر ما أصبح يعرف الآن بالسكن العشوائي أو مدن الصفيح أومدن الكرتون وما إلى ذلك مما يعبر عن بؤر سكانية تنتشر فيها وتنتقل منها الأمراض المعدية والأوبئة، مما أدى إلى تدهور الأحوال البيئية والصحية في المدن بما فيها، بل وعلى الأخص، مدينة الخرطوم عاصمة البلاد نفسها التي كانت أكثر حظاً من حيث أعداد النازحين. فتدهورت الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية في المدن والريف معاً. ولم يكن ذلك نتيجة لاكتظاظ المدن وانحسار أعداد سكان الأرياف فحسب، ولكن أيضاً لانخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاض الصادرات وازدياد الواردات مما أسهم في انخفاض سعر العملة السودانية بدرجة لم تشهدها من قبل، مما أدى بالتالي إلى تدهور اقتصاد البلاد بأسرها. القرن العشرين يتخطى السودان ولم تنته دورة الجفاف التي دامت لعقد من الزمان (1977-1987م) إلا لتبدأ دورة جديدة من الفيضانات التي بلغت ذروتها في عام 1988م عندما فاض النيل الأزرق الذي يمد نهر النيل بحوالي 85% من جملة مياهه، ومن ثم فاض نهر النيل نفسه بدرجة لم يعرفها السودان بعد عام 1946م، فدمر ما دمر من القرى والمدن الواقعة على ضفتيه بما في ذلك مدينة الخرطوم عاصمة البلاد نفسها، وأهلك ما أهلك من بشر وضرع وشجر ومزارع ومشروعات وبنى تحتية على طول مجراه من حدود السودان الشرقية وحتى حدوده الشمالية. ثم ما شاهدناه مؤخراً في شهر أغسطس 2003م الماضي من فيضان نهر القاش في شرق البلاد بدرجة لم تشهدها تلك المنطقة من قبل، فدمر ما دمر من المنازل والبنى التحتية الفقيرة أصلاً في مدينة كسلا، وهي من أكبر وأهم مدن شرق السودان، وأهلك ما أهلك من بشر وزرع وضرع أيضاً، وكأن القرن العشرين الذي طوَّع الإنسان فيه الطبيعة إلى حد كبير وسخرها، بعون الله، لخدمته، قد تجاوز السودان وتخطاه؛ مع أن الفيضانات تعتبر من أكثر الكوارث الطبيعية سهولة في السيطرة عليها والاستفادة منها وتحويلها من محنة إلى منحة وذلك بإنشاء الخزانات والسدود والمجاري وما يسمى في السودان بالترع وتوسيعها وتعميقها وما إلى ذلك من البنى التحتية التي تخزن المياه في أوقات الوفرة، أي في أثناء الفيضانات، لاستخدامها في أوقات الشح، أي في أثناء الجفاف، حتى وإن تطلب ذلك ترحيلها عبر الأنابيب البلاستيكية إلى أماكن بعيدة. فبينما يقضي الجفاف على الأخضر واليابس، يدمر الفيضان ما عُمِّر خلال عدد من السنين، فكيف ينمو ويتطور اقتصاد في ظل هذه المطرقة (الفيضانات) وذلك السندان (الجفاف)؟ فضلاً عن نيران التمرد الذي سنتناوله لاحقاً. وحقيقة، فإن إنتاجية الأرض الواقعة على ضفتي نهر النيل تزداد بدرجة ملحوظة بعد انحسار الفيضان مباشرة ولكن لم يقدر أحد بدقة أيهما أكبر قيمة؛ الدمار الذي يحدث من جراء الفيضان، أم قيمة الاخضرار وارتفاع خصوبة الأرض وارتوائها بلا تكاليف إضافية بعد انحساره؟ وذلك لأنه لم يأبه أحد بإجراء مثل هذه التقديرات كما يحدث في الدول المتقدمة. فالحياة في الدول النامية عموماً تسير سيرتها بعد كل كارثة وكأن شيئاً لم يكن، وينساها الناس حتى تهددهم وتفعل فعلها بهم مرة أخري، ولذلك تتكرر المآسي وتزداد الأخطار وتبقى المشكلات بما في ذلك الكوارث كما هي على طبيعتها وسجيتها تكرر نفسها بين حين وآخر. ولكن، هل كان يجب أن يتجاوز القرن العشرين ويتخطى السودان وهو الذي دخل فيه منذ بدايته حين سيطر عليه الاستعمار البريطاني في عام 1898م، فأنشأ فيه منذ عام 1902م، المدارس الحديثة الابتدائية منها والثانوية والعليا شاملاً مدارس الطب والهندسة والعلوم البحتة والعلوم الإدارية بمختلف جوانبها، وإن بدأت بعدد قليل من الطلاب، فقد تزايدت أعدادهم مع مرور الزمن إلى أن وصلت درجة من الكيف والكم أصبح معها الخريجون السودانيون من الرجال والنساء ومن مختلف مراحل التعليم العامة والجامعية وما فوق الجامعية ينافسون غيرهم في أسواق العمل الإقليمية والدولية وبكفاءة يشار إليها بالبنان؟ هذا من ناحية الموارد البشرية السودانية، أما من ناحية الموارد الطبيعية فحدث ولا حرج، والتي أقل ما يقال عنها أن أغلبها سواء ما هو في ظاهر الأرض أو في باطنها، عذراء لم يمسسها بشر. فما هي الأسباب التي حالت دون استفادة السودان من كثير من معطيات القرن العشرين بالرغم مما لديه من الموارد البشرية المتطورة (نسبياً) والموارد الطبيعية المهولة والثروة الكامنة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه المقالة. انشغل السودانيون طوال النصف الأول من القرن العشرين بمقاومة الاستعمار والعمل على إخراجه من البلاد. وقد تم ذلك في عام 1956م نتيجة للحلف المقدس والتحالف الموفق بين المثقفين ورجال الدين الممثلين في طائفتي الأنصار والختمية اللتان اقتسمتا ولاء عامة الشعب، ثم سعت كل منهما لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المثقفين حتى نتج عن ذلك ما يشبه توازن القوى بين الطائفتين. وإن كان حظ طائفة الختمية أكبر من حظ غريمتها في جذب المثقفين، فقد كان خط طائفة الأنصار من عامة الشعب هو الأكبر. صراع حزبي رباعي الأضلاع وبقدر ما كان التحالف بين المثقفين ورجال الدين موفقاً إبان فترة مقاومة الاستعمار وإخراجه من البلاد، بقدر ما كان نقمة عليها بعد الاستقلال. وذلك لأن قيادات وزعماء الطائفتين اعتقدوا أن المعركة قد انتهت بالانتصار على الاستعمار وحان وقت حصاد الغنائم ممثلة في كراسي الحكم وغيرها من مصادر السلطة والثروة والجاه. فاحتدم الصراع بينهما حول تلك الغنائم حتى أنساهما مصالح البلاد العليا والاهتمام بالتنمية والعمران اللذين غابا تماماً عن أجندتهما. وفي غضون ذلك تأسس حزبان عقائديان متنافران من المثقفين الجدد (آنذاك)؛ أحدهما هو الحزب الشيوعي وثانيهما حزب الإخوان المسلمين اللذان اعتقدا، بخلاف الحزبين التقليديين، بأن معركة الاستقلال لم تنته بخروج المستعمر، وإنما بدأت لتوها، فالاستقلال حسبما رأى كل منهما لا يعني مجرد رفع علم البل اد بدلاً من علم الاستعمار وعزف نشيد السلام الجمهوري وسودنة الوظائف وإصدار العملة الوطنية فحسب، ولكنهما اختلفا تماماً في كيفية اكتمال الاستقلال. فبالنسبة للحزب الشيوعي فلن يكتمل الاستقلال إلا بتغيير النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي خلفه الاستعمار في السودان واستبداله بنظام اشتراكي وفك الارتباط بالمسعكر الغربي الاستعماري والانتماء إلى المعسكر الشرقي التحرري. أما الإخوان المسلمون فقد رأوا أن الاستقلال لن يكتمل إلا بتغيير الدستور والقوانين الغربية التي خلفها الاستعمار إ لى دستور وقوانين إسلامية، وتعديل نظامه الاقتصادي الربوي ليصبح نظاماً اقتصادياً إسلامياً تجمع بمقتضاه الزكاة من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء والمساكين وينبذ المعاملات المالية الربوية ويعتمد على صيغ التمويل الإسلامية (مضاربة، مرابحة، مزارعة، استصناع... إلخ) وكان شعارهم من حيث الانتماء (ولا يزال) "لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية". فأصبح الصراع الحزبي الطائفي والأيديولوجي رباعي الأضلاع بدلاً من ثنائي الأضلاع، فتعمق الخلاف واشتد الاختلاف في السودان حتى أصبح الانشغال بالسياسة على المستويين الشعبي والرسمي هو الشغل الشاغل لكل شعب السودان، مما أدى إلى إهمال شبه تام للجوانب الحياتية الأخرى بما في ذلك الجوانب الاقتصادية والتنموية، مع أنه كان ينبغي أن تكون هي صاحبة الأولوية بعد تحقيق الاستقلال، كما كان ينبغى مواجهة كوارث الفيضانات والجفاف المستمرة إلى يومنا هذا، ووضع الحلول الناجعة لها، وتطوير بقية البنى التحتية للاقتصاد. التمرد في الجنوب ومن آثار ذلك الإهمال أيضاً عدم معالجة مشكلة جنوب السودان وهي في أطوارها الأولى. فقد بدأت كمشكلة باردة تلخصت في مطالبة زعماء الجنوب آنذاك بالحكم الفدرالي وبزيادة نصيبهم في الوظائف التي شغرت بخروج المستعمرين وتمت سودنة وظائفهم، ولأن مطالبهم لم تستجب، ازدادت حرارة المشكلة بالتمرد الذي حدث في عام 1955م وراح ضحيته عدد كبير من الشماليين الذين نقلوا للعمل في جنوب السودان ومن بينهم أطباء ومدرسين وزراعيين وبياطرة وإداريين. وبالرغم من ذلك، فلم تعر الحكومة أو المعارضة آنذاك تلك المشكلة الاهتمام اللازم. بل أصبح الجنوب بالنسبة لكلا الطائفتين مسرحاً جديداً للمعركة المحتدمة بينهما وصراعهما على السلطة، كل يود أن يستقطب أكبر عدد من نواب الجنوب في البرلمان لترجيح كفته البرلمانية على الآخر. أما بالنسبة للحزبيين الحديثين (الشيوعي والإخوان المسلمين)، فقد رأى الحزب الشيوعي أن الحل يكمن في النظر إلى الجنوبيين كالنظر إلى فقراء الشمال والطبقة العاملة (الكادحين) التي عندما تتوحد يتوحد شطري القطر تلقائياً، بينما كان رأي الإخوان المسلمون أن الحل يكمن في أسلمة سكان الجنوب ونشر اللغة العربية في أوساطهم لكي تتحقق الوحدة الوطنية التي تعتمد على وحدة الدين واللغة. ولكن، كل ذلك لم يلق آذاناً صاغية لدى سكان الجنوب ولم يلبِّ مطالب زعمائه التقليديين ولم يرتق إلى مستوى طموحات شبابه المثقف التي تراوحت بين الحكم الذاتي والحكم الفدرالي وتقرير المصير، وقليل منهم طالب بالانفصال واستقلال الجنوب عن الشمال. ولكن، بدلاً من اللجوء إلى الأساليب الديمقراطية التي كانت هي السائدة آنذاك لتحقيق المطالب (مذكرات، مظاهرات، اضطرابات، اعتصامات... إلخ)، لجأ بعض الجنوبيين رأساً إلى التمرد واستخدام السلاح، فازدادت مشكلة الجنوب سخونة وتفاقمت حتى وصل التمرد إلى ما وصل إليه الآن من القوة، يخوص حرباً تكاد تكون سجالاً مع جيش البلاد في مسارح العمليات ويقف نداً للحكومة في قاعات المفاوضات، مستغلاً الوضع الدولي الراهن الذي يصب في مصلحته لمبررات كاذبة ودعاوى خاطئة كالاضطهاد الديني والتمييز العنصري. وكان من نتيجة ذلك المزيد من الدمار والخراب في الجنوب وإيقاف مشروعات التنمية فيه تماماً، بل وتعطيلها في كل أنحاء البلاد لما يكلفه التمرد من أموال طائلة بالإضافة إلى إزهاقه للأرواح التي قدرت بحوالي مليون ونصف المليون حتى الآن وتشريد ما لا يقل عن مليونين من الجنوبيين، لجأ أغلبهم إلى شمال البلاد (فكيف يدعى المتمردون أنهم يقودون حرباً أهلية بين الشمال والجنوب؟)، وتوزع قليل جداً منهم بين دول الجوار الجنوبية. ومن أهم آثار التمرد السلبية الأخرى أن دخل الجيش السوداني في المعترك السياسي بالانقلاب على الحكومات الديمقراطية التي كان دائماً يسيطر عليها حزبا الطائفتين، مما جعل الوضع السياسي أكثر تعقيداً إذ أصبح سداسي الأضلاع Hexagonal (الحزبان التقليديان والحزبان الأيديولوجيان والجيش والمتمردون)، فأصبحت الجوانب الاقتصادية والتنموية أكثر إهمالاً من ذي قبل. فحتى النوايا التنموية التي تبديها الحكومات العسكرية وما تقوم بإنجازه منها تجد مقاومة من السياسيين الذين يقودون معركتهم ضد الحكم العسكري من خارج البلاد، وأهم سلاح يستخدمونه في تلك المعركة هو السعي مع الدول الأجنبية التي تؤيدهم لمحاصرة السودان اقتصادياً، وسلاحهم الثاني هو الاتفاق مع المتمردين (وخاصة التمرد الحالي) مما يزيد التمرد قوة ويطيل من عمر النظام ويزيدهم هم (أي السياسيين المعارضين للحكم العسكري) ضعفاً ويدفع السودان بالتالي الثمن غالياً شعباً وأرضاً متمثلاً في تدهور الأحوال الاقتصادية وتعطيل تنمية البلاد التي لم يفكروا في إنجازها وعطلوا، بل وأوقفوا، كل ما كان يمكن أن ينجز منها من قبل الحكومات العسكرية التي، مهما كان رأينا فيها، ما أن يذكر أي مشروع تنموي تم إنجازه في السودان إلا ونسب لأحدها ابتداءً من عهد المغفور له بإذن الله، الفريق إبراهيم عبود، ومروراً بعهد المشير جعفر النميري وانتهاءً بعهد الفريق عمر البشير الحالي. غير أن ما يمكن أن يؤخذ على العهود العسكرية في هذا الجانب بالذات، هو ، بالإضافة إلى كبت الحريات، ما يسمى في السودان "بالتطهير" الذي يعني فصل المعارضين للنظام من الخدمة المدنية تحت ستار "الصالح العام" وخاصة في عهدي النميري والبشير، مما أفقد السودان كثيراً من الخبرات والكفاءات التعليمية والصحية والإدارية والفنية والعمالة الماهرة وغير الماهرة من الرجال والنساء التي كان من الممكن الاستفادة منها في التنمية فذهبت هدية مجانية لدول أخرى ومنظمات إقليمية ودولية وفقدها السودان. ونتيجة لما حققه أولئك (المطهرون)، منذ عهد النميري، من مكاسب مالية وغيرها لذواتهم وذويهم فقد أغرى ذلك العديد من الكفاءات الأخرى الذين لم يفصلوا من أعمالهم إلى الهجرة أيضاً حتى أصبحت هدفاً لكل من يستطيع العمل في خارج البلاد، مما زاد من هدر الموارد البشرية السودانية وأضعفها كثيراً، الأمر الذي انعكس سلباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. الخروج من المولد بلا حمص ونخلص مما سبق إلى أنه بالرغم من دخول السودان في القرن العشرين منذ بدايته ومن أوسع أبوابه، وهو باب التعليم، مما طور موارده البشرية بدرجة كبيرة، وبالرغم من موارده الطبيعية الكامنة والواعدة، فقد خرج منه خالي الوفاض كمن "خرج من المولد بلا حُمص"، كما يقول المثل السوداني الدارج، الأمر الذي جعل البلاد ضحية للكوارث الطبيعية وخاصة الفيضانات والجفاف اللذان يؤثران على اقتصاد البلاد وتنميتها بأكثر من أية كوارث أخرى. وإن كان النصف الأول من القرن العشرين قد انقضى في مكافحة الاستعمار ومحاولات إخراجه من البلاد، وهو أمر مفهوم بل مقدر، فقد ذهب النصف الثاني من القرن العشرين وهو الذي تطورت فيه التقنية الحديثة بأكثر من أي وقت مضى وتمكن خلاله الإنسان من السيطرة على الطبيعة بدرجة كبيرة وحقق من الابتكارات والاكتشافات ما فات على السودان نتيجة لانشغال قادته وزعمائه بالصراع السياسي والأيديولوجي من جهة، والتمرد الذي لم ينحصر الآن في جنوب السودان فحسب، بل امتد شرقاً وغرباً، من جهة أخرى. فما هو المخرج الآن من هذا المأزق التاريخي الذي يواجه السودان حتى أصبح شعبه أقرب ما يكون "كالعيس في الصحراء عطشى والماء فوق ظهورها محمول"؟ = إنهاء التمرد بالطرق السلمية وبالمفاوضات مع قادته وفي الوقت نفسه تنفيذ خطط التنمية المعدة وخاصة في جنوب البلاد وغيره من المناطق الأقل نمواً، وذلك لأن التنمية تخاطب المواطن العادي وتحل مشكلاته مما يكسر شوكة المتمردين ويفقدهم الشعبية ويقلص أعداد المستعدين لحمل السلاح في وجه جيش البلاد وحكومته المركزية. = إذا تعنت المتمردون ورفضوا الحلول الوسطى التي ترضي جميع مواطني السودان وخاصة بعد الاتفاقية الأمنية التي تمت بين نائب رئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان طه وقائد التمرد الدكتور جون قرنق في سبتمبر 2003م (والتي على علاتها نتمنى أن تكون خطوة جادة في طريق السلام)، فيجب على كل القوى السياسية الوطنية المخلصة شمالية كانت أم جنوبية، حكومية كانت أم معارضة عزل كل المتمردين وتركهم لوحدهم لكي يحسوا بالضغط الشعبي عليهم، ويلقوا السلاح ويلجأوا إلى طاولة المفاوضات طائعين. فما يقوى شوكتهم الآن هو وقوف الأحزاب السياسية المعارضة معهم الأمر الذي جعلهم كلما تتنازل لهم الحكومة وتحقق مطالبهم يتقدمون بمطالب تعجيزية جديدة لا يمكن لأي أحد قبولها متبعين قاعدة زGive them an offer they canصt acceptس أي اعطهم عرضاً لا يستطيعون قبوله مما يجعل التمرد مستمراً إلى ما لا نهاية ويكبد البلاد ما يكبدها من تكاليف بشرية ومالية ويعطل التنمية إلى عقود قادمة وتستمر بالتالي كوارث الفيضانات والجفاف وغيرها من السلبيات والمعوقات في هذا البلد. = أن ينحصر اهتمام الأحزاب وكل من له علاقة بالشأن العام من الحكام أو المعارضين في المصلحة العامة للبلاد بدلاً من مصالحهم الحزبية الضيقة ومكاسبهم الخاصة، حيث ثبت بالدليل العملي القاطع أن ذلك قد أضر بالجميع ولم يستثن أحداً. = التخطيط الشامل للبنية التحتية بما في ذلك ما يدرأ خطر الفيضانات والاستفادة منها وكسر حدة الجفاف واثاره السلبية بدلاً من المشروعات المعزولة هنا وهناك. وأن تفرد لذلك ميزانيات خاصة ب ه لا يتدخل فيها أحد ويتم تمويلها بالموارد المالية السودانية، وإن لم تكفِ فبالقروض الميسرة وخاصة من صناديق التنمية في الدول العربية والدول الصديقة والمؤسسات التنموية الإقليمية والدولية، على أن تخضع للمراقبة الجادة لضمان التنفيذ ومنع الفساد. = السعي نحو تعظيم عائدات الصادرات السودانية وذلك بالمزيد من العناية بنظافتها وتعبئتها وتغليفها والالتزام الصارم بالمواصفات العالمية وسحب ترخيص كل من يفرط في ذلك من المصدرين الذين يسيئون لسمعة المنتجات السودانية في الأسواق العالمية الأمر الذي سيزداد أهمية على أهميته الحالية نتيجة لقيام منظمة التجارة العالمية. فتعظيم عائدات الصادرات يزيد حصيلة البلاد من العملات الصعبة ويزيد الدخل الوطني ودخل منتجي الصادرات نفسها مما يسهم في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية بما في ذلك درء مخاطر الفيضانات والجفاف ويقلل من أسباب التمرد. = السعي بجد لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) سواءً كانت أجنبية خالصة أو مشتركة، خاصة وأن مناخ الاستثمار في السودان قد تحسن حالياً بدرجة ملحوظة، على أن يفتح الباب واسعاً للمستثمرين السودانيين والأجانب حتى في مشروعات تطوير البنية التحتية والخدمات العامة والخاصة. = استقلالية الخدمة المدنية بالكامل عن الحكومة والأحزاب معاً لكي تستطيع القيام بمهامها التنموية والخدمية وتحافظ على كفاءاتها وخبراتها. وفي المقابل، يجب أن تنأى النقابات العمالية والاتحادات المهنية بنفسها عن العمل السياسي سواءً كان موالياً للحكومة أو للمعارضة وأن ينحصر اهتمامها في ترقية مهنها والمحافظة على مكاسبها الفئوية مع مراعاة مصلحة البلاد العليا. = العودة إلى نظام التعليم السابق، وسلمه المبني على أساس أربعة سنوات لكل من المرحلة الأولية والمتوسطة والثانوية ومناهج مدارس وادي سيدنا وحنتوب وخور طقت ورمبيك ورصيفاتها من مدارس البنات، وإحياء رسالة معهد بخت الرضا وأبنائه في شندي والدلنج ومريدي، حيث كانت مخرجات النظام التعليمي السابق من الموارد البشرية (رأس المال البشري) أكثر علماً وثقافة وفناً وأدباً ولغة (عربية وانجليزية) ورياضة وإبداعاً وابتكاراً من النظام التعليمي الحالي. وإن تم ذلك، فلن يتمكن السودان من تعويض ما فاته من معطيات القرن العشرين فحسب، وإنما سيتمكن أيضاً من الانخراط في القرن الواحد والعشرين دون أن يفوته من معطياته شيئاً، بعون الله تعالى. @ أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعود - الرياض. في لقاء لمجلة مع المهندس سمير الشبيلي، مدير عام التسويق والمبيعات بشركة الزاهد للتراكتورات، تحدث عن موديلات سيارات رينو 2004، التي يمثل كل طراز جديد منها عملاً إبداعياً متميزاً يمزج بين المهارة المهنية والحدس الفني، كما أن متعة القيادة ومتعة الحياة داخل السيارة عنصران أساسيان يلتقيان في تناسق تام. وأوضح الشبيلي أن خطوات التوسعة الشاملة التي اتخذتها شركة الزاهد للتراكتورات تأتي ضمن سلسلة الخطوات التي اتخذت بهدف مواكبة نجاح إطلاق سيارات رينو في السوق، حيث تم إطلاق 5 موديلات جديدة هي؛ كليو كلاسيك، كليو سبور، سينيك مونو سبيس، سنيك RX4، ولاغونا الجديدة كلياً. وسيتم بالإضافة إلى ذللك إطلاق سيارة إسباس المتعددة الاستخدام "Espace-MPV" والسيارة الفاخرة فل ساتيس "Vel Satis" في المستقبل القريب. وأضاف الشبيلي بأن شركة الزاهد للتراكتورات تقدم لمالكي سيارات رينو في المملكة العربية السعودية كامل الدعم المرتكز على خبرة طويلة في هذا المجال تزيد على 50 عاماً، بالإضافة إلى وجود المنشآت التي تستطيع تقديم الدعم المطلوب لهم في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. ولضمان قيادة مريحة، تم تدعيم جميع موديلات سيارات رينو بضمان مدته ثلاث سنوات أو 000،60 كيلومتر، ويمكن للعملاء اختيار شراء خدمة محددة السعر، وعقود صيانة بأسعار مغرية، والحصول على صيانة مريحة وبتكلفة منخفضة على يد فنيين تم تدريبهم في مصانع شركة رينو في فرنسا. فل ساتيس تفاصيل تصميم هذه السيارة مستوحاة بالفعل، فحتى إضفاء اللمسات الأخيرة واتخاذ المقاييس الملائمة يتبعان المعايير الأعلى لأفضل أنواع السيارات الفخمة في العالم والتي تنتمي إليها فل ساتيس بالطبع. فمثلاً قطع خشب القيقب المزخرف ذات ملمس حريري أو خشب شجر الحرجي المطعم بالجوز، فهذا ليس عمل المهندسين بل عمل الحرفيين. وحرص مصممو فل ساتيس على ألاّ تكون هذه السيارة شبيهة بأية سيارة فخمة أخرى من جهة الشكل أو غيره، وأن يكون شكلها الأخاذ ناتج عن مزيج بارع في الشكل واللون والمواد مما يجعله انسيابياً. أما المواد المستخدمة والحرفة المعتمدة فهي من أفخم نوعية وأفضلها، ويشعر المرء بتفرد تجربة فل ساتيس من اللحظة الأولى التي يقترب فيها من السيارة حاملاً بطاقة رينو الخاصة به، ويضغط على الزر المخصص لفتحها، ويجلس بارتياح وراء المقود. وإذا كانت فل ساتيس قد كرست نفسها لتوسيع حدود صالون السيارة الفخمة، فقد تعهدت أيضاً بتأمين أداء عال للقيادة. إن محرك فل ساتيس V6 سعة 5،3 ليتر، 6 اسطوانات، و24 صمام (245 حصان) يؤكد هذا الالتزام؛ فهو يجمع بين الاندفاع الأقصى في الأراضي المسطحة الذي يغنيك عن زيادة السرعة وبين عزم دوران منخفض يمكن السائق من مواجهة أقصى أنواع الطرق بأقل مجهود ممكن. ونظراً لسيطرة رينو على اختبارات السلامة الأوروبية NCAP المستقلة والتي حصلت خلالها على لقب السيارة الأكثر سلامة في قطاعاتها المستقلة، لن يدهشنا أن تصنف فل ساتيس كالسيارة الفخمة الأكثر سلامة. أما في برنامج اختبار التصادم أورو NCPA، فقد صنفت فل ساتيس أول سيارة تحقق أعلى ترتيب 5 نجوم. وهي بالتالي مجهزة بأحدث نظام حماية من رينو، وهي مجموعة من التجهيزات التي لا تقدم فقط حماية عالية في حال وقوع حادث، بل تقوم أيضاً بأقلمة هذه الحماية مع خطورة الصدمة، ففي الجهة الأمامية تعمل الوسادتان الهوائيتان بالتوازي مع أحزمة أمان مدموجة في المقاعد، تعتمد آلية درجات شد وتخفيف الصدمات، كذلك تستخدم أحزمة الأمان الثلاث الخلفية بطريقة آلية. وتكمن قوة فل ساتيس في السلامة التي تقدمها لركابها. كليو كلاسيك سيارة كليو كلاسيك الاقتصادية الجديدة كلياً من فئة السيدان الصغيرة، تم إطلاقها بعد أن حققت نجاحاً باهراً منذ إطلاقها عالمياً أواخر عام 1999م، وهي متوفرة في الأسواق بموديلين: @ الموديل Authentitique. @ الموديل Expression. وذلك لتلبية متطلبات العملاء ضمن هذه الفئة من السيارات، ولتكون سيارة بمواصفات عالية وبسعر منافس مقارنة بمثيلاتها في سوق السيارات السعودية. وتتمتع كليو كلاسيك بتلك الحيوية التي تدفع بها دوماً إلى الأمام، ويتجلى تصميمها الجديد، على سبيل المثال لا الحصر، في غطاء المحرك الانسيابي الشكل والتصميم المنبسط والمصابيح المزدوجة والعجلات عيار 15 بوصة (حسب الفئات)، إضافة إلى الجيل الجديد من المحركات المزود ب 16 صماماً مع حاقن وقود مباشر. إنها خلاصة من التكنولوجيا تضمن متعة فريدة في القيادة واحتراماً تاماً لمقاييس إزالة التلوث. كما أن فسحتها الداخلية التي تضم مجموعة من الابتكارات والتجهيزات، صممت خصيصاً لمزيد من الراحة والأمان. كليو سبور أكثر السيارات ابتكاراً من ناحية ديناميكية التصميم. ويذكر أنه قد تم إعادة تصميم سيارة كليو بعد أن قامت شركة رينو بتحديث 50% من هيكل السيارة، كما أعيد تصميم المقصورة الداخلية بالكامل مما أحدث نقلة نوعية حيث أصبح التصميم الجديد للوحة المفاتيح يتماشى مع الهيكل الخارجي المبتكر. وتعتبر كليو سبور سيارة ذات سمات عصرية وشخصية فريدة. الجدير بالذكر أن أنظمة الأمان في كليو سبور قد طورت حيث أصبح نظام مكابح الطوارئ المساعدة من مزاياها الجديدة، كما تم إضافة وسائد هوائية للمقعد الأمامي إضافة إلى نظام ISOFIX لمقاعد الأطفال. إنها تصميم جديد، تقنية جديدة، إحساس جديد، وشخصية جديدة. سينيك RX4 وهي سيارة رياضية متوسطة الحجم ذات دفع رباعي، وتعتبر الحل الأمثل لمتعة القيادة خارج الطرق الممهدة. واختيار سيارة Scenic RX4 هو تخط جديد لحدود المعقول، حيث النقل الكامل للحركة يعمل باستمرار، ويضبطه ناقل الحركة ونظام إلكتروني مانع للانزلاق، ناقل الحركة يتيح تلقائياً توزيع القوة المحركة على العجلات الأمامية والخلفية حسب درجة الالتصاق، أما المانع للانزلاق فهو يؤثر إيجابياً على العجلات الأمامية، ويضمن دفعاً مستمراً في كل الظروف، واقتران هذين النظامين يتيح لهذه السيارة التغلب على مختلف حالات الالتصاق الضعيف. لاغونا تندرج ضمن السيارات السيدان متوسطة الحجم، وتعبر في تصميمها عن شخصية قائدها الممتلئة بالحيوية والحماس، الأمر الذي يجعلها السيارة المثالية للمديرين والتنفيذيين الشباب الذين يتميزون بالقيادة والنجاح. وتتفوق لاغونا على منافسيها بما تتضمنه من تكنولوجيا متقدمة، أتاحت لها التفوق في أربعة مجالات هامة هي؛ متعة القيادة، سلاسة الحركة، راحة البال، ومعايير الأمان. وفيما يتعلق بمتعة القيادة يتضح بجلاء تام تفوق لاغونا في عوامل الثبات وسهولة التعامل والراحة والهدوء، فمثلاً تم استبدال كابل دواسة البنزين الذي يتحكم في صمام الخنق ميكانيكياً بمجس يحدد موضع قدم السائق على دواسة البنزين في الزمن الحقيقي، وبالتالي يتم نقل المعلومات إلى كمبيوتر إدارة المحرك، الأمر الذي يتيح متعة قيادة فائقة بدون التأثير على الأداء. وبالنسبة لسلاسة الحركة فإن كل من مجموعة الحركة وتصميم الهيكل (الشاسيه) يعدان من العناصر الرئيسية، إذ أن تصميم لاغونا الجديدة يحمل مواصفات جديدة بالكامل، تركز على الراحة والتقنيات الصوتية، بحيث تعمل بطريقة ديناميكية متفوقة. وإلى جانب ذلك تتضمن لاغونا الجديدة ابتكاراً هاماً هو بطاقة التحكم الذكية التي تجعل من الدخول إلى السيارة أكثر سهولة، فهذه البطاقة في نسختها التي تعمل عن طريق التحكم عن بعد، تمكن من غلق وفتح الأبواب والشنطة الخلفية وفتحة تعبئة الوقود. وكعادتها في تزويد مختلف طرازاتها بكافة معايير الأمان، تمكنت شركة رينو من تحقيق قفزة نوعية في سيارة لاغونا الجديدة فيما يتعلق بخصائص الأمان. سينيك مونو سبيس أول سيارة متوسطة الحجم تطلقها رينو، وتعتبر مثا لية للعائلات الصغيرة، وهي مزودة بوسائل راحة وأمان لا مثيل لها في أي سيارة أخرى في هذه الفئة. فهي مزودة بستة وسائد هوائية للحماية من بينها الوسادتين الهوائيتين المخصصتين لكل من السائق وراكب المقعد الأمامي. ولمزيد من الراحة والملائمة فإن سينيك مونو سبيس بها أماكن تخزين من جميع الأحجام للمعدات اليدوية. وتشمل الخصائص الأخرى التي تتمتع بها هذه السيارة التحكم بالأبواب عن بعد، نظام إغلاق مركزي، نظام قيادة آلي، تحكم كهربائي في المرايا، مكيف هواء مزود بمرشح هواء، مصابيح للضباب، ومكابح من نوع ABS. سابك صناعة الجودة العالمية بعقول سعودية تحتل الشركة السعودية للصناعات الأساسية "سابك" المرتبة الحادية عشرة في قائمة أكبر الشركات البتروكيماوية العالمية. وهي الشركة التي تتبوأ المركز الأول على مستوى العالم في صناعة اليوريا الحبيبية، والثاني في صناعة جلايكول الإثيلين، والثالث في صناعة البولي إثيلين، والرابع في صناعة البولي بروبيلين. وسابك تجربة فريدة في ميداني التقنية والسعودة، إذ طورت العديد من التقنيات، وابتكرت أول تقنية من نوعها في العالم لصناعة حمض الخل بأكسدة الإيثان. كما بنت جيلاً صناعياً سعودياً مؤهلاً للتعامل مع أحدث المعطيات التقنية. قبل البداية في عام 1395ه (1975م) أتمت المملكة العربية السعودية بناء وتشغيل شبكة تجميع الغاز المصاحب ومعالجته وتوزيعه، والتخطيط لاستخدامه لقيماً للصناعات البتروكيماوية، والأساسية بوجه عام. وأعقب ذلك تأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع التي حملت مسؤولية تطوير هاتين المدينتين وتحويلهما إلى مركزين صناعىين يضمان أحدث تجهيزات البنية الأساسية. البداية تأسست "سابك" في عام 1396ه (1976م)، حيث عَهِد إليها البرنامج الصناعي السعودي الطموح إنشاء الصناعات التي تستثمر ثروات البلاد الهيدروكربونية والمعدنية، بالإضافة إلى تسويق منتجاتها. ونجحت "سابك" في تشىيد وتطوير 18 مجمعاً صناعياً أنشأت على أعلى المستويات التقنية العالمية الحديثة والإنتاج الكبير، تساندها شبكة تسويقية عالمية تمتد حول العالم. وإلى جانب هذا الإنجاز الكبير امتدت جهودها إلى المشاركة في عدد من المشاريع المقامة في مملكة البحرين. الأهداف الاستراتيجية انبثقت أهداف "سابك" الاستراتيجية من الأهداف الاستراتيجية لخطط التنمية الاقتصادية، وسارت معها في خط مواز. فمنذ البداية وضعت "سابك" أهدافها في النقاط التالية: \ أولاً: نقل التقنيات العالمية الحديثة إلى أرض المملكة العربية السعودية، وبناء أجيال صناعية سعودية قادرة على تطبيقها وتطويرها. \ ثانياً: استثمار الموارد الهيدروكربونية والمعدنية، واستغلال الميزة النسبية التي توفرها بدلا ًمن تصديرها كخامات، لما في ذلك من إضافة كبيرة لقيمة هذه الموارد، واجتناب تذبذب أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية، وتأثيراته على أداء واستقرار الاقتصاد الوطني. \ ثالثاً: إيجاد قاعدة صلبة من المنتجات الأساسية التي تشكل مرتكزاً لقيام أجيال ممتدة من الصناعات المكملة والمساندة التي تحقق التكامل الصناعي داخل البلاد، وتقلل تدريجياً عمليات الاستيراد، وتحفز القطاع الخاص على الاستثمار في المجالات الصناعية. \ رابعاً: اللحاق بركب العالم الصناعي، وفتح منافذ وقنوات تسويقية جديدة بمنتجات أخرى، تنوع مصادر الدخل الوطني وتدعم إيراداته من العملات الحرة بحيث لا يظل الاعتماد على البترول وحده. التقنية مفتاح التنمية سعت "سابك" لنقل أحدث معطيات التقنية العالمية، آخذة بعين الاعتبار ملاءمة ذلك لموارد المملكة العربية السعودية المتاحة، وقدرة التقنية على المنافسة، وقابليتها للتطوير، وقدرة مالكها على البحث، واستعداده لتدريب العناصر الوطنية في حقول التقنية. كذلك موافقته، من حيث المبدأ، على إشراك "سابك" في ملكية هذه التقنية مستقبلاً في ضوء جهود فعاليات مرافق البحث والتطوير العائدة لها. وارتبط ذلك باختيارها أسلوب (المشاريع المشتركة) مع نخبة من الشركات الدولية التي تمتلك التقنيات الحديثة ذات السمعة العالمية المرموقة على مستوى التصنيع والتسويق والإمكانات الفنية الكبيرة مثل؛ شل، إكسون، موبيل، هوكست سيلانيز، بان إنيرجي من الولايات المتحدة الأمريكية، نستي أوي من فنلندا، إكوفيول (إحدى شركات إيني) من إيطاليا، ميتسوبيشي من اليابان، وتايوان للأسمدة من الصين الوطنية. واشترطت "سابك" في شركائها قدرتهم واستعدادهم لتدريب الشباب السعودي وتأهيله لحمل مسؤوليات إدارة وتشغيل مصانعها. وقد كان أسلوب المشاريع المشتركة أحد أبرز معالم تجربة "سابك"؛ إذ كان طريقها لنقل أحدث التقنيات العالمية، وبناء أجيال صناعية سعودية قادرة على تطبيقها وتطويرها، كما كان سبيلها، في أول عهدها، لإيصال قسم كبير من منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما لهؤلاء الشركاء من حصص شبه تقليدية في الأسواق العالمية. والحديث عن نقل التقنية يجسده سعي "سابك" الدؤوب في هذا المجال، الذي تُوِّج بتشىيد مجمع سابك الصناعي للبحث والتطوير الذي يعد من أحدث مرافق البحث العلمي، ويلعب دوراً مهماً في تطوىر المنتجات والتطبيقات والاستخدامات، وتتطلع "سابك" من خلاله إلى استنباط تقنيات ذاتية تقلل الاعتماد على التراخيص الخارجية. وقد نجح الباحثون في مجمع سابك الصناعي للبحث والتطوير، بالتعاون مع معهد البترول الفرنسي، في تطوير تقنية إنتاج مادة البيوتين-1، لتصبح "سابك" بهذه الخطوة شريكاً للمعهد، تقاسمه حقوق ترخيص الإنتاج بالطريقة المطورة عالمياً، وقد منحت عدة تراخيص على النطاق العالمي. كما توجت "سابك" جهودها في الميدان البحثي بابتكار تقنية جديدة، هي الأولى من نوعها في العالم، لإنتاج حمض الخل من الإيثان، فكانت خطوة مهمة على طريق البحث العلمي والتطوير التقني، أعقبتها بتطوير تقنية (ألفا سابلين) لصناعة (أوليفينات ألفا الخطية)، بالتعاون مع شركة (ليندي) الألمانية. تنمية ثروة الوطن البشرية احتل هذا الهدف موقع الصدارة بين أهداف "سابك"، ويعد أهم معالم تجربتها على الإطلاق. إذ أن الإنسان المؤهل المدرب هو أساس التنمية، ولا تقوم أية تنمية قبل تنميته، وهو رأس المال الاجتماعي الذي يستثمر كل رؤوس الأموال المادية. إن ل"سابك" تجربة متميزة في ميدان تدريب وتأهيل العناصر الوطنية. ومن دواعي الاعتزاز أن صناعات "سابك"، وكلها صناعات متقدمة تطبق أحدث التقنيات العالمية، تحمل مسؤولياتها العناصر الوطنية التي تشغل جميع المواقع القيادية والرئاسية في "سابك" وشركاتها. وقد بلغت نسبة "السعودة" في مجموعة شركات "سابك" إجمالاً حوالي 78%، فيما حققت بعض الشركات التابعة لها نسبة سعودة تجاوزت 93%، ومعظم السعودىين العاملين في هذه الشركات من العناصر الفنية. وتتواصل برامج "سابك" التدريبية لبلوغ مستويات السعودة التي تنشدها خطط التنمية الاقتصادية، حيث تتنامى أعداد السعودىين المتخصصين في الحقول التقنية على وجه الخصوص بشكل يفوق التوقعات. تصاعد الطاقات الإنتاجية يشكل هذا العنصر أيضاً معلماً مهماً في تجربة "سابك"، ولغة الأرقام شاهدة على ذلك. فبغض النظر عن باكورة الإنتاج عام 1983م من مواد الحديد والأسمدة والميثانول، فقد تجاوز إجمالي إنتاج مجمعات سابك 35 مليون طن عام 2001م، مقابل 3،6 مليون طن عام 1985م. وترجع هذه القفزة الإنتاجية الكبيرة إلى رفع الكفاية الإنتاجية، وتحسينها باستمرار، والاستثمار الأمثل للإمكانات والطاقات المتوافرة، وإضافة المزيد من الوحدات الإنتاجية الجديدة، وتنفيذ العديد من المشاريع التوسعية بطاقات سنوية كبيرة من المنتجات القائمة، والمنتجات الجديدة التي أكدت الدراسات جدواها الاقتصادية. مساحة تتنامي فوق الكرة الأرضية تجاوزت الكميات المسوقة عالمياً من منتجات "سابك" عام 2001م 4،27 مليون طن مقابل حوالي 9،4 مليون طن عام 1985م. وقد تمكنت "سابك" من تطوير شبكة تسويقية تمتد شركاتها، ومكاتبها، وفروعها، ومراكز الخدمة التابعة لها حول العالم في الأسواق الرئيسية والنامية، مؤكدة حضور "سابك" الدولي، وسعيها لخدمة المجتمع الصناعي، وتعزيز مكانتها على الخريطتين العالميتين الصناعية والتسويقية، في الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، إسبانيا، تركيا، اليابان، هونج كونج، سنغافورة، الهند، والفلبين. وتضطلع شبكة "سابك" التسويقية بتسويق القسم الأعظم من المنتجات محلياً وإقليمياً وعالمياً. وجدير بالذكر أن العناصر السعودية تشكل معظم العاملين في شبكة "سابك" التسويقية، وقد أعدت الشركة كيانها البشري التسوىقي ضمن خطة مدروسة. إن تصاعد عمليات "سابك" الإنتاجية وتنامي عملياتها التسويقية يعنيان اقتصادياً تصاعد إسهاماتها في برامج التنمية الصناعية، والزراعية، والعمرانية محلياً وعالمياً. ويعنيان بالمفهوم الإنساني المباشر تنامي دورها في تأمين احتياجات البشرية لأهم ضرورات الحياة؛ الغذاء والمسكن والكساء. بل يسهم بعض منتجاتها، كالميثانول ومثيل ثالثي بوتيل الإيثر، في نقاء البيئة، وحماية الهواء الذي يتنفسه الإنسان من التلوث، باعتبارهما عنصرين أساسىين لوقود المحركات النظيف الذي يحد من العوادم الملوثة. وثمة ثمرة أخرى من ثمار تجربة "سابك"، فالغازات المصاحبة التي كانت قديماً مصدر تلوث للبيئة، حينما كانت تحرق عند مداخل آبار البترول، تستثمر الآن، وتنتج عنها مواد تسهم في نقاء البيئة، فضلاً عن عوائدها الاقتصادية الأخرى. سابك.. القفزة الزراعية تنتج مصانع "سابك" الأمونيا، اليوريا، والأسمدة المركبة والفوسفاتية التي أسهمت عبر السنوات في صنع النهضة الزراعية التي حققتها المملكة العربية السعودية، ولبت متطلبات كثير من البرامج الزراعية حول العالم، لتلعب دوراً مهماً في تحقيق الأمن الغذائي. وتقدم "سابك" أسمدتها للقطاع الزراعي الوطني مصاحبة بالخدمات الفنية والإرشادات الزراعية التي تحقق أقصى استفادة ممكنة، بجانب التسهيلات الائتمانية. كما تسهم "سابك" في إثراء الخطط الزراعية محلياً وعالمياً من خلال منتجاتها اللدائنية البلاستيكية التي تدخل في إنتاج كثير من العناصر الضرورية للتنمية الزراعية مثل البيوت المحمية، شبكات وقنوات الري والصرف، الشبكات الزراعية، وصناديق وحاويات تعبئة المحاصيل والثمار. سابك.. النهضة العمرانية أسهمت منتجات "سابك" من أسياخ وقضبان التسليح إسهاماً مباشراً في صنع النهضة العمرانية التي تعم أرجاء المملكة العربية السعودية، وامتدت إلى بعض البلدان المجاورة. وقد بلغ إنتاج شركة "حديد" حوالي 2،3 مليون طن سنوياً، يسوق أغلبها داخل المملكة العربية السعودية، محققاً العديد من الميزات أهمها؛ تقليص عمليات الاستيراد، تأمين حاجات السوق المحلية بمنتجات أكثر ملاءمة. ونفذت الشركة مشروعاً في إطار مجمعها يضيف 850 ألف طن سنوياً من مسطحات الصلب التي تهيئ آفاقاً كبيرة أمام الصناعات التحويلية. وقد أكد الحديد السعودي تفوقه على الحديد المستورد، وأسهمت "سابك" في تحقيق التوازن لسوق الحديد المحلية، واستقرار أسعارها، وحمايتها من أية تقلبات. كما نجحت في تصدير قسم من إنتاجها إلى بلدان ظلت زمناً طويلاً تورد الحديد إلى السوق السعودية مثل تايوان وكوريا الجنوبية. من جهة أخرى تدخل منتجات "سابك" اللدائنية في تصنيع العديد من المواد اللازمة لعمليات البناء بما في ذلك مواد العزل، المواسير، الأنابيب، التمديدات الصحية والكهربائية، بخلاف الأثاث، المفروشات، بلاط الأرضيات، والسجاد ومواد الديكور. وتدخل خامات اللدائن في تصنيع معظم الأشياء حولنا؛ السيارات، الطائرات، الأجهزة الإلكترونية والمنزلية، مواد التعبئة والتغليف، والملابس المصنوعة من الألياف الصناعية. وتنتج "سابك" تشكيلة واسعة من اللدائن التي أسهمت في تطوير الصناعات البلاستيكية الوطنية، وتلبية متطلبات قطاع عريض من المستهلكين الدولىين. وتمنح "سابك" أهمية خاصة لقطاع الصناعات التحويلية العربية، باعتبار أنها تنطلق معه في قارب واحد لبلوغ هدف إنمائي مشترك. وتشجع "سابك" رجال المال والأعمال على إقامة مشاريع صناعية تستند إلى منتجاتها. وفي هذا الصدد أعدت حوالي مائتي دراسة جدوى اقتصادية أولية تمثل كل منها فرصة استثمارية، وحثت المستثمرين على تحويلها إلى صناعات عبر المؤتمرات، الندوات، المعارض، ومن خلال الغرف التجارية الصناعية. كما تسهم "سابك" في رؤوس أموال العديد من الشركات الصناعية الوطنية، متوجةً ذلك بإنشاء شركة متخصصة تتولى إدارة مشاركاتها في هذه الشركات هي "سابك للاستثمارات الصناعية". الجودة النوعية والسلامة البيئية أدركت "سابك" منذ البداية أن الجودة النوعية الشاملة هي سبيلها للتقدم في سباق المنافسة الدولية، فشيدت مجمعاتها زاخرة بمعامل ومختبرات الجودة، وطبقت فيها أحدث التقنيات العالمية. ثم توجت ذلك بتشىيد مجمعها الصناعي للبحث والتطوير لإضفاء المزيد من علامات الجودة للمنتجات والخدمات والتطبيق والاستخدامات. وقد عكس ذلك حصول شركاتها على شهادة الجودة العالمية (آيزو 9002). كما أدركت "سابك" منذ البداية أيضاً أن السلامة البيئية والمهنية هي الأساس الآمن لنجاح عملياتها الصناعية، فشيدت مجمعاتها حافلة بمقومات السلامة، ودربت العاملين فيها على تطبيق أحدث التقنيات، وأدق الأنظمة العالمية في ميدان الأمن الصناعي، التي تحافظ على الأرواح، والمنشآت، والمعدات، والممتلكات، وتحمي البيئة من التلوث، بالتعاون الوثيق مع الهيئة الملكية للجبيل وينبع، والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة. وقد أثمر ذلك إنجاز مجموعة شركات "سابك" الملاىين من ساعات العمل دون إصابات مقعدة أو معطلة، وحصول معظمها على شهادات التقدير وجوائز الشرف من أكبر المعاهد والمراكز المتخصصة دولياً وإقليمياً. وهي الآن تعمل بدأب لإحراز جميع شركاتها شهادة (آيزو 14000) التي حصلت بعضها عليها. سابك.. العلامة الفارقة علي الخريطتين المحلية والإقليمية كانت "سابك" رائدة حين فتحت الباب أمام المواطنين السعودىين، والمواطنين من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لامتلاك قسم من أسهمها، فكانت هذه أيضاً علامة جديدة على طريق التكامل الصناعي الخليجي، تعزز مشاركات "سابك" في رؤوس أموال بعض الشركات الخليجية مثل شركة الخليج لدرفلة الألمنيوم (جارمكو)، شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات (جبيك)، فضلاً عن إدارة حصة المملكة العربية السعودية في شركة ألمنيوم البحرين (ألبا). وحالياً يمتلك مواطنو المملكة العربية السعودية ومواطنون من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأخرى 30% من رأس مال "سابك". ووضعت الحكومة مؤخراً "سابك" ضمن الشركات التي ستخضع لبرنامج التخصيص. الخطط التوسعية نفذت "سابك" العديد من مشاريع التوسعة التي أكدت الدراسات جدواها الاقتصادية. وما تزال هناك مشاريع تحت التنفيذ، وأخرى قيد الدراسة. ومن مشاريع "سابك" التي عززت إنتاجها في الأسواق، مجمع "ابن رشد" في مدينة ينبع، الذي ينتج مواداً لأول مرة في المنطقة مثل خامات البوليستر التي تشكل دفعة قوية لصناعات النسيج والسجاد والتعبئة والتغليف، ليضيف هذا المجمع في فترة لاحقة، لأول مرة أيضاً، منتجات مهمة مثل المركبات العطرية وحمض الترفتاليك النقي. كما أضاف مجمع "سماد" في مدينة الجبيل طاقات من الهكسانول الإيثيلي، وفتالات ثنائية الأوكتيل، بحيث لم يعد إنتاجه قاصراً على الأسمدة. علاوة على ذلك، هناك مشاريع توسعة جارية تستهدف بلوغ إجمالي الطاقات السنوية لمجمعات "سابك" إلى أكثر من 48 مليون طن عام 2010م. سابك .. الإبنة الوفية إن "سابك" هي إبنة وفية لمجتمعها، تعرف أن عليها حقاً لوطنها. لذا تتبنى برنامجاً مدروساً لخدمة المجتمع وتنميته بتشجيع البحث العلمي التطبيقي بالتعاون مع الجامعات السعودية، ودعم فعاليات الجمعيات المهنية المتخصصة، ومساندة مشاريع البر والجمعيات الخيرية. كما تنظم، وتشارك، في تمويل جوائز المسابقات الثقافية والفكرية والرياضية حفزاً للإبداع والابتكار بين شباب الوطن، وتسهم في المناسبات والأسابيع الوطنية، وتوالي نشر الحملات الإرشادية الإعلامية عبر الصحافة لتوعية المواطنين في مختلف مجالات حياتهم، مؤكدة بذلك أنها ليست مجرد مصانع للبتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب، وليست مصانع للرجال فحسب، بل إنها أيضاً مؤسسة اجتماعية ومنارة فكرية وثقافية. وتعي "سابك" دورها المأمول في وطنها العربي الكبير، لذا فهي تمد أيادي التعاون لكل القطاعات الإنتاجية العربية، وتفتح أبوابها على مصاريعها للعمل العربي المشترك، متطلعة إلى إسهام أكبر في خدمة البرامج الإنمائية العربية، والسعي قدماً نحو تعزيز الكيان الاقتصادي العربي في عصر العولمة والتكتلات الاقتصادية، واشتداد حدة المنافسة، حيث لا بقاء إلا للكيانات الكبيرة. عالمية في زمن العولمة وعلى طريق استشراف المستقبل الواعد، سعت "سابك" لعولمة فعالياتها التقنية بإنشاء مركزين تقنىين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والهند، لتشيد بذلك جسراً يربط صناعاتها بمستجدات وتطورات عالم التقنية المتسارعة. وتوجت ذلك بخطوتها الرائدة لعولمة صناعاتها، عبر امتلاك قطاع البتروكيماويات في شركة DSM الهولندية، لتحتل المرتبة الحادية عشرة في قائمة أكبر الشركات البتروكيماوية العالمية بعد أن كانت في المرتبة الثانية والعشرين. وتحتل الآن المركز الأول على مستوى العالم في صناعة اليوريا الحبيبية، والثاني في صناعة جلايكول الإثيلين، والمركز الثالث في صناعة البولي إثيلين، والمركز الرابع في صناعة البولي بروبيلين. ويمثل امتلاك قطاع البتروكيماويات في شركة DSM، الذي يعمل الآن تحت مسمى "شركة سابك الأوروبية للبتروكيماويات"، قفزة نوعية في مسيرة "سابك"، وتأكيداً لحضورها العالمي، لا سيما في السوق الأوروبية، التي تحتل فيها هذه الشركة المركز الثالث بين أكبر شركاتها البتروكيماوية. وإذا كانت مبيعات "سابك" الحالية في أوروبا تشكل نسبة 9% من إجمالي مبيعاتها، فيتوقع ارتفاع هذه النسبة في ضوء هذه الملكية إلى 22%، علاوة على المكتسبات التقنية التي ستضاف إلى قدرات "سابك". وتأتي هذه الاستثمارات الخارجية ل"سابك" تعزيزاً لاستثماراتها المحلية، التي توليها الاهتمام الأكبر في إطار خطط وبرامج التنمية الاقتصادية الطموحة. لغة الأرقام إن "سابك" قصة عطاء مستمر بدأت قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وامتدت فصولها، وتفرعت، وأثمرت عن إنجازات كبيرة تروى تفاصيلها لغة الأرقام: @ تمثل صادراتها أكثر من 70% من إجمالي الصادرات السعودية غير البترولية. @ تجاوزت أرباحها الموزعة على المساهمين 4،28 مليار ريال سعودي، شكل نصيب الدولة منها 9،19 ملياراً. @ فاق إجمالي دعمها لميزان المدفوعات من مبيعاتها المحلية والعالمية 272 مليار ريال سعودي. @ وفرت منفذاً ثابتاً آمناً للغاز السعودي، وبلغت مشترياتها منه نحو 30 مليار ريال سعودي. @ أسهمت مشترياتها في دعم العديد من القطاعات الوطنية، إذ بلغت قيمة استهلاكها من الطاقة الكهربائية 6 مليارات ريال سعودي، ومن مياه التبريد والمياه العذبة 4 مليارات. @ قدمت للقطاع الزراعي الوطني أسمدة تفوق قيمتها 2،6 مليار ريال سعودي، وخامات بلاستيكية للصناعات التحويلية بقيمة 1،12 ملياراً. @ وفرت لقطاع الإنشاءات الوطني منتجات حديدية قيمتها 39 مليار ريال سعودي. ولا تزال في قصة "سابك" فصول.. ولا تزال للإنجازات بقية. قبل نحو ثمانية وخمسين عاماً، وضع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، يرحمه الله، اللبنة الأولى للخطوط الجوية العربية السعودية "السعودية". وعلى مدى تاريخها الطويل، ارتبطت "السعودية" بمسيرة التنمية على هذه الأرض الطيبة، بعد أن جُندت لها كل الإمكانيات، ووُفر لها الدعم اللازم لتتمكن من أداء رسالتها ومؤازة جهود التنمية والتطوير، وليس ذلك فحسب، بل ولربط مدن المملكة العربية السعودية المترامية الأطراف بعضها ببعض، وربطها بالعالم الخارجي، وتقوية علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية وباقي دول العالم. مسيرة حافلة بالإنجازات وعندما يحتفل أبناء المملكة العربية السعودية بذكرى اليوم الوطني كل عام، فإنهم يقفون بكل تقدير واعتزاز أمام منجزات تحققت ومكتسبات نمت خلال مسيرة طويلة للناقل الوطني "السعودية" بدأت في الخامس عشر من شهر جمادي الآخرة عام 1364ه الموافق للسابع والعشرين من شهر مايو 1945م، حين خفقت طائرة الداكوتا بجناحيها لأول مرة في الفضاء الرحيب حاملة معها فوق هامات السحب عبق وأريج الحرمين الشريفين أقدس مقدسات المسلمين. ومع مرور الأيام، كانت "السعودية" تجني ثمار ما تلقاه من دعم كبير من قادة البلاد بدءاً من عهد الملك المؤسس عبدالعزيز، يرحمه الله، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، والذي كان عهداً فاصلاً في تاريخ "السعودية" لما حظيت به خلال سنوات حكمه من دعم مكنها من أن تتبوأ هذه المكانة المتميزة التي تزهو بها اليوم. مفخرة الوطن واليوم أصبحت "السعودية" مفخرة لهذا الوطن، وأكبر مؤسسة للنقل الجوي في منطقة الشرق الأوسط، وفي الطليعة بين كبريات شركات الطيران في العالم، محققة منجزات ضخمة في فترة وجيزة من الزمن. وها هي اليوم تنقل أكثر من 5،14 مليون راكب سنوياً وهو رقم قياسي في تاريخها، نجحت في تحقيقه خلال العام الماضي 1423ه، حيث تسير "السعودية" حوالي 280 رحلة يومياً عبر شبكة رحلات واسعة ومتشعبة تصل إلى 80 محطة منها 26 محطة داخلية و54 محطة خارجية تغطي كافة قارات العالم، وحققت نسبة تتجاوز 91% في مجال السعودة. حيث أثبت المواطن السعودي جدارته وكفاءته واستيعابه لأحدث التقنيات في مجال الطيران. وأصبحت "السعودية" اليوم تمتلك صروحاً تدريبية متقدمة لتدريب المئات، بل الآلاف، سنوياً على مهارات دقيقة وطبقاً لأعلى المستويات في مراكز تدريب راقية تضاهي أحدث المراكز في العالم، وأصبح الشباب السعودي يتلقى العلوم المتطورة في عالم الطيران على تراب وطنه وبين أهله وفي بيته بنفس المناهج المقررة في الدول المتقدمة. أحدث المرافق تستخدم "السعودية" اليوم أحدث مرافق التجهيز والتموين والمعدات والأجهزة الآلية في خدمة الراكب وتوفير وسائل الراحة والرفاهية له على متن أحدث الطائرات وعبر مطارات مجهزة على أرقى مستوى، وحجوزات تتم عن طريق الحاسبات الآلية المتطورة، وأوسع شبكات التوزيع الشامل للحجز. ويعمل في "السعودية" طيارون سعوديون زاد عددهم عن الألف طيار يقودون أحدث وأضخم الطائرات، وآلاف الفنيين والمهندسين السعوديين من حملة الشهادات التخصصية العالمية والقادرين على صيانة أسطولها الضخم في أحدث مراكز الصيانة لديها، حيث أصبحت "السعودية" تحقق الاكتفاء الذاتي في مجال الصيانة وتوضيب المحركات وأجهزة الطائرات التي أصبحت تتم على أرض المملكة العربية السعودية. الإدارة الواعية تتعامل "السعودية" بمهنية وكفاءة مع كافة العوامل التي تحيط بصناعة النقل الجوي، وذلك من خلال استراتيجية ديناميكية لأساليب الإدارة والتشغيل تواكب حاضر هذه الصناعة، وتضع الخطط المستقبلية التي تعزز مكانتها وريادتها. وليس أدل على ذلك من قدرة "السعودية" على تجاوز الظروف الصعبة التي أحاطت بصناعة النقل الجوي بعد الأحداث العالمية التي شهدها عام 2001م، والتي أرغمت الكثيرمن شركات الطيران العالمية على اتخاذ إجراءات قاسية لمواجهة حجم الخسائر التي تعرضت لها، بل إن منها ما توقف تماماً عن ممارسة نشاطه بسبب تلك الأحداث. وكانت ثمرة العطاء والعمل المخلص أن باتت "السعودية" اليوم مؤسسة وطنية شامخة يشار إليها بالبنان ويضرب بها المثل في حسن التخطيط والمثابرة والعمل المنظم، وأصبحت أكبر شركة طيران في الشرق الأوسط ومن بين أفضل 30 شركة طيران على مستوى العالم طبقاً لتصنيف الاياتا. مكانة مرموقة أصبحت "السعودية" اليوم خير سفير للوطن في كافة المحافل وفقاً للتقارير الرسمية للاتحاد الدولي للنقل الجوي "آياتا" الذي صنفها في المركز الثامن والعشرين من بين 278 شركة طيران أعضاء في الاتحاد في مجالي نقل الركاب والشحن. وقد نجحت "السعودية" في تنظيم خططها التشغيلية على أفضل وجه، واستغلالها السعة المقعدية التي وفرتها طائرات الأسطول الجديد الإحدى والستين. وقد مكن ذلك "السعودية" من رفع أعداد المنقولين على رحلاتها الداخلية والخارجية بنسب متسارعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتكسر حاجز الأربعة عشر مليوناً ونصف المليون راكب سنوياً وتسيير رحلاتها إلى 26 محطة داخل المملكة العربية السعودية لخدمة النشاط الاقتصادي والسياحة الداخلية وربط البلاد بالعالم الخارجي عن طريق التشغيل إلى أربع قارات حول العالم، حيث تمتد رحلات "السعودية" من نيويورك غرباً إلى طوكيو شرقاً. وفي منطقة الخليج والشرق الأوسط، تشغل "السعودية" رحلاتها إلى إحدى عشرة مدينة. وفي أفريقيا إلى عشر مدن تتوزع بين شمال القارة وجنوبها وشرقها وغربها. كما تمتد رحلاتها إلى خمس عشرة مدينة في آسيا والشرق الأقصى من بينها محطتان للشحن في طوكيو وتايبيه باعتبارهما مركزين لتجميع الشحنات من مختلف أنحاء القارة، وتصل رحلات "السعودية" إلى ثماني محطات ومدن رئيسية في أوروبا من بينها محطة لتجميع الشحنات في بروكسل. أعلى معدل لنقل الحجاج وقد ازدادت أعداد الحجاج الذين تنقلهم "السعودية" على متن رحلاتها عاماً بعد عام، حتى بلغ خلال موسم حج العام الماضي 1423ه 132،779 حاجاً من 57 محطة دولية، إلى جانب نقل الحجاج من جميع مناطق المملكة العربية السعودية وذلك على متن 3016 رحلة بزيادة بلغت 793،100 حاجاً عن موسم حج عام 1422ه، وهو ما يمثل أعلى معدل لنقل الحجاج في تاريخ "السعودية"، مع نقل الحجاج لأول مرة من ثلاث محطات جديدة هي أصفهان وكيرمان في إيران وأحمد أباد في الهند. كما نقلت "السعودية" 640،390 حاجاً لزيارة المدينة المنورة بزيادة قدرها 640،190 حاجاً وبنسبة 95% عن موسم حج عام 1422ه وذلك على متن 1188 رحلة. تطوير مستمر وفي إطار حرصها على إدخال المزيد من التحسينات والتطوير في الخدمات المقدمة إلى المسافرين على متن طائراتها، ومن أجل تلبية رغبات العملاء وطلباتهم، شرعت "السعودية" خلال العام الماضي في تنفيذ برنامج طموح لتطوير خدماتها وهو مشروع "الخدمة الذهبية" الذي جاء بعد الانتهاء من مرحلة تجديد الشخصية وتحديث الأسطول واستكمالاً لمتطلبات التغيير ودخول القرن الميلادي الجديد بما يحمله من تحديات كبيرة. وجاء مشروع "الخدمة الذهبية" بعد استبيانات ودراسات قامت بها "السعودية" للتعرف على رغبات العملاء من أجل تقديم ما يناسبهم من خدمات تفوق ما تقدمه كبريات شركات الطيران في العالم، وكان هذا المشروع ضرورة تمليها المرحلة التي تمر بها "السعودية" بعد أن أعادت صياغة رسالتها لكي تكون "ناقلاً جوياً عالمي المستوى، سعودي السمات، فائق العناية بعملائه، حريصاً على رعاية موظفية". وشمل المشروع أسلوباً جديداً في تقديم الخدمات على الطائرة بما في ذلك كل ما تقع عليه عين الراكب داخل الطائرة من معدات وأدوات وتقديم الطعام والوجبات والهدايا والبرامج الترفيهية وخدمات الأطفال، وقد تم في إطار المشروع أيضاً تحسين مقاعد الطائرات لتصبح أكثر راحة مع إعادة تصميم معدات وأدوات الخدمة بأنواعها والزي الرسمي للمضيفات وأسلوب تقديم خدمة الطعام لجميع الفئات ولجميع الدرجات، وتطوير خدمة الطفل التي تشمل البرامج الترفيهية ووجبات الطعام والهدايا الرمزية والرسومات الخاصة بالبرنامج الترفيهي وإعادة تصميم دليل الترفيه الجوي. وقد بدأت "السعودية" تطبيق شعارها الجديد "عالم الاختيارات" الذي يعكس سعيها المتواصل للبحث عن سبل جديدة لتحسين خدماتها والمنافسة بقوة في سوق النقل الجوي العالمية، وشمل هذا البرنامج العديد من الخدمات الجديدة والمتميزة للمسافرين على رحلات "السعودية" في مختلف الدرجات. التخصيص قام الأمير سلطان بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام ورئيس مجلس إدارة "السعودية"، بتوقيع العقود الخاصة بإعداد دراسات تخصيص "السعودية" مع بيوت الخبرة والمستشارين الماليين والقانونيين ليشكل ذلك مرحلة جديدة في تاريخ "السعودية" تمثل نقطة تحول هامة في سجلها الحافل بالمنجزات والنجاحات في خدمة الوطن. وقد انتهت المرحلة الأولى من مشروع التخصيص التي شملت إعداد الدراسات الأولية في المجالات المالية والإدارية والتشغيلية للمؤسسة، وكذلك الدراسات المتكاملة للقوى العاملة وإعادة الهيكلة الإدارية والمالية والقانونية والتشغيلية مع تحديد الاسترايجيات والخيارات المناسبة للتخصيص، إلى جانب وضع الخطة الشاملة للتنفيذ، فيما تشمل المرحلة الثانية تنفيذ وإعادة الهيكلة الإدارية والمالية والقانونية والتشغيلية. أكاديمية الأمير سلطان لعلوم الطيران في 13-4-1423ه وضع الأمير سلطان بن عبدالعزيز حجر الأساس لأكاديمية الأمير سلطان لعلوم الطيران بمدينة "السعودية" بالخالدية بجدة. وقد أكد الأمير سلطان أن المملكة العربية السعودية لن تحتاج بعد تشغيل هذه الأكاديمية لابتعاث أي طالب سعودي للخارج وستقدم كل الخدمات التدريبية لأي طالب من خارج البلاد. وستضم الأكاديمية بعد اكتمال كافة مراحل إنشائها مركزاً تم تصميمه بشكل يلبي المتطلبات والاحتياجات المستقبلية ل"السعودية" في مجال تدريب أطقم القيادة والملاحين الجويين وضباط العمليات الجوية، وسوف يحتوي المركز بعد استكماله على قاعات التدريب والأجهزة التشبيهية المتقدمة للطائرات النفاثة بأنواعها مثل البوينج 747، 777، وإم دي 90، وسيسهم في الاستغناء إلى حد كبير عن تدريب الطيارين السعوديين في الخارج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات التدريب على الطيران في ربوع الوطن، كما يضم المركز مبنى خاصاً للتدريب على سلامة الطيران يحتوي على مجسمات لأنواع الطائرات وتجهيزات الإخلاء للطوارئ وقاعات التدريب والمرافق المساندة وغيرها من متطلبات سلامة الطيران. جهود السعودة ركزت "السعودية" خططها على هدف اعتبرته أساسياً خلال مسيرتها الطويلة، وهو إحلال المواطن في شتى مجالات العمل، وتحقيقاً لهذا الهدف جندت "السعودية" عبر خطوات تطويرية إمكاناتها وخططها التدريبية لتأمين الكفاءات الوطنية، حيث نجحت في تحقيق نتائج إيجابية في هذا المجال، وأصبح أبناء الوطن يشكلون ما يزيد على 91% من إجمالي عدد العاملين بها، وبلغت نسبة السعوديين العاملين في مجال المبيعات والخدمات الأرضية 9،99%. الشحن والبريد الجوي يعمل قطاع الشحن والبريد الجوي ب"السعودية" على مواكبة مسيرة المؤسسة والارتقاء بخدماته لتحقيق الأهداف العامة لها مشركاً بذلك بقية القطاعات من خلال الإمكانات والخبرات التي اكتسبها عن طريق أسطول طائرات الشحن ثم عن طريق الفراغات المتاحة للشحن على طائرات الركاب. وأسهم دخول طائرات الشحن الجديدة الأربع من طراز "إم دي 11" الخدمة إسهاماً فاعلاً في زيادة قدرات قطاع الشحن، وساعد على ازدهار خدمات الشحن وتركيزها على السوق العالمية من خلال اعتماد أسلوب المحطات المحورية في كل من أمريكا وأوروبا وشرق آسيا، وتشغيل رحلات منتظمة وشبه يومية للشحن، وقد بلغ عدد المحطات التي تخدمها من خلال رحلات شحن مجدولة حالياً عشر محطات هي الرياض، جدة، الدمام، نيويورك، بروكسيل، طوكيو، تايبيه، دلهي، كولومبو، والخرطوم. ولاتقتصر خدمات الشحن والبريد الجوي على المحطات المخصصة لتجميع الشحنات فقط مثل بروكسيل وتايبيه، بل يضاف إلى تلك المحطات 79 محطة داخلية ودولية تخدمها رحلات مجدولة تعمل عليها أنواع مختلفة من طائرات الركاب التي يستوعب البعض منها ما يصل إلى 20 طناً من الشحن، بالإضافة إلى كامل الحمولة من الركاب والأمتعة المصاحبة، ويصل ما ينقله قطاع الشحن ب"السعودية" سنوياً إلى نحو 275 مليون كيلوجرام من الشحن بما في ذلك الشحن الإيرادي والبريد الجوي ومواد المؤسسة. طائرات بمواصفات خاصة تنفرد "السعودية" من بين جميع شركات الطيران في العالم بتخصيص أماكن لإقامة الصلاة على متن طائراتها الجديدة التي انضمت إلى الأسطول مؤخراً. ومن بين طائرات الأسطول الجديدة طائرات من طراز بوينج 747-400 و777-200، وقد تم تزويد الطرازين بأنظمة اتصال وترفيه متطورة جداً تتيح للمسافر فرصة الاستماع إلى القرآن الكريم والاختيار من مجموعة من البرامج الشيقة المختلفة، منها برامج سمعية وبصرية ومسابقات تسوق ومعلومات عامة عن المدينة المقصودة واستطلاع آراء الركاب والمكالمات الهاتفية وإرسال الفاكسات والمكالمات بين الركاب. ويمكن النظام الداخلي المعمول به على طائرات "السعودية" المسافرين من استكشاف البرامج المتوفرة واختيار ما يناسب منها ومشاهدته على شاشة العرض المتوفرة في مقاعدهم، وقد تم تصميم هذا النظام لتقديم تشكيلة واسعة من البرامج الترويجية المناسبة لكل أفراد العائلة. وباستخدام النظام الداخلي الجديد يستمتع الراكب بمشاهدة عمليات إقلاع وهبوط الطائرة كما تبدو من غرفة القيادة من خلال ما تبثه الكاميرات الخارجية من مناظر غاية في الروعة عبر شاشات الفيديو المثبتة في المقاعد، والراكب الذي يرغب في مشاهدة عرض جوي، يمكنه ذلك من خلال شاشة العرض، حيث سيجد معلومات تتعلق بالرحلة مثل سرعة الطائرة الحقيقية على الأرض وارتفاعها والوقت الذي مضى من الرحلة والوقت الحالي والمسافة المتبقية للرحلة إلى المحطة المقصودة ودرجة الحرارة الخارجية واتجاه القبلة. وعلاوة على ذلك يوفر النظام الداخلي الجديد مجموعة متكاملة من خدمات الاتصال تمكن الراكب من البقاء على صلة بالعالمين الداخلي والخارجي عبر الهاتف الجوي والفاكس دون ترك مقعده، فبالإضافة إلى إمكانية الاتصال من مقعد لآخر، يستطيع المسافر أن يجري اتصالات مع أي بقعة على الأرض وأن يرسل فاكساً إلى أي رقم يريد وذلك عبر الشاشة الداخلية، ويمكن دفع أجور المكالمات بواسطة بطاقات الائتمان المعروفة. وتتميز طائرات البوينج 747-400 بقدرتها على القيام برحلات بعيدة المدى وبدون توقف، وهي الطائرات التي يفضلها المسافرون في مختلف أنحاء العالم بسبب رحابتها ووسائل الراحة والرفاهية فيها. والنموذج الذي يعمل ضمن أسطول "السعودية" حالياً يستوعب 358 راكباً في ثلاث درجات، 36 مقعداً في الدرجة الأولى، 32 مقعداً في الأفق، 290 مقعداً في درجة الضيافة، وهو تصميم مثالي لراحة وخصوصية المسافرين، وتتوفر في كل مقعد من مقاعد هذا الطراز من الطائرات شاشة فيديو وجهاز تشغيل متكامل لتمكين الراكب من الاستفادة من الأنظمة الترويجية المتطورة على متن الطائرة، وهناك مساند للرأس والقدمين قابلة للتعديل حسب الرغبة، بينما يمكن إمالة ظهر المقعد إلى الخلف بشكل يوفر أقصى درجات الراحة والاسترخاء للراكب. أما طائرة البوينج 777-200 فتوفر قدراً كبيراً من الراحة والخصوصية، وتعتبر أكبر طائرة ذات محركين في عالم النقل الجوي، وقد حازت مقصورتها الداخلية على جوائز عالمية في توفير الراحة والاسترخاء، وتتوفر في كل مقعد في هذه الطائرة شاشة فيديو مستقلة لكل راكب، بالإضافة إلى جهاز التشغيل اليدوي. وتلبية لاحتياجات السوق المختلفة، قامت "السعودية" باختيار تصميمين مختلفين لهذه الطائرة من حيث السعة المقعدية، النوع الأول مخصص لرجال الأعمال ويتسع لعدد 242 راكباً في ثلاث درجات، 30 مقعداً في الدرجة الأولى، 31 مقعداً في درجة الأفق، 181 مقعداً في درجة الضيافة. أما النوع الثاني فهو مخصص لخدمة فئات مختلفة من المسافرين ويتسع لعدد 289 راكباً في ثلاث درجات، 12 مقعداً في الدرجة الأولى، 25 مقعداً في درجة الأفق، و252 مقعداً في درجة الضيافة. وتعد طائرة "إم دي-90" طائرة تجارية متوسطة الحجم تناسب المسافات متوسطة المدى، وهي مصممة لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية لمسافري "السعودية"، كما أنها تعتبر أهدأ طائرة نفاثة كبيرة في مجال صناعة الطيران، ويشتمل تصميم هذه الطائرة على العديد من التقنيات المتطورة التي توفر قدراً عالياً من الكفاءة التشغيلية والسلامة الجوية، فهي مزودة بعروض إلكترونية لمراقبة المحركات والأنظمة الملاحية، وتتصف هذه الطائرة بالعديد من المزايا التي تميزها عن غيرها، فهي تتميز بمقصورة داخلية أكثر هدوءاً من أية طائرة أخرى، وبمقاعد واسعة وممرات رحبة وأرفف علوية واسعة وحمامات خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، وبسقف عال بلون السماء، بجانب تصميم جديد لوحدة خدمة لركاب. الحجز الالي يحظى قطاع الحجز بأهمية قصوى، حيث يعتبر الواجهة الأولى لاستقبال المسافرين، لذلك يتم بصفة مستمرة تطوير هذا المرفق طبقاً لأحدث المواصفات العالمية، ويرتبط مركز الحجز بدوائر رقمية موحدة ضماناً لتقديم الخدمة دون توقف. وتقوم إدارة الحجز الآلي إلى جانب إجراء الحجوزات للعملاء على الرحلات المختلفة بعمل حجوزات في الفنادق وتأجير السيارات بناءً على رغبة العملاء، كما تقوم بتلقي رغبات المسافرين من أجل توفير وجبات معينة للفئات الخاصة كمرضى السكر والتوحد وغيرها من الوجبات التي يعدها تموين "السعودية" بناءً على طلب خا ص، إلى جانب استقبال طلبات العملاء لتوفير مهد للرضيع أو طلب كرسي متحرك أو نقالة للمرضى. وقد أصبح بمقدور عملاء "السعودية" الإطلاع على ما تقدمه من خدمات عبر أجهزة الهاتف النقالة عن طريق خدمة الواب التي تم توفيرها بالتعاون مع شركة الاتصالات السعودية وذلك باللغتين العربية والانجليزية. وتحتوي صفحة الواب الخاصة ب" السعودية" على معلومات عن جدول الرحلات لعدد من المدن الداخلية وأسعار التذاكر بين هذه المدن لجميع الدرجات ذهاباً وعودة، إلى جانب عناوين وهواتف مكاتب "السعودية" للحجز والمبيعات في معظم المدن الداخلية والمطارات الرئيسية وهواتف إلغاء الحجز وعلاقات العملاء وعنوان موقع "السعودية" على الإنترنت. وتحتوي الصفحة كذلك على عرض لعدد من الخدمات التي تقدمها لعملائها، ومنها خدمات ذوي الاحتياجات الخاصة، والوجبات التي تقدمها "السعودية" لركابها على الطائرة، وبرنامج الفرسان، وبرنامج "السعودية" للسياحة، إلى جانب موقع للمعلومات يتم من خلاله نشر أخبار المؤسسة والخدمات الجديدة المقدمة للعملاء. وتمكن الخدمة الجديدة لصفحة واب "السعودية" من تقديم خدمات متميزة للعملاء، حيث أن المعلومات المراد إبرازها تتوفر في كل مكان وأي زمان وبسهولة وسرعة وطريقة عرض شيقة وباللغتين العربية والانجليزية، وبهذه الخدمة يمكن تقليل المكالمات الواردة إلى مكاتب الحجز والمبيعات من خلال إظهار بعض المعلومات التي يحتاجها العملاء، وأيضاً تعزيز فرص اختيار "السعودية" من قبل العملاء، ومواكبة التقدم في صناعة النقل الجوي، وبناء قاعدة من العملاء المنتمين إلى المؤسسة، وتحسين صورة "السعودية" التنافسية بين شركات الطيران الأخرى. الاكتفاء الذاتي في مجال الصيانة حققت "السعودية" الاكتفاء الذاتي في مجال الخدمات الفنية والصيانة بعد أن كانت تعتمد في ذلك كلياً على الغير، وقد أصبح هذا الإنجاز من ضمن مفاخر "السعودية" حيث أصبحت الإمكانات الفنية تضاهي أرقى المستويات في أضخم شركات الطيران العالمية، وليس أدل على ذلك من حصول "السعودية" عام 1985م على شهادة في هذا المجال، حيث اعتبرت الصيانة ب"السعودية" قاعدة فنية عالمية خارج الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أثبت الفني السعودي قدرته وتفوقه في إنجاز كافة العمليات الخاصة بصيانة طائرات أسطول "السعودية" وتوضيب محركاتها، بل وتقديم الخدمات الفنية المساندة لشركات الطيران العالمية العاملة في المملكة العربية السعودية، وفي العام 2000م أكدت "السعودية" جدارتها بالثقة التي توليها إياها المنظمات والهيئات العالمية في مجال صيانة الطائرات، حيث حصلت على تجديد الترخيص لمركز إصلاح وصيانة وتوضيب الطائرات والمعدات المكملة حتى نهاية شهر فبراير 2004م من هيئة الطيران الفيدرالي الأمريكي، ويؤكد هذا الإنجاز الذي سجلته السواعد الوطنية في "السعودية" قدرتها على صيانة طائرات الأسطول الجديد الذي انضم حديثاً إلى الخدمة. ويُعطى هذا الترخيص في العادة من هيئة الطيران الفيدرالي الأمريكي لشركات ومراكز الإصلاح التي تثبت أن لها القدرة على تنفيذ الصيانة الكاملة لطائراتها والطائرات المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية. في الوقت نفسه، أشادت لجنة تفتيش خاصة من الهيئة الأمريكية لدى زيارتها لأقسام الشؤون الفنية ب"السعودية" بمستوى أداء هذه الأقسام، وأكدت أن الشؤون الفنية أثبتت جدارتها في تطبيق وإبراز معايير ومتطلبات التشغيل الفني وفقاً للمعايير المعمول بها دولياً، وقد ارتفعت نسبة السعودة في قطاع الشؤون الفنية إلى 24،82% حتى منتصف العام الحالي 2003م. وتأتي "السعودية" كثاني شركة طيران خارج الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في مجال تركيب إضافات فنية على طائرات البوينج 747 و737 تشمل أنظمة T.G.A.S للإنذار المبكر، وأنظمة Wind Sheer للتحذير من الرياح أثناء عمليات الإقلاع والهبوط، وقد سجل خبراء هيئة الطيران الفيدرالي الأمريكي والشركات المصنعة لهذه الطائرات تفوق الفنيين السعوديين على أقرانهم بالدول الأخرى في هذا المجال التقني المعقد. وتعتبر "السعودية" أول شركة طيران في العالم تقوم بإجراء عمليات التوضيب الكامل لطائرات الإيرباص 620-300-أ باعتبارها أول من اشترى هذا الطراز من الطائرات، حيث تتم عمليات الصيانة للطائرات وفق برامج خاصة بكل نوع منها من خلال برامج دورية محددة طبقاً لمعايير وضوابط فنية وعلمية تتناسب مع متطلبات كل نوع من طائرات الأسطول، إضافة إلى عمليات تغيير واستبدال قطع الغيار التي ينتهي عمرها الافتراضي حتى قبل أن يتم استهلاكها كلياً، وهناك لجنة فنية خاصة تقوم بمراجعة برامج الصيانة الوقائية بانتظام حيث تسجل وتحلل كافة أسباب المشكلات التشغيلية وتضع الحلول المناسبة لها، ونتيجة لذلك حققت "السعودية" المرتبة السادسة عشرة بين شركات الطيران العالمية في مجال سلامة الطيران، كما اختيرت لرئاسة لجنة السلامة بالمنظمة الدولية للطيران المدني "الآياتا" كأول شركة طيران عربية تحظى بهذا المنصب. التموين يقدم تموين "السعودية" بمرافقه الخمسة أعلى مستوى من الخدمة ل" السعودية" وشركات الطيران الأجنبية العاملة في المملكة العربية السعودية وعددها 55 شركة، ويقوم التموين بإنتاج حوالي 5،13 مليون وجبة سنوياً تلبية لاحتياجات "السعودية" وشركات الطيران الأخرى وذلك على أحدث المواصفات والشروط الصحية بما يفي بطلبات ورغبات المسافرين على رحلاتها. وقد بدأت قصة تموين "السعودية" عام 1401ه حين تم تأسيس أول مرفق تموين بمدينة جدة، وفي العام التالي مباشرة تم تأسيس مرفق تموين الرياض مع بداية افتتاح وتشغيل مطار الملك خالد الدولي تأكيداً للنجاح الذي حققه مرفق تموين جدة، وخلال العام نفسه تم تأسيس وتشغيل مرفق تموين "السعودية" بمطار القاهرة الدولي كدليل على نجاح خطة "السعودية" في ميدان صناعة التموين الغذائي ومقدرتها على مواكبة حجم حركة النقل الجوي المتزايدة، وتلا ذلك إنشاء مرفق تموين "السعودية" بمطار الملك فهد الدولي بالدمام، ثم مرفق تموين مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة. أحدث التقنيات واتساقاً مع تطورات العصر وما يشهده العالم في الوقت الحاضر من ثورة تكنولوجية، أولت "السعودية" اهتماماً واسعاً بهذه القضية الحيوية وعمدت إلى التشغيل الآلي لمعظم قطاعاتها من أجل توحيد مستوى الخدمات وسهولة تقديمها إلى العملاء في شتى المواقع، وقد كانت "السعودية" من أوائل شركات الطيران التي تتواجد على شبكة الإنترنت العالمية رغبة منها في إيصال خدماتها إلى أكبر قطاع ممكن من العملاء الفعليين والمتوقعين وبما يضمن سهولة وصولهم إلى ما يودون معرفته من معلومات عن أنشطتها وخدماتها، وتوفر "السعودية" صفحتين باللغتين العربية والانجليزية لعملائها، وقد بلغ عدد زوار موقعها على الإنترنت منذ إنشائه في يناير 1997م وحتى نهاية عام 2001م حوالي 30 مليون شخص من 142 دولة. في الوقت نفسه ارتفع عدد المواقع المربوطة بنظام عربي-جاليليو للحجز الآلي إلى 1123 موقعاً، إلى جانب ربط ثمانية مواقع بالنظام عبر الإنترنت داخل المملكة العربية السعودية، وربط 12 موقعاً بنظام عربي-سارز لإعطاء مكاتب السفر والسياحة مزيداً من الحوافز لخدمة العملاء. برنامج الفرسان من أجل خدمة عملائها كثيري السفر، حرصت "السعودية" على تطوير خدماتها لهم من خلال برنامج "الفرسان" الذي بلغ عدد أعضائه حتى الآن نحو 150 ألف عضو، وتتضمن الخدمات المقدمة لهم أولوية عالية لتأكيد الحجوزات من قائمة الانتظار، ثلاثة مستويات للعضوية، اختيار الوجبات والمقاعد مسبقاً، رصد الأميال الفعلية، زيادة مجانية للعفش المصاحب، إنهاء إجراءات السفر من كاونتر الدرجة الأولى، دليل خاص للعضوية، مزايا خاصة للأعضاء من شركات تأجير السيارات والفنادق، إدارة خاصة ب"السعودية" تختص بالتطوير الدائم للبرامج، واتفاقية إصدار بطاقات الائتمان. تقدير دولي نالت خدمات "السعودية" ومستويات أدائها المتميزة في قطاعاتها المختلفة تقديراً دولياً متواصلاً لا سيما في قطاع التموين، فقد منحت معظم شركات الطيران العالمية التي تقدم لها "السعودية" خدمة التموين شهادات تقدير لمرافق تموين "السعودية" تقديراً للمستوى المتميز من الوجبات التي تؤمنها لها على أعلى مستوى من الجودة والشروط الصحية. ولعل أبرز الجوائز الدولية التي حصلت عليها "السعودية" هما جائزتي مجلة "الخدمة داخل المقصورة". فالجائزة الأولى كانت الماسة من الدرجة الأولى للخدمة الفريدة التي انفردت بتقديمها "السعودية" للمصابين بمرض التوحد من المسافرين على متن طائراتها في رحلاتها الداخلية والدولية، وهي الخدمة التي بدأت تدشينها اعتباراً من 25 سبتمبر 1999م والتي تشتمل على وجبات خاصة صممت لمرضى التوحد من كافة الأعمار، بالإضافة إلى الوسائل الترفيهية المختلفة لشغل أوقات هذه الفئة العزيزة من المسافرين طوال فترة الرحلة. أما الجائزة الثانية فكانت جائزة الماسة من الدرجة الأولى أيضاً وحصلت عليها "السعودية" عن خدمة المبيعات الجوية لمكفوفي البصر بطريقة "برايل" والتي يستطيع بموجبها المسافر المكفوف اختيار المواد المعروضة للبيع على متن الطائرة بطريقة سهلة وميسرة. التدريب إيماناً من "السعودية" بأن تأهيل وتنمية الكوادر الوطنية هو الاستثمار الأمثل، فإنها تولي التدريب أهمية بالغة باعتباره من أهم استثمارات المؤسسة. وقد تم وضع خطط وبرامج من قبل المسؤولين في هذا المجال للنهوض ب"السعودية" كشركة رائدة في مجال النقل الجوي، ويأتي التدريب من بين وسائل تحقيق ذلك. وفي الإطار نفسه اعتمدت "السعودية" خطة جديدة لتطوير وتحسين التدريب الوظيفي انطلاقاً من الاهتمام المتزايد بالعنصر البشري وتحقيقاً لأهداف التدريب. وتعتمد الخطة الجديدة على "التدريب الموجه" كقاعدة متطورة لتحسين وتطوير التدريب لموظف ي المستقبل استناداً على أربعة قواعد أساسية هي؛ تحديد الاحتياج، إعداد خطط التنمية، تنفيذ خطط التنمية، وتقويم الأداء. وقد تم ربط التدريب بتقويم الأداء تجسيداً للاحتياج الفعلي للموظف كمتطلب أساسي لحضور التدريب. ويأتي هذا التوجه الجديد من أجل تطبيق مفاهيم الجودة في المناهج، ووضع خطط التنمية على مستوى الإدارات مع تخطيط تنمية الموظفين وتفعيل المشاركة الميدانية للتدريب والتنمية للعمل على دراسة نماذج تقويم الأداء الوظيفي للموظفين، ودراسة بيئة العمل للإدارات، وتحديد مجالات تحسن أداء الموظف والإدارة، وتحديث ملف الموظف التدريبي. ويساعد هذا التوجه على التخطيط لبرامج موظف الصف الثاني للمتغيرات المستقبلية لحمل القيادة بعد اكتساب معارف ومهارات لتحسين سياق بيئة العمل. الخدمة الذهبية هذا وقد بدأت "السعودية" اعتباراً من عام 2002م تطبيق برنامج "الخدمة الذهبية" في مرحلته الأولى على قطاعات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وبيروت ودبي، والذي يشمل باقة من الخدمات المتكاملة بدءًا من لحظة الاتصال بخدمات الحجز مروراً بمكاتب المبيعات وخدمات المطار مع خدمات خاصة لسرعة إنهاء الجوازات والاسترخاء في صالات الخدمة الذهبية المزودة بمتطلبات رجال الأعمال من الأجهزة الإلكترونية والفاكس والاتصالات. جاء اهتمام الحكومة السعودية بمسألة تحقيق الأمن الغذائي وتحفيز الإنتاج في القطاع الزراعي تأكيداً على أن كافة أنواع الأمن التي ينشدها أي مواطن، سواءً كان الأمن المدني أو الاستقرار السياسي أو الاستقلال الوطني، يتوقف على مقدرة ذلك الوطن على تحقيق الأمن الغذائي لسكانه أولاً، وذلك تبعاً لما هو معروف من تحكم العوامل الاقتصادية في الأوضاع الأمنية والسياسية. لذلك كان طموح تحقيق الأمن الغذائي في إطار تطوير القطاع الزراعي في الاقتصاد السعودي من القضايا التنموية الاستراتيجية التي أولتها الحكومة أولوية تجسدت في إعطاء المواطنين كامل الحرية في استثمار الأراضي الصالحة للزراعة، وإعفاء الآلات الزراعية من الرسوم الجمركية، واستيراد المكائن والمعدات الزراعية على نفقة الدولة لتوزيعها على المزارعين ليقوموا بتسديدها على أقساط ميسرة دون فوائد. بدأ الاهتمام بالقطاع الزراعي بتأسيس مديرية الزراعة العامة سنة 1948م وربطها بوزارة المالية والاقتصاد الوطني، آنذاك، لتحسين أنظمة الري وتوزيع مضخات المياه وعمل السدود والقنوات وتعمير العيون والآبار الارتوازية واستصلاح الأراضي الزراعية ومنح القروض للمزارعين. وبعد أن توسعت نشاطات تلك المديرية تحولت عام 1373ه الموافق 1953م إلى وزارة للزراعة والمياه. ومنذ ذلك الحين عكفت هذه الوزارة على عمل الدراسات والخطط للنهوض بالقطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني إلى جانب العمل على تنمية مصادر المياه، حتى تحولت مؤخراً إلى وزارة الزراعة. انطلاقة التنمية الزراعية وانطلقت التنمية الزراعية بعد إنشاء البنك الزراعي العربي السعودي الذي يعطي قروضاً طويلة الأجل، فتتحمل الدولة 50% من قيمة مكائن ومضخات الري و45% من قيمة الآليات والمعدات الزراعية والأسمدة المستوردة بالإضافة إلى توزيع البذور المحسنة والشتلات الرمزية. وببدء العمل بنهج الخطط التنموية في المملكة العربية السعودية، سارت التنمية الزراعية في اتجاهين خلال سنوات خطتي التنمية الأولى والثانية. فكان الإتجاه الأول نحو التوسع الرأسي عن طريق استخدام الآلات وتقديم الخدمات الإرشادية والقروض للمزارعين، وكان الإتجاه الثاني نحو التوسع الأفقي عن طريق بناء السدود ومشروعات الري والصرف وتوطين البادية وتوزيع الأراضي البور. وقد تطور إنتاج القمح في هذه الفترة جنباً إلى جنب مع زيادة مزارع الدواجن. وبنهاية خطة التنمية الثانية كان معدل النمو الزراعي السنوي 5% نتيجة لتنوع أوجه النشاط والقروض التي قدمتها الدولة لقطاع الزراعة، كما بلغت الطاقة التخزينية لصوامع الغلال خلال مدة خطة التنمية الثانية 300 ألف طن، كما بلغت الطاقة الإنتاجية لمطاحن الدقيق 2160 طن قمح، ولمصانع الأعلاف 300 طناً في الوردية. وارتفع إنتاج القمح من 142 ألف طن في بداية خطة التنمية الثالثة، إلى أكثر من مليوني طن في السنة الأخيرة، فتجاوزت المملكة العربية السعودية مرحلة تأمين الاكتفاء الذاتي إلى التصدير، حيث حققت، على سبيل المثال، الاكتفاء الذاتي في البيض والألبان واللحوم البيضاء. ويرجع النمو في القطاع الزراعي أساساً إلى النمو في الإنتاجية. وخلال سنوات خطة التنمية الرابعة (1405-1410ه)، زاد إنتاج القمح بنسبة 62% إذ ارتفع من 1،2 مليون طن عام 1404-1405ه إلى 4،3 ملايين طن عام 1409-1410ه، بزيادة قدرها 3،1 مليون طن عن الكمية اللازمة للاكتفاء الذاتي، وخلال الفترة نفسها تضاعف إنتاج الشعير 93 ضعفاً إذ ارتفع من 4 آلاف طن إلى 372 ألف طن بما يمثل 17% من الاستهلاك المحلي. وازداد إنتاج الخضروات خلال فترة خطة التنمية الرابعة بأكثر من 43% إذ ارتفع من 4،1 مليون طن إلى نحو مليوني طن ويمثل هذا 76% من الاستهلاك المحلي. وزادت الأراضي الزراعية الموزعة على المواطنين بحسب نظام توزيع الأراضي البور بنحو 661 ألف هكتار خلال خطة التنمية الرابعة، فارتفعت من 739 ألف هكتار إلى 4،1 مليون هكتار في نهاية فترة الخطة. كما زادت المساحة المزروعة خلال فترة خطة التنمية الرابعة بنسبة 53% إذ اتسعت المساحة من 782 ألف هكتار في بداية الخطة إلى 2،1 مليون هكتار في نهايتها. ويدل هذا على إقبال القطاع الخاص على استصلاح الأراضي وزراعتها، الأمر الذي أسهم في زيادة الإنتاج الزراعي. وارتفعت السعة التخزينية لصوامع الغلال إلى 38،2 مليون طن بزيادة 29% عن المستهدف بالخطة لتغطية الاستهلاك المحلي من القمح، وتوفير مخزون استراتيجي لمدة ستة أشهر. كما ارتفعت طاقة مطاحن الدقيق لتصل إلى 5250 طن قمح في اليوم محققة الاكتفاء الذاتي من الدقيق. وخلال سنوات خطة التنمية الخامسة (1410-1415ه) حقق الإنتاج زيادات ملحوظة على المستويات التالية: @ بلغ الإنتاج المحلي من القمح بنهاية الخطة الخامسة 1414-1415ه 7،2 مليون طن. @ ارتفع إنتاج الخضروات من 9،1 مليون طن في عام 1409-1410ه إلى 3،2 مليون طن عام 1414-1415ه. @ ارتفع إنتاج اللحوم البيضاء من 267 ألف طن عام 1409-1410ه إلى 307 آلاف طن عام 1414-1415ه. @ ارتفع إنتاج اللحوم الحمراء من 133 ألف طن عام 1409-1410ه إلى 146 ألف طن في نهاية الخطة الخامسة 1414-1415ه. @ ارتفع إنتاج البيض من 113 ألف طن عام 1409-1410ه إلى 126 ألف طن عام 1414-1415ه. وقد أدت هذه الزيادة الإنتاجية إلى اهتمام الدولة بالمياه فتم البدء خلال الخطة الخامسة في تنفيذ أربعة محطات تحلية جديدة، ينبع المدينة-2، الجبيل-1، التناضح العكسي، الخبر-3، جدة مكة-5 مجموع طاقتها الإنتاجية 101 مليون متر مكعب يومياً من المياه المحلاة، و1133 ميجاوات من الكهرباء. وبلغ عدد الآبار التي تم حفرها وإصلاحها وتعميقها خلال فترة خطة التنمية الخامسة 353 بئر مياه شرب. وتم إنجاز 87% من سد خادم الحرمين الشريفين ببيشة. وظلت الطاقة التخزينية لصوامع الغلال ثابتة عند مستوى 2،38 مليون طن، والطاقة الإنتاجية لمطاحن الدقيق عند مستوى 5250 طن قمح في اليوم. وهي الطاقة التي تحققت منذ بداية السنة الأولى من الخطة الخامسة. وارتفع إنتاج الدقيق في المؤسسة من حوالي 01،1 مليون طن في عام 1409-1410ه إلى حوالي 24،1 مليون طن في عام 1414-1415ه. كما ارتفعت الكميات المباعة في كافة مناطق المملكة العربية السعودية من الشعير المستورد في عام 1414-1415ه، إلى نحو 2،5 مليون طن. وانخفضت مشتريات القمح المحلي من حوالي 21،3 مليون طن عام 1409-1410ه إلى حوالي 56،2 مليون طن عام 1414-1415ه. بينما ارتفعت مشتريات الشعير المحلي من حوالي 221 ألف طن إلى حوالي 82،1 مليون طن للفترة نفسها. وخلال سنوات خطة التنمية السادسة (1415-1420ه)، اتخذت وزارة الزراعة والمياه إجراءات للمحافظة على المياه الجوفية غير المتجددة، وإيجاد توازن بين الأمن المائي والغذائي، من أبرزها التخفيض التدريجي لإنتاج الحبوب، وإيقاف إصدار تصاريح جديدة لمشروعات زراعة الأعلاف، وتكثيف برامج ترشيد استخدام المياه، وتنويع الإنتاج وفقاً للمزايا النسبية للمناطق والاحتياجات المائية للمحاصيل، وإلزام الشركات الزراعية وأصحاب المشروعات الزراعية الكبيرة بتركيب عدادات على الآبار الزراعية. وفي إطار تلك الإجراءات، حقق قطاع الزراعة معدل نمو سنوي وسطي بلغ 2،2% بالأسعار الثابتة لعام 1414-1415ه (1994م)، وبلغت نسبة إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي للقطاعات غير البترولية 4،10% ونسبة العمالة الزراعية فيه 8،7% من إجمالي العمالة بالمملكة العربية السعودية. منجزات قطاع الزراعة وتتلخص أهم المنجزات التي حققها قطاع الزراعة خلال سنوات خطة التنمية السادسة في الآتي: تخفيض إنتاج القمح والشعير بنسبة 7،30% و1،75% على التوالي انسجاماً مع توجهات سياسة الدولة، وما استهدفته خطة التنمية السادسة نحو تخفيض إنتاج هذين المحصولين إلى مستويات لا تتجاوز الاستهلاك المحلي. وقد تزامن خفض الإنتاج الكلي لمحصولي القمح والشعير مع تحقيق معدلات إنتاجية عالية بلغت 7،4 أطنان للهكتار بالنسبة للقمح، و3،5 أطنان للهكتار بالنسبة للشعير. كما تم تحقيق زيادات جيدة في إنتاج بعض السلع الزراعية تناسبت معدلاتها إلى حد كبير مع معدلات النمو السكانية، مما أسهم في تلبية نسبة كبيرة من الطلب المحلي على الغذاء، وعكس نجاح الخطة في تطبيق سياسة تنويع القاعدة الزراعية في إطار المزايا النسبية. وتغير التركيب المحصولي تجاوباً مع المعطيات الجديدة التي برزت خلال سنوات خطة التنمية السادسة حيث تم تقليص المساحة المزروعة بالقمح والشعير والحبوب الأخرى بنسبة 6،32% و9،69% و7،34% على التوالي في الوقت الذي ازدادت فيه المساحات المزروعة بالخضروات والفواكه بنسبة 9،23% و8،28% على التوالي. كما استمر تقديم الخدمات البيطرية وخدمات الإرشاد الزراعي وتشغيل مراكز الأبحاث ومحطات التجارب مما أسهم في تطوير الإنتاج الحيواني. واستمر البنك الزراعي العربي السعودي في تقديم القروض الزراعية التي بلغت نحو 5،2 مليار ريال سعودي خلال خطة التنمية السادسة. وقد قامت المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق بتغطية حاجة الاستهلاك المحلي من الدقيق، والاحتفاظ بمخزون استراتيجي من القمح لمواجهة الظروف الطارئة لمدة 6 أشهر. وبلغت الطاقة الإنتاجية لمطاحن الدقيق في السنة الأخيرة من خطة التنمية السادسة 1419-1420ه (1999م) حوالي 7020 طن قمح يومياً، بزيادة نحو 34% عن مستويات بداية الخطة. وأسهمت المؤسسة كذلك في توفير الأعلاف وتلبية جزء من الطلب عليها. وقد شهدت سنوات خطط التنمية الماضية زيادة مطردة في معدلات النمو السنوية للإنتاج المحلي من الخضروات والفواكه، أسهمت بصورة إيجابية في مواجهة الطلب وتقليص نسبة الواردات من هذه المنتجات بصورة ملحوظة. أما في مجال التصنيع الزراعي لهذه المنتجات فإن الأمر مختلف، حيث لم يتناسب مع حجم الإنتاج ولم يحقق الطموح المطلوب لتقليص الفجوة بين العرض والطلب المحلي على المنتجات الغذائية المصنعة، إذ لم تزد نسبة إنتاج المصانع العاملة في مجال تصنيع الخضروات والفواكه (باستثناء التمور) على 10% من إجمالي حجم الطلب، مما أدى إلى ارتفاع حجم الواردات. ومن المناسب الربط بين عناصر القضية الثلاثة؛ الإنتاج المحلي والتسويق والتصنيع، على أنها قضية متكاملة تحتاج إلى اهتمام مع التأكيد على استمرار تطبيق العمل بالروزنامة الزراعية، والمراجعة المستمرة لنظام حوافز الإنتاج والأسعار لبعض المنتجات الزراعية، وتشجيع الاستثمار في مشروعات البيوت المحمية خاصة ما يتعلق بإنتاج الخضروات التي تدخل في مجال التصنيع الزراعي، وزيادة كفاءة مرافق التخزين، وتوسيع مجالات القروض الزراعية لتأخذ في الحسبان الجوانب التسويقية، وتطوير الجمعيات التعاونية الزراعية. وتشجيع القطاع الخاص للدخول في المجالات المرتبطة بالتنمية الزراعية، هو من الاهتمامات المستمرة للدولة خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في مجالات التسويق والتصنيع الزراعي. وفي هذا الإطار تقوم الجهات المعنية بقطاع الزراعة بتقديم خدماتها لتعزيز قدرة القطاع الخاص من خلال مجموعة من البرامج تشمل الأبحاث الزراعية والخدمات الزراعية والإرشاد الزراعي والتسهيلات الائتمانية، بالإضافة إلى تسهيل إجراءات نقل التقنيات الحديثة وتطويعها. استمرار نمو الطلب المحلي على المواد الغذائية نتيجة للنمو السكاني وارتفاع مستوى المعيشة، يتطلب تنمية القطاع الزراعي مع المحافظة على الموارد المائية الحرجة وتحقيق توازن بين الأمن الغذائي والأمن المائي. ويتم حالياً تنفيذ استراتيجية التنمية الزراعية من خلال زيادة إسهام الزراعة في تنويع مصادر الدخل القومي وتوسيع القاعدة الإنتاجية، مع التركيز على ترشيد استغلال الموارد الطبيعية للمحافظة عليها وتحسين استخدامها، فضلاً عن تحسين الكفاءة الاقتصادية للقطاع الزراعي، والإسهام في رفع مستويات الدخل الفردي وتحسين مستوى معيشة المواطنين في المناطق القروية بشكل خاص. سياسات خطة التنمية السابعة ولتحقيق هذه الأهداف اعتمدت خطة التنمية السابعة (1420-1425ه) عدداً من السياسات منها تقديم الخدمات المساعدة للمزارعين وإيجاد المناخ الملائم لاستمرارية القطاع الخاص في الإنتاج والتصنيع الزراعي واستقطاب التقنيات الحديثة التي تؤدي إلى تخفيض كلفة الإنتاج. وكذلك زيادة الإنتاج المحلي من الفواكه والخضروات في البيوت المحمية، وتشجيع تطبيق أساليب الزراعة والري الحديثة مع رفع كفاءة المؤسسات البحثية والفنية والإرشادية. ووضعت الخطة السابعة من ضمن سياساتها التركيز على رفع كفاءة المشروعات الإنتاجية من خلال دعم البحوث والدراسات الفنية. هذا إلى جانب مراعاة تطبيق الشروط والمعايير الخاصة باستخدام مياه الصرف الصحي والزراعي المعالجة للأغراض الزراعية مع زيادة الطاقة الإنتاجية لمطاحن الدقيق وتقديم القروض الزراعية وتنمية القوى العاملة السعودية والعمل على تطويرها، إلى جانب الإسهام في تحقيق التوازن البيئي من خلال المحافظة على الموارد الطبيعية ومكافحة التصحر والحفاظ على الغابات وتنميتها وإيجاد الحماية اللازمة لتكاثر السلالات النباتية والحيوانية وحماية البيئة البحرية والموارد السمكية المختلفة للحفاظ عليها وتنمتيها، وتهيئة القطاع الزراعي للتعامل بمرونة مع التطورات والمستجدات المحلية والإقليمية والدولية. وهكذا تحولت المملكة العربية السعودية، التي يغلب عليها الطابع الصحراوي والظروف البيئية القاسية إضافة إلى قلة موارد المياه والأمطار، من بلد مستورد للغذاء إلى دولة منتجة ومصدرة للكثير من المحاصيل الزراعية، وأصبح القطاع الزراعي واحداً من أهم القطاعات الاقتصادية المنتجة. وقد نتج عن هذا توسع هائل في الطرق الزراعية لخدمة المزارعين، حيث تبنت وزارة المواصلات (النقل حالياً) برنامجاً متكاملاً للطرق الزراعية بلغ إجمالي أطوالها حتى الآن أكثر من 150 ألف كيلومتر، في حين كان قبل 25 عاماً حوالي عشرة آلاف كيلومتر فقط. وقد تضاعفت الرقعة الزراعية عشرات المرات خلال سنوات خطط التنمية. وقامت المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق بإنشاء أكثر من عشرة مجمعات صناعية في مناطق الإنتاج الزراعي لتخزين الحبوب وإنتاج الدقيق. كما حققت المملكة العربية السعودية تجربة رائدة في إنتاج القمح، حيث وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي منه سنة 1405ه، وانتقلت إلى مرحلة التصدير للأسواق العالمية ابتداءً من سنة 1406ه، ووصل أعلى معدل لإنتاج القمح فيها سنة 1412ه إلى أكثر من أربعة ملايين طن. إلا أنه كما رأينا في استعراض منجزات خطط التنمية في إطار سياسة ترشيد المياه والمحافظة على منسوب المياه الجوفية، فقد تم تخفيض الإنتاج تدريجياً ابتداءً من الموسم الزراعي لسنة 1413ه إلى أن وصل في المواسم الزراعية التالية إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي وتغطية السوق المحلية. وبذلك تحقق للمملكة العربية السعودية واحداً من أهم أهدافها التنموية الاستراتيجية وهو الوصول بالإنتاج إلى مرحلة تحقيق الأمن الغذائي للسكان جميعاً مع المقدرة على الزيادة والتصدير عند الضرورة. فصل المياه عن الزراعة وفي شهر سبتمبر 2002م تم فصل اختصاص المياه من وزارة الزراعة والمياه التي ظلت إلى ذلك الوقت المسؤولة عن قطاعي الزراعة والمياه، وأسندت وزارة المياه إلى الدكتور غازي عبدالرحمن القصيبي، الذي أصبح وزيراً للمياه والكهرباء بعد إعادة تشكيل وهيكلة الوزارات في 28-2-1424ه. وفي هذا التشكيل، تم تعيين الدكتور فهد عبدالرحمن بلغنيم وزيراً للزراعة، ليبدأ بتعيينه فصلاً جديداً في مسيرة القطاع الزراعي في الاقتصاد السعودي الذي تمكن من تحقيق الأمن الغذائي في بلد شبه صحراوي. في ظل نظام العولمة، وما اتخذ من قرارات دولية تحت رعاية منظمة التجارة العالمية WTO، وبخاصة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، أصبح مصير صناعة الدواء في العالم بيد الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، التي صارت تبيع أدويتها "الحديثة" في دول العالم النامي بأثمان باهظة. وما أزمة الإيدز، التي أثيرت مؤخراً، وكذا القضية المثيرة للجدل التي رفعتها شركات الدواء الكبرى في العالم ضد رئيس جنوب إفريقيا السابق، نيسلون مانديلا، إلا مؤشراً على ظهور بوادر أزمة خطيرة في صناعة وتجارة الأدوية الحديثة، سيكون ضحاياها المرضى الفقراء في دول العالم النامي. فماذا عن واقع ومستقبل صناعة الدواء العالمية؟ وما هي حقيقة "أزمة" الإيدز التي فرضت نفسها بقوة خلال الآونة الأخيرة؟ سيطرة وتحكم في تقرير دولي، نشر حديثاً، حول واقع صناعة الدواء العالمية، في ظل قرارات منظمة التجارة العالمية، ورد أن قوانين حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، التي أقرتها المنظمة الدولية، تستغل بشكل سيء من قبل كبرى شركات الدواء في العالم، التي تسعى إلى الهيمنة واحتكار سوق الدواء العالمي. وكانت مجلة نيوز ويك قد نشرت بعددها الصادر يوم 20 مارس 2001م، تحقيقاً هاماً لكارلاباور، حول شركات الدواء الكبرى ومستقبل تجارة الأدوية الحديثة، ورد فيه: "أن الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، وبخاصة كبرياتها الخمس (غلاكسوسميث كلاين، ميرك، فايزر، نوفارتيس، وبريستول مايزرسكويب)، هي التي تسيطر الآن على صناعة الدواء في العالم". وفي كتابه الموسوم "ثورة الدواء"، الذي صدر مؤخراً، كشف البروفيسور محمد رؤوف حامد، الخبير في تكنولوجيا واقتصاديات العولمة لدى الهيئة الاستشارية العليا لمجموعة الدول ال15، عن مدى هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على صناعة الدواء العالمية، وأشار إلى أن سطوة اللاعبين الكبار في مجال الدواء قد امتدت إلى قوانين حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، وأن هؤلاء اللاعبين قد اطمأنوا بعد توقيع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على سريان هذه القوانين، مما دفعهم إلى اتخاذ إجراءات جديدة بخصوص أنشطتهم البحثية والتسويقية؛ وذلك من خلال اتجاهين رئيسيين: = الأول: يختص بإعادة هيكلة هذه البحوث من خلال التغيير في الأهداف وفرق العمل، ومن خلال التحالفات الاستراتيجية في مجال البحوث، وكذلك من خلال عميات شراء الشركات لبعضها البعض. = الثاني: يختص بتقليص الفترة الزمنية اللازمة لتقييم الدواء على جسم الإنسان، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة الفترة الزمنية الخاصة بالاستفادة من حقوق الملكية الفكرية. فتطبيق قوانين حماية الملكية الفكرية TRIPS، يعنى وفقاً لقواعد منظمة التجارة العالمية، تطبيق الحماية لكل من العملية الابتكارية PROCESS والمنتج PRODUCT، لمدة لا تقل عن عشرين سنة. إن ما يتخذه اللاعبين الكبار في صناعة الدواء، وبخاصة الشركات الخمس العالمية، من إجراءات تتعلق بالمواصفات الدوائية المقبولة عالمياً، يشكل تحدياً مستمراً ومتصاعداً على الدوام أمام الشركات الدوائية الأخري، ليس فقط في دول العالم النامي، بل وحتى في بعض الدول الغربية المتقدمة، مثل إيطاليا وإسبانيا، وكذلك دول النمور الآسيوية مثل كوريا الجنوبية. ومن الجدير بالإشارة هنا إلى أن هذا التحدي يوقع عبئاً كبيراً على كاهل جميع شركات الدواء المتخصصة في إنتاج المستحضرات التي زالت عنها براءات الاختراع. ولقد حاولت هذه الشركات حتى في أوروبا الغربية وأمريكا وكندا، الاشتراك في المؤتمر الدوري الخاص بتوافق المواصفات الدوائية، للحفاظ على مصالحها كشركات منتجة. إلا أن محاولاتها المتكررة قد باءت بالفشل، مما دعا الجمعيات التي تنتمي إليها هذه الشركات، والتي تعرف باسم جميعات منتجي الأدوية الجنسية، أي التي تباع بأسمائها النوعية، في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وكندا، إلى تكوين تحالف دولي جديد لمنتجي الأدوية الجنسية. وكان روب راسب، الرئيس التنفيذي لهذا التحالف، قد صرح بأن الهدف الأساسي من إنشائه هو السعي للجلوس على مائدة المؤتمر الدولي لتطوير المواصفات الدوائية، وذلك بعد أن فشلت جمعيات منتجي الأدوية الجنسية في أوروبا وأمريكا، في الحصول منفردة على حق الجلوس على مائدة هذا المؤتمر. أزمة الإيدز في ظل هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات على صناعة وتجارة الدواء العالمية، والتي صارت تتحكم بكل منتج دوائي حديث تبيعه لمن تريد وبالسعر الذي تريد، تفجرت في الآونة الأخيرة أزمة دوائية دولية تتعلق بأدوية الإيدز، حيث غالت الشركات الكبرى التي تتحكم في صناعة أدوية الإيدز، وهي للعلم أدوية لا تقضي على الفيروس (إتش. آي.في) المسبب للمرض وإنما فقط توقف نشاطه إذا أخذت بجرعات يومية وبشكل دائم على مدار العام، في رفع أسعارها. خذ على ذلك مثالاً؛ إن دواء كربكسيفان، وهو دواء حديث للإيدز، من إنتاج شركة ميرك، يكلف المريض في الدول الأفريقية 600 دولاراً أمريكياً في العام، طبقاً للأسعار المخفضة التي أعلن عنها أخيراً، بينما دواء آخر حديث للإيدز، يدعى كومبيفير، من إنتاج شركة غلاكسوسميث كلاين، يكلف المريض في الدول الأفريقية 730 دولاراً أمريكياً في العام، بعد تخفيض سعره أخيراً إلى عشر ثمنه السابق. وإذا علمنا أن دخل الفرد في كل الدول الأفريقية، متدني إلى حد أنه لا يكفي لسد الاحتياجات اليومية الضرورية للأسرة، فلنا أن نتخيل معاناة مرضى الإيدز الذين يعرفون أن هناك أدوية يمكن بواسطتها وقف نشاط الفيروس الخطير المسبب لمرضهم، ومع ذلك لا يستطيعون شرائها. لقد أشعلت الأسعار المبالغ فيها لأدوية الإيدز مشاعر الغضب في دول شرق آسيا وبخاصة تايلند والفلبين، وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ضد شركات الدواء الكبرى. تقول كارلا باور؛ في الوقت الذي يجتاح فيه مرض الإيدز العالم، فإن مشاعر الغضب تتركز على الشركات الكبرى لصناعة الأدوية بطريقة لم تحدث من قبل، وكأن على هذه الشركات أن تقوم بخطوة ما. وفي البرازيل، أعلن وزير صحتها خوسيه سيرا، أن بلاده تخطط لإلغاء براءة الاختراع لعقار رئيسي ضد الإيدز، من إنتاج شركة ميرك، بسبب ارتفاع ثمنه واحتياج المرضى له. وفي رد سريع وعملي على هذا التصريح، أعلن مسؤول في مكتب التمثيل التجاري الأمريكي أن شكوى بهذا الخصوص في طريقها إلى منظمة التجارة العالمية، واعتبرت واشنطن أن هذا يعد تمييزاً ضد البضائع الأجنبية بحسب ما ورد في نص الشكوى. مانديلا في قفص الإتهام وكانت 41 شركة أدوية يتزعمها الخمس الكبار عالمياً، قد قامت برفع قضية في المحكمة العليا في بريتوريا، جنوب أفريقيا، ضد الرئيس السابق نيلسون مانديلا وعدد من كبار المسؤولين في حكومته. والسبب هو قانون سبق إصداره عام 1997م، وما زال سارياً إلى الآن، ترى الشركات أنه يهدد براءات اختراعاتها، وما يتبع ذلك من امتيازات. مع العلم أن دولة جنوب أفريقيا بها أكثر من 5،4 مليون شخص مصاب بالإيدز. وكان جين بيرغارنيير، الرئيس التنفيذي لشركة غلاكسوسميث كلاين، قد صرح بأن شركته وحلفاؤها جادون في حماية براءات اختراعاتهم، حتى ولو خاطروا بالظهور بمظهر البخيل. وقد أثارت هذه القضية غضب الرأي العام، ليس في جنوب إفريقيا وحسب، بل في عدة دول إفريقية وغربية أيضاً، حيث تظاهر ناشطون في جماعة تسمى "التحرك للعمل" أمام مكتب شؤون علاقات المستثمرين لشركة غلاكسوسميث كلاين في نيويورك واتهموها "بالربح من أموال الدم"، وقاموا بقذفها بزجاجات الأدوية الفارغة، وقالوا في هتافاتهم "إن غلاكسوسميث كلاين سفاحون عالميون". وفي جنوب أفريقيا انضم ناشطون في مكافحة الإيدز إلى جانب الحكومة بالتظاهر أمام المحكمة التي تنظر في القضية. وصرح توني كاسبر، منسق حملة الحصول على الأدوية الضرورية بالأسع ار المناسبة، التي تقوم على أمرها منظمة أطباء بلا حدود؛ إن شركات صناعة الدواء تفتعل الضجيج حول عملها في تحسين طرق وصول الدواء إلى الجميع. وهذه فرصتهم للقيام بعمل في هذا المجال، وها هم يرفعون قضية للحيلولة دون ذلك. وتقول فيكي اهريتش، رئيسة قسم العلاقات الخارجية لقضايا الإيدز؛ إن القضية في جوهرها تتعلق بقانون غامض حول براءات الاختراع. إن براءت الاختراع يجب ألا تحول دون الحصول على الدواء. وفي ردها ترى شركات صناعة الدواء، أن قانون براءات الاختراع لا يحول دون الحصول على الدواء، بل هو عدم وجود الإرادة السياسية والبنية التحتية، للرعاية الصحية في الدول التي تعاني من مرض الإيدز. خاتمة ويتساءل جيري د. ساكس، مدير مركز هارفارد للتنمية الدولية، "ما الذي قدمه الغرب المتخم للمرضى الفقراء في دول العالم الثالث؟ لا شيء". إنه ينبغي الإسراع بإقامة "صندوق عالمي للإيدز" تحت رعاية منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للإيدز، يقوم بشراء الأدوية بسعر مخفض من المنتجين الرئيسيين، ثم يوزعها مجاناً على الدول الفقيرة. وتشير تقديرات التكلفة إلى أن على الولايات المتحدة الأمريكية الإسهام بحوالي 5 مليارات دولار أمريكي سنوياً، في إطار جهد شامل لمقاومة الإيدز والملاريا والسل والأمراض الفتاكة الأخرى، والتي ستكون ضمن حقيقة كونية، تتراوح تكاليفها ما بين 10 و20 مليار دولار أمريكي سنوياً، لأجل إفريقيا. فهل تستجيب أمريكا لذلك؟ وبما أن الدخل القومي الأمريكي السنوي يبلغ الآن 10 تريليونات دولار أمريكي، فإن مليارات الدولارات الخمسة، ستمثل حوالي 5 سنوات من كل 100 دولار أمريكي من الدخل القومي الأمريكي. إن مثل هذا الجهد المتواضع، يمكن أن ينقذ عدة ملايين من الأرواح سنوياً. ونقول... إذا كان هذا ما يراه جيفري د. ساكس، مدير مركز هارفارد للتنمية الدولية، فإننا نشير إلى حقيقة هامة على دول العالم النامي النظر إليها بعين الاعتبار، في ظل نظام العولمة، وجشع شركات صناعة الدواء العالمية، هي أنه لا مناص من السعي الجاد إلى تحقيق الأمن الدوائي لمواطني هذه الدول، عن طريق العناية القصوى من جانب حكوماتها بتطوير المختبرات والمراكز البحثية الوطنية، وتوفير كافة الإمكانات للباحثين والعلماء من أجل الكشف عن العلاجات الدوائية المناسبة للأمراض المختلفة. كما أن دول العالم النامي في حاجة إلى تكوين التحالفات الاستراتيجية،على مستوى الشركات وعلى مستوى الدول، من أجل تأمين التوصل إلى الأدوية التي يحتاجها المرضى، وكذلك من أجل التخفيف من قدرة الشركات العالمية الكبرى على فرض أسعار باهظة لأدويتها في دول العالم النامي، التي ليست فقط في حاجة إلى فهم واستيعاب العولمة، كما تمارسها شركات الدواء العالمية، وإنما أيضاً في حاجة ماسة إلى التحالف من أجل التفاعل الإيجابي مع هذه العولمة. التفاعل الذي يهدف إلى تحقيق المصالح الدوائية لثلاثة أرباع البشر في الكرة الأرضية. @ مهتم بالشؤون الاقتصادية - المنزلة - جمهورية مصر العربية. التمويل الإسلامي نظام فاعل يلبي جميع الاحتياجات التمويلية لطالبي التمويل بصورة تغنيهم تماماً عن نظام التمويل التقليدي الربوي، وتحقق لهم أكبر قدر ممكن من النفع في سائر القطاعات الاستثمارية. ولا تقف فاعلية أو كفاءة نظام التمويل الإسلامي عند هذا الحد، فذاك أمر قد يدعي التمويل التقليدي أنه يلبيه، بل يمتد أثره ونفعه ليشمل جميع فئات المجتمع في نهاية المطاف. وذلك على عكس نظام التمويل الربوي الذي يقدم اللقمة سائغة للغني المستثمر بعد أن يسلبها من الفقير الجائع المضطر، كما قال سيدنا علي } "ما جاع فقير إلا بما متع به غني". ولكن نظام التمويل الإسلامي لم يسلم من أذى الألسنة والأقلام الجائرة التي تبدو هنا وهناك من وقت لآخر، قادحة في قدرته وقدره أمام ما يسمى بالتمويل الربوي. وسنحاول هنا أن نثبت بعض هذه الشبهات غير مكترثين لكثير مما يقال ويكتب حول هذا الموضوع، إما لتفاهة في حجته، أو لرداءة في منطقه، آملين أن نوفق بعض الشيء في الرد على ما نرى أنه يستحق الإثبات والرد، مستعرضين بعضاً من ردود علماء الإسلام في الموضوع ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً. = الشبهة الأولى: التمويل الإسلامي ليس قادراً على تخصيص الموارد؛ ومن الاعتراضات المثارة على نظام التمويل الإسلامي أنه غير قادر على التخصيص الأمثل للموارد؛ والسبب في ذلك يرجع إلى إلغاء الفائدة من آلياته، فالفائدة ثمن، وهي مثل كل الأثمان تؤدي وظيفة تخصيص الموارد النادرة القابلة للإقراض بين عدد غير محدود من مستخدمي هذه الأموال بطريقة موضوعية. وهذا يعني أن الفائدة تلعب دوراً مهماً في تخصيص الموارد، فإذا ألغيت يصبح الطلب غير محدود، وبالتالي لن تكون هناك آلية لتوازن العرض مع الطلب. ويرى الأستاذ الدكتور محمد عمر شابرا، أن معدل الفائدة التوازني، إن هو إلا ظاهرة في كتب مدرسية فقط، إذ لا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة، بل هناك مزيج نظري من مجموعة معدلات طويلة الأجل وقصيرة الأجل، مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها، وبدون أي مفهوم واضح لكيفية إمكانية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد. هذا مع الأخذ في الحسبان بأن افتراض إتاحة الأموال مجاناً في الاقتصاد الإسلامي ليس صحيحاً وينطوي على مغالطة ليست أمينة؛ لأن الأموال المتاحة مجاناً لا تمثل نصيباً كبيراً في خيارات التمويل المصرفي الإسلامي وهي ما يسمى بالقروض الحسنة. ويقول الدكتور يوسف القرضاوي إن الأموال في النظام الإسلامي تتاح عادة بكلفة هي الحصة في الربح وهي كلفة لاحقة لاستخدام الأموال، بعكس الفائدة فإنها كلفة سابقة على استخدام الأموال، ولعل هذا الفرق سببه هو أن المال لا يلد المال بذاته ، والنقود لا تلد نقوداً، إنما ينمو المال بالعمل وبذل الجهد، بمعنى أن المال والعمل ينبغي أن يكونا شريكين متضامنين متكاملين لا يعطى أحدهما امتيازاً على الآخر. إذن فالأموال، تتاح بكلفة، ولكن كلفة عادلة كما بينَّا، ولذلك فإن أي إتجاه يحاول أن يقلل من دور التمويل الإسلامي لهذا السبب، أو يرفع من قدر الفائدة، إنما هو مغالط، وغير أمين، بل إن الأمانة تقتضي التوضيح بأن كلفة التمويل الإسلامي "الربح" بهذا الشكل تعتبر أكثر فاعلية من الفائدة؛ لما يرتبط بها من عناية أكبر في تقويم المشروعات، وبالتالي استبعاد كل المشروعات غير الفاعلة أو غير المنتجة. = الشبهة الثانية: قيام التمويل على المخاطر وضعف الضمانات؛ وهذه الشبهة تحمل في طياتها الرد عليها؛ لأن النظام القائم على الضمان المادي وتجنب المخاطرة في أدنى درجاتها، ليس بنظام كفء ولا فاعل، بموجب المعايير التي يقاس بها كفاءة نظام التمويل، فهو لن يلبي احتياجاته هو -كممول- بشكل كامل لأنه سيسقط من حسابته شريحة ذات وزن وفاعلية تبتغي التمويل، ولكنها لا تملك الضمان الكافي مادياً، كما أن مثل هذه الشريحة سينقطع أملها في التمويل مما يؤثر على معيار تلبية متطلبات المستثمر على المستوى العام. ثم إن الضمانات المقدمة للبنوك الربوية، كما يرى الدكتور شوقي دنيا، هي إلى الصورية أقرب منها إلى الحقيقة. فهي ضمانات قانونية، وليست اقتصادية، والتركيز عليها جاء على حساب الاهتمام بما هو أولى وأجدر، وهو الضمان الاقتصادي من خلال جدوى المشروع الممول. وبناءً على ذلك إن تقلص دور الضمان القانوني في النظام الإسلامي يساعد على توسيع دائرة التمويل بحيث تشمل الفئات الأقل غنى من العمال المهرة وتصبح أمانة هؤلاء وخبرتهم ومقدرتهم في العمل هي ما يبحث عنه رب المال لضمان المشروع، وهذا بالقطع يفيد كلاً من رب المال والمجتمع. هذا من جهة الضمان، أما من جهة المخاطرة، فالمخاطرة ليست أصلاً إسلامياً مرتبطاً بالاستثمار بمعنى أنه إذا أمنت المخاطرة بطل المشروع، كما يظن بعض الناس، ولكن الإسلام يريد من المسلم أن يسعى وليس عليه تحقيق النجاح، ومع ذلك فقد طلب الإسلام من المسلم أن يتوخى الدقة والحذر والحيطة اللازمة لتفادي المخاطرة من طلب الضمانات المناسبة ودراسة المشروع الممول وهكذا. والذي تجدر ملاحظته هنا، أن المخاطرة ليست أخية النظام الإسلامي وحده، بمعنى أن نظام الربا خالٍ منها تماماً. إن من يقول هذا لا شك أنه ينظر للعملة من وجه واحد هو المرابي الدائن، مع أن المرابي المدين هو صاحب المخاطرة الأكبر، أو بعبارة أخرى هو الذي يعمل في محيط أشد مخاطرة، إذ ينتظر من وراء القرض دائماً ما ينبغي أن يفوق الفائدة على أقل تقدير، أو يخاطر بجهده وعرقه وربما بجزء من رأسماله، بعكس الشريك في نظام الإسلام الذي لن يتحمل في حالة الخسارة إلا جهده إن كان مضارباً، أو بمقدار نصيبه في رأس المال إن كان مشاركاً. فإذا انخفض معدل المخاطرة بالنسبة للأفراد المتعاملين مع المصرف الإسلامي زاد الإقبال على الاستثمار، واشتدت المنافسة على المشاريع والأسواق؛ فيؤدي ذلك إلى دعم معدلات النمو، والعكس كذلك صحيح، وهذا ما شهد عليه باربر كونابل، أحد رؤساء البنك الدولي، حين قال؛ لقد أصبح من الواضح أن المبادرة الفردية والأسواق التنافسية تلعب دوراً حاسماً في دعم النمو الاقتصادي الديناميكي والتنمية وتخفيف الفقر. = الشبهة الثالثة: التمويل الإسلامي يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو؛ ومن الشبهات التي كثيراً ما تثار حول كفاءة نظام التمويل الإسلامي أنه يعمل على انخفاض معدلات النمو بسبب غياب الفائدة التي هي أساس لزيادة المدخرات، التي هي أساس لزيادة معدلات النمو. إن الحديث عن زيادة الإدخار لمجرد زيادة الفائدة أمر غير مؤكد، بل الراجح عكس ذلك في كثير من الأحيان، ولكن حتى بافتراض حدوث ذلك، فإن من المؤكد نظرياً على الأقل، أن الفائدة تمثل عائقاً حقيقياً أمام الاستثمار. ويتخذ هذا العائق شكلين؛ توقف المشروعات ذات العوائد المساوية أو المنخفضة أو حتى المرتفعة قليلاً عن معدل الفائدة الربوية، ومن ثم تخفيض العمالة التي تعتمد على هذه المشاريع، وكل ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلي انخفاض الدخول ومعدلات النمو. يقول الأستاذ الدكتور محمد عمر شابرا؛ إن المكونات الأساسية للنمو المستديم هي الإدخار والاستثمار والعمل الجاد المخلص والتقدم التكنولوجي والإدارة المبدعة، وقد ثبت التأثير الصحي للإسلام على الإدخار والتكوين الرأسمالي، كما أن إلغاء الفائدة وإحلال المشاركة في الربح طبقاً لنسبة عادلة بين الممول والمنظم، لابد وأن يزيل أحد المصادر الأساسية للشك والظلم وأن يكون أكثر إفضاءً إلى الاستثمار والنمو، والمنظم هو القوة الأولى وراء كل قرارات الاستثمار، ويتحتم أن يكون لإزالة أحد المصادر الأساسية للشك والظلم تأثير طيب على صنع القرار. وهذا يعني أن الفائدة تؤثر سلباً على توقعات المستقبل، بعكس ما يفعل القرار التمويلي القائم على الربح والخسارة، كما أن التدابير التي وضعها الإسلام للحث على الإدخار والاستثمار وحسن استخدام الموارد وتنمي تها لكفيلة بزيادة التمويل الرأسمالي وفعاليته. والذي نشاهده في نظام التمويل الربوي، يعكس تصوراً معاكساً لما تصوره هذه الشبهة إذ أنه حينما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات، هبط إجمالي الاستثمار الثابت المحلي كنسبة مئوية إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية، كما أن النمو الدولي انخفض انخفاضاً كبيراً في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب مباشرة، وقد كان الأداء الاستثماري الضعيف هو أحد الأسباب الأساسية للنمو البطئ الذي طال أمده. وقد وضع الإسلام من التدابير العامة ما هو كفيل بزيادة معدلات النمو والإنتاج، ويمكن إجمالاً اعتبار تمجيد الإسلام للعمل والاستثمار عن طريق المشاركة أو القروض الحسنة، ومطالبة الأجير بإتقان عمله، ومطالبة المؤجر بإعطائه أجره قبل أن يجف عرقه، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، والتصدق على الفقراء والمساكين والتوجيه بإعمار الأرض، وطلب العلم والتعاون على البر والتقوى، والتآخي وإعانة الضعفاء والعجزة، وغير ذلك من الأحكام والضوابط العامة والخاصة، يمكن اعتبار كل ذلك تحفيزاً لزيادة معدلات النمو والإنتاج. @ مستشار تمويل إسلامي - الرياض. E-mail tawfeig@hotmail.com. تم إنشاء مجلس الأعمال السعودى الأمريكى فى 30 ديسمبر 1993م، كمؤسسةغير ربحية ذات صفة قانونية فى كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، تدار من قبل مجلس إدارة مشترك يتكون من 20 عضواً، وتم تعيين عبدالعزيز القريشى رئيساً لمجلس الإدارة المشارك من الجانب السعودى، وهيو ماكول، رئيس مجلس الإدارة والمسؤول التنفيذى الأول ببنك نيشن فى ذلك الوقت، رئيساً لمجلس الإدارة المشارك من الجانب الأمريكى. ويوجد مكتبان للمجلس أحدهما بالرياض والآخر بواشنطن، ويضم كل مكتب وحدة للمعلومات الاستثمارية والتجارية عن الاقتصاد السعودي والأمريكى لتسهيل حصول رجال الأعمال علي تلك المعلومات. وقد تم عقد الجلسة الافتاحية للمجلس فى 28 إبريل 1994م بحضور كل من وزير المالية والاقتصاد الوطنى السعودى ووزير الخزانة الأمريكى فى واشنطن العاصمة، وتم تشكيل مجلس إدارة مشترك مكون من عشرة أعضاء من كل جانب، يترأس الجانب السعودى عبدالعزيز القريشى، ويترأس الجانب الأمريكى هيو ماكول، وحالياً يترأسه ألفرد سى دى كرين. وعقد أول اجتماع لمجلس الإدارة المشترك فى مدينة نيويورك بتاريخ 8 مارس 1995م، وكان الهدف الرئيسى هو تحديد الاستراتيجية المطلوبة لسير العمل فى المجلس، ومن ثم وضع التوصيات اللازمة لتنفيذ لك. وقد تم تشكيل لجنة تنفيذية من سبعة أعضاء تم اختيارهم من بين أعضاء مجلس الإدارة العشرين. وفى اجتماع أعضاء مجلس الإدارة يوم 25 سبتمبر 1998م فى واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، تم توحيد رسم الاشتراك السنوى فى عضوية المجلس بمبلغ 750،3 ريال سعودى أو ما يعادله 000،1 دولار أمريكى لجميع الأعضاء المؤسسين والمشاركين. أهداف المجلس يهدف المجلس بصفة رئيسية إلي تنشيط العلاقات الثنائية التجارية والاستثمارية بين شركات القطاع الخاص والإسهام فى الفرص الاستثمارية فى البلدين، كما يسهم فى تعميق الآراء والفهم الثقافى بين البلدين. ويضم المجلس حالياً فى عضويته أكثر من مئتى شركة رئيسية سعودية وأمريكية بما يؤدى إلي زيادة التبادل التجارى والاستثمار وانتقال التقنية والتوظيف، بالإضافة إلي تحقيق الأهداف الآتية: $ إيجاد قاعدة لمصادر المعلومات يمكن للشركات أن تستمد منها بيانات عن الأسواق السعودية والأمريكية. $ تكوين شبكة اتصالات فى كلا البلدين يمكن من خلالها تبادل المعلومات وتناقل الأخبار عن الفرص التجارية والاستثمارية. $ تعميق وتوسيع الحضور السعودى فى الولايات المتحدة الأمريكية، والأمريكى فى المملكة العربية السعودية بما يخدم مصالح البلدين وقطاع الأعمال فيهما. $ السعى لإيجاد مناخ ملائم للتعاون الاقتصادى بين رجال الأعمال فى كلا البلدين. $ العمل مع الجهات المختصة فى حكومة المملكة العربية السعوية والحكومة الفدرالية الأمريكية وحكومات الولايات المختلفة وكذلك مؤسسات القطاع الخاص فى البلدين لعمل كلما من شأنه تذليل الصعوبات التى قد تعترض نشاط رجال الأعمال من البلدين. مجالات تشجيع الاستثمار تحديد أفضل السبل التى يمكن للمجلس تقديم خدماته من خلالها فى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بالطرق التالية: $ زيادة وعى الشركات الأمريكية الصغيرة والمتوسطة الحجم بالفرص المتوفرة فى مجال الاستثمار والتجارة بالمملكة العربية السعودية. $ تنمية الوسائل الفاعلة لتوفير المعلومات أمام مجتمع الأعمال والقطاعات الحكومية فى كلا البلدين. ومن بين تلك الوسائل؛ الندوات، المؤتمرات، المعارض التجارية، زيارة الوفود التجارية، النشرات والدوريات، الاتصال الشخصى المباشر بالجهات المتخصصة، والتعاون مع الشركات متعددة الجنسيات فى ذلك المجال. ويسعي المجلس إلي تعزيز قدراته علي توفير أحدث المعلومات الاستثمارية الدقيقة عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية والتى تشمل الفرص الاستثمارية المتاحة والجوانب الاقتصاية والقانونية، إلي جانب البيانات المتوفرة عن الأسواق التجارية. وفى هذا الصدد أصدر المجلس عدداً من المطبوعات مثل: $ دليل الأعمال بالمملكة العربية السعودية. $ نشرة الأعمال الربع سنوية. $ وقائع الاجتماعات الدورية السنوية. $ ترجمة كتاب (منظمة التجارة العالمية - التجارة فى المستقبل) إلي اللغة العربية. إنجازات المجلس يمكن تلخيص أهم إنجازات المجلس فى الاشتراك والإسهام فى النشاطات التى تخدم مجتمع الأعمال وترتيب زيارات الوفود التجارية الأمريكية والسعودية بغرض تطوير الروابط التجارية بين مؤسسات قطاع الأعمال فى البلدين وتشجيع الروابط الثنائية بين الشركات السعودية والأمريكية وإطلاع الجانب الأمريكى علي المناخ الآمن للاستثمار والفرص التجارية والاستثمارية المتاحة فى المملكة العربية السعودية. وقد زار عدد من الوفود السعودية الولايات المتحدة الأمريكية لغرض الإطلاع وتبادل المعلومات التجارية والاستثمارية. ومن هذه النشاطات والزيارات ما يلى: $ استقبل المجلس وفد رجال الأعمال السعوديين لحضور معرض كومدكس فى لاس فيغاس عام 1994م وكذلك الوفد السعودى لمعرض الأدوات المنزلية فى شيكاغو عام 1995م. $ استقبل المجلس وفداً أمريكياً من ممثلى حكومات الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة 1-5-3-1997م. وقد زار الوفد كل من الرياض وجدة والدمام. $ فى عام 1997م نظم المجلس اجتماع طاولة مستديرة للشركات الأمريكية الأعضاء التى ترغب فى الاستثمار فى برنامج التوازن الاقتصادى بمناسبة زيارة وفد من شركات التوازن الاقتصادى السعودية. $ قام المجلس بمساعدة مجموعة من طلبة الماجستير من جامعة فرجينيا علي عمل مشروع رئيسى استشارى عن تحليل السوق السعودية لحساب مصدرى الأخشاب فى الولاية، حيث كان جزء من برنامج خطة الولايات المتحدة الأمريكية للسوق الدولية هو التركيز علي السوق السعودية. وكانت هذه الخطة هى نتيجة مباشرة لأول بعثة من مسؤولى الولاية للمملكة العربية السعودية رتبها المجلس فى عام 1997م وشارك فيها مسؤول من ولاية فرجينيا. $ استضاف المجلس بمكتبه بمدينة الرياض اثنين من الطلبة الأمريكيين من إحدي الجامعات بولاية فلوريدا لمدة خمس أسابيع خلال الفترة 15-5-16-6-1998م. وقدم لهم المكتب التسهيلات للاتصال بالجهات الحكومية وغير الحكومية التى تمت زيارتها، وقد أكملوا بالمملكة العربية السعودية فترة خمسة أسابيع عملوا خلالها بحث ميدانى عن السوق السعودية لحساب خمس شركات من ولاية فلوريدا الأمريكية. $ استقبل المجلس وفد سيدات الأعمال السعوديات فى شيكاغو ونيويورك فى مايو 1998م. $ بدعوة من المجلس قام وفد من المسؤولين الاقتصاديين من بعض الولايات الأمريكية بزيارة المملكة العربية السعودية خلال الفترة 14-21-10-1998م، وقابل الوفد المسؤولين ورجال الأعمال فى الغرف التجارية الصناعية (الرياض - جدة - الدمام)، من أجل زيادة وتنمية العلاقات التجارية بين البلدين. $ نظم المجلس حفل استقبال وعشاء للأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولى العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطنى، فى يوم 25-10-1998م بمدينة واشنطن. وقد حضر الحفل عدد كبير من رجال الأعمال وممثلى الشركات الأمريكية وبعض المسؤولين الحكوميين الأمريكيين وأعضاء مجلس الإدارة وبعض رجال الأعمال السعوديين. $ شارك المجلس فى معرض توليد الطاقة فى ديسمبر 1998م حيث قدم المعرض معلومات عن قطاع الطاقة بالمملكة العربية السعودية وأقام حفل استقبال لوفد رجال الأعمال السعوديين الزائر لهذا المعرض. $ شارك المجلس فى معرض "الزيت والغاز والبتروكيماويات فى عام 1998م" فى هيوستن ولوس أنجلوس ونيوجيرسى عام 1998م حيث أقيم حفل استقبال للوفد السعودى الذى زار المعرض من رجال الأعمال. $ بمناسبة انعقاد اجتماع مجلس الإدارة بواشنطن فى عام 1 998م، تم دعوة عدد من المسؤولين ورجال الأعمال الأمريكيين لحضور حفل استقبال علي شرف وزير المالية والاقتصاد الوطنى بالمملكة العربية السعودية وحضور عرض عن أوضاع البترول والغاز بالمملكة العربية السعودية قدمه د. إبراهيم سعود المشارى، نائب الرئيس للتخطيط، شركة أرامكو السعودية. $ بدعوة من المجلس قام وفد من المسؤولين فى شركة والت ديزنى بولاية فلورايدا بالولايات المتحدة الأمريكية بزيارة للمملكة العربية السعودية خلال الفترة 29-1-4-2-1999م قابل المسؤولين ورجال الأعمال وقام كذلك بزيارة إلي مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة والأماكن الأثرية والسياحية فى المملكة العربية السعودية من أجل الإعداد والتجهيز لمعرض المملكة الذى أقيم فى مركز أبكوت فى مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا التابع لشركة والت ديزنى بمناسبة الاحتفال بالألفية الثالثة. وقد أشرف المجلس علي إقامة هذا المعرض الذى أقيم فى داخل القرية الألفية الجديدة التى أنشأتها شركة ديزنى بهذه المناسبة. $ حضر المجلس الاجتماع السنوى ومعرض التعدين والاستكشافات المقام فى مدينة دنفر بولاية كلورادو خلال الفترة من 1-4-3-1999م. وقد وزع وعرض بعض المطبوعات والمواد عن قطاع التعدين بالمملكة العربية السعودية من خلال المنصة الخاصة بالمجلس. $ بدعوة من المجلس زار اثنين من المسؤولين التنفيذيين فى مؤسسة فلوريدا المتحدة بولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، المملكة العربية السعودية (الرياض - جدة - الدمام) خلال الفترة 6-12-3-1999م لمتابعة ومناقشة تعزيز التعاون والتبادل التجارى بين مؤسسة فلوريدا المتحدة والشركات السعودية بالمملكة العربية السعودية وتحديد استراتيجية اتفاق بين المؤسسة ومجلس الأعمال السعودى الأمريكى، والتمهيد لزيارة مجموعة أخري من الشركات الأمريكية من ولاية فلوريدا إلي المملكة العربية السعودية. $ شارك المجلس فى معرض الأعمال الدولى المقام فى مدينة نيويورك بتاريخ 21-4-1999م. $ المشاركة فى مؤتمر تكنولوجيا من خارج الحدود ومعرض قطاع الزيت والغاز والبتروكيماويات الذى عقد فى مدينة هيوستن فى 3-5-1999م، وإقامة حفل استقبال للشركات السعودية المشاركة. $ شارك المجلس فى المؤتمر السنوى الرابع والخمسون لجمعية التجارة العالمية بمدينة كليفلاند بولاية أوهايو، وكذلك المعرض المصاحب خلال الفترة من 4-5-5-1999م. وقد ألقي المدير التنفيذى لمكتب المجلس فى واشنطن كلمة بهذه المناسبة فى ندوة ضمت مجموعة من رجال الأعمال نظمتها إدارة التنمية فى الولاية، وكانت هذه من نتائج البعثة التى رتبها المجلس لبعض مسؤولى الولاية وشارك فيها مسؤول من ولاية أوهايو فى عام 1998م. $ قام المجلس بالتعاون مع مكتب خدمات التجارة الخارجية الأمريكى بتنظيم زيارة وفد تجارى من بعض الشركات فى المملكة العربية السعودية فى مجال التكنولوجيا المتقدمة فى قطاع الاتصالات إلي أتلانتا وسانتا كلير فى ولاية كاليفورنيا فى 7-14-6-1999م، بمناسبة إقامة معرض الاتصالات المتطور-1999 فى أتلانتا. وقد شارك فى المعرض 700 عارض وجذب أكثر من 47 ألف زائر، وقد أتاح المكان المخصص للمجلس الفرصة لأعضاء الوفد التجارى السعودى لعرض منتجاتهم ومعلومات عن شركاتهم. وقد أقام المجلس حفل استقبال للوفد السعودى فى كلا المدينتين لتقديم الفرصة للوفد التجارى من ممثلى الشركات السعودية للعمل والالتقاء مع الشركات الأمريكية. $ قام المجلس بالتعاون مع البنك السعودى الأمريكى بتنظيم مؤتمر الشركات السعودية والأمريكية فى 25-27-6-1999م فى واشنطن العاصمة. وقد كان المؤتمر فرصة للترويج للفرص الاستثمارية المتاحة بالمملكة العربية السعودية حيث تولي البنك السعودى الأمريكى إدارة هذا المؤتمر من أجل تسهيل وتقريب الاتصال والفهم بين الشركات السعوية والأمريكية. $ بترتيب من المجلس قام وفد أمريكى من المسؤولين الاقتصاديين والتجاريين برئاسة وزير التجارة فى ولاية نيوجيرسى بزيارة للمملكة العربية السعودية خلال الفترة 4-7-10-1999م وقابل المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال فى الغرف التجارية الصناعية (الرياض - جدة) من أجل تعزيز وتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين. $ نظم المجلس حفل استقبال للأمير سلطان بن عبدالعزيز، النائب الثانى لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، أثناء زيارته إلي الولايات المتحدة الأمريكية فى نوفمبر 1999م. وقد حضره عدد كبير من رجال الأعمال وممثلى الشركات السعودية والأمريكية وبعض المسؤولين الحكوميين الأمريكيين وأعضاء مجلس الإدارة. $ بدعوة من مجلس الأعمال السعودى الأمريكى قام وفد أمريكى من المسؤولين التجاريين والاقتصاديين من بعض الولايات الأمريكية بزيارة للمملكة العربية السعودية خلال الفترة 1-10-12-1999م، لمقابلة المسؤولين ورجال الأعمال فى الغرف التجارية الصناعية (الرياض - جدة - الدمام)، وزيارة بعض شركات القطاع الخاص لتنمية العلاقات التجارية بين البلدين. $ شارك المجلس فى معرض توليد الطاقة 99 الذى أقيم فى ولاية نيو أورليانز فى بداية شهر ديسمبر 1999م. وقد شارك فى المعرض أكثر من 900 عارض وزاره أكثر من 14 ألف شخص، حيث قام المجلس من خلال منصة العرض الخاصة به، بتوزيع وعرض معلومات ومطبوعات عن المناخ التجارى والاستثمارى وكتيب يحتوى علي معلومات عن قطاع الطاقة بالمملكة العربية السعودية معد من قبل المجلس. $ بالتعاون والتنسيق بين المجلس ومكتب التنمية الاقتصادية المشتركة فى ولاية فرجينيا، قام وفد من بعض الشركات التجارية والصناعية من ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية بزيارة للمملكة العربية السعوية (الرياض، الدمام، جدة) خلال الفترة 18-23-2-2000م وذلك للاطلاع علي تطور وتقدم قطاع الأعمال بالمملكة ولتعزيز وتقوية التبادل التجارى والبحث عن إمكانية مجالات فرص الاستثمار المشترك بين ولاية فرجينيا والمملكة العربية السعودية. ويقوم المجلس بمتابعة الاتصالات بين هذه الشركات والشركات السعودية. $ أقام المجلس عدد من المناسبات الاجتماعية المهمة علي شرف مسؤولين حكوميين من المملكة العربية السعودية. وتشمل هذه المناسبات زيارة الدكتور إبراهيم عبدالعزيز العساف، وزير المالية والاقتصاد الوطنى (مرتين)، والمهندس على إبراهيم النعيمى، وزير البترول والثروة المعدنية، وأسامة جعفر فقيه، وزير التجارة. $ إقامة حفل استقبال وعشاء للأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، ولى العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطنى، يوم الثلاثاء 5-9-2000م بفندق نيويورك فى مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عند حضوره اجتماع قمة هيئة الأمم المتحدة بمناسبة انتهاء الألفية الثانية. وقد حضر الحفل أكثر من ثلاثمائة من رجال الأعمال وممثلى الشركات السعودية والأمريكية وبعض المسؤولين الحكوميين الأمريكيين وأعضاء مجلس الإدارة. $ قام وفد أمريكى من بعض الشركات التجارية والصناعية من ولاية فرجينيا بزيارة إلي المملكة العربية السعودية (الرياض، الدمام، جدة) خلال الفترة 24-29-3-2001م وقد تمت الزيارة بالتعاون والتنسيق بين المجلس ومكتب التنمية الاقتصادية فى ولاية فرجينيا. وقد شارك فى هذا الوفد 12 شركة أمريكية فى المجالات التجارية والصناعية والمعدنية والمقاولات والمالية والتأمين والخدمات الصحية والمعلومات والمكتبات. $ أقام المجلس حفل استقبال بفندق الإنتركونتيننتال بالرياض بتاريخ 16-1-2002م دعي له جميع أعضاء المجلس وبعض المسؤولين الحكوميين والإعلاميين. وقد حضر الحفل عدد كبير من المدعوين، وكان الهدف من هذا اللقاء إتاحة الفرصة لرجال الأعمال للقاء بعضهم البعض والتفاكر فى كل ما من شأنه تقوية العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين. وقد تحدث فى هذا اللقاء كل من الأمير عبدالله بن فيصل بن تركى آل سعود، محافظ الهيئة العامة للاستثمار، والدكتور إبراهيم عبدالعزيز العساف، وزير المالية والاقتصاد الوطنى، وعبدالعزيز القريشى، الرئيس المشارك لمجلس الإدارة بالمجلس، وسفير الولايات المتحدة الأمريكية لدي المملكة العربية السعودية. $ تم استقبال وفد البعثة التجارية من ولاية فرجينيا الذى قام بزيارة المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 22-28-3-2002م زار خلالها مدينة الرياض والمنطقة الشرقية ومدينة جدة. $ قام وفد مكون من إحدي عشر شركة سعودية يمثلون رجال الأعمال السعوديين الأعضاء بالمجلس بزيارة إلي ولاية فرجينيا خلال الفترة 29-9-2-10-2002م تلبية للدعوة التى تلقاها رئيس مجلس الإدارة المشارك من حاكم ولاية فرجينيا. $ قام وفد أمريكى من ولاية ألينوى برئاسة السفير ألان ليفر، رئيس مركز التجارية العالمى بشيكاغو، بزيارة إلي المملكة العربية السعودية خلال الفترة 19-23-10-2002م زاروا خلالها مدينتى الرياض وجدة. وقد التقوا خلال تلك الزيارة بالأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة الرياض. $ قام وفد أمريكى من ولاية تكساس برئاسة لى براون، عمدة مدينة هيوستن، بزيارة إلي المملكة العربية السعودية خلال الفترة 28-10-3-11-2002م زاروا خلالها مدينة الرياض وحقل شيبة بالربع الخالى والمنطقة الشرقية. وقد التقوا خلالها بكل من الأمير عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، ولى العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطنى، والأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة الرياض. وأثناء زيارة الوفد تم توقيع مذكرة تفاهم بين مطارات المملكة العربية السعودية ومطار هيوستن. وتم كذلك توقيع اتفاقية تعاون بين المؤسسة العامة للموانئ بالمملكة العربية السعودية وهيئة الموانئ بولاية تكساس. ومن نتائج الزيارة الأخري انضمام مدينة الظهران إلي مدن الطاقةالعالمية التى يرأسها حالياً عمدة مدينة هيوستن. $ قام الصحفى توماس ليبرمان، من مركز دراسات الشرق الأوسط بواشنطن، بزيارة إلي المملكة ال عربية السعودية خلال شهر أكتوبر من عام 2002م. وليبرمان يعمل حالياً علي الإعداد لكتاب عن العلاقات السعودية الأمريكية. بسم الله الرحمن الرحيم أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء. السادة الضيوف الكرام . السادة مدير الجامعة وأعضاء هيئة التدريس. أبنائي الخريجين والطلبة. إنها لمناسبة سعيدة أن ألتقي بكم اليوم في حفل تخرجكم الذي يعني لنا الكثير. ذلك إننا نؤمن أن تنمية ئروتنا البشرية هي الأساس فيما ننشده لبلدنا من تقدم ورفعة. وإن أبناءنا الجامعيين وشبابنا ومثقفينا هم عدتنا التي يجب أن نعمل على توفيركل الإمكانيات اللازمة لهم لأداء دورهم كاملا في خدمة وطننا وإعلاء شأنه. إننا نريد من جامعتنا أن تصبح رافدا أساسيا لمسيرة التقدم عن طريق إيجاد الكفاءات البشرية القادرة على تحقيق هذه الغاية وأن تكون أداة لبناء الإنسان المنتج المسلح بالعلم والمعرفة وأن تهتم بالتعليم المستمر لما له من أهمية في تقديم العلم والثقافة لأبناء المجتمع. كما نريدها أن تستعد للقرن القادم بمناهج تعليمية حديثة تساهم في إعداد الكفاءات المدربة وتطوير المجتمع لمواجهة التحديات الثقافية والسياسية والإقتصادية المعاصرة في عالم لا يعرف الجمود من دون أن نغفل تعاليم ديننا الحنيف وتقاليدنا العربية الأصيلة. وهو ما يتطلب من خريجينا أن يعوا تماما. أن الجامعة لم تعد جامعة معارف فحسب بل جامعة يتم في رحابها التفاعل بين الأساتذة والطلاب. وبين العلم والحياة. تنشأ النشاطات الجديدة من العلاقات بين الجامعة والمجتمع الذي يحيط بها. إن مجتمعنا في قطر يتطلع اليوم من خلال جامعته إلى ثقافة تتميز بحيوية وتقدم مستمرين. ولن يتم لنا ذلك إلا إذا نجحت هذة الجامعة في تغيير العلاقة بين المعلم والطالب من علاقة تلقين إلى علاقة حوار. وأن يصبح دور الأستاذ الجامعي محفزا للمواهب وعاملا في التجديد. تلك هي الطريقة لبناء الإنسان القطري الواثق بنفسه الأقرب للإبداع والأبعد عن التقليد. إن الدولة حريصة على تشجيع الخريجين من أصحاب المبادرات والمشروعات الصغيرة فردية كانت أو تعاونية لتعمل في القطاع الإقتصادي. كما أن الدولة تشجع القطاع الخاص ومؤسساته على الإستفادة من جهودكم في الإسهام في التنمية الوطنية الشاملة. أبنائي الخريجين.. إن لكم دورا حيويا في تنمية بلدكم. وهو دور إيها الأبناء لا يعطى بل يؤخذ بالطموح والإصراروالمثابرة. فالإنسان هو محور التنمية وأداتها التي تحقق ما نتطلع إليه جميعا من غد أفضل. حضرات السادة... إننا نؤكد على ضرورة أن تعمل الجامعة على تطوير برامجها في إطار النظرة المستقبلية للمكانة المرموقة التي ننشدها لوطننا وإعداد شبابنا وجعلهم مؤهلا للمشاركة الفعالة في النهضة الشاملة التي يشهدها بلدنا. أبنائي الخريجين... إنني أهنئكم وأنتم تقطفون ثمار رحلة دراسية تكللت بالنجاح متمنيا لكم التوفيق فيما يسند إليكم من مهام لخدمة بلدكم. لقد أمضيتم سنوات مثمرة من حياتكم في حرم الجامعة تعدكم للعمل والعطاء. فلتكونوا عند حسن الظن بكم. ولتؤدوا واجبكم نحو وطنكم الذي يفخر اليوم بكم ويتطلع إلى انضمامكم إلى ركب مسيرة البناء والتقدم. كما أغتنم هذه الفرصة لأعبر عن شكري وتقديري للجامعة ممثلة في أساتذتها وإداراتها وطلابها وجميع العاملين فيها سائلا المولى عز وجل السداد والتوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جامعة قطر التي خرجت تسعة عشر فوجا. وتقدم اليوم الفوج المتمم للعشرين. لها في هذا الحفل كلمة تعرض فيها للحاضر وتتطلع إلى المستقبل الزاهر بإذن الله تعالى. كلمة الجامعة يلقيها سعادة الأستاذ الدكتور إبراهيم صالح النعيمي مدير الجامعة. فليتفضل مشكورا. بسم الله الرحمن الرحيم حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. أمير البلاد المفدى. الرئيس الأعلى للجامعة. سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني ولي العهد الأمين. أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء. والسفراء الأكارم. زملائي أسرة جامعة قطر. أخواني وأبنائي الطلبة والخريجين. أيها الحفل الكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إسمحوا لي يا صاحب السمو أن أتقدم لسموكم وللشعب القطري كافة. بإسمي ونيابة عن زملائي أسرة جامعة قطر. بأسمى آيات التهاني والتبريكات بمناسبة نجاح المؤتمر الإقتصادي الرابع للشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي اختتم أعماله مؤخرا على أرض قطر. صاحب السمو.. إنها سنة الخير والبركة. أصبحت درة سنوية يرصع بها تاج العلم في دولة قطر العزيزة حين يتشرف أبناؤكم الخريجون بتسلم شهادات التخرج من يدي سموكم الكريم. فتكون تلك اللحظة القصيرة في حياة الخريجين وهم يحظون بشرف السلام على قائد المسيرة بمثابة المنارة الهادئة في مستقبلهم. والذكرى الغالية التي بها يعتزون وبضوئها يستنيرون. صاحب السمو.. لقد وجهت الجامعة جهودها لتحقيق توجيهاتكم السامية لإحداث نقلة نوعية بها مع دخول القرن الحادي والعشرين. لذا فإن العام الجامعي الحالي يشهد تطوير جميع البرامج وإنشاء برامج تعليمية جديدة. وتنويع التعليم التقني. وتعديل برامجه ومناهجه مع إعادة النظر في الهيكل العام لنظامنا التعليمي. لتتمكن الجامعة من الإرتقاء بالخريج إلى مستوى الجدارة والمشاركة الفعلية في الدورة المعرفية والتكنولوجية وإلى درجة القدرة على التحليل العقلي والتمييز المنطقي. فالحركة الديناميكية التي نشهدها في عصرنا هذا تقتضي من خريجي الجامعات أن يبادروا في البحث عن فرص عمل جديدة. والولوج إلى قطاعات صناعية وخدمية واعدة. لذا فعلى الجامعات أن تعلم طلابها التعلم للمبادرة ليتسنى لهم طرق أبواب المستقبل بالجرأة المدروسة. وبالقدرة على المجازفة المحسوبة. أيها الحفل الكريم... إننا حين سعينا إلى تجسيد توجيهات سمو الأمير المفدى الرئيس الأعلى للجامعة لإحداث هذه النقلة النوعية المنشودة. إنما وضعنا لها المناهج الملائمة. وطبقنا تلك الإرادة على أرض الواقع. فوضعنا خطة خمسية للتفاعل مع سوق العمل الوطني وطاقة استيعابه واحتياجاته الفعلية. كما حرصنا على إضفاء طابع دينامي على المناهج الدراسية عن طريق إحداث آليات مرنة تحسبا لتطور احتياجات سوق العمل وتأهبا لتلبيتها. كما أشركنا أجهزة الدولة ومؤسساتها الصناعية والإقتصادية في الجهود التي نقوم بها لوضع وتحديد وتطوير الخطط والبرامج إضافة إلى دعوة القائمين على هذه المؤسسات ليكونوا أعضاء بمجالس الكليات ولجانها وفرق عملها. وبذلك أصبحت المؤسسات الحكومية والخاصة طرفا فاعلا في عملية التعليم العالي. لا مجرد هياكل لاستقبال وتوظيف للخريجين. لقد وفرت وزارة الشؤون البلدية والزراعة للجامعة وللمرة الأولى كرسي الأستاذية من لجان النظم الجغرافية للكلية التكنولوجية. كما وفرت شركة قطر للأسمدة الكيماوية قافكو كرسيا في مجال الهندسة البتروكيماويات والإتصالات التجارية مع شركة قطر للبتروكيماويات قافكو لإنشاء كرسي الأستاذية بالجامعة. ومع شركة موبيل قطر لدعم برنامج السنة الإعدادية لطلاب كلية الهندسة. ومع شركة ميرسك قطر للبترول لتوفير مختبر تعليمي وبحثي حديث في مجال البترول والغاز. وذلك بالإضافة إلى مساهمة بنك قطر الوطني في بناء قاعة إبن خلدون للمؤتمرات. ومساهمة شركة أكسيدنتال قطر في إنشاء كرسي الأستاذية في مجال هندسة البترول وغيرها من أمثلة الشراكة لتأمين التفاعل الحي والمستمر بين الجامعة وخلايا المجتمع المنتجة. كما عقدت الجامعة اتفاقات عدة مع جامعات أمريكية وفرنسية وبريطانية وعربية لإجراء البحوث العلمية المشتركة وتعاون الأساتذة وتبادلهم. وابتعاث الطلاب بغرض تدريبهم بهذه الجامعات في مجالات تخصصاتهم. إن جامعة قطر تعيش مرحلة الإعداد للإحتفال بيوبيلها الفضي. وقد حرصنا على استخلاص العبر من الربع القرن الماضي من حياة التعليم العالي في وطننا الحبيب. وتهيئنا لدخول الربع الثاني بعزم لا يلين. فالجميع يدرك أن من أهداف الجامعة العمل بمثابة ذاكرة للماضي ومرصد متيقظ للمستقبل في آن واحد. أيها الأخوة الزملاء.أعضاء هيئة التدريس والعاملين بالجامعة... إن هذا الحفل هو تكريم لما قدمتم من عمل عظيم يجني الوطن ثماره الطيبة هذا اليوم. إننا بدأنا سنة جامعية حافلة بالمشروعات المصيرية وبالإنجازات الهامة إن شاء الله وتنتظر الجامعة من الجميع المزيد من الجهد والتفاني في سبيل التطوير المنشود. وكلنا يعلم أنكم في طليعة هذه المسيرة. بل أنتم في صف قيادتها. والطلاب أبناؤنا وبذرة مستقبلنا سيكونون بينكم ومعكم للإستزادة من عملكم. فلكم جزيل الشكر على هذا البذل وهذا العطاء. إخواني وأبنائي الخريجين... إنكم تعيشون هذه المناسبة بكل فخر واعتزاز. وتحملون عن فترة دراستكم أطيب الذكريات. وقد استودعتكم الجامعة علما ومعرفة. وأكسبتكم مؤهلات نوصيكم بالإستزادة منها مدى الحياة. وإننا لواثقون من أنكم ستحملون راية المستقبل عن جدارة واقتدار. فنتمنى لكم التوفيق والنجاح. الأخوة الحضور... تلك أبرز معالم النقلة النوعية التي نفتخر بعد ما يقارب ربع قرن من نشأة جامعتنا أن ندخل مجالاتها العلمية الإبداعية بروح متوثبة وعقل نير ووجدان أصيل تحدونا محبة هذا الوطن العزيز. وترعانا بعد الله سبحانه وتعالى عناية سمو الأمير المفدى الرئيس الأعلى للجامعة ورعاية سمو ولي العهد الأمين ومتابعة سمو رئيس مجلس الوزراء وحرصهم المتواصل واهتمامهم الشديد بالتعليم عامة وبالتعليم الجامعي خاصة. صاحب السمو الأمير... وفقكم الله في قيادة دولتنا الحبيبة بما وهبكم الله من نظرة مستقبلية ثاقبة. وعسى أن تكون جامعة قطر في مستوى ثقتكم وفخركم. إنه سميع الرجاء مجيب الدعاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كان النظام التعليمي في العراق من أكثر النظم تقدمًا في العالم العربي قبل عام 1990. بيد أن هذا النظام تدهور تدهورًا كبيرًا نتيجة الحروب التي تورط فيها النظام السابق وما أعقبها من فرض عقوبات دولية على البلاد مما أدخلها في دائرة الإهمال والانعزال وأورث مشكلات ضخمة ما زالت البلاد تعانيها في الوقت الحالي. وقد تفاقمت الأوضاع نتيجة أعمال التدمير والنهب والتعطيل لمؤسسات الدولة، والتي وقعت منذ شهر مارس 2003م في أعقاب سقوط العاصمة بغداد وانهيار النظام السياسي ودخول القوات الأمريكية والبريطانية للبلاد. ويأمل المجتمع الدولي بعد أن يستتب الأمر في العراق ويؤول الحكم ومقاليد السلطة لحكومة وطنية عراقية منتخبة أن يتحرك العراق بسرعة لإعادة بناء النظام التعليمي وتأهيله وتجديده. وهناك أسباب كثيرة تدعونا إلى التفاؤل. أولها ما يتميز به العراق من تاريخ ثقافي عريق يمتد عبر قرون من الزمن، ويجد جذوره في الحقبة التي تصدر بها العلماء العرب في العالم، وفي موضوعات متعددة مثل الرياضيات والطب. والسبب الثاني أن العراق كان يعيش قبل عقد مضى حالة من الانتعاش الكبير في مجال التعليم، لم تدمرها الأحداث الأخيرة، ولكنها أضعفتها. والسبب الثالث أن الحكومة التي كانت تستعدي التبادل الحر للأفكار والمعرفة قد تمت الإطاحة بها. والسبب الرابع لهذا التفاؤل يكمن فيما يمتلكه العراق من موارد الثروة، وليس من المحتمل أن يقوم ثانية باستخدامها للأغراض العسكرية بعد أن مر بتجارب الحروب والنزاعات المريرة. وهذه الموارد الهائلة يجب ألا تبدد على الآلة والمغامرات العسكرية بل ينبغي تخصيصها لتحسين حياة الشعب العراقي. فقد حان وقت الطموح لتطور العراق الفكري والثقافي. ومما لا شك فيه أن كلاً من وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي سيواجهان تحديًا كبيرًا للعودة إلى الظروف الطبيعية في مرحلة ما بعد الحرب، وبالتالي إعادة البناء التدريجي وتجديد نظام التعليم بكامله على المستوى الوطني. وهذه المهمة ستكون أقل كلفة في المحافظات الثلاث في شمال العراق حيث تعرض نظام التعليم إلى أضرار أقل في مرافق البنية التحتية وخدمات التعليم، وحيث تولت منظمة اليونيسكو مع صندوق اليونسيف تنفيذ برنامج التعليم هناك بصورة مشتركة، فشهدت المؤسسات التعليمية تطورًا كبيرًا، كما تم تزويدها بالمواد التعليمية على جميع مستويات التعليم وزادت قدرة الأفراد على الوصول إلى التعليم. وقد طرأ تطور على المرافق التعليمية بسبب توفر عنصر الدفع النقدي للصرف على عملية البناء والشراء محليًا، بينما اختلف الأمر في منطقتي وسط وجنوب العراق، حيث كان تزويد المعدات يتم عن طريق الأمم المتحدة في إطار برنامج «النفط مقابل الغذاء»، ولذلك نجد أن حالة معظم المدارس في منطقتي الوسط والجنوب كانت متدنية بسبب النقص في المخصصات التي يحتاج إليها قطاع التعليم وسيطرة الحكومة العراقية السابقة على تنفيذ البرنامج في 15 محافظة تغطي منطقتي الوسط والجنوب مع دور رقابي فقط للأمم المتحدة في توزيع المواد المشتراة. وعلى أية حكومة عراقية مركزية قادمة أن تسعى لسد الفجوة القائمة في قطاع التعليم في محافظات العراق الثماني عشرة سواء من حيث البنية التحتية أو التأثيث أو توفير المعلمين والكتب والمستلزمات المدرسية. ونتوقع أن ينصب جهد المسؤولين في البلاد على تطوير النظام التعليمي من حيث المناهج وتوفير المعامل والمؤسسات التعليمية المختلفة، بل وإعادة بناء بعضها، وتوسيع رقعة المستفيدين، ونعني بهم المستحقين للالتحاق بالهيكل التعليمي، وتعويض ما فات العراقيين من متابعة ومواكبة للخصخصة العلمية في الدول المتقدمة. وسنعرض النظام التعليمي القائم حتى الآن في العراق ـ والذي يشابه كثيرًا مثيله في معظم الدول العربية ـ والذي نتوقع أن لا يتغير في هيكله العام في المدى القريب لاستقراره منذ زمن طويل وتمشيه مع برامج التعليم العالمية التي تدعو لزيادة مرحلة التعليم الأساسي الإلزامي لأطول فترة ممكنة وتناغمه مع برامج «التعليم للجميع» التي تتخذها منظمة اليونيسكو شعارًا عالميًا لها. السياسة التعليمية: ينص الدستور العراقي المؤقت لعام 1970م أن الدولة تضمن حق التعليم المجاني في جميع المستويات ـ الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي ـ لجميع المواطنين. والتعليم الابتدائي إلزامي ومحو الأمية الشامل هدف أساسي، وتعتبر الحكومة مسؤولة عن وضع السياسات التعليمية والإشراف عليها وكذلك تمويل التعليم وتطوير وتنفيذ البرامج التعليمية. هيكل النظام التعليمي تمتد الدورة التعليمية الرسمية في العراق إلى 12 سنة منها 6 سنوات إلزامية لمرحلة التعليم الابتدائي، الذي يبدأ من عمر ست سنوات، يتبعها 3 سنوات للمرحلة المتوسطة، ثم 3 سنوات لمرحلة التعليم الثانوي، الذي ينقسم إلى ثانوي عام علمي أو أدبي وثانوي مهني صناعي أو زراعي أو تجاري. وهناك أيضًا معهد المعلمين ومدة الدراسة فيه 5 سنوات بعد التعليم المتوسط. ويمكن للطلاب الذين ينهون المرحلة الثانوية ويحصلون على مؤهلات الحد الأدنى للمتابعة أن ينضموا مباشرة إلى الجامعات أو المعاهد الفنية التي تمتد الدراسة فيها لمدة أربع سنوات كحد أدنى. ويستطيع طلاب معهد المعلمين وكذلك طلاب الثانوي المهني بأنواعه الذين يحصلون على درجات ممتازة في الامتحانات النهائية أن يلتحقوا بالكليات والجامعات لمتابعة تعليمهم العالي. التعليم ما قبل الابتدائي تقوم رياض الأطفال أو مرحلة ما قبل المدرسة بخدمة الأطفال من عمر 4 إلى 5 أعوام. وقد التحق ما مجموعه 68377 طفلاً بهذه المرحلة عام 2001 ـ 2002م (بعدد متساو من الأطفال الذكور والإناث) بانخفاض 76006 أطفال عن عام 1991 ـ 1992م. إن نسبة الالتحاق الإجمالية (مجموع الملتحقين مقارنة بمجموع إعداد الأطفال من عمر 4 إلى 5 إعوام) تأرجحت حول 7% خلال هذه الفترة، كما انخفض عدد رياض الأطفال من 580 إلى 566 روضة. التعليم الابتدائي بلغ عدد طلاب المرحلة الابتدائية على مستوى الدولة في عام 2000ـ 2001م ما مجموعه4.031.346 طفلاً أو طالبًا، وسجلت نسبة الذكور في هذا العدد 55.94%، بينما بلغت نسبة الإناث 44.06%. وبلغ عدد مدارس المرحلة الابتدائية في كامل العراق 11709 مدارس يعمل فيها 190650 معلمًا. ويعاني التعليم الابتدائي الظروف الاقتصادية الصعبة التي تحياها العائلات الفقيرة مما يؤدي إلى عدم إرسال أطفالها إلى المدرسة أو إلى تسرب الأطفال من المدرسة في مرحلة مبكرة. علاوة على ذلك، هناك إحباط بين المدرسين بسبب ضعف الرواتب، ونقص شديد في الكتب المدرسية والوسائل التعليمية والتعلمية، وضعف في الحوار والاتصال بين المدرسين والآباء. ومن أبرز مشكلات التعليم الابتدائي أيضًا ارتفاع نسب الإعادة للسنة الدراسية، ويعزى هذا لأسباب مختلفة أهمها نقص المعلمين المؤهلين وسوء أوضاع المدارس وعدم توفر الكتب والمواد التعليمية وعمل الطلاب لزيادة دخل الأسرة وازدياد كثافة الطلاب في الفصول. وقد استطاعت وزارة التربية والتعليم في عام 2000م توفير ما يقارب 25% فقط من الكتب المدرسية المطلوبة في المدارس الابتدائية والثانوية، كما تمت طباعة 25% في الأردن وتلبية 50% من الاحتياجات بإعادة استخدام الكتب المستعملة من قبل طلاب في السنوات السابقة، ووفقًا لوزارة التربية والتعليم فقد اشترك العديد من الطلاب في كتاب واحد. التعليم الثانوي يتكون التعليم الثانوي من مرحلتين تمتد كل منها إلى ثلاثة أعوام. تشكل الأعوام الثلاثة الأولى المرحلة المتوسطة التي تؤدي إلى بكالوريا من المستوى الثالث، وتشكل الأعوام الثلاثة المتبقية المرحلة الإعدادية التي تؤدي إلى بكالوريا من المستوى السادس. وتدرس بعض المدارس في العراق المرحلة المتوسطة فقط وبالتالي على الطلاب إتمام دراستهم الإعدادية (المرحلة الثانوية الثانية) في مدرسة أخرى. وتدرس معظم المدارس المرحلتين المتوسطة والإعدادية، ويختار الطالب بعد السنة الأولى في المرحلة ال إعدادية بين الدراسة العلمية أو الأدبية. بلغ مجموع المسجلين في المدارس الثانوية لعام 2000ـ 2001م في العراق 1291309 طالبًا منهم 1063842 (نسبة الذكور 61.2% ونسبة الإناث 39.8%) في وسط وجنوب البلاد، و227.467 طالبًا (نسبة الذكور 57.1% والإناث 42.9%) في الشمال. ازداد عدد الطلاب الملتحقين بالمدارس الثانوية في كامل البلاد بنسبة 224% من 600 و315 في عام 1971ـ 1972 إلى 1023842 في عام 1990 ـ 1991م. وبقي الالتحاق في الوسط والجنوب ثابتًا في التسعينيات، ووصل إلى 1063842 فقط في عام 2000ـ 2001م. وبالنظر إلى معدل النمو السكاني المرتفع، يتضح أن نسب الالتحاق بالتعليم الثانوي كانت منخفضة. ويمكن أن نأخذ بعين الاعتبار في هذا الوضع تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعاكسة والصعوبات داخل نظام التعليم نفسه. وقد أدت العقوبات التي فرضت على العراق إلى انخفاض الاقتصاد بشكل سريع وخفضت دخل الأسرة كذلك، فقام بعض الآباء بإبقاء أطفالهم خارج المدرسة أو سحبوا كبار السن منهم والذين تسمح أعمارهم بالمشاركة في أعمال تدر دخلاً لزيادة دخل الأسرة. ويلاحظ أن نسب التسجيل في التعليم الثانوي في شمال العراق كانت أكثر إرضاء، فقد ازداد المجتمع الطلابي بواقع 5.78% من 127413 طالبًا في عام 1996ـ 1997م إلى 227467 طالبًا في عام 2000ـ 2001م. وشهدت هذه الفترة قدرًا من الاستقرار فتمكنت العائلات من الاستقرار وعاد النازحون إلى قراهم. وبعد إقرار برنامج النفط مقابل الغذاء في عام 1997م تم توفير مزيد من الأموال لإنشاء المدارس وتوفير المواصلات للطلاب من المناطق النائية وللطلاب الفقراء في الأحياء شبه الحضرية وشراء الوسائل التعليمية مما أدى إلى تخفيف الأعباء المالية على الأهالي. وينبغي أن نذكر أن معدل التسجيل الإجمالي في التعليم الثانوي قد انخفض إلى 38.3% في عام 1999ـ 2000م في وسط وجنوب العراق مقارنة بـ47% عام 1990ـ 1991م. سجلت نسب الإعادة للسنة الدراسية عام 1999ـ 2000م ما مقداره 34.4% للمرحلة المتوسطة و22.4% للمرحلة الإعدادية في جنوب ووسط العراق، بينما كانت نسب الإعادة للمرحلتين المتوسطة والإعدادية في عام 2000ـ 2001م في شمال العراق 24.8%، و21.7% على التوالي. بلغ مجموع عدد معلمي المدارس الثانوية في عام 2000ـ 2001م في العراق 73989 معلمًا منهم 62840 في الوسط والجنوب و11149 في الشمال. ويلاحظ وجود تدن في نوعية المدرس سواء من حيث التأهيل أو بسبب تقلص رواتب المدرسين المؤهلين الشهرية بما يقارب 99% مما يساوي (500 إلى 1000 دولار أمريكي) إلى (5 إلى 40 دولارًا أمريكيًا). وقد ترك عدد كبير من المدرسين ذوي الخبرة التعليم الثانوي للبحث عن فرصة عمل ذات دخل أفضل في مكان آخر سواء داخل البلاد أو خارجها. وقد دعم من تبقوا في العمل رواتبهم بإعطاء دروس خصوصية للأطفال الذين يستطيع آباؤهم الدفع أو بالعمل بعد الدوام المدرسي بوظائف بديلة، وهذا بالطبع يؤثر في نوعية التدريس. وبعد سنتين من العزلة يحتاج أساتذة التعليم إلى فرصة لتحديث معرفتهم في مجال تخصصاتهم وتحسين نوعية برامج التدريب قبل وفي أثناء الخدمة. وتدعو الحاجة إلى إحضار خبراء من الخارج فقد كان المدربون المحليون معزولين عن التطورات الدولية وبحاجة إلى تدريب تحديثي وإنعاشي، وسيتطلب ذلك عقد المؤتمرات وحلقات الدرس والتبادل وبرامج التبادل المعرفي والمنح على المدى المتوسط. يتلقى طلاب المرحلة المتوسطة 34 حصة صفية أسبوعيًا وتشمل التربية الإسلامية واللغة العربية واللغة الإنجليزية والعلوم (فيزياء وكيمياء وأحياء) والتاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والرياضيات والتربية الفنية والتربية الرياضية العسكرية. وتتلقى الطالبات دروسًا في التربية الأسرية. وتضاف بعض المواد الاختيارية في المرحلة الإعدادية كاللغة الكردية وعلم الاجتماع والاقتصاد والتربية الوطنية. وتستثنى الصفوف المسائية من التربية الرياضية والتدريب العسكري، وتنظم نشاطات غير منهجية على مستوى المدرسة. ويواجه التعليم الثانوي مشكلات عدة تحتاج إلى بذل جهود ضخمة من قبل أي حكومة عراقية قادمة وكذلك من قبل المجتمع الدولي. وأهم هذه المشكلات تهدم البنية التحتية للمدارس والمؤسسات التعليمية وتدني ونقص المعلمين المؤهلين، وتخلف المنهج الدراسي عن تطورات المناهج العالمية ونقص الكتب والوسائل التعليمية. ويكفي أن نعرف أن بعض المواد في التعليم الثانوي كان يتوفر لها كتاب واحد فقط يتم استخدامه من قبل خمسة أو ستة طلاب وذلك على حد ما صرحت به وزارة التربية والتعليم في يناير 2003م. التدريب الفني والمهني يعتبر التدريب المهني أحد فروع نظام التعليم الثانوي ولكنه بإدارة منفصلة، ويمتلك الطلاب العراقيون حق اختيار التعليم الثانوي المهني مباشرة بعد المرحلة المتوسطة عوضًا عن الاستمرار في التعليم الأكاديمي العام. وتهدف المراكز المهنية إلى منح الطلاب المهارات المهنية والفنية لتحضيرهم إلى الانخراط في أنواع المهن المختلفة بعد التخرج. تمتد مرحلة التدريب المهني إلى ثلاثة أعوام وتفضي إلى الامتحانات العامة. ويستطيع الطلاب أصحاب أفضل علامات (أعلى 10%) مواصلة دراستهم في الكليات الفنية. وبلغ مجموع الملتحقين في المراكز المهنية لعام 2000ـ 2001م ما جملته 65750 طالبًا منهم 61861 طالبًا في الوسط والجنوب و3889 طالبًا في الشمال، على الرغم من أن هذا العدد وصل إلى 124497 طالبًا في الوسط والجنوب فقط في عام 1991ـ 1992م مما يعني انخفاضًا في التسجيل بنسبة 50% في المراكز المهنية. وكان الفرع التجاري أكثر الفروع تضررًا حيث بلغ الانخفاض 78.4% بينما كانت نسبة الانخفاض في الفرع الزراعي 38.3% وفي الفرع الصناعي 37.8% في فترة عشرة أعوام، كما انخفض عدد المعاهد من 278 إلى 236 خلال الفترة نفسها. وزادت أعداد المتسربين الكبيرة ونسب الرسوب المرتفعة الوضع سوءًا، فقد تسرب 1204 طلاب من المراكز المهنية خلال السنة الدراسية 2000ـ2001م ورسب 10976 طالبًا. وقام ما مجموعه 4043 طالبًا بالتسجيل في البرامج المهنية في شمال العراق في عام 2001ـ 2002م بزيادة مقدارها 24% منذ عام 1996ـ 1997م. ولا تتوفر أية بيانات عن توزيع الجنس في هذا النوع من التعليم. رغم أن الطلاب لديهم حرية الاختيار بين فروع التعليم المهني الرئيسة الأربعة، فإن هذا الحق غير قائم دائمًا من الناحية العملية إما بسبب عدم احتواء كل مدرسة مهنية على جميع الفروع، وإما بسبب التوزيع الجغرافي للمدارس وإما لتوفرها في أماكن وانعدامها في أخرى. ويعزى انخفاض التسجيل في المدارس المهنية إلى تأثير العقوبات السلبي في البنية التحتية والبرامج المتخلفة وفقدان الكوادر المؤهلة وقلة فرص العمل للخريجين. تدريب المعلمين ربما يكون تدريب المعلمين من أهم الفروع في حقل التعليم، لأن المعلمين يشكلون حجر الزاوية في العملية التربوية برمتها. ويساهم المعلمون في جميع مراحل التعليم ومستوياته ـ الابتدائي والثانوي بأنواعه والتعليم الجامعي ـ في تشكيل عقول الطلبة ومعارفهم وقدراتهم، ويحضونهم على طلب المعرفة في الحاضر والمستقبل. منذ عام 1984 ـ 1985م، بدأت وزارة التربية والتعليم بترفيع دور المعلمين إلى معاهد تدريب المعلمين، وتقبل هذه المعاهد خريجي المرحلة المتوسطة للدراسة لمدة 5 سنوات تتوزع بين 3 سنوات للتعليم العام وسنتين للتخصص. ويمكن للطلبة أن يختاروا التخصص في الدراسات الإسلامية واللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والتربية البدنية والفنون الجميلة، ويستطيع الطلبة إكمال دراستهم في الكليات الجامعية. بالإضافة إلى معاهد تدريب المعلمين، تأسست في العراق معاهد تدريب معلمين مركزية، وهذه المعاهد تقبل خريجي المستوى الإعدادي للمدارس الثانوية «صف 12»، ويتلقى فيها الطالب دراسة تخصصية لمدة سنتين. وقد ازداد عدد هذه المعاهد بصنفيها في منطقتي الوسط والجنوب من 35 في أواسط التسعينيات إلى 139 في العام الدراسي 2000ـ 2001م، إذ جرت محاولة لتخريج معلمين لتغطية التوسع الحاصل في المدارس. تقوم كليات التربية والتعليم في الجامعات بتدريب المعلمين المحتمل التحاقهم بسلك التدريس للمرحلة الثانوية، وبعض الخريجين من هذه الكليات فضلوا أن يدرسوا في المرحلة الابتدائية على المرحلة الثانوية، لأنهم يفضلون أن يعملوا في منطقة جغرافية قريبة من منازلهم حيث لا توجد أحيانًا مدارس ثانوية. ومن أجل تشجيع الطلبة للحصول على مؤهل معلم مدرسة ابتدائية، بالرغم من الصعوبات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، تأسس نظام الكلية المفتوحة للتعليم في العام الدراسي 1998ـ 1999م، وذلك لتوفير برامج التعليم للمناطق النائية حتى الدرجة الجامعية في التعليم ودورات التدريب في أثناء الخدمة للمعلمين. في شمال العراق، قامت اليونيسكو بعقد عدد متنوع من دورات التدريب في أثناء الخدمة لمعلمي مختلف مراحل التعليم الثانوي، ومعظم مراحل التعليم العالي وذلك ضمن مهماتها في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء. وقد استفاد من هذه الدورات أكثر من 11 ألف معلم ومشرف ومدير في مواضيع متعددة (أساليب التعليم، والإدارة، والمهارات الأساسية في اللغة الإنجليزية والحاسوب... إلخ)، وذلك خلال عامي 2001 و2002م. وقد استهدفت هذه البرامج المعلمين في كل المدن والريف عبر رزم التعليم الذاتي، مقترنًا مع متابعة مباشرة في مراكز تدريب المعلمين. وفي شهر ديسمبر عام 2001م، تلقى 238 من كبار المعلمين في منطقتي الوسط والجنوب تدريبًا في أثناء الخدمة عبر منحة سهلت اليونيسكو عملية الحصول عليها من وقف تديره الأمم المتحدة، يتلقى تبرعات من دول عدة من بينها هولندا والنرويج. أما أبرز مشكلات المعلمين فتتلخص في تدني رواتب المعلمين مما يؤدي إلى تثبيط همم الطلبة المحتملين لمتابعة وإكمال تدريبهم في التعليم، ونقص المعلمين خصوصًا في اللغة الإنجليزية والرياضيات وفرار معظمهم للقطاع الخاص حيث الرواتب الأعلى. علاوة على ذلك، لا يتوفر للمعلمين الوقت أو الطاقة الكافية أو مصادر التمويل لتطوير أنفسهم مهنيًا، ولا يتاح لهم بسبب ظروف العراق امتلاك سبل الاتصال مع زملاء أجانب ولا إمكانية الوصول إلى مصادر الكتب والدوريات الحديثة ووسائل الحاسوب والإنترنت التي تساعد على التطور المهني. التعليم غير الرسمي يقصد بالتعليم غير الرسمي مراكز محو الأمية. وقد أطلقت الدولة عام 1978م حملة شاملة للقضاء الإجباري على الأمية، حيث توجب على كل مواطن في الفئة العمرية ما بين 15 سنة إلى 45 سنة أن يلتحق بمراكز محو الأمية لإنهاء الصف الرابع من تعلم القراءة والكتابة والحساب. وكان نتيجة هذه الحملة أن انخفضت نسبة الأمية في الفئة العمرية من 15 سنة إلى 45 سنة من 48% عام 1978م إلى 9.19% في عام 1987م، وبسبب فعالية هذه الحملة منحت اليونيسكو خمس جوائز للعراق. وفي الوقت الحاضر، تصل نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة من الرجال 71% ومن النساء 45%. وقد أسست مدارس خاصة كثيرة في إطار الحملة المذكورة وتأسست «مدارس شعبية» كانت تعنى بمنع الشباب من سن 15 سنة إلى 35 من العودة إلى الأمية، وتأسست «مدارس الشباب» للأطفال الذين يتسربون من المدارس بين عمر 10 سنوات إلى 15 سنة والذين لا يمكن قبولهم في المدارس الابتدائية. ونتيجة الحصار والصعوبات المالية، تباطأت الحملة بصورة كبيرة في أوائل التسعينيات، وانخفضت بصورة حادة أعداد مدارس الشباب والمدرسين والطلاب في التعليم غير الرسمي بين السنوات الدراسية (1990 ـ 1991م)، (1998ـ 1999م)، وانخفض عدد المسجلين في دورات التعليم غير الرسمي من 9432 إلى 388 فقط، بينما انخفض عدد المدارس التي تعطي هذه الدورات من 112 مدرسة إلى 4 فقط. جاهدت وزارة التربية والتعليم كثيرًا في كفاحها لمحو الأمية وخصوصًا بين الفتيات. وأنشأت الوزارة في عام 1994 ـ 1995م بالتعاون مع اليونيسكو والاتحاد العام للمرأة العراقية برنامجًا للتعليم غير الرسمي للبنات من سن العاشرة فما فوق، ويغطي هذا البرنامج نشاطات أساسية لمحو الأمية والأشغال اليدوية والرعاية الصحية وتصنيع الأغذية... إلخ. وفي عام 1995م، تم تنظيم 1217 برنامج تدريب استفادت منه 18884 فتاة وامرأة (بينهن 7000 في الفئة العمرية من العاشرة إلى 17 سنة وهي الفئة العمرية المستهدفة من البرنامج). ولا شك أن هناك حاجة ماسة الآن لبرنامج تأهيل وإعادة بناء للمعاهد والمرافق اللازمة لتقديم التعليم غير الرسمي وكذلك للمعلمين في هذا المجال. ويجب توفير مصادر التمويل اللازمة ووسائل التعلم بالإضافة إلى إطلاق حملة وطنية لتسهيل وتشجيع الأميين على الانخراط في برامج معرفة القراءة والكتابة خاصة وقد فات البلاد الكثير بسبب الظروف التي مرت بها، حتى إن الأمية أصبحت منتشرة لا بين الكبار ولكن بين من هم في سن التعلم والدراسة بسبب ارتفاع نسب التسرب من التعليم وتدهور الظروف الاقتصادية بسبب الحروب المتكررة التي ضيعت ثروات البلاد. التعليم العالي يستطيع العراق أن يفاخر بامتلاك أقدم الجامعات في العالم، ونعني بها الجامعة المستنصرية، التي تم تأسيسها عام 1280. ومع أن نشاط الجامعة قد توقف، إلا أن هناك جامعة تحمل الاسم نفسه لا تزال قائمة إلى اليوم. وتتكون مؤسسات التعليم العالي في العراق من 19 جامعة (منها 3 في الشمال) و9 كليات فنية (في الوسط والجنوب) و38 معهدًا تقنيًا (منها 11 في الشمال). بلغ مجموع الملتحقين بالتعليم العالي للعام 2001ـ2002م في جميع أنحاء العراق 317993 طالبًا منهم 297292 في الوسط والجنوب و20701 في الشمال، وبلغ عدد الأساتذة 14743 معلمًا منهم 13167 في الوسط والجنوب و1576 في الشمال. دراسة «البكالوريوس» في العراق تحتاج إلى 4 سنوات ماعدا في الطب البيطري والصيدلة وطب الأسنان فهي تحتاج إلى 5 سنوات، أما الطب البشري فيحتاج إلى 6 سنوات. ودرجة الماجستير تتطلب من 2 إلى 3 سنوات من الدراسة، وتحتاج درجة الدكتوراه من 3 سنوات إلى 8 سنوات. أما المعاهد الفنية فتمنح درجة الدبلوم العالي من خلال ما تقدمه من دورات قصيرة المدى. يتم قبول الطلبة في الجامعات العراقية على أساس شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها. وهناك طلب كبير على كليات الطب والهندسة والعلوم، أما كليات الدراسات الإنسانية فليس لها اعتبار كبير. وتحتوي كل الجامعات على كليات تربية لتخريج المعلمين وخصوصًا للمدارس الثانوية. ولغات التدريس هي العربية والإنجليزية في الوسط والجنوب، والفرنسية في جامعة الموصل فقط، واللغتان الكردية والإنجليزية في الشمال، وفي بعض الأحيان، يدعى أساتذة من بغداد للتدريس في جامعات الشمال. تبدأ السنة الأكاديمية في شهر أكتوبر من كل عام، وتمتد إلى ثلاثين أسبوعيًا وتقوم الدولة بتمويل الجامعات، باستثناء الكليات الخاصة، ومع ذلك، ونتيجة الظروف الصعبة التي سادت خلال السنتين الماضيتين في الوسط والجنوب، يطلب من الملتحقين الجدد دفع ما قيمته 12 دولارًا أمريكيًا كرسوم تسجيل. أهم جامعات البلاد هي جامعة التكنولوجيا (بغداد)، جامعة المستنصرية، جامعة بابل، جامعة الكوفة، جامعة البصرة، جامعة الموصل، وجامعة ذي قار، وفي محافظات الشمال هناك جامعة صلاح الدين، وجامعة دهوك، وجامعة السليمانية. وتتضمن المشكلات والقضايا الكبرى لمؤسسات ا لتعليم العالي ما يلي: ـ عدم كفاية البنية التحتية والتسهيلات، كالمختبرات والمكتبات. ـ عدم كفاية المعدات، في كليات الهندسة والعلوم والمعاهد الفنية. ـ الحاجة إلى إنشاء قنوات اتصال بين الكليات في العراق والجامعات الأجنبية. ـ ضعف العلاقة بين التعليم العالي وخريجيه وسوق العمل. ـ الحاجة إلى مراجعة شاملة لأنظمة الإدارة للتعليم العالي، بما في ذلك تكييف المناهج ومحتويات الفصول الدراسية لمواكبة تغيرات الحالة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. ويجب وضع خطة استراتيجية للتأكد من أن الجامعات ستؤدي دور الوسيط في عملية التحول الديمقراطي، وضمان وصول الجميع إلى مواقعهم حسب جدارتهم، ووفق أسس مهنية وليس أسس سياسية. ـ تخفيض الدعم الحكومي للطلبة، وتشجيع القطاعين العام والخاص على الاضطلاع بدورهم في دعم التعليم العالي، والتعجيل بإجراء مشروعات وإصلاحيات اقتصادية لتخفيف الضغوط التي يعيشها المجتمع وتؤثر في تطوره العلمي. دور اليونيسكو في العراق حاولت الأمم المتحدة، قبل غزو القوات الأمريكية للعراق وإسقاط حكومته، أن تجد السبل الفعّالة والمجدية لمساعدة الشعب العراقي في تحقيق أهدافه. وتحاول المنظمة الدولية أن تضطلع بالقيام بدور فعال في مرحلة إعادة إعمار العراق وقيام حكومة وطنية منتخبة في البلاد، لكن هذا الدور ما زال يصطدم برفض الولايات المتحدة أن يتولى غيرها مسؤولية إدارة البلاد بعد أن خاضت حربًا منفردة بعيدًا عن الشرعية الدولية في العراق، ولم يساندها في ذلك إلا بريطانيا. وقد وقع على عاتق اليونيسكو مسؤولية واضحة، وإن كانت مشتركة بالطبع مع آخرين، في الإشراف على تحسين أوضاع المؤسسات التعليمية والثقافية في العراق، وذلك في إطار برنامج «النفط مقابل الغذاء» وقد استطاع برنامج اليونيسكو أن يحرز النتائج التالية: ـ إصلاح/ بناء 157 مدرسة ثانوية و89 مرفقًا للتعليم العالي. ـ تأمين نقل زهاء 20 ألف تلميذ في المناطق الريفية إلى المدارس وتوزيع عربات على المؤسسات التعليمية تفوق قيمتها الإجمالية 6 ملايين دولار. ـ تدريب 11 ألفًا من معلمي الثانوية و1800 من أعضاء هيئات التدريس بالتعليم العالي. ـ توزيع 152 ألف مكتب مدرسي. ـ توزيع كتب مدرسية على المدارس الثانوية تبلغ قيمتها الإجمالية 1.5 مليون دولار وتوفير معدات لطباعة ما يزيد على مليونين من الكتب المدرسية. ـ إجراء دراسة استقصائية لسوق العمل من أجل تحديد الاحتياجات والاتجاهات الراهنة في مجال العمالية. ـ تنفيذ مشروع لإنتاج الخرائط المدرسية المستخدمة في التعليم الثانوي. ـ تقديم الدعم لوضع السياسات وإعداد خطة استراتيجية مدتها ثلاث سنوات. ـ إنشاء ثلاثة مراكز للموارد المتعددة الوسائل توفر وثائق ومواد في مجالات التربية والعلم والثقافة وغيرها من المجالات التي تندرج في اختصاص اليونيسكو. ـ في أعقاب النزاع، حثت اليونيسكو بقوة على الإسراع في إعادة تشغيل المؤسسات التعليمية وإتمام السنة الدراسية 2002ـ بداية 2003م، التي انقطعت نتيجة النزاع في منتصف شهر مارس 2003م، وذلك لإيجاد إحساس بعودة الأوضاع إلى طبيعتها وإحياء الأمل في المستقبل. وقدمت اليونيسكو كل ما سهل تنظيم امتحانات نهاية العام الدراسي في شمال العراق، وكل ما يلزم لتنظيم امتحانات نهاية العام الدراسي في الوسط والجنوب. ـ بحثت اليونيسكو مع معهد الولايات المتحدة للسلام ومركز تسوية النزاعات الدولية في جامعة كولومبيا إمكانات إعداد برامج ترمي إلى بناء التوافق وتحسين نوعية التعليم العالي في العراق. ـ تبحث اليونيسكو حاليًا مع عدة شركاء مسألة تجديد التعليم العالي في العراق، ونذكر في هذا المجال مبادرة صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند من قطر، المبعوثة الخاصة لليونيسكو للتعليم الأساسي والعالي، من أجل دعم إنعاش التعليم العالي في العراق. وقد وقع كل من صاحبة السمو والمدير العام لليونسكو في 23 يونيو 2003م، على مذكرة تفاهم لإنشاء صندوق دولي لترميم التعليم في العراق، مع تبرع حكومة قطر بمبلغ أولي قدره 15 مليون دولار. وسيكون الصندوق مفتوحًا لمانحين آخرين. خاتمة: إن تجديد النظام التعليمي أمر لا غنى عنه لجعل العراق بلدًا مزدهرًا وناجحًا ومسالمًا. وظهور عراق من هذا النوع سيسهم بصورة نشطة في ميادين العلوم والتكنولوجيا والاتصال والثقافة وسيعود بالخير على المنطقة ككل وعلى العالم بأسره. فالعراق يملك إمكانات ضخمة وموارد طبيعية هائلة يمكن أن تستثمر في التعليم والعلوم والثقافة، وستؤتي مردودها في إثراء ثروة العراق المتمثلة في موارده البشرية. العراق حقائق وأرقام الاسم الرسمي للبلاد: جمهورية العراق. رئيس البلاد: لا يوجد حاليًا رئيس للبلاد بعد الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين. وتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على البلاد، وتم تعيين مجلس للحكم من أقطاب المعارضة السابقة للنظام للمساعدة في إدارة شؤون البلاد بالتنسيق مع القوات الأمريكية و الحاكم الأمريكي، بول بريمر، وذلك إلى أن يتم تسليم السلطة إلى قيادة عراقية وطنية لم يتحدد كيفية اختيارها بعد، في ظل غياب كامل لأي دور للأمم المتحدة. مساحة البلاد: 437072 كيلو متر مربع. تعداد السكان: 24.683.313 نسمة وفق تقديرات عام 2003م. معدل النمو السكاني: 2.8%. معدل المواليد: 33.7 لكل ألف نسمة. معدل وفيات الأطفال: 55.2 لكل ألف نسمة. العاصمة: بغداد، ويصل تعداد سكانها 6.777.300 نسمة وهي أكبر مدن البلاد. أكبر المدن: الموصل (1.791.600)، البصرة (1.377.000) إيربيل (864.900)، كركوك (755.700). عملة البلاد: الدينار العراقي، بالإضافة إلى التعامل حاليًا بالدولار الأمريكي في رواتب بعض العاملين. لغة البلاد: اللغة الرسمية العربية بالإضافة إلى الكردية في الشمال. التركيبة العرقية: 75% ـ 80% من السكان عرب، 15% ـ 20% أكراد، ويشكل الأشوريون والتركمان وآخرون 5%. معدل معرفة القراءة والكتابة: 58% من السكان (وفق تقديرات عام 1995م). الناتج المحلي الإجمالي: 59 بليون دولار أمريكي (تقديرات عام 2001م). معدل التضخم الاقتصادي: 60%. أهم الحاصلات الزراعية: القمح، الشعير، الأرز، الخضراوات، التمور، القطن. الثروة الحيوانية: الماشية والأغنام. القوى العاملة: 4.4 مليون عامل (وفق تقديرات 1989م). أهم الصناعات: الصناعات البترولية والكيماوية، النسيج، مواد البناء، تعليب الأطعمة الغذائية. الموارد الطبيعية: البترول، الغاز الطبيعي، الفوسفات، الكبريت. أهم الصادرات: البترول الخام بـ15.8 بليون دولار أمريكي (وفق تقديرات 2001م). أهم الواردات: الأغذية، الأدوية، المنتجات المصنعة بمقدار 11 بليون دولار أمريكي (تقديرات 2001م). أهم الشركاء التجاريين: الولايات المتحدة، إيطاليا، فرنسا، إسبانيا، أستراليا، الصين، روسيا (عام 2000م). الموقع الجغرافي للبلاد: تضاريس البلاد جبال في الشمال الشرقي وصحراء في الغرب ووادٍ خصب لنهري الفرات ودجلة. يحدها شرقًا إيران، وغربًا سوريا والأردن، وشمالاً تركيا وجنوبًا السعودية والكويت. المصدر: موسوعة Time Almanac 2004. مراجع البحث: 1ـ دراسة تحليلية لأوضاع التعليم في العراق 2003م، اليونسكو. 2ـ تقرير المدير العام عن المؤسسات الثقافية والتعليمية في العراق، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، 2003م. يشمل التعليم العالي في العراق جميع المعاهد العليا (سنتان) والكليات (أربع سنوات وأكثر) فوق المرحلة الإعدادية. والتعليم الجامعي يتخصص بالتعليم في الكليات. وقد تأسست المعاهد الفنية والكليات في العراق مع نشوء الدولة العراقية كمملكة مستقلة عام 1932م. وفي الثلاثينيات تأسست في العراق كليات الطب والهندسة والعلوم والحقوق والزراعة والتجارة. وقد توحدت تلك الكليات الموجودة في العاصمة العراقية في عام 1959م لتصبح أول جامعة عراقية، سميت بجامعة بغداد. وكان لرئيس الجامعة، الذي يتمتع بدرجة وزير، قدر معين من الاستقلالية في صنع القرارات التي تخص التعليم العالي. ومنذ عام 1970م ألحق قطاع التعليم العالي بجميع مفاصله التدريسية والإدارية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فاقدًا بذلك آخر بقايا الاستقلال الأكاديمي، وهكذا خضع هذا القطاع كلية لسيطرة الحكومة. واستثني من تلك السيطرة جزء ضئيل منه، كان يغذي بعض الجهات الحكومية بالموارد البشرية المطلوبة، كوزارة الدفاع ووزارة النفط والمعادن ووزارة الصناعة والتصنيع العسكري ومنظمة الطاقة الذرية. وقد خضعت الفروع الطبية والهندسية والعلمية المتعاونة والمرتبطة بتلك الجهات الحكومية لتعليمات خاصة في سياسات القبول والمناهج كانت تصدر إليها من تلك الوزارات والجهات الرسمية. فشل التعليم العالي في العهد السابق من المعروف أن قطاع التعليم العالي ينهض بمتطلبات أساسية تصب في خدمة المجتمع عبر الجهود التي يقدمها لإشاعة المعرفة العلمية والتكنولوجية بشقيها النظري والعملي التطبيقي، وتوظيفها لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أساسية كالتعاون والتفاعل الحيوي المتبادل مع قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والصحة والتربية وغيرها من قطاعات الدولة المختلفة من خلال رفدها بالموارد البشرية الكفؤة، والقيام بالأبحاث العلمية والتكنولوجية الاستراتيجية. يتطلب التعليم العالي، لكي يستطيع النهوض بواجباته، ركيزتين أساسيتين: الأولى وتشمل الموارد البشرية والمادية كالتخطيط والرقابة والموارد المالية الثابتة، بالإضافة إلى الحوافز للتطوير الأكاديمي والبحث العلمي وتوفير الخدمات والموارد التي تشمل الأبنية والقاعات والمختبرات والمكتبات ووسائط النقل. والثانية وتشمل الاستقرار المادي والنفسي للدارسين والهيئة التدريسية والإداريين على حد سواء، وهذا يستلزم بالضرورة ضمان حرية المجتمع الأكاديمي (المؤلف من الهيئة التدريسية والفنيين المساعدين والطلاب والجهاز الإداري) وسيادة المناخ الديمقراطي المستقل فيه. ونعني بذلك استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع المتداخلة، وحرية صنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبماليتها وإدارتها، وإقرار سياساتها في التعليم والبحث العلمي وغيرها من الأنشطة ذات الصلة. أما الحرية الأكاديمية فتعني حرية أعضاء الهيئة التدريسية، فرديًا أو جماعيًا، في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها، من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج والخلق والتدريس وإلقاء المحاضرات والكتابة والتأليف والنشر. ويمكن إرجاع فشل التعليم العالي في ظل النظام التوتاليتاري السابق في تأدية دوره المطلوب إلى أسباب فشل السياسة المركزية المتسلطة والمتحجرة وغير المرنة إجمالاً، وغياب حالات التخطيط العلمي السليم وعدم منح المجتمع الأكاديمي القدر الكافي من الحرية في التعليم والتعلم والبحث العلمي والأداء الإداري، إضافة إلى انخفاض المستوى العلمي والقيادي اللازم لأعضاء المجتمع الأكاديمي، كذلك افتقار الموارد الضرورية لتطوير المناهج والأساليب والوسائل التعليمية بما يتلاءم ومتطلبات العصر الحاضر. أضف إلى ذلك غياب الحرية الأكاديمية والسيطرة المطلقة على مفاصل وعناصر القطاع. لقد أدت السياسة الحكومية المركزية الخاطئة بالتعليم العالي، شأنه شأن باقي المؤسسات والنشاطات الاجتماعية والثقافية، إلى التدهور التدريجي وفقدان القدرة على مواكبة التطور العالمي، كحتمية تأريخية لعصر تقنية المعلومات والعولمة والثورة التكنولوجية. ونتج هذا التدهور بالدرجة الأولى عن هجرة الكوادر التدريسية ذات الاختصاصات الحيوية كالطب والعلوم والهندسة والاقتصاد إلى الخارج، في الوقت الذي أحجمت الدولة فيه عن إرسال الطلبة في بعثات علمية إلى الخارج لتعويض المفقود من أعضاء الهيئة التدريسية. على الضد من ذلك راحت تقضي على التقاليد والمعايير الأكاديمية العتيدة التي كان العراق يتميز بها لحد السبعينيات من القرن الماضي، مثل عدم اعتماد الخريجين من حملة الشهادة الجامعية الأولية (البكالوريوس) كأعضاء في الهيئة التدريسية وتعيينهم بدلاً من ذلك بوظائف فنية مساعدة لمدة أقصاها خمس سنوات، يبعدون بعدها من حقل التعليم، ما لم يطوروا أنفسهم بالحصول على شهادة أعلى (الماجستير أو الدكتوراه). وانتهى العمل بتلك القاعدة الأكاديمية التي حفزت المساعدين من حملة البكالوريوس على الحصول على الشهادات العالية من جهة، وحافظت على المستوى العلمي الأكاديمي، من جهة أخرى. كذلك قاطعت الجامعات العراقية في ظل ذلك النظام، لأسباب أمنية مفتعلة، التعاون مع الجامعات الخارجية التي كانت تستعين بها في تقييم البحوث الأكاديمية وبحوث الدراسات العليا، بالإضافة إلى بحوث ترقية أعضاء الهيئة التدريسية. ولم تعد الجامعات الأجنبية المعروفة، بالمقابل، تعترف بالشهادات الممنوحة من الجامعات العراقية، كما هي الحال في السابق. ولعل التدخل الحكومي السياسي في عملية قبول الطلبة في الجامعات العراقية في ظل النظام السابق هو أخطر عامل ساعد على تدهور التعليم العالي وفقدانه السمعة والرصيد العلمي على المستويين العربي والدولي. ففي بداية كل عام دراسي، كانت عمادات الكليات العراقية تتسلم ثلاث قوائم بأسماء الطلبة المقبولين في فترات زمنية على التتابع. تتضمن القائمة الأولى أسماء الطلبة المقبولين دون شروط! فأما أن يكون الطالب من هذه القائمة الخاصة ابن وزير أو قائدًا حزبيًا أو ما شابه ذلك، فيعفى في هذه الحالة من كل شروط القبول. وتضم القائمة الثانية أسماء الطلبة العرب المتعاونين مع النظام، الوافدين عن طريق المنظمات الحزبية المرتبطة بالحزب الحاكم. ولا تنطبق على أسماء هذه القائمة سوى بعض الشروط الأكاديمية السهلة. وتسد القائمة الثالثة الشاغر المتبقي في المقاعد الدراسية، وتتضمن أسماء الطلبة العراقيين من عامة الشعب الذين يخضعون لأقسى وأصعب الشروط الأكاديمية إضافة إلى الشروط السياسية كالانتماء الجبري للحزب الحاكم، على سبيل المثال. ومن الطريف في الأمر أن طلابًا معروفين من القائمة الخاصة، مثل عدي صدام حسين ومحمد ميشيل عفلق وغيرهما بالمئات، تخرجوا في كليات الطب والهندسة والعلوم والقانون، دون أن يعرفوا، على الأقل، أين تقع بنايات الكليات التي تخرجوا فيها بامتياز! ومن أسباب الخراب النفسي والعلمي والمادي الذي لحق العملية التعليمية وأصاب كبد المجتمع الأكاديمي ما كان يحصل للعديد من الطلبة والأساتذة كل يوم من عمليات الملاحقة وإلقاء القبض والفصل والسجن والإعدام بحجة الانتماء إلى طوائف سياسية وإثنية لم يحبذها النظام. آفاق الإصلاح الجامعي المنشود لايشك أحد اليوم، وبعد انتهاء العهد السياسي السابق، في ضرورة وأهمية إخراج قطاع التعليم العالي من دائرة الفشل المزمن الذي آل إليها منذ حوالي نصف قرن من الزمن. ومن الجدير بالذكر أنه يمكن اشتقاق عناصر الإصلاح المطلوب للتعليم العالي من ظروف وأسباب الفشل السابق نفسها. ومن الطريف ذكره في هذا المجال أن أحد الإعلاميين ذا الصلة بالتعليم اقترح على حكومة العهد الجديد أن تعكس اتجاه كل خطوة قام بها النظام السابق فيما يخص التعليم العالي، حينئذ سوف نرى أعظم إصلاح للتعليم يشهده العراق! ونعتقد أن في هذه الطرفة الكثير من عناصر الحقيقة. فلا نجد أي مبرر مثلاً لخطوة النظام السابق في تأميم الكلي ات الأهلية مثل جامعة الحكمة أو المدارس الثانوية المتميزة ككلية بغداد على سبيل المثال. كذلك ابتعاد قطاع التعليم العالي العراقي تمامًا عن التعاون مع الجامعات الخارجية في إعداد المناهج والبحوث العلمية والإيفادات والبعثات والنشر والمشاركة في المؤتمرات ، للأسباب الأمنية إياها. ثم ما الحكمة في منع الأساتذة من السفر في أثناء عطلهم الصيفية للراحة والاستجمام؟ وما الداعي لتوقف استيراد الكتب والمعدات التدريسية المحدثة سنويًا، في الوقت الذي استمر فيه استيراد المرمر الإيطالي للقصور الرئاسية والأسلحة باهظة الثمن؟ من أخطر ما قد يحيق بالتعليم العالي في هذه المرحلة أن يصار إلى تشويه التراث التعليمي الصادق الذي حاول الحكم السابق أن يبقيه في ثلاجة لعبته السياسية. فللعراق تراث وتقاليد أكاديمية يتميز بها على صعيد المنطقة العربية والعالم. وما يخشاه الحريصون على هذا التراث العراقي أن تتدخل المعايير السياسية (الخارجية) ذات النفوذ محليًا، المعروفة بتحيزاتها وانتماءاتها المعروفة في عرقلة التطور الأكاديمي الحقيقي الذي يعكس طموحات ومصالح أبناء وبنات الشعب العراقي. ويؤمن المصالح الوطنية الحالية والمستقبلية للبلاد بعيدًا عن الاعتبارات الأنانية المعروفة لمنظومة العولمة كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية سيئي الصيت! إن مؤشرات المرحلة الحالية تؤكد بما لا يقبل الشك أن تلك الاعتبارات حقيقية وملموسة وليس وهمًا ناتجًا مما يتهمنا به الآخرون من تبني نظريات المؤامرة! وإزاء مليار ونصف المليار من الدولارات التي خصصت لتأهيل عدد من الشرطة العراقيين. قرأنا في الصحف أن عشرين مليون يتيمة فقط خصصت لرعاية العلماء العراقيين!! فأين هي ياترى حصة الجامعات ومؤسسات البحوث من المليارات التي تنهال على العراق منذ شهر سبتمبر الماضي؟ وهل نصدق أن الأطراف السياسية التي تحابي طرفًا معينًا في الشرق الأوسط سوف تتحمل أن ينهض العراق بعلمائه وقدراته الاقتصادية الهائلة لكي يأخذ نصيبه من التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي دون تفعيل تلك (الاعتبارات) وجعلها جدارًا يمنعه من القيام بتلك النهضة؟ ولدينا أكثر من دليل على ذلك التخوف، منها، على سبيل المثال، عدم الاعتراض على تدمير المفاعل النووي تموز قبل عشرين عامًا المخصص للأغراض السلمية البحتة وللبحوث العلمية والتقنية المتطورة. إزاء تلك المعطيات لابد من ذكر بعض المقترحات التي نراها أساسية لإصلاح الواقع المريض للتعليم العالي في العراق. ولا ينبغي أن نغفل شروط الحالة الشاذة والمعقدة القائمة في هذا البلد الممزق فعليًا على كل الأصعدة. ولانستغرب من حقيقة أن العهد السابق كان يعلم بنهايته الحتمية هذه. لكن الذي ينبغي الإشارة إليه أن ذلك العهد قد برع في جعل البلاد تعيش في قوقعة محكمة محصنة ضد أي تغيير محتمل. وبين ليلة وضحاها وجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها بلا قيادة، بلا سياسة، بلا خطة عمل. ومع دخول قوات أجنبية إلى العراق ووضع مقاليد السلطة الجديدة بيد الاحتلال الأجنبي، ويضمن ذلك قطاع التعليم العالي، نرى اليوم فراغًا مخيفًا في ذلك القطاع، يشمل جميع مستويات القيادة والمجتمع الأكاديمي على وجه الخصوص. وقد أبدع النظام السابق في عزل كل العناصر الجامعية الكفؤة المناوئة والمعارضة للخط السياسي الصدامي، إما بتصفيتها جسديًا، أو بنفيها إلى الخارج، أو نقلها إلى قطاعات لاشأن لها بالتعليم، مما جعل هذا القطاع الحيوي بعد تغيير النظام خاويًا وخاليًا من أية خطة طارئة للعمل، بغض النظر عن صدقيتها أو فاعليتها. يتعين على الحكم الحالي المؤقت والحكومات المنتخبة القادمة أن تنظر إلى التعليم العالي كونه من المجالات الحيوية التي يتقدم بها المجتمع وتزدهر البلاد اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ومع الاهتمام بعناصر التحديث والتطوير التي يجب توفرها، نجد أن التعليم العالي يستلزم بالدرجة الأولى أن يعيد تركيب البنية التحتية المجتمعية، بالالتفات صوب القيم الاجتماعية الجيدة. وأول ما يجب العناية به من أدوات الإصلاح الجامعي هو الالتزام الكامل بكافة بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وإعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي الصادر عن المنظمة العالمية للخدمات الجامعية في ديسمبر عام 1988م والذي أكد على «التنمية الكاملة للشخصية البشرية وإحساس الإنسان بكرامته» وتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والسلم. والتعليم بما يمكن جميع الأشخاص من المشاركة بفعالية في بناء مجتمع حر يقوم على المساواة، ويشجع على التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع المجموعات العنصرية أو العرقية أو الدينية، كما يشجع على التفاهم المتبادل والاحترام والمساواة بين الرجل والمرأة، والمساواة الاجتماعية والسلم والتطور المتكافئ لكل الأمم وحماية البيئة، كما ينبغي لكل دولة أن تكفل الحق في التعليم دون تمييز من أي نوع فيما يتعلق بالعنصر أو اللون او الجنس أو اللغة أو الدين، أو المعتقد السياسي أو غيره من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو حالة الميلاد أو غيرها. العراق وطن فيه شعب حي وخيرات كثيرة، وقد تأسست منذ بداية الحكم الوطني مؤسسات وطنية وصناعية متعددة وكليات ثم جامعات متنوعة. وأقبل أبناؤه على التعليم بصورة واسعة، وأثبتوا في المهمات الصعبة في الداخل والخارج مواقع ممتازة، وكان يمكن أن يتطور إلى درجة كبيرة لولا الانقلابات العسكرية الدموية التي أدت إلى حكم جائر بعيد عن الإرادة الوطنية. فتبددت خبرة أبناء الشعب والثورة الوطنية. فلسفة البحث العلمي إن فلسفة البحث العلمي الذي نبتغيه، تقوم بالأساس على التطور السريع والمستمر في فهمنا للواقع الطبيعي الذي نعيش في أجوائه، ووضع آلية التفكير التي توصلنا بركب الحضارة الإنسانية. والمطلوب من البحث العلمي أهداف ومهمات سامية لتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني والإداري والصناعي لازدهار البلد وتحسين حياة المجتمع، ولا ننسى أبدًا أخلاقية البحث العلمي، التي أصبحت في كثير من الدول الكبرى. ولأجل أن تتم حركة «بحث وتطوير» لا بد من توفر العناصر الأساسية لتنفيذها والخروج بالعطاءات المرجوة. وسنتناول موضوعين أساسيين فيها وهما: *التعليم الجامعي والبحث العلمي. * القاعدة المادية للبحث والتطوير. أولاً: التعليم الجامعي والبحث العلمي إن بداية البحث العلمي تبدأ من سلامة التعليم بمراحله المتعددة وإلى الجامعي، حيث إن في هذه المراحل تظهر القابليات المتنوعة للطلبة، ومنها بعد ذلك يتيسر الاختيار الأمثل في الاتجاه إلى الأبحاث الجامعية بما فيها الدراسات العليا. وفي الوقت الحاضر هناك خطة تعليمية في بعض الدول تقضي بأن لكل محاضرة هدفًا من إلقائها ويكون هدفها مبحث مناقشة. ومن هذا يبدو مدى تفاعل المناهج الجامعية مع حاجات الحياة. وبالتالي في أبحاث الدراسات العليا تفاعل وتجاوب مع خطط التنمية والتطور الصناعي والاقتصادي والإداري التي تحتاج إليها المصلحة الوطنية. ومن الجامعات تنطلق أخطر المهمات الصناعية المختلفة، ويجب أن يخطط لها بحكمة وبعد نظر وتحسب مصروفاتها وإنتاجياتها وأبعادها المستقبلية الأكثر مواءمة مع الموارد أو المصالح الوطنية. وكلما اندفعنا في البحوث العلمية والتقنية الناجحة نكون قد أسسنا قاعدة متينة للتقدم للأجيال القادمة. والتعليم الجامعي في عصرنا يتميز في الديناميكية والسرعة بالتغير ومواكبة كل جديد. ثانيًا: القاعدة المادية للبحث والتطوير بصورة عامة القاعدة العلمية المادية ضعيفة جدًا تاريخيًا، وفي العقدين الأخيرين لم يجر عليها أي تطور بخصوص الجامعات. أما المنشآت الصناعية الأخرى فقد تدمرت وتبعثرت ولم يبق منها إلا الأرض المخربة أيضًا. بالنسبة إلى الجامعات العراقية فإن المختبرات البحثية فيها قليلة جدًا وقديمة. ولهذا فالإمكانات البحثية فيها محدودة جدًا حتى في جامعة بغداد والجامعة التكنولوجية وجامعة المستنصرية وجامعتي الموصل والبصرة. لهذا نحتاج إلى جهود مضنية وتوفير الأموال اللازمة لتأسيس مختبرات بحوث متقدمة، نحن الآن في أمس الحاجة إليها. فضلاً عن ذلك فإن البحث العلمي والتكنولوجي في عصرنا لا يحتاج إلى قاعدة علمية بحثية واسعة وقابلة للتطور الدائم بما يستجد من أجهزة متقدمة فقط، ولكن في الوقت نفسه بحاجة إلى ورش تقنية متقدمة عالية الدقة وتعمل بالعقول الإلكترونية. وهذا ما هو موجود في جامعات العالم المشهورة. وما لم ننظر إلى واقعنا الحالي لا نستطع أن نضع مقياسًا للمستقبل، إن كليات جامعاتنا العريقة، ولتكن كلية العلوم في جامعة بغداد، تفتقر إلى ورشة فنية صالحة بجميع أقسامها العلمية التسعة، فكيف يتوفر البحث المنتج؟! ونحن نعرف أن أكثر الفتوحات العلمية تظهر من الجامعات ومراكز البحوث المرتبطة فيها. إن مستقبل الأبحاث في العراق لا يكون بأحسن مما كان ما لم تدرس حالة القاعدة المادية، وتوضع خطة شاملة تبنى على أساس حاجة البحث العلمي المتكامل والشامل وترصد لها الأموال اللازمة، ونكون قد خدعنا أنفسنا إذا رضينا بأن نعمل بالموجود كما كنا نرضى صاغرين! في مثال (وإن كان كارثيًا) كيف يمكن أن تنفذ أعلى درجات الأبحاث العلمية إن توفرت القيادة المتجاوبة مع مطالب العلماء؟ عندما كانت حمى تطوير أسلحة الدمار الشامل في سباق مع الزمن أوائل الحرب العالمية الثانية بين الدول المتحاربة، قدم مجموعة علماء في أمريكا، ومن بينهم أينشتين طلبًا إلى الرئيس روزفلت لتخصيص الأموال اللازمة والأجهزة، وإطلاق حرية عملهم دون روتين حتى يمكن أن يحققوا إنتاج القنبلة الذرية، وفعلاً قدم لهم كل ما كانوا يطلبون دون إبطاء، واستطاعوا أن ينتجوا ما أنتجوه قبل غيرهم. ويجب أن نذكر أنهم ندموا وأصبحوا رسل سلام، وقام أوبنهايمر وجماعة معه تطوعًا وليس تجسسًا أو لأغراض مادية بإعطاء أسرار القنبلة الذرية إلى الاتحاد السوفيتي حفاظًا على السلام العالمي، وعرض نفسه للإعدام بغية إيجاد التوازن ومنع استعماله مرة أخرى. البحث والتكنولوجيا الآن في سباق مع الزمن، وعليه فنحن بحاجة ماسة إلى إعادة شاملة وبرنامج محسوب ماديًا وزمنيًا حتى نستطيع استيعاب العقل العراقي وعبقريته، واستغلال القابليات المختلفة في البحث العلمي والتقني في إطار «انفجار المعلومات». وكلنا أمل أن تكون للعراق إدارة مخلصة وحريصة تتابع الأبحاث العلمية، وتحقق متطلباتها اليومية والاستراتيجية، فتستجيب لطموح العلماء بإنشاء قاعدة علمية مادية، تستجيب هي الأخرى بدورها إلى كل ما يمكن أن يطلب منها في ميادين البحث والتطوير، وطبيعية الجامعات، وهي أم العلماء ومستهل الفتوحات العلمية، ليست كافية لسد الحاجة الكاملة للوطن، ولا بد من تأسيس مراكز بحوث تقوم بتلبية الأبحاث الميدانية المباشرة. وبالرغم من أن مراكز البحوث التي سندرجها قد يكون قسم منها قد أنشئ وموجودًا، ولكن العهد السابق لم يعط أي اهتمام لبحوث متقدمة جدية مفيدة بل عدها واجهة للدعاية لا بد منها، لأنها لم تكن تحوي أحدث الأجهزة وتقنيات البحث المتطورة، فضلاً عن أن الحكم المستبد والمبذر للأموال لم يكن بحاجة إلى استثمار شئ من أبحاث هذه المراكز أو أن يربطها ببرامج صناعية تطورية. ومما يجدر ذكره هنا أن مجلس البحث العلمي الذي تأسس في العراق في سنة 1980م، وكان يضم عددًا من مراكز البحوث، وحاول جاهدًا تطوير أبحاثه، وعقد مؤتمرات علمية دولية استفاد منها كثير من علماء العراق، ولكن مع هذا كان مقيد الصرف على القاعدة المادية العلمية المطلوبة، وفي سنة 1989م تم إلغاؤه وبعثرة أجهزته بحجة أنه لم يستطع أن يقدم ما هو مطلوب منه، بدلاً من أن يدرس السبب وتوضع خطة وبرنامج لكل مركز بعدئذ لتنفيذه، بعد إطلاق يد الباحثين والمركز بتوفير المستلزمات المادية للتنفيذ. فكيف نطلب من مركز بحوث تحقيق عمل دون أن تتوفر له المستلزمات اللازمة؟ والآن المراكز التي نرى ضرورة إنشائها أو تطوير أعمالها هي: *مراكز بحوث علمية للتقنيات الحديثة وهذه قد تتضمن بحوث الكهروبصريات، والإلكترونيات، والبوليمرات، والمواد المتراكبة، والاتصالات، والتوصيلية الفائقة في درجات الحرارة العالية والتقنية الحياتية وغيرها من التقنيات الحديثة، ولسنا بصدد مناقشة أهمية هذه، حيث إن كل قارئ في هذا العصر يلمس ويعيش ويستخدم هذه التقنيات ويلاحظ التطور النوعي الدائم في إنتاجها. لذا تكون الحاجة ملحة لتأسيس مراكز بحوث تلاحق التطورات السريعة، وتتعاون مع المؤسسات والمصانع التي قد تنتج أجهزة ذات علاقة بالأبحاث. * مراكز البحوث الطبية من المتفق عليه الآن أن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالرغم من ذلك فإننا بحاجة وتنقصنا كثيرًا الأجهزة الطبية الحديثة والمتطورة ذات التقنيات الدقيقة والتي بدونها لا تثمر البحوث الطبية، وبسبب الرواتب القليلة جدًا للأطباء ضعف البحث العلمي كثيرًا، وبرغم التحسن ما زال راتب الطبيب لا يتجاوز 150 دولارًا في الشهر، فكيف تنمو الأبحاث، أو يندفع في الخدمة، ناهيك من البحوث وتطوير الحالة العلمية المادية. يكفي أن نضرب مثلاً: خريجو إحدى السنين (1991م) من الأطباء 864 طال بًا من جميع كليات الطب، هرب منهم خلال سنة تخرجهم 690 طبيبًا وهكذا باقي الدورات التي قبلها وبعدها، حيث كان راتب الطبيب لا يتجاوز ما يعادل دولارين في الشهر (300 دينار عراقي) في سنة 1994م. مما سبق يبدو أننا بحاجة إلى ثورة ناهضة في النشاط الطبي لإرجاع الأمور إلى حالتها الطبيعية، حتى يأخذ العلماء الأطباء بأيديهم المسؤولية ـ فضلاً عن عملهم الروتيني اليومي ـ لأبحاث تتناول الحالة المرضية العامة والأمراض الخطيرة، التي يعانيها الشعب العراقي بسبب ظروف الحياة الصعبة، وإطلاق حرية حركتهم في توفير المستلزمات الضرورية ذات التقنية العالية لعملهم. *مركز بحوث النفط يدرس ويبحث في إنتاج كل ما يمكن استخلاصه من هذه المادة مثل البتروكيماويات، والنايلون، والبلاستك، والأسمدة، والأدوية، والأصباغ، والمبيدات، والمطاط الصناعي وغيرها، فضلاً عن أهمية تطوير إنتاج الزيوت والمشتقات النفطية الأخرى، حيث إن المشتقات الحالية لا تنافس مثيلاتها الخارجية. *مركز البحوث الحيوانية هذا الموضوع لم يعط أهمية خاصة طيلة السنين السابقة، ولم تتبع أبدًا الطرق العلمية الحديثة في تطوير تكاثر الأبقار والأغنام وزيادة عطائها، ونعتمد على استيراد العجول، بينما العراق مؤهل للتربية والتكاثر، وهكذا بالنسبة لباقي الفقرات. إن الوضع رديء إلى درجة أن السوق المحلية مليئة بالحليب والأجبان المستوردة، والمنتج المحلي لا يفي بـ10% من الحاجة الوطنية. ولهذا فنحن الآن نفتقد الأمن الغذائي من هذه الناحية. كما تتوجب الضرورة الاهتمام بالمراكز الآتية: *مركز بحوث الموارد المائية. *مركز بحوث الفضاء. * مركز بحوث الطاقة المتجددة. * مركز بحوث البيئة وحمايتها. يشكل ميدان التربية والتعليم في ظروف العراق المعاصرة الميدان الأكثر يقينًا لتحقيق فكرة الثقافة البديلة. والقضية هنا ليست فقط في أن العقود الثلاثة الأخيرة من حكم الدكتاتورية وحروبها المستمرة قد أنهكت المجتمع عبر عزلها جيلين على الأقل عن العلم والمعرفة، بل ولتشويهها بنية المعرفة وأصولها من خلال سيطرة الهامشية الاجتماعية والسياسية على مقاليد الحكم، والتحكم المفرط للأيديولوجية البعثية الفجة في كل شيء. وبما أن الثقافة هي الميدان الأكثر رقة وشفافية، من هنا خرابها الفظيع في ظروف العراق الحالية. وهو خراب يمكن ملاحظته بوضوح في تشوه المدرسة وبنيتها التربوية والتعليمية. بينما تشكل المدرسة العمود الفقري للثقافة والعلم والمعرفة، إذ لم تكن «إنجازات» المرحلة الدكتاتورية في هذا الميدان في الواقع سوى استنزاف الطاقات العلمية والثقافية الهائلة المتراكمة في العراق حتى 1968م (عام اغتصاب البعث الصدامي للسلطة). وهو حال يمكن ملاحظته بالعين المجردة دون الرجوع إلى الإحصاءات المخزية التي تشير إلى مستوى الهبوط المثير الذي وصلت إليه المدرسة العراقية في جميع المجالات والمستويات، بدءًا من «تربيتها» للجهل وانتهاء بالحالة المزرية للمعلم والمعلمة (راتب يومي بقدر خمس سنتات!) مع ما يرافق ذلك من هبوط أخلاقي ومعنوي وتربوي وعلمي. وهو واقع لا معنى لتناوله بإسهاب، وذلك لأنه لا يحتوي في حد ذاته على ما يستحق التأمل والفحص والتدقيق. بمعنى أن كل ما فيه هو نتاج لسياسة التخريب التي ميزت تاريخ ونموذج التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في العراق. فقد كانت هذه التوتاليتارية والدكتاتورية خروجًا صارخًا على حقائق التاريخ والعقل والمنطق. وهو أمر جلي للغاية في طبيعة وكيفية انهيارها وزوالها وكذلك في «ديمومة» الإدانة الأخلاقية والتاريخية لها في الذاكرة العراقية، ما يخفف بدوره من «مهمة» إعادة بناء التربية والتعليم من الناحية المعنوية، ولكنه يثقلها من الناحية المادية. فمن الناحيتين المعنوية والسياسية ينبغي رمي كل «تجارب» التوتاليتارية والدكتاتورية إلى المزبلة. وهو فعل لا يتصف بالتشفي السياسي، بقدر ما ينبع من إدراك طبيعة هذه «التجارب» التي لم تكن في الواقع سوى ممارسة الجهل والتجهيل والتخريب المادي والمعنوي لأسس وأصول التربية والتعليم المتراكمة في العراق والعالم والتاريخ. أما من الناحية المادية، فإن القضية أشد تعقيدًا بسبب الخراب الهائل للبنية التحتية في العراق بشكل عام وفي ميدان التربية والتعليم بشكل خاص. وبما أن حالة التربية والتعليم هي معيار حقيقي لمستوى تطور المجتمع والدولة والثقافة والعلم والمعرفة، فإن مؤشراتهما في ظروف العراق الحالية بعد سقوط الدكتاتورية تشير إلى مدى الخلل البنيوي الهائل فيهما، إذ كل ما في العراق مشكلة. ومفارقة الدكتاتورية البائدة في العراق هي تحويلها كل شيء في الوجود والحياة إلى معضلة، بحيث جعلت من المدرسة معضلة أيضًا. مع أن المنطق والأخلاق والحقيقة يفترض أن تكون المدرسة ميدانًا لحل المشكلات الصغرى والكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع. وهو واقع يفترض بدوره صياغة فلسفة جديدة للتربية والتعليم في العراق تعيد بناء المؤسسة التعليمية بشكل عام والمدرسة بشكل خاص، بوصفها مقدمة الوحدة الضرورية للتربية والتعليم والعمود الفقري للتطور اللاحق. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أية فرضية علمية تتعلق بتأسيس البدائل المحتملة لحالة التربية والتعليم الملموسة في العراق، تستلزم بالضرورة الانطلاق من إمكاناته الواقعية وتحديد الغايات الكبرى منها. وفيما بين المقدمات الواقعية والغايات الكبرى ينبغي إرساء أسس ما يمكن دعوته بمنظومة الرؤية العقلانية للبدائل. فالمقدمات الواقعية للمدرسة العراقية الحالية ضعيفة للغاية. إنها تعاني خللاً بنيويًا شاملاً في التركيبة والآلية والمنهج، والشيء نفسه يمكن قوله عن بنيتها التحتية سواء ما يتعلق منه بالأبنية والتجهيزات أو الكفاءات. وهو خلل عريق نتاج مرحلة كاملة مما سمّيته بسياسة التخريب والتجهيل. إلا أن العراق يمتلك طاقات كبرى وإمكانات هائلة لتجاوز هذا الخلل البنيوي من الناحية المادية. وهو تجاوز قابل للتحقيق السريع في حال تحديد الغاية الكبرى من المدرسة باعتبارها أساس التنمية الشاملة والرقي الحضاري، مما يفترض بدوره أن تحصل على الحصة الكبرى إلى جانب الصحة من ميزانية الدولة. والسياسة العقلانية بعيدة المدى في ظروف العراق الحالية تفترض من الدولة أن توجه ما لا يقل عن 25% من ميزانيتها السنوية لمدة 17 عامـًا للتربية والتعليم والصحة، من أجل رؤية نتائجها المباشرة في تخريج شريحة اجتماعية كبرى تنهي المدرسة بجميع مراحلها من الابتدائية حتى الجامعية ضمنًا. وهي مهمة قابلة للتحقيق بما في ذلك نتائجها المرجوة في حال استناد التربية والتعليم إلى منظومة متجانسة من الأنساق التربوية والتعليمية تشكل صلب ما سميته بمنظومة الرؤية العقلانية في فلسفة التربية والتعليم البديلة في العراق. وفيما لو اختصرنا الفكرة الجوهرية لهذه الفلسفة، فمن الممكن وضعها بعبارة «تربية التعليم وتعليم التربية في جميع الأنساق الضرورية للمدرسة البديلة في العراق». وهي فلسفة تفترض بدورها تجانس الأنساق ووحدتها، أي جعل الأنساق منظومة والمنظومة أنساقًا متوحدة في الآلية والغاية. وهذا هو الأسلوب الذي يمكنه أن يصنع شخصية متكاملة ذاتيًا بالمعنى الفردي والاجتماعي والقومي. وتنبع ضرورة الأنساق المتجانسة من إدراك قيمة الأوزان الداخلية، أي من إدراك قيمة الاعتدال بالنسبة لكل فعل إصلاحي كبير. فالأنساق المتجانسة في التربية والتعليم هي أسلوب ضمان تربية الروح العقلاني المعتدل. وهي الشرط الضروري لتطور الدولة والمجتمع وتراكم الثقافة والمعارف. والمدرسة هي ميدان اختبارها الدائم وتحقيقها الملموس في الأجيال. فالاعتدال هو الصيغة المثلى للواقعية والعقلانية. أما التربية والتعليم فإنهما بحاجة دائمة إلى وحدة الاعتدال والعقلانية بوصفها أسلوب تراكم وتكامل المعرفة والإبداع، كما أنها أسلوب تأسيس وإعادة إنتاج المدارس الفكرية. وفي هذا يكمن الشرط الضروري لترسيخ وتهذيب الأساليب الواقعية والعقلانية لقطع دابر الراديكالية بمختلف أصنافها. إنها تقطع الطريق على قطاع الطرق، بما في ذلك ميدان المعرفة والتربية. وبهذا تشكل المقدمة الضرورية لتراكم شروط الاجتهاد والإبداع. إن إدراك الأهمية العلمية والعملية «لتجفيف» منابع الراديكالية، فيما يتعلق بمهمة ترسيخ الأسس العقلانية والواقعية في ميدان التربية والتعليم في العراق المعاصر، من معايشة وملاحظة أثرها التخريبي الهائل بهذا الصدد. فقد أدت الراديكالية هنا إلى تخريب شامل لحقيقة وأسس وبنية التربية والتعليم، ما يفترض بدوره صياغة رؤية شاملة ومنظومة متكاملة من حيث أنساقها لإعادة الحياة لهما. وسوف أتناول هنا فقط أنساق المنظومة المقترحة (وهي سبعة) ومبادئها الأساسية في منهج التربية والتعليم. وهي رؤية تتوجه صوب تربية الشخصية وتكاملها الذهني والمعرفي والحسي، بوصفها المقدمة الضرورية لصنع مقوماتها الجوهرية في الإبداع الحر والمسؤول. وليست هذه الرؤية المقترحة سوى نموذج فكري عام لإعادة بناء منهج التربية والتعليم للمدرسة الابتدائية من الصف الأول إلى السادس، باعتبارها أهم وأخطر المراحل الجوهرية في التربية والتعليم. التربية العقلية: وهي مقدمة وأساس التربية والتعليم، انطلاقًا من كونها المقدمة الجوهرية للكينونة الإنسانية والتطور العلمي والتقني والازدهار الحضاري. أما المبادئ الأساسية التي ينبغي إدراجها في مناهج التربية والتعليم فهي: ü وحدة الشكل والمضمون في التربية والتعليم. ü أولوية وجوهرية العقل والعقلانية في الكلمة والعبارة والتحليل والرؤية والمواقف. ü ترسيخ الرؤية النقدية (وحدة الماهية والسببية والكيفية العلمية في النظر إلى الأشياء والظواهر من خلال الطرح الدائم للأسئلة ال ثلاثة: ما هو؟ لماذا؟ كيف؟ ü تعزيز الفردانية وتأسيس الفردية الاجتماعية. التربية الروحية: وهي الحلقة الثانية المكملة للتربية العقلية، إذ فيها ومن خلالها يجرى تجسيد وتحقيق التربية العقلية، انطلاقًا من أن الميدان الحقيقي للعقل هو الفعل الاجتماعي. وهو فعل يستحيل التحقق منه والبرهنة عليه وكشف السبل المتنوعة أمامه دون بناء الشخصية الأدبية أو الأخلاقية. وهي شخصية قابلة للتكامل المتجانس مع التربية العقلية في حال استنادها إلى المبادئ التالية وهي: ü ترسيخ أهمية القيم الأخلاقية. ü تأسيس القيم الأخلاقية العملية. ü ربط القيم العقلانية والعملية بالتراث القومي والإسلامي والعالمي. ü ربط القيم الأخلاقية بفكرة الحق والحقوق. التربية الحقوقية: لا يمكن ربط التربية العقلية والروحية في تنشئة الشخصية الاجتماعية دون تحصينها بفكرة الحق والحقوق. فهي الوحيدة القادرة على أن تعطي لأقوالها وأفعالها وتفكيرها بعدًا متلازمًا بين الحقيقة والحق. وهي المقدمة لتكامل الشخصية المتنورة والفاعلة. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü التأسيس العقلاني والأخلاقي لفكرة الحق الطبيعي والاجتماعي والأخلاقي. ü الحقوق هي الشرط الضروري للوجود الإنساني الحق. ü الحقوق هي محور وجود الفرد والمجتمع والدولة والقيم. ü ربط الحقوق بالواجبات. التربية الجمالية: إن تأسيس الأنساق العقلية والروحية والحقوقية في التربية الذهنية والنفسية الاجتماعية للفرد والجماعة هو المقدمة القادرة على استيعاب منظومة التربية الجمالية، خصوصًا أنها أكثر الصيغ فاعلية في تجانس المكونات الحسية والنفسية والعقلية للفرد. وفيها ومن خلالها يمكن تنسيق التربية الذاتية ودفعها صوب الفعل الاجتماعي الحر. وذلك لأن أهمية وقيمة الجميل والجمال بالنسبة للذهنية والعقل تقوم في قدرتها على مشاهدة وتتبع وإنتاج التجانس الضروري في كل شيء. فالجمال هو الثمرة الدائمة لإدراك وتحقيق النسبة المعقولة والضرورية للوجود. ومهمة التربية الجمالية تكمن في قدرتها على تهذيب وشحذ هذه «النسبة» المثلى في القول والفعل والإبداع. من هنا قيمتها وفاعليتها الجوهرية بالنسبة لتكامل الشخصية وتحررها وتطوير ملكة الإبداع فيها. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü التأسيس الدائم لفكرة الجميل وتحقيق نماذجها العملية في المواقف الفردية والجماعية تجاه جميع نواحي الحياة. ü غرس مبدأ «الحياة هي الجمال، والجمال هو الحياة». ü الربط الدائم بين الجمال الدنيوي والأخلاقي. ü غرس فكرة الجمال والجميل في العقول والأفئدة (الأبعاد العقلية والوجدانية للجمال) وجعلها أسلوبًا لتحقيق الحرية انطلاقًا من أن الجمال هو الحرية والحرية هي الجمال. تربية الحرية: إن الحرية هي الغاية الفعلية من تطوير الشخصية وتكاملها الذاتي. فهي القوة القادرة على ضم الأنساق العقلية والروحية والحقوقية والجمالية في فعل واع. كما أنها النسق المنسق للإحساس والعقل والحدس في الكلمات والمواقف والأفعال، وبالتالي في الإبداع ككل. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü حرية تذلل فكرة وممارسة وقواعد المنع والزجر. ü الحرية الفردية. ü تربية فكرة الإخلاص للحق والحقيقة والنظام. ü حرية الإبداع غير المتناهي. تربية الروح المبدع: إن تحقيق الأنساق الآنفة الذكر في رؤية منظومية للتربية والتعليم في كل من المنهج والتطبيق يؤدي إلى صنع أسس ما يمكن دعوته بذهنية الخيال المبدع، بوصفها الغاية الفعلية من مشروع التربية والتعليم. وليس المقصود بذهنية الخيال المبدع هنا سوى تهذيب الاستعداد الفعلي والقدرة الواقعية عند الفرد من أجل تكامل الشخصية الاجتماعية والإبداعية. بمعنى العمل من أجل إرساء الشروط الضرورية الفاعلة في اتجاه تكامل الشخصية الاجتماعية وروحها المبدع. إن مضمون ذهنية الخيال المبدع المشار إليه أعلاه يضع إشكالية الإبداع في صلب مهماته العملية؛ وذلك لأن ذهنية الخيال المبدع بوصفها استعدادًا فعليًا وقدرة واقعية على تهذيب الاستعداد الفعلي والقدرة الواقعية عند الفرد من أجل تكامل الشخصية الاجتماعية والإبداعية، هي الأسلوب الضروري لتحقيق فكرة وخيار الاجتهاد الدائم. والمقصود بالاجتهاد الدائم هنا هو الاستجابة العقلانية والإجابة الواقعية عن الإشكاليات الفعلية التي تواجه مهمات التقدم الاجتماعي والتطور المتجانس للدولة والأمة. وفي ميدان التربية والتعليم لا يعني هذا سوى تحقيق الغاية الكبرى من التربية والتعليم، ألا وهي إيجاد النسبة الحية بين الخيال والحقيقة. فهما الوجهان المتداخلان لحرية الإبداع المقيدة بالبحث والاجتهاد الدائمين عن سبل وأشكال تمثل الحق والحقيقة في نماذج غير قابلة للحصر. أما أهم مبادئها فهي: ü الروح المبدعة هي «الأنا المبدعة». ü «الأنا المبدعة» هي سبيكة الحقيقة والخيال. ü الحقيقة والخيال هما وحدة الماضي والحاضر والمستقبل. üتنمية روح الالتزام بالإشكاليات المعاصرة والبحث المبدع في المستقبليات. التربية الثقافية ـ القومية: وهي إيصال أنساق التربية والتعليم تلقائيًا إلى إدراك قيمة الأبعاد الوطنية والقومية في الشخصية الفردية والاجتماعية. وهي تربية ينبغي أن تندمج فيها الرؤية المضمونية والمنهج بالشكل الذي يجعل من التربية القومية تربية للروح الثقافية. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü العراق هو كينونة تاريخية ثقافية وليس تجمع أعراق. ü القومية العربية متفتحة من حيث مكوناتها الجوهرية، جذورها التاريخية في مناطق العالم العربي المعاصر، وأنها قومية ثقافية وليست عرقية. ü إن صورتها المتكاملة في التراث الإسلامي، وقيمتها في قدرتها على تمثل حقائق التاريخ العالمي والمساهمة في إبداعه. ü القومية القوية هي القومية المتحررة في إبداعها المادي والأدبي، وقوتها على قدر مساهمتها في الإنتاج والعلم والتقنية والأدب والفن. يلجأ البحار إلى مسبار كي يقيس عمق البحر، وقد حاول الإنسان أن يخترع وسائل قياس لكل شيء ما عدا الحقيقة، التي بقيت محيرة في أبعادها كافة، بما في ذلك البعد الزمني، والموضوع الذي يهمنا هو: الثقافة في العراق، لكننا نقف حيارى أمام مثل هذا العنوان، ما المطلوب؟ وما المنهج الذي علينا السير بحسبه؟ فالعراق بلد متعدد الثقافات وكل الحضارات التي سادت على أرضه تركت بصماتها الغنية وتركت أيضًا ندبات عميقة على جسمه. من جهة أخرى هل الوقت اليوم ملائم للكتابة عن مثل هذا الموضوع، وهل نمتلك مسبارًا قادرًا على أن يعمل والبحر لا يزال هائجًا متلاطم الأمواج؟ وهل يمكن للناس أن تعنى بالثقافة والموت يسير في الشوارع ويسرح على الطرقات، والإرهاب والاغتيالات أصبحت أمورًا عادية؟ قد يضيع المرء في التحليل وفي محاولة قراءة الكم الكبير من معطيات أشبه بالخطوط المتقاطعة، والتي نسجت حياة العراق الاجتماعية. فالعراق ما فتئ يكوّر نفسه ويجمع قواه لكي يقاوم الزمن الأسوأ، ويحاول أن يعطي أحسن ما فيه لمجابهة الأمواج الشاهقة، فاختلطت الثقافات المحلية بما جاءته من الخارج. لذلك لا يمكن أن نستطلع حقيقة ثقافة العراق إلا من خلال قراءة تلك الخطوط المتقاطعة، نحاول أن نجمعها من هنا وهناك، لنطل على هذا العالم الغني، نزورها بعيون الغربة كأننا سياح، فنلقي نظرة تعجب وتأثر وتعاطف ودهشة، ويلاحظ ذلك كل من يزور العراق للمرة الأولى، هذا الطابع الواثق بطريقة العيش في ظروف هي، أقل ما يقال، أنها بقيت على مدى طويل على هامش الحياة، إذ بقي هذا البلد في عزلة مفروضة، وقد يتجلى ذلك في قابلية التكيف على ما بقي لديه، والقبول لتمشية كل جوانب الحياة بالنقص بكل أشكاله، فهو يكشف عن رغبة قوية للتبادل واللقاء مع الآخرين، في الخارج والداخل، إن ثقافة العراق في حناياها هي ثقافة عزلة تنكشف في سلوك الناس وفي أفكارهم وشعرهم وغنائهم، وحتى في تصوفهم وتعاملهم مع المطلق. ثقافة العزلة إن غالبية الذين هاجروا من العراق في القرن الماضي، وخصوصًا الذين اضطروا إلى ذلك، وعاشوا بين ظهراني شعوب أخرى، يعانون الشعور بالغرابة، قد يكون مرجعه ما يحملونه في أعماقهم من رؤيا للحياة ومن قراءة مختلفة لها. فيبقى المهاجر العراقي غريبًا، بسبب ثقافته الخاصة، ونظرته إلى الحياة، يصعب عليه إيصال ذلك إلى الآخرين وهذا يؤلم ويدهش، وعندما ينجح العراقي في إيصال ذلك والتعبير عن ذلك الشعور، يلمس حدود الإبداع، وإذا ما توفرت له الظروف فقد يصل إلى مناطق من التصور لا يقيمها هو، وإنما كل من يزور العراق يشعر بأنه لن يخرج منه صفر اليدين، إذ يتعلق بهذا البلد وأبنائه. إن العراقي بصورة عامة مثقف وفنان بالفطرة، لكنه لا يتعامل مع الثقافة كتعبير مريح وإنما يشعر بأن ذلك بمنزلة حمل ثقيل، كمن أصيب بقدر سلبي ينتظر من يزيحه عنه أو يعالجه منه أو يساعده على أن يقرأه له ويخفف عنه. وإذا ما حاولنا أن نقارن الثقافة في العراق، يمكن القول لا أرى ما يوازيها في العالم سوى الثقافة الروسية التي هي الأخرى تميزت بالمأساة، وفي كلتيهما يتجلى ذلك في كل أشكال الفنون والآداب، بل حتى في استعمال الكلمات واللغة وخصوصًا في الشعر، يتجلى ذلك في صعوبة العيش، في أرض عصية، برغم خصبها وغناها، عليه أن يقتلع الخبز من باطن الأرض فهو الذي اكتشف الحنطة في الشمال قبل كل الشعوب، وهو الذي اكتشف الرز في الجنوب، بالزراعة اكتشف الشوك والحسك والمعاناة فقيل له: «بعرق جبينك تأكل خبزك». ارتبط بالمأساة فجاءت صفحات تاريخه محملة بالشك وبالغضب، ولكنها أيضًا محملة بالسخاء والحنين إلى فردوس مفقود ما زال يبحث عنه منذ جلجامش في قلقه، والسندباد في ملله من حياة بغداد الغنية والرتيبة إلى آخر مهاجر حائر يقف على الرصيف ويسأل نفسه: ماذا أفعل هنا؟ نسي ما جاء به إلى هناك، وبقي يبحث عن تلك الصداقة التي كانت تغمره بديهية، صاعقة، لا تردد فيها، صداقة قادرة على أن تجمع الأعداء، أعداء الأمس، وتحوّل اللقاء إلى رقص، رقصة الفنون، تمتد حتى الليل وتطال تلافيف الفجر، لا عجب إذًا أن يكون أبو المؤمنين، المهاجر العراقي الأول، قد دعي «الخليل» إذ انكشف له، وللمرة الأولى، وجه آخر حقيقي، لا كصورة يعبدها، وإنما كشخص يحبه أكثر من الضنى، ذلك الحي وحده سيضع الحد الفاصل بين حقيقة الحياة والموت. الإطار والصورة إن تاريخ العراق يتميز ببروز هذا التباين الشديد بين الموت والحياة، ومن لا يصل إلى قاع المأساة لا يتعرف القمم، والحال هذا يتكرر في تاريخه القديم والحديث على السواء، وكان في كل مرة يستجمع قواه لإعادة البناء، والبدء من الصفر، ألم تكتب هنا أولى الملاحم التي تدور حول دمار الكون والطوفان؟ ألا تقف البشرية باحترام أمام الأساطير التي دبجها العراقيون، والتي تبدو وكأنها كتبت للتو، هل يوجد في العالم أشمل من التساؤلات التي طرحت وتطرح من قبل الشعراء والأدباء والروحانيين والمتصوفة؟ ألم تكن تلك المحاولات بمنزلة سلم صعد بها الإنسان إلى الأعالي؟ والسؤال يبقى: لماذا يتميز العراق بكل هذه القوة والعناد والتصميم، وقد اعتاد ذلك منذ فجر التاريخ؟ أعمال البناء عنده لا تعني الترقيع، أعمال الزراعة، والبنى التحتية، كل ذلك كشفت إرادة تتسابق مع الزمن وتحاول أن تمسح ما حملته إليه الذاكرة مما مر عليه وكأني به يحرق قواه وطاقاته بانتظار عودة إلى الحياة الطبيعية والاقتصادية وللتبادل مع الآخرين، فيضحي ويقبل بالموت، يعود أدراجه. هكذا دارت الحياة الاجتماعية تحت ضغط مطرقة المآسي من جميع الأشكال، خصوصًا الاقتصادية منها، كم من غني افتقر! وكم عزيز ذل! أما الأغلبية من أبناء الطبقات الوسطى، فبقيت ذات الكفاف، يتجلى ذلك عندما تمتد أصابع الفقر إلى شوارع المدينة، فبيعت آلاف الكتب على الأرصفة، وانتشر الأطفال، عوض أن يملؤوا المدارس، يستعطون في التقاطعات، أو يلجؤون إلى العمل في أسوأ الظروف، وامتدت بثور الفساد، كمرض البرص، على وجه المجتمع، الفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي والمالي. وتلك ظواهر وإن عرفتها كل البلاد التي مرت في حروب واضطرت إلى الاكتفاء بالقليل والنادر الذي لديها، لكن العراق بصبره فاقها جميعًا. وإن كانت الحروب العالمية لم تتجاوز خمس سنوات، لكن ما حدث في العراق جدير بقراءة أخرى، فأي بلد عاش خيرة شبابه في الأسر عقدين من الزمن؟ وأي بلد استطاع أن يبقى قويًا في الأمل برغم كل ما حل به من مصائب وفقدان الآلاف من أبنائه؟ صورة الثقافة وثقافة الواقع مما أثار اهتمام العالم بعد 9/4/2003م هو تعرض المتاحف العراقية إلى السرقة، وانتشرت في كل أنحاء العالم قطع ثمينة من الإرث البشري، لكن هذا ليس بالجديد، بل اهتمام الإعلام به هو الجديد. هذه السرقات قديمة منذ قرون، ومنذ قدوم أول الرحالة، لكن ما سرق من لوحات الرواد والمتاحف هو ما كان يعد ملكًا للدولة، لكن لم يهتم أحد بما بيع من مقتنيات الأفراد بأسعار زهيدة. باعت بعض العوائل مجوهراتها ومصوغاتها وأثاثها وسجادها الثمين، قطع لا تقدر ثمن انتشرت في السوق السوداء، أخذها تجار، وحتى دبلوماسيون إلى الخارج، باعوا آثارًا ومخطوطات نادرة، وقد صرحت منظمة اليونسكو أن ما يربو على أربعة آلاف قطعة أثرية معروفة ومسجلة، هي في عداد المفقودات، إلى جانب نوادر الكتب التي تقبع في سراديب شارع سوقرن في باريس، أو لدى تجار الأثاث الذين يمنون النفس بتسويق كل ذلك في مستقبل قريب عندما تخف المراقبة. إن الحالة التي آلت إليها حالة التراث الفني في العراق تكشف عمق ما حدث وما يحدث، منذ أن بدأ الغرب يهتم بآثارنا، أي منذ أواسط القرن 19، عندما بلغ السباق بين قنصلي بريطانيا وفرنسا في ولاية الموصل أشده، فكان كل منهما يحاول الاستيلاء على أكبر كمية ممكنة من اللقى، عقبهما تجار من كل الأصناف الذين كانوا يعرضون ما يجدونه من آثار تنقب بشكل عشوائي، فيحفرون كيفما اتفق، وإذا ما كانت القطعة كبيرة أو التمثال ثقيلاً، عمدوا إلى قطع الرأ س فقط، فيبيعونه أو يذيبون الحلي الذهبية واللقى المعدنية ليبيعوها بسعر المعدن فقط، فضاعت كنوز لا تقدّر بثمن وما سلم منها إلا القليل جدًا. وما حدث بعد سقوط النظام السابق، أن قامت عصابات تحفر وتنهب الآثار بلا رادع يردعها فقامت أحيانًا مروحيات التحالف بملاحقة بعضهم بعضًا لكن ماذا حدث في الحقيقة لا أحد يدري، قد يخبئ المستقبل مفاجآت بما لا يمكن مقارنته بما حدث في مصر لقبور الفراعنة على أيدي اللصوص. الثقافة الهامشية هذا ينقلنا إلى الثقافة الهامشية وسوق خاصة بالنسخ والنقل والاتجار بالمنسوخ من اللوحات والمخطوطات والأعمال الفنية الأخرى، ولها أيضًا جمهورها وروادها، لها محلات مضاءة في مناطق خاصة في بغداد وبعض المدن الكبرى، حيث يتجول هواة الشرقيات يأتون من كل حدب وصوب، يتعاملون لخفض سعر ما، يعرضه لهم تجار الكتب من خليط بين فن حقيقي وذوق مشبوه، وقد أخفى الفساد الذي حصل للبلد وجه الأغنياء الجدد، فقد كان من الطبيعي في العراق، فيما سبق، أن تكون البيوت غنية من الداخل عادية المظهر من الخارج، لكن الأمور أصبحت في العقود الأخيرة معكوسة، ترى واجهات البيوت مزدانة ومرصعة بالمرمر والحلان، لكنها من الداخل مهملة فقيرة قبيحة الذوق والمحتوى، وقد لاتجد فيها كتابًا واحدًا، فالكثير من الفنانين والمثقفين غادروا البلد واضعين البلد في حالة نزف مروع في الطاقات والقابليات، وصرنا نرى، منذ سقوط النظام، ونشعر بما تركته هذه الهجرة من فراغ موحش، وشعرنا بخطورة ما حدث، خلال العقود من حكم ذلك النظام، من تفسخ في الشخصية العراقية، وصعوبة الإمساك بزمام الأمور، والحيرة السائدة لدى الأغلبية أمام الموقف الواجب اتخاذه، ويكفي أن نقرأ عناوين الصحف التي تصدر في العراق اليوم، وهي عديدة لنشكل فكرة عن تلك الحيرة. فالجميع خائف يتساءل: هل سيدخل العراق مرة أخرى مسلسل الموت والدمار؟ بعد أن وصل إلى القاع إثر عقود من الحروب والحصار والقتل الجماعي. وبرغم ذلك في كل مرة حاول فيها العراق أن يثبت أقدامه ولدت عشرات القابليات. وما إن يلقي المرء نظرة على المنتوج الفني في حيويته حتى يقول لم يجف هذا النبع ولن يجف. حيوية الثقافة والفنون كل الشعوب المتألمة تبحث عن ترسيخ جذورها، ولعل هذا هو مرض الهوية الذي تتميز به ثقافة عالمنا المعاصر في بلدان عدة، لذا نلاحظ أن الكتاب الذين تطرقوا إلى هذا الموضوع رأوه من باب أهمية الجذور والتجذر. ويتساءل البعض أليس من الغريب أن يهجم البلد الأقوى والأغنى في العالم - ولكن لا جذور لديه - على بلد يعد مهد الحضارة الإنسانية؟ ! أليس من الغريب أن تسري حمى التجذر منذ عقدين في كل أنحاء العالم، أي منذ صدور كتاب ألدوس هكسلي وعنوانه «جذور» عن هوية السود الأمريكيين، هل الثقافة بحاجة إلى تجذر؟ أليس عناوين مثل «التجذر والحداثة» من أكثر العناوين استخدامًا لدى كتابنا؟ وهل جاءت أمريكا إلى العراق للبحث عن جذورها؟ ألم يصدق رئيس جامعة شيكاغو سنة 1991م، في مقابلة مع الإذاعة البريطانية، حين قال:«إنه من المؤسف أن يهجم أفقر البلاد بالتاريخ على أغناها، العراق «مهد البشرية»، فيلقي قنابل معدّل وزنها أكثر مما ألقي في الحرب العالمية الثانية، على أرض تحتوي ما يربو على نصف مليون موقع أثري؟. قال ذلك قبل 12 عامًا وأعيدت الكرة مرة أخرى. نعم، إذا كانت أمريكا تحيط بالعناية والاهتمام بناية لم تتجاوز القرن (مثل بريد نيويورك)، ألا تجد صعوبة في التعامل مع العراق الذي لا يعد ما فيه أثريًا إلا ما تجاوز خمسة قرون على الأقل؟ واليوم إذ يقف العراقي حائرًا أمام ما تراكم في بلده من غنى هائل في التاريخ والعلوم واللغات والآثار، قد يقول في نفسه: «ما فائدة ذلك إن كانت أيدي الفقر قد امتدت إلي، إن مت ضمآن فلا هطل القطر». لذا صار المبدع اليوم يولي ظهره لإبداعه، ويقبل بشظف العيش، ويلجأ في تعابيره إلى استعمال مواد فقيرة، مما يتيسر لديه من قطع الخشب أو الكارتون أو قماش قميص قديم أو قطع من تلك القنابل يحولها إلى أدواة تعبيرية عما يجيش في صدره. أصبح مثل أجداده يلجأ إلى ما يتساقط من ثمار جافة أو شجرة ميتة، ليكتب فنه وإبداعه، مثل أجداده الذين استعملوا الطين المفخور، وهو أرخص وأسهل مادة للفن والثقافة، كتبوا ورسموا ونقشوا وقالوا، فكل شيء كان صالحًا لهم. وبهذا كانت هذه الأرض، أرض أول من كتب على الإطلاق. الثقافة مجموعة علامات في مخاض هذه العزلة، عزلة الثقافة، كانت للعراقي عودة متكررة للتأسيس من جديد، ليستقي من ذاته ومن منابعه، وفي ذلك اعتمد دائمًا على أساطيره وملاحمه القديمة، ومن استطاع مثل بدر شاكر السياب أن يقرأ تلك العلامات والرموز استطاع أن ينسج إطارًا للعبقرية فأنتج كتابات وحروفًا، وحسابات وهندسة، وأساطير مكتنزة بالقيم وخرافات تتحول إلى طقوس... كلها وسائل نلمسها على طول الخط معجونة في لحمة كل قطعة فنية وكل فكرة مكتوبة، وفي تركيبتها العميقة نرى معاناة صاحبها ومخاض ولادتها. أنتج العراقي علامات مجردة، وبذلك خلق رموز اللغة والتعبير الفني. كان العراقي دائمًا محاصرًا فوجد منفذًا للفن بطريقته الخاصة، شق طريقًا إلى جذوره، وأقام مؤسسات، وأورث كل ما صنعه من كتابة وشعر ورسم ونحت، فأنشأ من لا شيء تقريبًا مكتبات من رقم طينية، وكتب بها أولى صفحات الإرث البشري، ومنذ مكتبة آشور بانيبال، أسس حضارة موسوعية وأعد الانتشار الأفقي الذي تبنته الثقافات الديناميكية كالإغريقية والرومانية والعربية والمعاصرة، وكانت جدران منازله محط إلهامه، فرسم تصوره وتفكيره وتخيلاته عن الحب والحرب والسلام، ودمغ هذه الأرض والشعوب التي مرت من هنا بفضائل هذا الاتجاه الذي وإن توقف لحين على هذه الأرض إلا أنه أسس الثقافة بكل معنى الكلمة. حتى وقت قريب، كان الذي يتجول ويمعن النظر ويصيخ السمع بدقة يتأكد لديه أن الفنون والثقافة في العراق كانت بصحة جيدة. حتى وقت قريب كانت الأرقام تتحدث عن وجود مئات الشعراء والفنانين التشكيليين من الأحياء والمنتجين إلى جانب آلاف من الطلاب والطالبات يترددون إلى سبع جامعات ومعاهد وأكاديميات مفتوحة في عدد كبير من المدن، تعطي الطلاب والهواة أسس التقنيات الفنية، ناهيك من الدروس المسائية واللقاءات في قاعات الفنون. كانت إحصائيات من وقت قريب تتحدث عن الحركة الفنية في شارع الفنانين في بغداد وغيرها من المدن، وأنه في كل شهر يباع أكثر من ألف قطعة فنية، وأن أغلب ما يباع من القطع الفنية يهرب إلى الخارج، وأن حركة زيارات الفنانين ومؤتمراتهم، والأدباء والمؤتمرات الثقافية كانت أمورًا عادية، ولا يمر أسبوع إلا وتسمع بمعارض الصور والرسوم والنحت وبقية الفنون التشكيلية كل ذلك برغم الحصار، وبرغم أنه معجون ألوان الرسم عد من الممنوعات من قبل لجان الأمم المتحدة، خوفًا من استعمال مزدوج له. بل حتى الورق، وأقلام الرصاص عدت مواد خطرة. مع ذلك لم يتوقف العمل والإبداع والمعارض حتى إن البعض كان يلغي عقدًا مع جهة ما أو سفرة أو يلغي عرضًا معينًا... فينتظر تحسن الأمور. "ضع حولك فقط ما كان جميلا" هذه نصيحة قديمة قالها أحد حكماء اليابان لتلميذه، ومن يقرأ عن بغداد يشعر وكأنها خلقت لتطبيق هذا المبدأ، فعندما أمر أبو جعفر المنصور سنة 758هـ بالبدء ببناء بغداد، جند لها مئة ألف من المهندسين والبنائين والنجارين والحدادين والعمال الذين كانوا في عين الوقت يشتغلون ببناء قلعة حصينة، مدينة مدورة قطرها أكثر من 2500 متر، كان فيها القصر الذهبي للخليفة والجامع الكبير بمثابة القلب والرئة، ومنهما تتفرع الشوارع التي يتجاوز عرضها 25 مترًا، أما عرض الأزقة فكان سبعة أمتار. فحازت بغداد إعجاب الناس واجتذبت المسافرين، وسكنت خلال قرون عديدة أحلام الشعوب البعيدة والقريبة، فزارها مبعوث شارلمان ووفود من كل مكان، حتى شعب الفايكينك الاسكندنافيين جاؤوا إلى بغداد، وأخذوا معهم إسطرلابًا أعانهم على أن يمخروا عباب بحر الشمال ويكتشفوا أمريكا الشمالية. وقد اكتشفت مؤخرًا نسخ إسطرلاب في الشاطئ الشرقي من كندا وفي جزيرة غرين لاند وفي الدنمارك. هكذا أصبحت بغداد قبلة الأمم ومركزًا اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا للعالم كله، وكانت روما أعظم مدينة في أوروبا وإذا ما قورنت ببغداد تبدو بمنزلة بلدة صغيرة، أما لندن فلم يكن فيها سوى خمسين ألف نسمة، وكذلك باريس كانت مجرد قرية. كان في بغداد العباسيين مكتبة كبيرة تضم أمهات الكتب اليونانية والرومانية والسريانية، وقد نقل معظمها إلى العربية، وكان السفراء والسياح والرحالة يحملون إليها ما يزيدها علمًا وثقافة، حتى قيل «اطلب العلم ولو في الصين». فاغتنت العربية بتراث الشعوب وبالمخطوطات والخطوط، وكان نساخها يعتمدون أن يكون لكل كتاب نسخ عديدة ليغذوا المكتبات العديدة. كما أخذوا صناعة الورق من الصينيين فانتشر آلاف الكتاب الذين دخلوا في خدمة الدولة في كل مكان. وبنت بغداد أول جامعة في العالم: «المستنصرية»، حيث كانت تدرس، إلى جانب العربية، اليونانية واللاتينية والهندية. كما درسوا علومًا لم يعرفها غيرهم كالاجتماع والجبر والرياضيات والطب والتشريح والصيدلة والجغرافيا والفلك والكيمياء والفلسفة والعمارة. وكان في بغداد وحدها 27 ألف حمام عمومي، وعشرون كيلومترًا من الشوارع المضاءة ليلاً، وكان يعمل فيها 800 طبيب وعطار بشكل رسمي. ولم تكن الفنون الأخرى كالغناء والموسيقا بعيدة عن زخم الجوانب الأخرى من الثقافة، فالإبداعات الموسيقية والفنية والغنائية وفنون الإيقاع دخلت هي الأخرى عالم الأساطير، فقيل ما قيل عن زرياب وعثمان الموصلي، وما زالت الأذن العراقية تتميز بشغف يكشف للزائر الغريب أن العراق بقي مصبًا خفيًا للإبداع، وما يتجلى في الظاهر من معارض أو محاضرات أو حفلات ليس سوى غيث من فيض. الثقافة والذاكرة في جميع مدن العراق من شماله إلى جنوبه يشعر المرء بأن بصمات الذاكرة تخترق القرون، وتبدو واضحة في كل واحد من الفنانين والشعراء يكون قد رسم قريته أو بيته أو تكلم مثل بدر شاكر السياب عن قريته جيكور التي لم يسمع أحد بها، لكنه خلّدها ووضعها خارج نط اق النسيان. كما جاءت الرسوم والقصائد التي تمتدح الطفولة، طفولة الفرد، أو طفولة هذا الشعب، وتتكلم عنه يوم فقد «الفردوس المفقود» وهو يفقده على الدوام. هذه الحركة الثقافية تعيد بناء سحر العودة بالريشة والألوان والأشكال والكلمات، فتمجد المياه ومنحنيات البيوت وقباب الجوامع بالرسوم والكلمات، تعجن الذاكرة مسألة الحب والأنوثة وتحولها إلى قفزات في الهواء والفضاء بألوان وأشكال معتنى بها تجتذب النظر وتطرب الأذن وتدعو إلى التأمل وتقوم النسيان. ولعل التأمل أصبح قاعدة متعمدة ومعتمدة، فيلتقي فيه الكبار والصغار لتتجمع طاقات فنية لشيوخ وشباب يعرضون ويكتبون ويعيدون الكتابة ويجسمون هذا الألم ويطبعون ما يتيسر لهم من مواد على الأوجه والأعضاء، وأجزاء من أجساد أخذت لحين غرة وخطفت من الواقع، إنها وجوه لمعاصرين خُلّدت في المتاحف، حتى التي من بينها يحمل بشاعة أجسام مزقها الموت وشوهها الألم ولواها على أسرة المستشفيات وبقيت، كأني بها تنازع إلى الأبد. إن كانت الأبنية والمتاحف قد سرقت ونهبت وحرقت، لكن الخوف هو أن تسرق الذاكرة من العراقيين، هذه الذاكرة لم تكن في الأبنية والقصور فقط، وإنما في طريقة التعامل مع الجديد الذي يهدد الحاضر. إن عمل الإنسان يتميّز بمحاربة النسيان، فالأختام الإسطوانية والكتابات الأولى بل حتى ما وجد من آثار الإنسان القديم، النياندرتالي، الذي عاش في شمال العراق في كهفي شانيدار وزرزي، قبل 45 ألف سنة، هي كاشفة عن الرغبة في ترك شيء للأحفاد. وما قام بعدئذ من حضارات المدن السومرية وممالك آكد وبابل، ونظرية أقليدس التي سبقه إليها البابليون وأرضية قصر الملك سرجون في نينوى، والثيران المجنحة ذات رأس بشري في خرساباد، وقطع أخرى عجيبة غريبة نادرة تسحر كل من يعرف ومن لا يعرف أيضًا. يقف الإنسان، كل إنسان باحترام وتواضع وخشوع مطلق عندما يتأمل كل هذا. حضارات امتدت على آلاف السنين تقول لنا بتلعثم حروف الكتابة وبدايات التشريع والقانون ومحاولات الزراعة والتبادل التجاري وأول سكان المدن وفنون الحلي والفخار والأختام الإسطوانية، كلها تدعو إلى التأمل موضوعة أمامنا مبعثرة، كنوز لا يحميها شيء ولم يحمها أحد من اللصوص، تعود إلى أزمنة عريقة، كأن عراقيًا ينوء تحت ثقلها، فدفعه اليأس والعوز والجهل إلى أن يحرق الأخضر واليابس، ويدمر ما تركته له أمجاده من شعور بالمرارة. لم يعد كثيرون من عراقيي اليوم مثل أجدادهم السومريين يركزون على المدرسة الإجبارية، ولعله لا يرفع رأسه ليرى جمال المستنصرية، بل يكتفي بأن يكسب لقمة العيش في السوق وفي الأحياء المكتظة بالسكان، لقد توقف عن الصعود، توقف خوفًا على حياته وحياة أطفاله توقف بسبب المعاناة الاقتصادية والسياسية، ووقف حائرًا لما أصابه وأصاب عائلة أخيه أو ابن عمه التي تبعثرت في جهات العالم الأربع، وهذا لم يسبق أن حدث له مثيل في التاريخ، لا يجمعه بها سوى الهاتف. ثقافة المائدة أخيرًا بقي أن نقول إن العراق لا يمكن أن يفهم إلا بالرافدين: وكما أن مصر هبة النيل فالعراق هبة الرافدين، وهما يشكلان حياة الناس اليومية فيعيشون حولهما، وبهما، معهما، ومنهما. فيصير النهر مجالاً للثقافة العراقية ومسارًا لآدابها وصورًا للوحاتها وتماثيلها، وتضاف إليهما النخلة لتكتمل الصورة، وتقاليد العراق وآداب الطعام فيه هي التي أسست ثقافة المائدة أو فن المطبخ، التي قد يكون السمك «المسقوف» أبرز أشكالها. والمسقوف سمكة مشوية على نار سعف النخلة، مشوية بهدوء، لا كمجرد وجبة طعام، لكنها وجبة كاشفة لثقافة العلاقة ورقي التذوق، فتقاليد الطعام وفنون صناعته وأشكاله وروائحه طبعت هذه البلاد الواقعة على طريقين: طريق الحرير وطريق التوابل، الأول يمر شمالاً وطريق التوابل جنوبًا، إنهما في أساس مبررات الاتصال والتجارة، فالرغبة في اقتناء التوابل التي دأبت على استيرادها شعوب العراق من الهند وجنوب شرق آسيا، انتقلت إلى أوربا، ومن أجل توابل الهند والتجارة معها، اكتشف كريستوف كولمبس العالم الجديد، فكانت حضارة العراق حضارة ناقلة بمنزلة الجسر، والحضارات الجسور هي الأعظم، على حد قول أرنولد توينبي: ثقافات العراق القديمة ومن بعدها السريان، والآراميون نقلوا أيضًا عن اليونانية إلى العربية، والعربية بدورها أسهمت في قيام أوروبا الحديثة. وقد تكون الثقافة مجرد كلام وطعام اتصال يدور حول حياة الإنسان وهذا هو الإبداع، وهو أيضًا ما يبهج زوارنا فيظلوا يذكرون ذلك السمك الذي يذوب في الفم. يحاول كل واحد أن يستخلص معاني السر من أمور بسيطة، قد يصل الإبداع فيها حدًا بعيدًا، ففي حفلة موسيقية قدمتها فرقة عراقية صعد أحد الأجانب وطلب أن يرى آلة الإيقاع «الدربكة»، وأمسك بها يقلبها إن كان فيها جهاز سحري يستخرج كل هذه الأصوات المختلفة، وتعجب من أنها مجرد فخار وجلد! لعل هذا هو الإبداع العراقي، فالإنسان فيه منذ البداية، منذ إنوما إليش، (هكذا كان في البدء) منذ أتراحاسيس وملحمة كلكامش، يجمع بين العظيم والبسيط في كلمات تكشف هذا التأرجح بين العظمة والذل، الغنى والفقر، والقوة ومنتهى الضعف. الإنسان هو مجرد عشب، مثل زغب الحقل، إنه ملك لكنه يموت، يتصور أن هناك في ما يتناوله من طعام ما سيعطيه الخلود. الثقافة الدينية العراقية تعطي من جذورنا جوابًا لمن يريد أن يسمع الجواب. وهي الخاتمة والبداية، فإن كان التحول إلى الدين علامة على البدء بالحضارة فإن الدين اليوم يعود إلى طرح الأسئلة الجوهرية: هل ستكون هذه الألفية ألفية سلام، أم ألفية صراعات بين الأديان؟ خاتمة : الديانة ثقافة سلام وهناك جانب آخر من جوانب الغنى الثقافي، هو الغنى العقائدي، فالديانة في هذا البلد حركت جماهير عديدة، وبرغم الجروح التي حدثت، تبقى صفحات مشرقة وشهادات تكشف عن حب البحث عن الحقيقة، وتكشف وجود قيم خاصة خارج التأثير السياسي، فالإرث الفكري كان دائمًا محط تطهير وتنقية دائمين. وتبقى وحدانية الإله أعز ما توصلت إليه حضارات سكان هذه المنطقة، وهذه الوحدانية سوف تؤثر في مسار الديانات كلها. وبرغم أهمية الاختلافات لدى البعض فإنها أشبه بالروافد التي تصب في بحر واحد، فاكتشف الإنسان الوحدانية وأن كل حي يعود في البدايات وفي النهايات إليه، إلى من إليه المآل، ومهما تعددت التسميات وتشكلت المعتقدات، فإن ما يجمع هذه التيارات أعظم مما يفرقها. وإن كانت الممالك قد اتكأت على هذه الديناميكية الدينية، واستغلتها وحاولت وضع اليد عليها، أو عندما دخلت في أحد تياراتها، انحازت إلى هذا الجانب أو ذاك، فأرادت أحيانًا كثيرة أن تصير الطرف والحكم، فأساءت التصرف في أغلب الأحايين. لكن من يعود إلى ثقافة هذه البلاد يكتشف أن التسامح الديني هو في أساس هذا الشعب ومعدنه. التسامح الديني المجبول على روح كبيرة فكهة جنّب هذا الشعب مآسي كثيرة. لقد عاش هذا الشعب ثقافته من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل الثقافة، والديانة جزء من الثقافة وهي خدمة للروح الناهضة المتسامية، والرب الإله من خلال الديانة يكشف نفسه محبًا للإنسان، عطوفًا، حنونًا، رحومًا، متجردًا، كاشفًا لذاته من خلال أعماله وبدائع خلقه، لولاه ما كان من معنى لوجود الإنسان على الأرض. هكذا ما يجمع ويربط بين الثقافة والدين وهو أن كل الإنسان مدعو لأن يكون شاهدًا للحب من خلال حياته وموته أيضًا، وهذا الصراع هو مخاض الولادة إلى حياة أخرى، فيها يتجلى الحضور ويتحرر الحب ويصير غفرانًا وتجاوزًا وقبولاً للآخر المختلف. الدولة لا تسمح وهم يرونها حرية رأي وعقيدة: متدينون يرفضون إرسال أبنائهم إلى مدارس الحكومة! وفي حين يبلغ عدد الأطفال الذين لا يدرسون في المدارس الحكومية ولا الخاصة في الولايات المتحدة، (لأسباب رفض دينية) حوالي مليوني طفل وشاب، فإن أوروبا حديثة عهد بهذه الظاهرة، ولا تعرف كيف تتعامل معها بما يحقق التوازن المطلوب بين فرض سلطة الدولة التي تنص قوانينها على إلزامية التعليم من ناحية، وبين توفير حرية العقيدة وحرية الرأي، التي تنص عليها الدساتير الأوروبية من الناحية الأخرى. كانت قضية عائلة باور الألمانية محط اهتمام الرأي العام، فقد رأى الأب الذي يعمل ميكانيكي سيارات، وزوجته ربة البيت، أن تأثير المدرسة على ابنتهما الكبرى سلبي للغاية، فقررا قبل عامين عدم إرسال أطفالهما الخمس إلى المدرسة، والاستعاضة عن ذلك بتحويل إحدى الغرف في بيتهم إلى صف دراسي، فيه طاولة للتلاميذ، ولوح للشرح عليه، ووسائل تعليمية ملصقة على الحوائط. يبدأ الدوام فيه من السابعة والنصف صباحًا، وحتى الساعة الواحدة بعد الظهر. تلقت الأسرة الإنذار تلو الآخر من المدرسة، ثم من الدائرة التعليمية، مع التهديد بإحالة الأمر إلى القضاء، بل وبحرمانهما من حضانة أبنائهما، ونقلهم إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، لكن السيد باور وزوجته لم يأبها بتلك التهديدات، وكانت المفاجأة أن القاضي اقتنع بوجهة نظر الأب، الذي برر منع أطفاله من الذهاب إلى المدارس بالأسباب التالية: ü تدريس نظرية النشوء والارتقاء لعالم الأحياء تشارلز روبرت داروين، التي تتناقض مع المفهوم الديني لنشأة العالم، كما خلقه الله. ü التوسع في تدريس الثقافة الجنسية بصورة مثيرة، بما يشكل حثًا مباشرًا على عدم العفة وصيانة الشرف. ü تلقين الأطفال عدم طاعة الوالدين، وإظهار الانصياع لرغبتهما كمظهر للتخلف والتأخر عن روح الحرية والاستقلالية وقوة الشخصية. ü تعريف الأطفال بالأديان الأخرى، وما يتضمنه ذلك من معتقدات مخالفة لصورة الرب في العقيدة المسيحية. ü التأثير السلبي لقرناء السوء من متعاطي المخدرات، والمدخنين، وشاربي الخمر. ضياع هيبة الدولة وخوفًا من فقدان الدولة لهيبتها، وانهيار إلزامية التعليم تدريجيًا، لم تكتف سلطات التعليم باستئناف الحكم أمام محكمة أعلى، بل قررت اتخاذ إجراء حازم تجاه أسر أخرى، كانت تحتمي داخل أحد الأديرة مع أطفالها البالغ عددهم 23 طفلاً، وتتولى تدريسهم بعيدًا عن التعليم الحكومي. وفي خطوة غير مسبوقة أرسلت سلطات التعليم قوات الشرطة لتحاصر الدير، وتأخذ الأطفال عنوة، لتلحقهم بالمدارس القريبة. توجه أولياء الأمور إلى تلك المدارس، واعتصموا في غرف المعلمين، وأخذوا يناقشونهم في أسلوب التدريس، وجعلوا النقاش سبيلهم لتعطيل المعلمين عن العمل، وفعلاً فشل المعلمون في ممارسة عملهم، وقرروا أن يخلوا بين أولياء الأمور وبين أبنائهم. ونظرًا لأن أسر هؤلاء من طائفة تسمى «القبائل الاثنا عشر»، التي ترفض امتلاك شيء انتظارًا لقدوم الساعة، فلم يكن بوسع الدولة أن تحجز على أموالهم، وبقيت الغرامات التي فاقت المليون يورو غير مدفوعة، حيث إن ما يحصلون عليه من دخل يقل عن الحد الأدنى للمعيشة، وبالتالي لا يحق للسلطات اقتطاع شيء منه. أمام القضاء من جديد وفي محاولة جديدة من الأب للتأثير على المحكمة الثانية، كما فعل مع القاضي الأول، طلب مراجعة المناهج التعليمية في الكثير من المواد، للصفوف من الأول الابتدائي، وحتى الصف العاشر، لكن القاضية قررت قصر مراجعة الكتب على مادة الأحياء، وتوصل الخبراء الذين أعدوا تقريرهم عن هذه الكتب إلى وجود بعض الأمثلة عن الثقافة الجنسية تخدش الحياء فعلاً. إلا أن القاضية رأت أن قوانين التعليم في كافة الولايات تسمح بتقديم طلب للإعفاء من إحدى الحصص، علاوة على وجود مبررات أخرى تفرض إلحاقهم بالمدرسة، من أهمها: ü اكتساب الأطفال خبرات اجتماعية من خلال الاحتكاك مع نظرائهم، مثل كيفية حل النزاعات، وتعلم التسامح مع الآخرين الذين يدينون بأديان أخرى، أو يتبنون آراء فكرية مغايرة، علاوة على تعلم التفكير المستقل، والقدرة على اتخاذ القرارت النابعة من القناعات الذاتية. ü تحقيق مبدأ تساوي الفرص، من خلال منح الأطفال الحظوظ نفسها من التعليم، والحصول على الشهادات الدراسية نفسها، وبالتالي الحصول على الوظيفة أو الحرفة التي تتفق مع ميولهم، وليس بسبب عدم حصولهم على الخبرات والمعلومات المطلوبة. أكبر معهد تعليمي في العالم لا يملك صفًا ولا أثاثًا وأصدرت المحكمة في مطلع الشهر الماضي حكمها الرافض لاستمرار تعلم الأطفال في البيت، ولكن الأسرة لم تعبأ بذلك، وتوضح الأم ـ التي لم تحصل إلا على الشهادة المتوسطةـ أنها قادرة على تدريس جميع المواد لأبنائها وبناتها حتى الصف العاشر، أي إلى نهاية فترة التعليم الإلزامي. موضحة أنها تعتمد في تدريسها على المنهاج الذي وضعته (مدرسة فلادلفيا) التي تتبع طائفتها الدينية. ورغم أن هذه المدرسة غير معترف بها من الدولة، فإن مؤسسها ألكسندر بارتي ـ المعلم السابق، والبالغ من العمر 68 عامًا، والذي تولى تدريس أبنائه الأحد عشر بنفسه ـ يعتبرها أكبر معهد تعليمي في العالم، حيث إن لها فروعًا في سلوفينيا، وبلجيكا، والمجر والنمسا وألمانيا، رغم أنها لا تمتلك أي مبان، ولا صفوف لها خارج البيوت. ولكن مهمة هذه المدرسة أنها تختار المناهج المدرسية التي تتفق مع المفاهيم الدينية لهذه الطائفة المتشددة، ويتولى مدرسوها الإشراف على العملية التعليمية، من خلال القيام بزيارات متكررة للصفوف المنزلية، للتعرف على مدى استيفائها للشروط المدرسية، وتعليم الأطفال كيفية الاعتماد على النفس في التعلم. ومن خلال الاختبارات الدورية عن طريق البريد أو الإنترنت، يتولى بارتي وزملاؤه تقييم مستوى الطلاب، وإصدار شهادات في نهاية كل عام، تحدد نتيجة الطالب من النجاح أو الرسوب، أما بالنسبة للمواد الدينية، فيكون تدريسها على يد رجال الدين الموجودين في المنطقة. ويختلف الجو المدرسي في هذه الصفوف المنزلية عن غيرها بعدم ضياع وقت في الانتقال، وتقتصر الرسوم المدرسية على 75 يورو كل عام عن كل طفل، نظير تسجيله في مدرسة فلادلفيا، و30 يورو شهريًا أجرة المعلم الذي يتابع المستوى التعليمي. علاوة على أن اليوم الدراسي يبدأ بقداس للصلاة يستمر نصف ساعة، قبل بدء الدراسة، التي تجمع في الصف ذاته كل الإخوة من مختلف الأعمار، ليساعد بعضهم بعضًا، تحت إشراف الأم، التي يرى بارتي أنها «أقدر الناس على فهم أبنائها، وبناتها، وأقرب الناس إليهم، مما يسهل التعلم في هذا المناخ الأسري المألوف». ويؤكد أن جميع أبنائه كانوا يؤدون اختبارات نهاية العام عن طريق الانتساب في المدارس الحكومية، وبعد انتهاء الصف العاشر، التحقوا بالمدارس الثانوية، «بعد أن اكتسبوا حصانة دينية وأخلاقية، لا تهتز»، وأنهوا دراستهم الثانوية ، قبل الالتحاق بالجامعة. ويشير إلى أنهم لم يتعرضوا لصدمات في صفوفهم كما يتوقع الكثيرون، بل اختارهم زملاؤهم ليكونوا المتحدثين بأسماء صفوفهم. وإذا كان نظام التعليم في الغرب لا يسمح بالدراسة في البيت إلا لمن كان مصابًا بإعاقة بالغة تمنع الانتقال من المدرسة وإليها، فإن أتباع هذه الطوائف المسيحية المتشددة يرون أنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). هل يحتذي المسلمون حذو هؤلاء؟ ورغم أن عدد هؤلاء الطلاب، من أبناء الأسر المسيحية المتشددة، لا يزيد على 300 طفل من الذين فضلوا (مدرسة فلادلفيا)، على المدارس المعترف بها، فإن خبراء التعليم يتخوفون من أن يتخذ البعض أي موافقة لسلطات التعليم على هذا الوضع، سابقة يقاس عليها. فيطالب المسلمون مثلاً بسحب أبنائهم من المدارس الحكومية، في الوقت الذي تبذل فيه سلطات التعليم جهودًا حثيثة لتوفير معلمي تربية إسلامية للأطفال المسلمين، لتراعي احتياجاتهم الدينية بدلاً من انعزالهم عن مجتمعهم الجديد. من يعشق القراءة يعرف هذا الشعور بالنشوة العارمة، حين يجد 336.253 كتابًا بين يديه، ليست مكدسة فوق بعضها بعضًا، بل على مساحة 171.716 كيلو مترًا مربعًا، كل كتاب له شخصيته المستقلة، كل كتاب له مساحة يقف فيها شامخًا، ومسلطًا عليه ضوء يناسب ألوان الغلاف، وهنا وهناك يقف المؤلف ليتحدث إلى قرائه، ويوقع لهم النسخ التي اشتروها. ربما تدور الأرض حول الشمس مرات ومرات، ويحل صباح بعد مساء، دون أن ينتبه الزائر إلى أنه لا يزال في أكبر معرض للكتب في العالم في مدينة فرانكفورت الألمانية، وإلى أن أيام المعرض من الثامن وحتى الثالث عشر من شهر أكتوبر، قد انقضت وأن عليه الرحيل، وقد امتلأت حقائبه بكتب فوق كتب، لا يكفيه العمر لقراءتها كلها، ويخشى أن يصبح «كمثل الحمار يحمل أسفارًا». في الطريق مع ساعات الفجر الأولى ترى السيارات على الطرق السريعة المؤدية إلى المعرض، مختلفة عن بقية أيام السنة، فلوحات السيارات بعضها أصفر للقادمين من هولندا، وأخرى حمراء من بلجيكا، وغيرها من السويد وفنلندا، وإيطاليا، ودول غيرها كثيرة، وقوافل لا أول لها ولا آخر من روسيا، التي هي ضيفة الشرف هذا العام. لا تحتاج السيارات إلى دخول المدينة، ولا لفرض فوضى السير داخلها، بل هناك طريق سريع مباشر مخصص للذهاب إلى المعرض، ولكنك تفاجأ بأنه يأخذك بعيدًا عن المكان الذي تعرفه. طوابير السيارات تصطف بجانب بعضها بعضًا، ـ في مشهد يذكرك بالواقفين على الجمعيات التعاونية، في انتظار المواد التموينية المدعومة حكوميًا. وهناك جيش من الشباب من جميع الجنسيات، يدلك على مكان انتظار السيارة، دون مزاحمة، ولا بقشيش، ولا من يلمع لك زجاج السيارة عنوة. علمًا بأن رسم الانتظار محدد لليوم كله، بحيث لا تحتاج إلى الاستعجال. ويمكنك دفع الرسوم في بداية اليوم، بحيث لا تحتاج إلى الانتظار الطويل عند انصراف جميع السيارات في نفس التوقيت تقريبًا، حين يغلق المعرض أبوابه. وتجد في انتظارك حافلات تنقلك إلى أرض المعرض مباشرة، وتدخل إلى صالة رقم 3، حيث تجد عشرات الأماكن لشراء تذكرة الدخول، والتي تبلغ قيمتها 9 يورو، إضافة إلى رسوم انتظار السيارة 8 يورو، أي حوالي 70 ريالاً سعوديًا. وهو مبلغ ضخم، ولكنه يتضاءل حين تعرف أن إدارة المعرض قد أنفقت في هذا العام وحده، حوالي مليار يورو لتطوير خدمات المعرض، وهو ما يظهر في كل صغيرة وكبيرة تدقق النظر فيها. كتب وندوات في هذه الصالة تجد كتب الأدب، روايات ومسرحيات، وقصص أطفال، وكتبًا عن التعليم، وكتبًا مدرسية تطبعها دور النشر الخاصة، ـ حيث لا يحق للدولة طباعة الكتب المدرسية، بل تضع سلطات التعليم الموضوعات التي يجب أن يتعلمها التلميذ، فتوفر دور النشر هذه الموضوعات بطرق مختلفة، وتعتمد السلطات التعليمية عشرات الكتب التي ترى أنها توفر هذه المعلومات، وتنتقي كل مدرسة الكتاب الذي ترى أنه أقرب إلى الفلسفة التي تنتهجها. ومازلنا في نفس الصالة 3، حيث خصصت إدارة المعرض طابقًا بأكمله لدور نشر الكتب الدينية، التي استضاف بعضها رجال دين، يتناقشون مع المعلمين في مدى توفر البعد الإيماني في هذه الكتب، وعدم اقتصارها على توفير المعلومات عن الدين، دون الحرص على تطبيقه، باعتبار أمور العبادة من الحرية الشخصية، التي لا يحق للدولة أن تتدخل فيها، ما جعل محكمة ألمانيا توافق ولي أمر في ولاية بافاريا في حكم لها قبل حوالي ثلاثة أعوام، على رأيه بضرورة نزع الصليب من قاعة الدرس، لأن ذلك يؤثر على الحالة النفسية لابنه، وتجعله يتأثر في عقله الباطن بهذا الرمز، وكذلك إجماع 7 ولايات من بين 16 ولاية ألمانية على منع المعلمة التي تصر على أن ترتدي الحجاب من التدريس في المدارس الحكومية، حتى لا تتأثر الطالبات بهذا الرمز. وهذه مجرد عينة من الندوات التي تعقد على هامش المعرض. وهناك طابق آخر في هذه الصالة، يضم دور نشر الكتب السياحية، معالم كل مدينة ودولة، وكيفية الوصول إليها، ومعلومات عن سكان البلاد، والعادات والتقاليد الواجب احترامها، والأكلات الشعبية، وأماكن توفرها في مطاعم جيدة. وفي هذا الطابق بالذات ساد جو مختلف تمامًا عن غيره، من طوابق المعرض، والسبب في ذلك راقصة شرقية واحدة، ومعها فرقة موسيقية، حولا المكان إلى حفل عرس، دون عروسين، وشارك الجميع في التصفيق، وصعد الناس على أكتاف بعضهم بعضًا، ليروا الشرق الذي يحبونه، شرق دون نزاع شرق أوسطي، ودون أسئلة من نوع: هل العمليات الفدائية، انتحارية أم إرهابية؟ ولا خلافات حول دور القوات الأمريكية في العراق، هل هي قوات تحرير أم احتلال؟ ولا صراع حضارات، بل اجتماع على التصفيق، دون أن يعرف أحد لماذا يصفق، وما مصدر هذه السعادة التي تتملكه؟ أكثر من 70 ألف كتاب جديد، لماذا؟ إذا وقفت في مدخل هذه الصالة، أو على الأصح هذا المبنى المكون من عدة طوابق، لا ترى آخرها، ليس بسبب كثرة عدد الزوار فحسب، بل بسبب المساحة الشاسعة. وفجأة تسأل نفسك، ما كل هذه الكتب الجديدة، البالغ عددها في هذا العام وحده 74.147 كتابًا؟، تظهر في المعرض للمرة الأولى. رغم أنها ليست كتبًا علمية، تحوي اكتشافات جديدة في الطب أو علوم الطبيعة، أو الكمبيوتر، بل هي كتب في مجال الإنسانيات، أفكار تلو أفكار. هل هناك ثورات فكرية، تقتضي كل هذا الفيضان من الكتب؟ هل نشأت أيديولوجيات مبتكرة، محت ما قبلها، وأظهرت فشلها في فهم العالم، أم أن كل من هب ودب أصبح يرى أن من حقه أن يشرح لنا كيف نفهم العالم؟ قررت العودة من جديد، والبحث عن الجديد الذي يستدعي نشر كل هذه الكتب، فتشت في العناوين، وملخص كل كتاب موجود على غلافه الخلفي، وجدت روايات جديدة لكتاب مرموقين، وقصصًا من الحياة، لأطفال أيتام، ولصحفية عايشت حرب أفغانستان، فتروي الأحداث من خلال التركيز على بائع صحف، وقصصًا بوليسية لجرائم شنيعة، يحتاج بعض القراء إلى تعذيب النفس من خلال قراءتها. ووجدت قصصًا واقعية عن يوميات الصحفي، الذي يخسر أسرته من أجل تزويد القراء بالمعلومات، وعن الدولتين الألمانيتين الرأسمالية والشيوعية، قبل ذوبان الثانية، وابتلاع الأولى لها. وهناك كتب لمؤلفات من أنصار حقوق المرأة، اللاتي لا يكفيهن ما تحقق للمرأة، بل يردن المزيد، أي المطالبة بإلغاء حق الانتخاب من الرجال، والتوسع في ظاهرة (رب البيت)، بدلاً من (ربة البيت)، أي تحول الرجال إلى كائنات منزلية وديعة، لا وظيفة لها غير إطاعة أوامر الأستاذ حرمه المصون. وهناك كتب عن المدينة الفاضلة، بعيدة عن عالم الشرور، الذي نحيا فيه، وكتاب آخر ألفه مصفف شعر كبار السياسيين ورجال الصناعة في ألمانيا، بالتعاون مع أستاذة جامعية في علم الفلسفة، ليخلطا (دردشة) مصفف الشعر مع عمق عالمة الفلسفة. وكتاب آخر عن كيفية إقناع الطفل بوجود الإله في هذا العالم الوجودي الملحد، وقصص الألمان الذين شردهم البولنديون والتشيك بعد الحرب العالمية الثانية، وكتاب عن كيفية إعداد أرقى الوجبات، ووضعها في الطبق في صورة لوحة فنية بديعة، تستحي أن تلتهمها، وتهضمها معدتك، ولكن المؤلف يؤكد دومًا أن «مذاق الطعام تحدده العين أيضًا». وإلى جانب ذلك هناك كتب عن السياسيين، وزير الداخلية الألماني أوتوشيلي، الذي كان يساريًا مدافعًا عن الإرهابيين اليساريين من جيش الألوية الحمراء، وكيف تحول من متظاهر يرفعه رجال الشرطة بالقوة، إلى وزير محافظ يطالب بتطبيق القانون على من يخرقه، بلا هوادة. والمستشار الألماني الأسبق هيلموت شميدت، الذي لا يأبه برأي الآخرين، وتكفيه قناعاته الداخلية، كان يحضر إلى جلسة مجلس الوزراء قبل الآخرين بساعات، وكان يبقى طوال الليل يقرأ في الموضوعات المتعلقة ببنود اليوم التالي، والويل للوزير الذي يأتي وهو لا يعرف تفاصيل الموضوع الذي يريد طرحه. وهناك السيرة الذاتية لمغن، نجح أحد البرامج الساذجة في جعله مشهورًا، لا يهم بأي شيء صار مشهورًا، المهم أنه أصبح معروفًا ولو بسذاجته، وأخرى اسمها نادية فرج، من أب سوداني وأم ألمانية، كل ما نجحت فيه، هو أنها كانت صديقة لمغن ألماني شهير. في الطريق إلى القسم العربي استعذت بالله من كل الشرور والوساوس، وقررت الذهاب إلى «القسم العربي»، الذي سمعت عنه كثيرًا، قيل لي أن جامعة الدول العربية قد حققت في الغرب ما لم تفلح في عمله في عقر دارها، وأن الجامعة قد حصلت على صالة لدور النشر العربية. توجهت إلى أحد مكاتب الاستعلامات، المتوفرة في كل ركن من المعرض، واستغربت عندما طال بحث الموظفة عن (الصالة العربية)، وأخيرًا قالت لي إن (الركن العربي)، موجود في الصالة رقم 6، الطابق الأول، الصف الخامس، الفرع E، شكرت وأسرعت بالمشي قبل أن تسلمني شريحة زجاجية، أضع عليها هذا الركن، (للتعرف عليه تحت المجهر). ولأنني اعتدت أن أكون متواضعًا، وألا أرفع رأسي أبدًا إلى أعلى، فإنني لا أقرأ البيانات الدالة على المكان، إلا بعد أن أفتش لساعات طوال، أستمتع فيها بالتأمل في أقسام، لم أكن أنوي زيارتها، وأجد انتباهي ينصرف إلى أشياء ثانوية. ففي الطابق الأرضي بإحدى الصالات، اكتشفت فيما بعد أنها الصالة رقم 4 وليست رقم 6، وجدت معرضًا كاملاً عن علاقة الكتاب بالسينما، من روايات جرى تصويرها لأفلام، وسيناريو يحدد كيفية نقل النص الروائي، إلى نص حواري. في كل ركن تجد مجموعة من الناس تجلس إما لمشاهدة فيلم، ترجع قصته إلى كتاب قرأه بعضهم من قبل، أو تناقش هذه المجموعة مخرجًا، أو مؤلفًا في العمل الذي قام عليه الفيلم، أو تحاور ممثلاً أو ممثلة في طريقة أدائهم لمشهد ما. وهناك قاعة ضخمة للصحافة، توفرت فيها أجهزة كمبيوتر لا حصر لها، لمن أراد إرسال التقارير إلى مؤسسته الصحفية فورًا، ودون تأخير، وهناك أطنان من البيانات الصحفية، لجميع دور النشر، والمؤسسات الصحفية، وهناك ندوات للصحفين مع أصحاب دور النشر، وهناك ركن (لتدليل الصحفيين)، عبارة عن مقاعد وثيرة بالمساج، لتريحهم من عناء الجري المتواصل بين أركان المعرض. خرجت من هذه الصالة بعد أن اكتشفت خطئي، وتوجهت إلى القاعة رقم 6، وهناك وجدت في الطابق الأول، عشرات دور النشر اليابانية، ووجدت صورًا من الشرق على أغلفة الكتب الكثيرة، باللغات اليابانية، والألمانية، والإنجليزية، ثم رأيت رجلاً في منتهى الذوق يرحب بسيدة أنيقة كبيرة متقدمة في السن، ينحني أمامها فترد بانحناءة مشابهة، وأعاد الانحناء فكررت فعلتها، وعندما تحولا إلى زمبرك لا يتوقف عن هذه الحركة أدرت ظهري، وانصرفت. وأخيرًا عثرت على الطابق الأول، الصف الخامس، الفرع E. فوجدت ركنًا لجامعة الدول العربية، ليس فيه أي كتاب على الإطلاق، بل خزائن زجاجية، بها مشغولات معدنية رقيقة من الشرق، مثل حلي البدو وغيرها. ثم دخلت وكلي شوق إلى العالم العربي، فوجدت مؤسسة الأهرام المصرية، وقد حجزت لها مكانًا ضخمًا كما اعتادت كل سنة، وكذلك ركن لدور النشر المصرية، تحت إشراف الهيئة العامة للكتاب، وبعدها قسم لاتحاد الناشرين العرب، اجتمع فيه الكثير من الموظفين، الجالسين حول طاولات، بعضهم يقرأ في كتب أعجبته، وبعضهم الآخر تشعر أنه في جلسة مغلقة، لا يصح أن تزعجهم بسؤالهم عن شيء، وكلما تجرأت وسألت بعضهم عن حجم المشاركة أو أهدافها، يتبين لك أن السيد المسؤول المخول بالحديث غير موجود حاليًا، بل في مأمورية داخل المعرض، وأنه سيعود قريبًا. الركن السعودي، عبارة عن شاشة عرض كبيرة، لا يقف عندها أحد من الزوار، لأنها تعرض فقرات من النوع الذي يستمر لفترة طويلة، وليس هناك مقاعد للجلوس، ولا يمكن استيعاب الفكرة من نظرة عابرة، وبعضها باللغة الإنجليزية. وهناك قسم لوزارة التربية والتعليم (المعارف سابقًا)، يجلس أمامه موظف كبير السن، دمث الخلق، تشعر أنه كوالدك، يستمع إليك باهتمام، ويرد عليك بذوق بالغ. علاوة على مشاركة ممثلين عن وزارة الشؤون الإسلامية، وعن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وغيرها من المؤسسات والوزارات. والركن الكويتي يعج بالمطبوعات الفاخرة، في مختلف العلوم، ويختلف عن بقية الأقسام العربية. وهناك القسم اللبناني بمشاركة 20 دار نشر، من مختلف التوجهات، الكتاب الديني، والموسوعات، وكل فروع العلم، ووجدت كتيبًا أنيقًا بأربع لغات، اسمه كاتبات من لبنان، مثل عبلة فرهود، ورشا الأمير، وهدى بركات، وأندريه شديد، وفينوس خوري غاتا، وحنان الشيخ، وهدى النعماني. وفي مقدمة الكتاب نقرأ ما كتبه وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، وهو يقول: «وأخالنا، من خلال رفع النقاب عن تأرجحات الهوية النسائية، ساعين إلى جمعها بتلعثمات الرجال، وبالتالي إلى تمهيد الطريق أمام تقاربات مثمرة وخصبة». وهنا أتساءل: هل لابد أن نعرض أنفسنا للغرب بالطريقة التي يريد الغرب أن يرانا عليها، أم كما نحب نحن أن نظهر، بغض النظر عن توقعات الآخرين، بحيث نكون أكثر إقناعًا، وتأثيرًا بالرسالة التي نريد إيصالها إلى العالم؟ وانتهى القسم العربي، دون مقدمات، اللهم إلا من وجود قاعة للصلاة، تجنبك البحث عن ركن هنا أو هناك، للصلاة أمام من يتحدث بصوت عال، ومن يستغرب لنزولك على الأرض ساجدًا، ومن يصورك في هذا الموقف وكأنك هبطت من كوكب آخر. وبعد القسم العربي مباشرة، وجدت الأمم المتحدة قد وضعت الكثير من الكتب عن حقوق الإنسان، باللغة العربية، وعن التطرف الديني في مختلف الأديان، بل وكلفت مجموعة من الباحثين بإعداد كتاب مدرسي بالعربية أيضًا، يبين كيفية تلقين الطفل الصغير مبادئ حقوق الإنسان، بحيث يشب وهو مستعد للدفاع عنها، ولو اضطر إلى الوقوف أمام المجتمع بأكمله. العالم يعرض نفسه وما كدت أقترب من القسم الهندي، حتى وجدت رائحة الطعام طاغية على المكان، ووجدت السيدة المسؤولة عن القسم، تجلس باللباس الهندي المميز، وأمامها ما لذ وما طاب من الطعام، الذي يكفي أسرة كاملة. فتمنيت لها شهية طيبة، رغم أنني على يقين بأنها لا تحتاج إلى أي دعاء لها بذلك. وعلى مسافة قريبة من القسم الهندي، لا يستدعي الوصول إليها، أي ترسانة صواريخ بعيدة المدى، بل ولا حتى متوسطة المدى، ولا تجارب نووية، وجدت القسم الباكستاني، وقد عج بكتب فاخرة أنيقة، تشعر أنك تستطيع قراءتها، ولكنك لا تفهم شيئًا مما تقرؤه. وفي إحدى الأركان بالقرب من السلالم، شاهدت اثنين من الإخوة الأفارقة في منتهى الأناقة، ربطة العنف المناسبة تمامًا للون القميص، والبدلة الداكنة، بخطوط رقيقة زرقاء فاتحة. وجدتهما قد قررا الجلوس على الأرض، وقد خلعا أحذيتهما، وافترشا هذا الركن، غير عابئين بنظرات المارة على الإطلاق. وبعد خمس دقائق، وجدت قبيلة إفريقية بأكملها قد اجتمعت هناك، وتذكرت نفس المشهد عند السلالم المتحركة في الحرم المكي، حيث يجلس الناس غير عابئين بسد الطريق، ومنع المارة من الحركة، المهم أنهم جلسوا. روسيا ضيفة الشرف ولأن روسيا هي ضيفة الشرف هذا العام، فهناك مبنى مستقل يضم لوحات فنية من روسيا، وكثيرات من النسوة يبين كيفية صنع المفارش الروسية بالخيوط والعصي، والدمى الروسية، التي تفتح غطاء أحدها، فتجد أصغر منها داخلها، وتستمر تفعل ذلك، حتى تجد الأرض امتلأت حولك بهذه الدمى، ولكنك لم تصل بعد إلى أصغر دمية في الداخل. ثم تجد قاعة ضخمة للغاية، فيها كتب لا حصر لها مرتبة أبجديًا، تتناول الأدب الروسي باللغة الألمانية، وقصص الأطفال، ومختلف التخصصات، وحشدًا من الناس يبدو أنهم من المهاجرين الروس إلى ألمانيا، الذين يعتبرهم الروس ألمانًا، لأن أجدادهم رحلوا إلى بطرسبورج وغيرها قبل عشرات السنين، وينظر الألمان إليهم باعتبارهم روسيين، لا يربطهم بألمانيا سوى شهادة ميلاد جد أو جدة، لقيا حتفهما قبل أن يراهما هؤلاء الأحفاد. وبذلك فإن هذه الكتب التي تربط الفكر الروسي باللغة الألمانية، تجعلهم يشعرون بأن هناك كائنات أخرى، حتى ولو كانت مجرد كتب، يختلط داخلها العنصر الروسي بالألماني. وأمام هذه القاعة خشبة مسرح كبيرة، تقف عليها فرقة روسية ألمانية، تعزف أغاني شهيرة يرددها المتفرجون، الذين قرروا التوقف لفترة استراحة بعيدًا عن عالم الكتب، ليتناولوا الغداء ويتوقفوا لحظات عن مواصلة رحلة الألف ميل، داخل معرض الكتاب. رائحة دهن الخنزير المنبعثة من المطاعم المفتوحة، تثير الغثيان، وطابور شراء البطاطس لا آخر له، وجموع الناس تلتهم على مدار فترة المعرض أطنانًا لا حصر لها من هذا النبات، ولكن الغريب أنه لا توجد ورقة على الأرض، ولا سلة قمامة ممتلئة عن آخرها، والأغرب أن دورات المياة متوفرة في كل ركن، وفي كل منها شخص ينظفها فورًا، بحيث لا تتسخ أبدًا، واستخدامها هنا ليس مقابل رسوم محددة، كما هو الحال في الطرق السريعة، ولكن يمكنك إعطاء عامل النظافة ما شئت، دون إلحاح منه. المسؤولون الروس يتوافدون دون انقطاع، وبرفقتهم مسؤولون ألمان من نفس الدرجة، والسجاد الأحمر مفروش في أماكن كثيرة، ولكن مواكب هذه الشخصيات، لا تحتاج إلى وقوف جنود أمن قبلها بيوم لحراسة الرصيف الذي قد تمر بجواره سيارة المسؤول الكبير، ولا تحتاج الشرطة إلى ضرب المشاة ودفعهم بعيدًا عن هؤلاء المسؤولين، رغم وقوع حادث اغتيال وزيرة خارجية السويد مؤخرًا. فليأكل الناس بطاطسهم، وليتفقد المسؤولون أجنحة بلادهم. ولكن ليست هذه القاعة المستقلة، ولا خشبة المسرح، هما مكان الوجود الروسي فحسب، فدور النشر الروسية الثمانون موجودة في صالة 5 أيضًا، علاوة على أن صالة 1 و2 مخصصة لاحتفالات متعلقة بروسيا، حيث جاؤوا بفرق خاصة من أجل هذه الحفلات. صفقات ولقاءات وأسرار لكن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، ليس مكانًا لعرض الكتب من جميع دول العالم فحسب، بل هو أكبر مكان لعقد الصفقات المتعلقة بالكتب على الإطلاق. فمثلاً الممثل الشهير وودي ألين قد أعلن أنه مستعد لتوقيع عقد لكتابة سيرته الذاتية، مع من يدفع سعرًا مقبولاً. ورغم أن الكثير من دور النشر تجاهلت هذا الإعلان في ليلة الافتتاح، فإنه جرى الإعلان في اليوم التالي عن حصول الممثل الأمريكي على نصف مليون يورو كمقدم فقط، وتوقع الخبراء أن تتراوح قيمة المكافأة بين 8 إلى 10 ملايين يورو. وتبين أن وودي ألن يريد أن يفوق ما يحصل عليه، المكافأة التي جنتها زوجته السابقة، ميا فارو، مقابل كتابتها مذكراتها التي تسببت له في فضائح كثيرة. وقد كتبت مجلة (شبيجل) الواسعة الانتشار أن دور النشر الألمانية تتعرض إلى أزمة خانقة بفعل الحالة الاقتصادية المتردية، وعدم توقع انتعاش اقتصادي في الوقت الراهن، ما يجعل القارئ يتردد كثيرًا في شراء الكتب، أكثر من أي وقت مضى. وفي ظل هذا المزاج المتردي، لم تتكرر الاحتفالات الضخمة التي اعتادها الناشرون القادمون من جميع أنحاء العالم. كما يتيح المعرض الفرصة الفريدة للمترجمين للقاء بالمؤلفين، الذين ينقلون كتبهم إلى اللغات الأخرى. كما يتم التفاوض على اندماج دور النشر، والتنسيق بين إحدى دور النشر الأوروبية ونظيرتها الأمريكية. وقد طالبت وزيرة الثقافة الألمانية برفع مكافآت المترجمين، «لأن ما يحصل عليه المترجم، أقل من أجر عامل النظافة». كما أن هناك صالة كاملة لعرض مستلزمات دور النشر، من برامج كمبيوتر حديثة، توفر ترتيب الكتب بطريقة تكفل العثور عليها في أسرع وقت، ومخازن مصنوعة من الأخشاب أو البلاستيك أو غيرها، والملصقات التي توضح السعر، وأكياس بيع الكتب. ولكن الركن الذي يأخذ الألباب هو قسم أوراق الهدايا، والخيوط والأشرطة المستخدمة في ربطها، والملصقات الورقية التي تحتوي على اسم المكتبة، وأي شيء يخطر على بال المشتري لإهداء هذا الكتاب. ومن العدل أن نشير إلى أن سعر القصة متوسطة الحجم لا يقل عن 20 يورو، أي حوالي 80 ريالاً، ولكن نوعية الأوراق، وكيفية لصقها معًا، والغلاف الفاخر، والرسومات الموحية بمضمون القصة، والملخص الجذاب على ظهر القصة، وأهم المعلومات عن المؤلف في ظهر الغلاف، علاوة على وجود ورقة خارجية لحفظ الغلاف، تكون هي نفسها تحفة فنية، من ناحية الجودة، والأناقة وتناسق الألوان، بحيث تستمتع في أثناء القراءة. فلا أخطاء مطبعية على الإطلاق، ولا نقطة حبر هنا أو هناك، ولا غلاف يتغير لونه بفعل عرق اليد في أثناء القراءة، ولا أوراق منفصلة عن بقية الكتاب. العالم العربي ضيف العام القادم لست أعرف إذا كانت هذه بشرى أزفها إلى القارئ، أم تحذير مما سيحدث؟ فقد وقع الاختيار على العالم العربي ليكون ضيف معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت لعام 2004، وسبب تخوفي هو ما ذكره رئيس المعرض السيد فولكر نويمان، من أن عدد الكتب العربية المترجمة إلى الألمانية حاليًا، يتراوح بين 500 كتاب من بين 125.000 كتاب مترجم من العديد من اللغات. وأن ترجمة هذه الكتب العربية جاءت بتمويل من وزارة الخارجية الألمانية، ومن مؤسسات سويسرية!!!! ومن اشتغل في حقل الترجمة، يعرف أنه لم يعد من الوقت الكثير، لاستدراك هذا الخلل، لو أردنا أن نعرض للعالم إنتاجنا الثقافي والفكري، ونسعى إلى تصحيح الصور المنتشرة عنا في الغرب، من جراء بعض الكارهين لنا لأسباب معروفة، وبفضل جهل بعضنا في كيفية تصحيح هذه الصورة. المطلوب لجان لا يهدف أعضاؤها إلى الحصول على بدلات، بل إلى اختيار الكتب المطلوب ترجمتها بأسرع ما يمكن، واعتماد مترجمين ظهرت كفاءتهم. ولنا في تجربة وزارة التربية والتعليم السعودية قدوة حسنة، إذ استطاعت في زمن قياسي توفير كتاب (صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم)، بالعديد من اللغات. ومادام الأمر لا يقتصر على الكتب بل يحتاج إلى محاضرات، وندوات ومناقشات كثيرة، فلابد من التفتيش عن المحاضرين الذين يتقنون اللغة الألمانية في مختلف القضايا، وإبلاغهم من الآن بوضع تصور شامل لهذه الأنشطة، بعيدًا عن أسلوب الدفاع السقيم، الذي يخلو من الحجج، بل يسعى إلى نفي الاتهامات، من خلال القول بأنها غير صحيحة فقط، كما ورد في كلمة أحد المسؤولين العرب، في مناسبة الإعلان عن حصول العالم العربي على ضيافة معرض الكتاب، حيث قال في كلمته: «إننا نلحظ اليوم في العالم الغربي صورة أحادية التفكير، مشتقة من قوى استشراقية ترى العالم العربي بتاريخه العريق، وحاضره بل ومستقبله، مجرد كتلة منعزلة عن بقية العالم، وهي القوى نفسها التي ترى في الإسلام كتلة صماء، وتجعل الإسلام والثقافة العربية مصطلحين مترادفين، بحيث تختزلهما في إطار ضيق من الإرهاب المتطرف». كما أقترح انتقاء مجموعة من المسؤولين المشاركين في المعرض، من النوع الذي يعرف معنى العمل كفريق، بحيث لا يكون حديث أفرادها دومًا، عبارة عن شكوى من عدم تعاون الآخرين معهم، وأن وزارتهم لم تبلغهم بالحضور إلا قبل السفر بأسبوعين، وأن كل الإيجابيات التي يمكن أن تكون موجودة، هي من جهودهم الذاتية وحدهم. كما يجب انتقاء الكتب بعناية، بحيث تكون خير واجهة لعالمنا العربي، الذي لا تتفق بلدانه في كل شيء، ولكنه بالرغم من ذلك قادر على أن يقوم بعمل مشترك، يشاهده زوار المعرض البالغ عددهم حوالي 400 ألف شخص، لا لكي تتبدل آراؤهم، بل يكفي أن تهتز قناعاتهم بالأحكام المسبقة الجائرة على وطننا العربي. وأعود إلى معرض هذا العام، وأفكر لحظة في الساعات الست التي مشيتها، وتمنيت لو كانت الخطوة بنصف حسنة، لكنت اليوم جمعت جبلاً من الحسنات. وأنظر من الشرفة الكبيرة من أعلى الصالة رقم 5، لأرى عالمًا مختلط الألوان والأشكال، فيه التي ترتدي النقاب، والتي تلبس الساري الهندي، والتي قررت الاكتفاء بورقة التوت، وفيه الرجال الذين يلبسون العمائم، ومن يرتدون الزي الأفغاني، ومن يلبس البدلة الداكنة، ومن يلبس الجينز. تشعر أن المعرض قد أصبح أممًا متحدة، لكن دون مجلس أمن جائر، ولا فيتو ظالم، ولا حروب ولا منازعات، بل هو عالم سلمي. لعل ذلك هو الحل، ألم يرد في أول كلمة نزلت من السماء )اقرأ(. فهيا بنا نقرأ. (من كتاب: Japanese Schooling: Patterns of Socialization, Equality, and Political control. Ed By: James J. Shields. Jr) يلتحق أكثر من 90% من الأطفال في سن الطفولة المبكرة برياض الأطفال في اليابان. وتندرج هذه الرياض تحت نوعين: أكاديمي وغير أكاديمي. وتعد مرحلة رياض الأطفال في اليابان هي الطريق للتحول من التربية غير المنضبطة المدللة التي يتعرض لها الطفل في المنزل إلى التربية الصارمة في الابتدائية حيث يشترك من أربعين إلى خمسين طفلاً في مدرسة واحدة وحيث تخضع الرغبات الفردية للاحتياجات الجماعية. يذهب الأطفال إلى الروضة من سن الثالثة أو الرابعة إلى سن السادسة وهناك ما يربو على 60 ألف روضة 60% منها غير حكومي و40% منها حكومية. وسنركز هنا على طرق تكوين القيم داخل الروضة وبالتحديد دور الروضة والمعلمة في تنمية السلوك التعاوني بين أطفال الروضة. (قامت بهذا البحث: كاترين لويس واستخدمت أسلوب الملاحظة عبر زيارتها لخمس عشرة روضة). فصل الروضة: من المدهش أن معدل الأطفال للمعلمات كان عاليًا ففي كل فصل كان هناك حوالي ثلاثين إلى أربعين طفل لكل معلمة واحدة! وفقط بين الخمس عشرة روضة الداخلة في الدراسة كان هناك روضتان بمعلمة إضافية! كل من يدرس من النساء ويقضي الأطفال من ساعتين ونصف إلى خمس ساعات في الروضات. تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة في الفصل: يقسم الطلاب إلى مجموعات من تسعة أطفال إلى عشرة أطفال بشكل دائم اعتمادًا على قبولهم لبعضهم بعضًا وليس اعتمادًا على معايير علمية كالذكاء أو المهارات. وكل مجموعة من المجموعات لديها طاولتها الخاصة المشتركة وتنظم المعلمة المشاريع التي يقومون بها. كل مجموعة لها اسم. المكافآت والتشجيع لا تعطى للأطفال كأفراد بل للمجموعة والعمل الذي يسند للمجموعة يتطلب عملهم بعضهم مع بعض. مثلاً في إحدى المجموعات طلبت المعلمة أن يقوموا برسم قصة معينة، بحيث تقسم خطوات القصة على أفراد المجموعة وبذا أصبح عمل كل واحد يترتب على عمل الآخر وهكذا. هذا يتطلب أن يتفق الأطفال على قصة معينة ثم يتفقون على تقسيمها بينهم وقبل البدء في أي عمل جماعي تطلب المعلمة من كل مجموعة أن يمسكوا بعضهم بأيدي بعض البعض وأن يغمضوا أعينهم ثم يفكروا في الآخرين وبعدها يبدؤون عملهم. عندما يسأل الأطفال سؤالاً تطلب المعلمة منهم أن يعودوا إلى أفراد مجموعاتهم لسؤالهم بقولها: اسأل الأطفال الآخرين في مجموعتك وتذكر أن تعمل الصورة التي تناسب سياق القصة الجماعية. أدوات اللعب: تميزت المكعبات في الروضات بالحجم الهائل بحيث لا يمكن لطفل واحد أن يحركها بنفسه مما يستلزم أن يتعاون أكثر من طفل لعمل شكل معين! أدوات الرسم: توزع على المجموعة بحيث يكون عدد الأقلام والفرشات أقل من عدد المجموعة لماذا؟ حتى يقوم الأطفال بطلب المعاونة من الآخرين وهكذا يجبرون على التفاعل. كذلك عليهم تعلم انتظار دورهم كما أنهم يتعلمون الحذر عند التقاط الفرشاة حتى لا تتطاير الألوان على الآخرين وهذا يحدده موقع أدوات الرسم والفراشي والذي يوضع في وسط الطاولة. أكدت المعلمات أنهن يقمن أحيانًا بسحب بعض الألعاب لتنقص عن عدد الأطفال فيتعلموا التعاون. تقليل روح المنافسة في الحصول على انتباه المعلمة: لم يكن هناك تنافس واضح بين الأطفال للحصول على انتباه المعلمة؛ ربما لأن السلطة والمسؤولية أعطيت للأطفال أصلاً. هناك متابعة جماعية وملاحظات جماعية تصدرها المعلمة معظم الوقت. استراتيجيات للسيطرة على سلوك الأطفال: كيف تقوم الروضة بتحويل الطفل من وسط بيئته المنزلية المدللة إلى عالم المدرسة؟ التقليل من الإحساس بسلطة أو وجود المعلمة: كانت الأصوات والضحكات وسط المجموعات عالية، أعلى من الحد الذي يمكن أن يوجد في أي مدرسة أمريكية أو بريطانية دون أن يضايق ذلك المعلمة التي كانت تحاول التقليل من استخدام سلطتها داخل الفصل حتى الحد الأدنى. لم يكن من الضروري أن تكون المعلمة موجودة مع الأطفال دائمًا فهي تفترض قدرتهم على السيطرة على أنفسهم وسلوكهم! وفي الحقيقة لاحظت الباحثة أنه ربما توجد بعض الأدوات الخطرة كالمقصات والمساطر التي يمكن أن تؤذي الأطفال لكن حين سألت الباحثة المعلمة: ألا تعتقدين أن الأطفال قد يستخدمونها لإيذاء بعضهم ذهلت المعلمة من السؤال ومن افترض أن الأطفال قادرون على الإيذاء أصلاً! فالأطفال في الثقافة اليابانية لا يميلون داخليًا إلى الخطأ أو الإيذاء! في إحدى المرات وكانت المعلمة تقف أمام حوض السمك وكان بعض الأطفال يقومون برمي قطع الصلصال في الحوض. ذكرت المعلمة أن الصلصال يمكن أن يؤذي السمك لكنها لم تطلب من الأولاد التوقف كما أنهم لم يتوقفوا! في حديث المعلمة للفصل كله في آخر اليوم قالت المعلمة إن بعض الأولاد ظنوا أنهم يساعدون السمك بإلقاء الصلصال عليه كطعام ولكن هذا في الحقيقة يضر بالسمك! تفويض السلطة من المعلمة إلى الأطفال: كان الأطفال في الغالب مسؤولين عن تنظيم المجموعات والإشراف على تنفيذ المشاريع وحتى حل الإشكالات داخل المجموعات. مثلاً: الذهاب إلى المنزل في نهاية الدوام: تذكر المعلمة الأطفال بأنها ليست بحاجة إلى تذكيرهم بمسؤوليتهم وهو النظر إلى الساعة ومعرفة الوقت والاستعداد للخروج من المدرسة! وقد شوهد الأطفال يبحثون عن بعضهم للغداء أو يشرفون على إنهاء المشروع أو يحثون بعض الأطفال الغافلين أو المهملين على إنهاء عملهم... إلخ. المعلمات يدربن الأطفال على الإشراف على عملهم وحل مشكلاتهم بأنفسهم: مثلاً: طفل كان يقوم بإلقاء الأحجار البلاستيكية من ركن المنزل: توجه له أحد الأطفال ليخبره أن هذا قد يسقط على أحد الأطفال لكن الطفل العنيد لم يرتدع واستمرفي إلقاء الأحجار. أرسلت المعلمة طفلتين لإقناعه وطلبت منهن العودة وإخبارها بالنتيجة! في إحدى المرات وفي الملعب الخارجي: تخاصم ولدان وبدأ شد الشعر والضرب! المعلمة كانت تقف من بعيد. حين سألها طفل لماذا يتخاصم الاثنان؟ قالت له المعلمة: إذهب وأسألهما. شجعت المعلمة طفلين آخرين ممن كانا يراقبان العراك على أن يتدخلا ويسألا الطفلان لماذا الشجار؟ عاد الطفلان إليها: قالت لهما أنتما الآن من يعنى بالأطفال قررا ماذا تستطيعان أن تفعلا لوقف الصراع والتفتت وإدارت ظهرها. حاول الصبيان أن يدفعا بالطفلين المتعاركين إلى الاعتذار بعضهما إلى بعض دون جدوى. هنا طلبت المعلمة من فتاة أخرى أن تذهب للمساعدة ولتربت على كتفي الصبيين حتى يهدآ واقترحت عليها أن تأخذ معها فتاة أخرى، أخبرت المعلمة الجميع أنها لن تتدخل وعلى الفصل أن يجد حلاً لمشاكله! بدأت الفتاتان تتحدثان مع الولدين طالبتين منهما الاعتذار. قامت المعلمة الآن بوضع دائرة حول الصبيين المتصارعين وأدخلت فيها كل من قام بمساعدتهم في حل المشكلة في حين طلبت من الباقين أن يذهبوا للغسيل استعدادًا للعودة للمنزل. من يوجد في داخل الدائرة من الأطفال الآخرين حاول تهدئة المتصارعين. أمسكوا بأيدي بعضهم كحلقة، اعتذر البعض وبشكل جماعي. من بعيد تقف المعلمة وتراقب: قالت لباقي الفصل يبدوا أن المشكلة حلت. أحد الصبية من المتخاصمين ظل يبكي رغم ذلك. قالت له المعلمة إنها مشكلتك الآن. لقد انتهت المشكلة واعتذر الجميع. قرر متى تريد الانتهاء. بعد أن استعد الأطفال للخروج جلسوا في الحلقة الأخيرة: تحدثت المعلمة بإسهاب عن الحادثة وأسماء الولدين وكيف تضاربوا وكيف تدخل الآخرون، وناقش الأطفال في هدوء المسألة ليصلوا إلى نتيجة أنه لو اعتذر أحدهم من الأول لما حدثت المشكلة! هذا كله والأهالي ينتظرون خارج المدرسة بعد أن تجاوزت المعلمة والأطفال وقت خروج المدرسة بنصف ساعة! إتاحة الفرصة لتنمية الشعور بالذات: بالإضافة إلى المسؤوليات غير الرسمية الملقاة على عاتق الأطفال في إدارة الصف. معظم الروضات لها ما يسمى Monitories (ملاحظون) من الأطفال أنفسهم وهم المسؤولون عن بعض الأدوار الظاهرة مثل توزيع الشاي على الأطفال في فترة الغداء، اتخ اذ القرار داخل المجموعات فيما يخص من انتهى من عمله والانفضاض من المجموعة والبحث عن الأطفال المختفين... إلخ! وهكذا تساعد المعلمة الأطفال على إنشاء علاقات داخل المدرسة معتمدة على الأطفال الآخرين وليس عليها. مثلاً في إحدى المرات: إحدى المجموعات لم تنه عملها لأنهم أخذوا في اللعب وتركوا علمهم. استشارت المعلمة باقي المجموعات عن ماذا نعمل إذا لم تستطع المجموعة أن تقنع بعض أفرادها بالعمل الجماعي. أحد الأطفال اقترح أن يقوم باقي أفراد المجموعة بالصراخ بصوت عال على الأطفال الذين يلتهون باللعب، وهذا الحل لا يركز على العقاب وإنما على استراتيجية لتنمية روح العمل التعاوني بين وداخل المجموعات المختلفة. محاولة تجنب فكرة أن الأطفال يسيئون السلوك بطبعهم: مثلما فعلت المعلمة مع الأطفال الذين قاموا بإلقاء الصلصال في حوض السمك فهي لا ترجع خطأ الأطفال إلى رغبة الأطفال في الإساءة أو إلى دوافع داخلية. السلوك الخطأ كما تراه المعلمة اليابانية هو (خارجي) عن الطفل وغريب عليه ولذا فهي تعمد إلى استراتيجية شرح السلوك الصحيح المتوقع. الأطفال يخطئون لأنهم قد ينسون الوعود التي قطعوها على أنفسهم أو أنهم لم يفهموا ما هو الصح. ولذا فوسائل الضبط المستخدمة من قبل المعلمة تأخذ في أكثر الأحيان طريقة الشرح المبسط للسلوك المناسب أو مجموعة من الأسئلة المتتالية التي تبني على فرضية أن الأطفال لا يمكن أن يقدموا على الخطأ وهم يعرفون! مثلاً طفل قام بإخفاء حذاء طفل آخر كان يقوم بغسل رجليه. قامت المعلمة بتوجيه عدد من الأسئلة إليه: هل طلب منك (اسم الطفل) أن تحرك الحذاء من مكانه؟ ماذا يحدث لو كنت تغسل قدميك وانتهيت ولم تجد حذاءك؟ هل تعلم أنه سيكون ألطف مساعدة بين في العثور على حذائه؟ واختتمت المعلمة تساؤلاتها بالآتي: هذه المرة انتهت ولكن حاول أن تتذكر كل ذلك المرة القادمة. حادثة أخرى حينما هم طفل برمي مكعب كبير على طفل آخر. أسرعت المعلمة وطلبت (استعارة) الحجر من الطفل! ثم قامت بتمثيل ما يمكن أن يحدث لو سقط هذا الحجر على رأس الطفل الآخر يلمس رأس الطفل نفسه. المعلمة بعد ذلك أعادت الحجر لنفس الطفل وطلبت منه أن يحمله بعناية. المعلمة لم تطلب من الطفل أن يضع الحجر أو أوحت إليه أنه كان يهم بإيذاء الطفل الآخر ولم تعطه أية توجيهات أخلاقية مباشرة! حينما سألت الباحثة المعلمات عن طرقهن في التعامل مع السلوك الخطأ، كانت إجابة المعلمات المتكررة أن المتعة في المدرسة هي المفتاح السحري للسلوك الجيد لدى الأطفال. الارتباط العاطفي بين المعلمة والطفل والصداقة مع الأطفال الآخرين كانا عاملين أساسيين للتمتع بالمدرسة. ومن التقنيات المستخدمة لبناء علاقة طيبة بين الطفل والمعلمة: إبقاء المعلمة مع الطفل لسنتين أو ثلاث وكذلك زيارات المعلمة لمنزل الطفل. كما تبذل المعلمات والإدارة جهودًا كبيرة في أول العام لبناء المجموعا